طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

17683

أسباب صلاح الأسرة (4) تعهد المساجد

المكان : المملكة العربية السعودية / الرياض / بدون / بدون /
تاريخ الخطبة : 1441/02/10
تاريخ النشر : 1441/07/16
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/مكانة المسجد في الإسلام 2/المسجد في عهد الرسول والسلف وحالنا اليوم معها 3/الوسائل العملية التربوية في المسجد لإصلاح الأسرة
اقتباس

وَمِنَ الْمَسْجِدِ يَخْرُجُ الرِّجَالُ الْأَفْذَاذُ الَّذِينَ يَبْنُونَ الدُّوَلَ وَالْحَضَارَاتِ…وَمِنَ الْمَسْجِدِ كَانَتْ تُعْقَدُ الْأَلْوِيَةُ وَتَنْطَلِقُ الْجُيُوشُ فَاتِحَةُ الْأَمْصَارِ مُجَاهِدَةً فِي سَبِيلِ اللهِ لِإِعْلَاءِ كَلِمَتِهِ…وَفِي الْمَسْجِدِ كَانَتْ تَتَرَبَّى الْأَجْيَالُ الْمُؤْمِنَةُ الَّتِي أَقَامَتْ صَرْحَ الْإِسْلَامِ وَحَمَلَتْ لِوَاءَهُ… وَفِيهِ كَانَتِ الْمَدَارِسُ الَّتِي دُرِسَ فِيهَا التَّفْسِيرُ وَالْحَدِيثُ وَالْفِقْهُ وَغَيْرُهَا مِنَ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى مَرِّ الْعُصُورِ…

الْخُطْبَةُ الْأُولَى:

 

الْحَمْدُ للهِ؛ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران:102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً)[النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً)[الأحزاب:70-71]، أَمَّا بَعْدُ:

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُ: إِذَا أَرَدْتَ الْمُحَافَظَةَ عَلَى أَجْسَامِ أَوْلَادِكَ وَصِحَّتِهِمْ فَلَا تُخْرِجْهُمْ فِي يَوْمٍ بَارِدٍ مَطِيرٍ إِلَّا وَقَدْ لَبِسُوا مِنَ الْمَلَابِسِ مَا يَحْمِيهِمْ مِنَ الْمَطَرِ وَالصَّقِيعِ، وَإِنْ لَمْ يَتَحَتَّمِ الْخُرُوجُ فَاتْرُكْهُمْ يَنْعَمُونَ بِالدِّفْءِ وَالْأَمَانِ دَاخِلَ الْبَيْتِ؛ فَإِنَّ فِي هَذَا حِفَاظًا عَلَى أَبْدَانِهِمْ، كَذَلِكَ فَإِنْ أَرَدْتَ الْحِفَاظَ عَلَى قُلُوبِ أَطْفَالِكَ وَعُقُولِهِمْ، وَإِذَا أَرَدْتَ تَحْصِينَ نُفُوسِهِمْ وَصِيَانَتَهَا مِنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ؛ فَلَنْ تَجِدَ مَكَانًا أَصْلَحَ لِتِلْكَ الْمُهِمَّةِ مِنَ الْمَسْجِدِ؛ فَعَلَيْكَ بِهِ.

 

عِبَادَ اللهِ: إِنَّ لِلْمَسَاجِدِ فِي الْإِسْلَامِ الْمَكَانَةَ السَّامِقَةَ الَّتِي لَا تُوَازِيهَا مَكَانَةٌ؛ فَالْمَسَاجِدُ فِي الْإِسْلَامِ هِيَ أَحَبُّ بِقَاعِ الْأَرْضِ إِلَى اللهِ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: “أَحَبُّ الْبِلَادِ إِلَى اللهِ مَسَاجِدُهَا…”(رَوَاهُ مُسْلِمٌ)؛ “لِأَنَّهَا بُيُوتُ الطَّاعَاتِ وَأَسَاسُهَا عَلَى التَّقْوَى”(شَرْحُ النَّوَوِيِّ عَلَى صَحِيحِ مُسْلِمٍ).

 

وَالْمَسَاجِدُ هِيَ بُيُوتُ الْأَتْقِيَاءِ وَمُسْتَقَرُّهُمْ؛ فَعَنْ أَبِي عُثْمَانَ، أَنَّ سَلْمَانَ كَتَبَ إِلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ: يَا أَخِي، عَلَيْكَ بِالْمَسْجِدِ فَالْزَمْهُ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: “الْمَسْجِدُ بَيْتُ كُلِّ تَقِيٍّ“(مُسْنَدُ الْبَزَّارِ، وَحَسَّنَهُ الْأَلْبَانِيُّ).

 

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: وَلَمَّا أَدْرَكَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَنْزِلَةَ الْمَسْجِدِ؛ كَانَ أَوَّلُ عَمَلٍ قَامَ بِهِ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَحْظَةَ دُخُولِهِ الْمَدِينَةَ الْمُنَوَّرَةَ عِنْدَ الْهِجْرَةِ هُوَ تَحْدِيدُ مَكَانِ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ؛ لِيَكُونَ الدِّعَامَةَ الْأُولَى فِي بِنَاءِ الدَّوْلَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ النَّاشِئَةِ، وَمِنَ الْمَسْجِدِ كَانَتْ تُعْقَدُ الْأَلْوِيَةُ وَتَنْطَلِقُ الْجُيُوشُ فَاتِحَةُ الْأَمْصَارِ مُجَاهِدَةً فِي سَبِيلِ اللهِ لِإِعْلَاءِ كَلِمَتِهِ، وَأَنَّهُ مَدْرَسَةٌ تُخَرِّجُ الرِّجَالَ الْأَفْذَاذَ الَّذِينَ يَبْنُونَ الدُّوَلَ وَالْحَضَارَاتِ، وَهَكَذَا سَلَكَ صَحَابَتُهُ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَئِمَّةُ السَّلَفِ فِي الْعُصُورِ الْمُفَضَّلَةِ.

 

فِي الْمَسْجِدِ كَانَتْ تَتَرَبَّى الْأَجْيَالُ الْمُؤْمِنَةُ الَّتِي أَقَامَتْ صَرْحَ الْإِسْلَامِ وَحَمَلَتْ لِوَاءَهُ، وَهُوَ الْمَدْرَسَةُ الَّتِي تُعُلِّمَ فِيهَا التَّفْسِيرُ وَالْحَدِيثُ وَالْفِقْهُ، وَغَيْرُهَا مِنَ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى مَرِّ الْعُصُورِ، بَدْءًا مِنَ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، مُرُورًا بِمَسَاجِدِ الْعِرَاقِ وَأَزْهَرِ مِصْرَ وَزَيْتُونَةِ تُونُسَ، ثُمَّ إِلَى الْآنَ فِي مَسَاجِدِ الْأَرْضِ قَاطِبَةً مَا زَالَتِ الْمَسَاجِدُ مِشْعَلَ النُّورِ وَالْهِدَايَةِ وَمَدَرْسَةَ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ، وَفِي الْمَسَاجِدِ كَانَتْ تُعْقَدُ مَجَالِسُ الْقَضَاءِ وَالْفَتْوَى، وَفِيهِ كَانَتْ مَجَالِسُ الشُّورَى فِي أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ.

 

فَحَرِيٌّ بِالْأُسَرِ الْمُسْلِمَةِ أَنْ يَكُونَ مُنْطَلَقُهَا فِي كُلِّ أَعْمَالِهَا الْمَسْجِدَ، وَأَنْ يَكُونَ أَفْرَادُهَا مُعَلَّقَةً قُلُوبُهُمْ بِالْمَسَاجِدِ؛ فَإِذَا أَهَمَّهُمْ أَمْرٌ هَرَعُوا إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَإِذَا فَدَحَهُمْ خَطْبٌ فَزَعُوا إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَإِذَا اجْتَمَعُوا لِخَوْفٍ أَوْ رَجَاءٍ كَانَ اجْتِمَاعُهُمْ تَحْتَ رَايَةِ الْإِسْلَامِ فِي الْمَسَاجِدِ؛ إِذًا لَصَلَحَتْ أَحْوَالُهُمْ وَسَمَتْ نُفُوسُهُمْ وَنَبَغَ أَطْفَالُهُمْ.

 

أَيُّهَا الْآبَاءُ الْعُقَلَاءُ: لَمَّا كَانَ لِلْمَسْجِدِ هَذِهِ الْمَكَانَةُ السَّامِقَةُ السَّامِيَةُ فِي دِينِنَا؛ فَإِنَّ أَفْضَلَ طَرِيقٍ لِتَنْشئَةِ أَوْلَادِنَا عَلَى الِاسْتِقَامَةِ هِيَ أَنْ تُرْبَطَ قُلُوبُهُمْ بِهَا، وَلِذَلِكَ أَهَمِّيَّةٌ عُظْمَى وَتَأْثِيرٌ كَبِيرٌ عَلَى تَنْشِئَةِ الْأَطْفَالِ؛ فَإِنَّا نَقُولُهَا وَاثِقِينَ فِي غَيْرِ مَا تَرَدُّدٍ:

لَا يُصْنَعُ الْأَبْطَالُ إِلَّا *** فِي مَسَاجِدِنَا الْفِسَاحِ

فِي رَوْضَةِ الْقُرْآنِ فِي *** ظُلَلِ الْأَحَادِيثِ الصِّحَاحِ

فِي صُحْبَةِ الْأَبْرَارِ مِمَّنْ *** فِي رِحَابِ اللهِ سَاحِ

 

فَأَوَّلًا: إِنَّ الْمَسْجِدَ هُوَ مَحَلُّ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ الَّتِي تَتَرَقَّى بِالرُّوحِ عَنِ الشَّهَوَاتِ، وَتَعْصِمُهُمْ مِنَ النَّزَوَاتِ الَّتِي تُعَرْقِلُهُمْ عَنْ مَعَالِي الْأُمُورِ وَتَجُرُّهُمْ إِلَى الْوَحْلِ وَالطِّينِ، أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ)[العنكبوت: 45]، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ: “فِي الصَّلَاةِ مُنْتَهًى وَمُزْدَجَرٌ عَنْ مَعَاصِي اللهِ”(تَفْسِيرُ الْخَازِنِ)، فَإِذَا جَعَلْنَا أَوْلَادَنَا يُوَاظِبُونَ عَلَى صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ فَقَدْ سَاعَدْنَاهُمْ عَلَى تَهْذِيبِ أَرْوَاحِهِمْ وَالسُّمُوِّ بِنُفُوسِهِمْ عَنْ سَفَاسِفِ الْأُمُورِ، وَتِلْكَ مَا نَفْتَقِدُهَا فِي كَثِيرٍ مِنْ شَبَابِ الْأُمَّةِ الْيَوْمَ.

 

وَثَانِيًا: فِي الْغُدُوِّ وَالرَّوَاحِ إِلَى الْمَسَاجِدِ تَنْظِيمٌ لِلْأَوْقَاتِ وَتَجْدِيدٌ لِلنَّشَاطِ وَاسْتِثْمَارٌ لِلْأَعْمَارِ؛ فَحِينَ نُعَلِّمُ الْوَلَدَ أَنَّ فِي خُطُوَاتِهِ إِلَى بَيْتِ اللهِ رَفْعًا لِدَرَجَاتِهِ وَمَحْوًا لِسَيِّئَاتِهِ؛ فَإِنَّهُ يَكُونُ بِتِلْكَ الْخُطُوَاتِ مُسْتَبْشِرًا نَشِطًا مُقْبِلًا عَلَى رَبِّهِ، وَحِينَ يَنْتَهِي مِنَ الصَّلَاةِ يَكُونُ قَدْ عَقَدَ الْعَزْمَ عَلَى أَمْرٍ يَنْفَعُهُ؛ إِمَّا مُذَاكَرَةٌ لِدُرُوسِهِ أَوْ مُدَارَسَةٌ لِلْعِلْمِ فِي الْمَسْجِدِ، أَوْ أَدَاءُ وَاجِبٍ شَرْعِيٍّ أَوِ اجْتِمَاعِيٍّ؛ كَزِيَارَةِ مَرِيضٍ أَوِ اتِّبَاعِ جَنَازَةٍ؛ فَيَعُودُ وَقَدْ أَثْمَرَ مَجْمُوعُ تِلْكَ الْأَعْمَالِ فِي قَلْبِهِ طُمَأْنِينَةً وَسَكِينَةً وَرِضًا، وَهُوَ مَا يُسَمُّونَهُ فِي عَصْرِنَا بِالصِّحَّةِ النَّفْسِيَّةِ.

 

وَثَالِثًا: فَإِنَّ الْمَسْجِدَ مَحَلُّ غَرْسِ الْعَقِيدَةِ فِي أُصُولِ الْقُلُوبِ؛ فَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ مُجَرَّدَ الدُّرُوسِ النَّظَرِيَّةِ لَا تَكْفِي وَحْدَهَا لِتَصْنَعَ شَابًّا مُؤْمِنًا بِعَقِيدَتِهِ مُوقِنًا بِهَا؛ بَلْ لَا بُدَّ مَعَ التَّلَقِّي النَّظَرِيِّ مِنْ تَعْمِيقٍ رُوحِيٍّ يَغْرِسُ هَذِهِ الْعَقِيدَةَ فِي جُذُورِ الْقُلُوبِ، وَهَذَا لَا يَكُونُ وَلَنْ يَكُونَ إِلَّا فِي بُيُوتِ اللهِ.

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: ذَلِكُمْ هُوَ حَالُ النَّبِيِّ الْكَرِيمِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَصَحَابَتِهِ وَتَابِعِيهِمْ مَعَ الْمَسَاجِدِ؛ حَيْثُ رَعَوْا لَهَا حَقَّهَا وَرَبَّوْا فِيهَا أَبْنَاءَهُمْ وَنِسَاءَهُم؛ فَصَنَعُوا أُسَرًا صَالِحَةً مُصْلِحَةً تُحِبُّ الْخَيْرَ وَتَدْعُو إِلَيْهِ، وَتُبْغِضُ الشَّرَّ وَتُحَذِّرُ مِنْهُ. أَمَّا النَّاظِرُ إِلَى حَالِنَا الْيَوْمَ فَقَدْ أَصْبَحَتِ الْمَسَاجِدُ تَشْتَكِي تَقْصِيرَ الْمُسْلِمِينَ فِي حُضُورِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ فِيهَا؛ حَتَّى أُقْصِيَتْ مِنْ دَوْرِهَا الْحَقِيقِيِّ فِي تَرْبِيَةِ الْفَرْدِ وَالْأُسْرَةِ وَالْمُجْتَمَعِ وَالْأُمَّةِ.

 

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ؛ فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

 

 

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:

 

الْحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ، أَمَّا بَعْدُ:

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: كُلُّنَا يَوَدُّ أَنْ لَوْ تَعَلَّقَتْ قُلُوبُ أَبْنَائِهِ بِالْمَسَاجِدِ، لِيَكُونُوا مِنَ السَّبْعَةِ الَّذِينَ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّ عَرْشِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ فَإِنَّ مِنْهُمْ: “رَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ بِالْمَسَاجِدِ”، أَلَا وَإِنَّ لِنَيْلِ ذَلِكَ أَسْبَابًا كَثِيرَةً؛ فَمِنْ ذَلِكَ:

 

اصْطِحَابُ الِابْنِ إِلَى الْمَسْجِدِ؛ فَمَنْ كَانَتْ نَشْأَتُهُ فِي الْمَسْجِدِ طَابَ عُودُهُ صَبِيًّا، وَحَسُنَ خُلُقُهُ يَافِعًا، وَاكْتَمَلَ بِنَاؤُهُ شَابًّا، وَفَاضَ خَيْرُهُ كَهْلًا، وَأَنَابَ وَأَخْبَتَ شَيْخًا؛ فَإِنْ عَوَّدْتَ ابْنَكَ عَلَى الْمَسْجِدِ وَاصْطَحَبْتَهُ فِي صَلَوَاتِكَ صَغِيرًا فَإِنَّهُ يَظَلُّ وَيَسْتَمِرُّ -فِي الْغَالِبِ الْأَعَمِّ- عَلَى مَا عَوَّدْتَهُ طَوَالَ عُمُرِهِ، وَقَدِيمًا قَالُوا:

وَيَنْشَأُ نَاشِئُ الْفِتْيَانِ فِينَا *** عَلَى مَا كَانَ عَوَّدَهُ أَبُوهُ

 

وَمِنْهَا: تَرْغِيبُهُ فِي الْأَجْرِ مِنَ اللهِ: وَهَذِهِ تَضْمَنُ لَنَا أَنْ يُدَاوِمَ الطِّفْلُ طَوَالَ عُمُرِهِ عَلَى زِيَارَةِ الْمَسَاجِدِ، بِشَرْطِ أَنْ نُعَمِّقَ إِحْسَاسَهُ بِمَثُوبَةِ اللهِ وَعَطَائِهِ حَتَّى يَخْرُجَ إِلَى الْمَسْجِدِ وَهَمُّهُ الْأَكْبَرُ مَرْضَاةُ اللهِ وَأَجْرُهُ، ثُمَّ نَتَرَقَّى بِهِ حَتَّى يَصِيرَ ذَلِكَ هَمَّهُ الْأَوْحَدَ -وَلَيْسَ الْأَكْبَرَ فَقَطْ-، وَهَذَا هُوَ الْإِخْلَاصُ الَّذِي يَضْمَنُ الدَّوَامَ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ بِقَوْلِ الْقَائِلِ: “مَا كَانَ للهِ دَامَ وَاتَّصَلَ“.

 

وَمِنْهَا: رَبْطُهُ بِأَنْشِطَةِ الْمَسْجِدِ؛ كَحُضُورِ حَلَقَاتِ التَّحْفِيظِ وَمُسَابَقَاتِ حِفْظِ الْقُرْآنِ أَوِ الْمُسَابَقَاتِ الثَّقَافِيَّةِ أَوْ الِاعْتِكَافِ فِي الْمَسَاجِدِ، أَوِ الْبَرَامِجِ الْعِلْمِيَّةِ وَالْإِيمَانِيَّةِ وَالدَّعَوِيَّةِ، أَوْ صُحْبَهِ أَهْلِ الْمَسَاجِدِ مِنْ مُعَلِّمِي النَّاسِ الْخَيْرَ وَالْقَائِمِينَ عَلَيْهَا.

 

وَمِنْهَا: تَعْظِيمُ شَأْنِ الْمَسْجِدِ فِي قُلُوبِ الْأَبْنَاءِ؛ حَيْثُ إِنَّهَا مِنْ شَعَائِرِ اللهِ الَّتِي هِيَ عَلَامَةُ تَقْوَى صَاحِبِهِ؛ (وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ)[الحج: 32].

 

فَيَا اللهُ نَسْأَلُكَ وَأَنْتَ خَيْرُ الْمَسْئُولِينَ أَنْ تُحْسِنَ لَنَا تَرْبِيَةَ أَوْلَادِنَا، وَأَنْ تُقِرَّ أَعْيُنَنَا بِصَلَاحِهِمْ، وَأَنْ تَنْفَعَنَا بِهِم فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَأَنْ تَجْعَلَ تَرْبِيَتَنَا لَهُمْ خَالِصَةً لِوَجْهِكَ الْكَرِيمِ، لَا نُرِيدُ مِنْهُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا.

 

وَصَلِّ اللَّهُمَّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ.

 

 

الملفات المرفقة
أسباب صلاح الأسرة (4) تعهد المساجد
عدد التحميل 14
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات