طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

17642

محاسن اللسان ومخاطره

المكان : المملكة العربية السعودية / المدينة المنورة / حي المسجد النبوي / المسجد النبوي الشريف /
التصنيف الرئيسي : بناء المجتمع
تاريخ الخطبة : 1441/07/04
تاريخ النشر : 1441/07/05
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/اللسان نعمة عظيمة تستوجب الشكر 2/اللسان صغير الحجم عظيم الخطر 3/بعض آفات اللسان 4/نصائح وتوجيهات 5/ضبط اللسان أصل الخير كله
اقتباس

فكفُّ اللسان وضبطُه أصلُ الخيرِ كلِّه، ومن ملَك لسانَه فقد ملَك أمرَه وأحكَمَه، ومن صمَت نجا، ولا يزال العبدُ سالِمًا ما سكَت، فإن تكلَّم كُتِبَ له أو عليه، وَمَنْ عدَّ كلامَه مِنْ عملِه قلَّ كلامُه فيما لا يعنيه…

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هاديَ له، وأشهد ألَّا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

 

أما بعدُ: فاتقوا الله -عبادَ اللهِ- حقَّ التقوى، فمَنِ اتَّقى ربَّه نجا، ومَنْ أعرَض عن ذِكْره هوى.

 

أيها المسلمون: نِعَمُ اللهِ على العباد لا تُحصَى، (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ)[النَّحْلِ: 53]، واللسان من النِّعَم العظيمة ولطائف صُنْع الله العجيبة، امتَنَّ به على الإنسان فقال: (أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ)[الْبَلَدِ: 8-9]، به العلمُ والبيانُ والتكريمُ لبني آدم، قال تعالى: (الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ)[الرَّحْمَنِ: 1-4]، وكلُّ ما يقولُه العبدُ محفوظٌ في صحائفه وسيلقَى به ربَّه يومَ القيامةِ؛ قال سبحانه: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)[ق: 18]؛ ولذا أمَر اللهُ عبادَه بالقول السديد فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا)[الْأَحْزَابِ: 70].

 

كما أمرَهم بأن يقولوا أطيبَ الكلام وأحسَنه، (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)[الْإِسْرَاءِ: 53]، ومن واجباتِ الإيمانِ حفظُ اللسان إلا من الخير، قال عليه الصلاة والسلام: “مَنْ كان يؤمن بالله واليوم الآخِرِ فليَقُلْ خيرًا أو لِيَصْمُتْ“(متفق عليه)، وامتدَح اللهُ عبادَه المؤمنينَ بالإعراض عن اللغو من القول والعمل فقال: (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ)[الْمُؤْمِنَونَ: 3]، والمسلم مَنْ حَفِظَ لسانَه وبحفظِه تتفاضَلُ منازلُ العبادِ، سئل النبي -صلى الله عليه وسلم-: “أيُّ المسلمينَ خيرٌ؟ فقال: مَنْ سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده“(رواه مسلم)، والجنة جزاء من حفظ لسانه، قال عليه الصلاة والسلام: “مَنْ يضمن لي ما بَيْنَ لَحْيَيْهِ -أي: لسانه- وما بين رجليه -أي: فرجه- أضمن له الجنة“(رواه البخاري).

 

اللسانُ صغيرُ الجِرْم كثيرُ النفعِ، وقد يكون شديدَ الضرر؛ لذا استعاذ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- من شره فقال: “اللهم إني أعوذ بكَ من شر لساني“(رواه أبو داود)، وخافَه صلى الله عليه وسلم على أصحابه وأُمَّتِه، قال سفيان بن عبد الله الثقفي -رضي الله عنه-: “يا رسولَ اللهِ، ما أخوفُ ما تخاف عليَّ؟ فأخَذ بلسان نفسِه ثم قال: هذا”(رواه الترمذي)، وعلى الخوف منه سار الصحابةُ -رضي الله عنهم-، فأخرَج أبو بكر -رضي الله عنه- لسانَه وقال: “هذا الذي أوردني المواردَ“، وكان ابن عباس -رضي الله عنهما- يأخذ بلسانه ويقول: “ويحَكَ قُلْ خيرًا تَغْنَمْ، أو اسكُتْ عن سوء تَسْلَمْ، وإلا فاعلَمْ أنكَ ستندمُ“.

 

اللسان خطره عظيم في الدنيا والآخرة، فكم أفسدت الكلمةُ على أقوام حياتَهم، قال ابن مسعود -رضي الله عنه-: “ليس شيءٌ أحوج إلى طول سَجْن من لسان“، وقد يُهلِكُ الكلامُ صاحبَه حتى يلقَى اللهَ مُفلِسًا، قال عليه الصلاة والسلام: “أتدرون ما المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي وقد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا، وسفك دم هذا وضرب هذا، فيُعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فَنِيَتْ حسناتُه قبل أن يُقضَى ما عليه أُخِذَ من خطاياهم فطُرحت عليه ثم طُرِحَ في النار“(رواه مسلم)، وسئل النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- عن أكثر ما يُدخِلُ الناسَ النارَ فقال: “الفَمُ والفَرْجُ“(رواه الترمذي)، “وإن العبد لَيتكلمُ بالكلمة ما يتبيَّن ما فيها يهوي بها في النار أبعدَ ما بين المشرق والمغرب“(متفق عليه).

 

وأعظمُ آفاتِ اللسانِ دعاءُ غيرِ اللهِ وجَعْلُ نِدٍّ له -سبحانه-، قال تعالى: (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ)[الْأَحْقَافِ: 5]، “ومن مات وهو يدعو من دون الله نِدًّا دخَل النارَ“(رواه البخاري).

 

والله هو المنعِم وحدَه، ومن الشرك نسبة النِّعَم لغيره، قال عليه الصلاة والسلام: “قال الله -تعالى- في الحديث القدسي: أصبَح من عبادي مؤمن بي وكافر؛ فأمَّا مَنْ قال: مُطِرْنَا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمنٌ بي كافرٌ بالكوكب، وأمَّا مَنْ قال: مُطِرْنَا بنوء كذا وكذا، فذلك كافرٌ بي مؤمنٌ بالكوكب“(متفق عليه)، والاستعاذة بغير الله التي لا تزيد صاحِبَها إلا خوفًا وضَعْفًا، قال تعالى: (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا)[الْجِنِّ: 6]، ومن الشرك في القولِ الحلفُ بغير الله، قال عليه الصلاة والسلام: “مَنْ حلَف بغير الله فقد كفَر أو أشرَكَ“، ومن حلَف بملة غير الإسلام كاذبًا متعمدًا فهو كما قال، ومن حلَف بالأمانة فليس مِنَّا، وله -سبحانه- الكمال المطلَق، ومن تسمَّى بأسماء مختصة بالله أذلَّه اللهُ، قال عليه الصلاة والسلام: “وإن أخنَع -أي: أوضَع- اسم عند الله رجل تسمَّى ملكَ الأملاكِ، لا مالك إلا الله“(متفق عليه).

 

والأمرُ لله وحدَه ومشيئةُ غيرِه لا تُقرَن بمشيئته -سبحانه- على جهة التسوية لفظًا أو معنى، قال عليه الصلاة والسلام: “لا تقولوا: ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء فلان“(رواه أبو داود)، والقَدَر قدرة الله، والإيمان به ركن من الإيمان، فلا يقال: “لو أني فعلتُ لكان كذا وكذا؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان“، والتسخُّط على الأقدار بالأقوال مِنْ أمرِ الجاهليةِ، “والنائحة إذا لم تَتُبْ قبلَ موتها تقام يومَ القيامة وعليها سربالٌ من قَطِرانٍ؛ أي: قميص محرق، ودرع من جرب“(رواه مسلم).

 

والله يُصَرِّف الليلَ والنهارَ ويدبره، وسبُّ الدهر يناقِض الإيمان أو يُضعِفه، قال عليه الصلاة والسلام: “قال الله -عز وجل-: يؤذيني ابن آدم؛ يسب الدهر، وأنا الدهر أقلِّب الليلَ والنهارَ“(متفق عليه)، ومن أساء الظن بالله وقنَّط الخلقَ من رحمته فقد تعرَّض لوعيد الله، قال عابد من بني إسرائيل لعاصٍ منهم: “واللهِ لا يغفر اللهُ لفلان، فقال الله: من ذا الذي يتألَّى عليَّ ألَّا أغفر لفلان، فإني قد غفرتُ لفلان وأحبطتُ عملَكَ“(رواه مسلم)، قال أبو هريرة -رضي الله عنه-: “تكلَّمَ بكلمة أوبَقَتْ دنياه وآخرتَه“، ومن قال: هلك الناس فهو أهلكهم، وعلمُ الغيب مختصٌّ به -سبحانه-، قال تعالى: (قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ)[النَّمْلِ: 65]، “ومن أتى عرَّافًا فسَأَلَه عن شيء لم تُقبَلْ له صلاة أربعينَ ليلة“(رواه مسلم)، “ومن أتى كاهنًا أو عرَّافًا فصدَّقَه بما يقول فقد كفَر بما أُنزِلَ على محمد -صلى الله عليه وسلم-“(رواه أحمد).

 

ومن أعظم المحرَّمات القول على الله بلا علم، قال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ)[الْأَعْرَافِ: 33]، والاستهزاء بالدين يُخرِج صاحِبَه منه، قال تعالى: (قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ)[التَّوْبَةِ: 65-66]، والكذب من قبائح الذنوب وفواحش العيوب، وأصلُ كلِّ شرٍّ، وهو من علامات النفاق، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجلُ يكذِب ويتحرَّى الكذبَ حتى يُكتَب عند الله كذَّابًا، وأقبحُ الكذبِ ما كان على الله ورسوله، قال سبحانه: (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ)[الزُّمَرِ: 60]، وقال عليه الصلاة والسلام: “مَنْ كذَب عليَّ متعمِّدًا فليتبوأ مقعدَه من النار“(رواه مسلم)، “ومَنْ حلَف كاذبًا ذاكِرًا على أمرٍ ماضٍ فيمينُه غموسٌ تَغمِسُ صاحِبَها في النار، ومَنْ حَلَفَ على مالِ امرئٍ مسلمٍ بغير حقٍّ لَقِيَ اللهَ وهو عليه غضبان“(متفق عليه).

 

ومن الكذبِ الادعاءُ في الأنساب، قال عليه الصلاة والسلام: “ليس من رجلٍ ادَّعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كَفَرَ، ومن ادعى قومًا ليس له فيهم نسبٌ فليتبوأ مقعدَه من النار“(متفق عليه).

 

ومن الكبائر شهادة الزور، قال عليه الصلاة والسلام: “ألَا أنبِّئُكم بأكبر الكبائر -ثلاثًا-؟ قالوا: بلى يا رسولَ اللهِ، قال: الإشراكُ بالله، وعقوقُ الوالدين، وجلَس وكان متَّكِئًا فقال: ألَا وقولَ الزور، قال: فما زال يكرِّرها حتى قلنا: ليتَه سَكَتَ“(متفق عليه).

 

وكلُّ المسلم على المسلم حرامٌ، دمُه ومالُه وعِرْضُه، ومن الكبائر شتمُ الرجل والديه، “قالوا: يا رسول الله، وهل يشتمُ الرجلُ والديه، قال: نعم، يسبُّ أبا الرجل فيسبُّ أباه، ويسبُّ أُمَّه فيسب أُمَّه“(متفق عليه).

 

ومن الْمُوبِقات قذفُ المحصَنات الغافلات المؤمنات، قال عز وجل: (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)[النُّورِ: 23]، والبهتان رميُ بريء بما ليس فيه، قال عز وجل: (وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا)[النِّسَاءِ: 112]، والغيبةُ ذِكْرُكَ أخاكَ بما يكره، وهي من كبائر الذنوب، قال تعالى: (وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا)[الْحُجُرَاتِ: 12]، قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: “حرَّم اللهُ الغيبةَ كما حرَّم الميتةَ“.

 

ومِنْ آفاتِ اللسانِ السعيُ بالنميمة بين الخَلْق (وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ * هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ)[الْقَلَمِ: 10-11]، وقال عليه الصلاة والسلام: “لا يدخل الجنةَ نمَّامٌ“(متفق عليه)، قال يحيى بن كثير -رحمه الله-: “يُفسِد النمامُ في ساعة ما لا يُفسِد الساحرُ في سنة“، وسِبابُ المسلمِ فسوقٌ، “ولا يرمي رجلٌ رجلًا بالفسوق ولا يرميه بالكفر إلا ارتدَّت عليه إن لم يكن صاحِبُه كذلك“(رواه البخاري)، ولعنُ المؤمنِ كقتله، ومن لعَن شيئًا ليس بأهلٍ رجَعَتِ اللعنةُ عليه، والمؤمن ليس بالطعَّان ولا اللعَّان، قال عليه الصلاة والسلام: “إن اللعَّانين لا يكونون شفعاءَ ولا شهداءَ يوم القيامة“(رواه مسلم)، والسخرية بالخَلْق من أنواع الكِبْر، وبحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)[الْحُجُرَاتِ: 11].

 

ومن أمور الجاهلية الفخرُ بالأحساب والطعنُ في الأنساب، وكما حرَّم الإسلامُ سبَّ الأحياء حرَّم أيضا سبَّ الأموات، قال عليه الصلاة والسلام: “لا تسبُّوا الأمواتَ؛ فإنهم قد أفضَوْا إلى ما قدَّموا“(رواه البخاري)، بل نهى الإسلامُ عن سبِّ الريح والحُمَّى والدوابِّ، ومَنْ جاهَر بسوء فقد تعرَّض لهتك ستر الله عليه، قال صلى الله عليه وسلم: “كلُّ أمَّتى معافًى إلا المجاهرين“(متفق عليه)، والمسلم يبتغي بنفقته وجهَ الله، والمنُّ بالصدقة يُبطِلُها، والمنانُ لا يكلِّمه اللهُ ولا ينظر إليه، ولا يزكيه يوم القيامة، وسؤال الخَلْق منهيٌّ عنه، قال عليه الصلاة والسلام: “لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله -تعالى- وليس في وجهه مزعة لحم”(متفق عليه)، ومن جادَل بباطل أبغَضَه اللهُ، قال عليه الصلاة والسلام: “أبغضُ الرجالِ إلى الله الأَلَدُّ الخَصِمُ“(رواه مسلم)، وسلامة البيوت بحفظ أسرارها، قال عليه الصلاة والسلام: “إن من أشرِّ الناس عند الله منزلةً يوم القيامة الرجل يُفْضِي إلى امرأته وتُفْضِي إليه ثم ينشر سرَّها“(رواه مسلم)، وفضولُ الكلامِ مزلةُ قَدَمٍ، واللهُ كَرِهَ لنا قيل وقال، ومن حُسْن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، قال سهل بن عبد الله -رحمه الله-: “مَنْ تكلَّم فيما لا يعنيه حُرِمَ الصدقَ“، قال النووي -رحمه الله-: “ينبغي لكل مكلَّف أن يحفظ لسانَه عن جميع الكلام إلا كلامًا تظهر المصلحةُ فيه“.

 

وبعدُ أيها المسلمون: فكفُّ اللسان وضبطُه أصلُ الخيرِ كلِّه، ومن ملَك لسانَه فقد ملَك أمرَه وأحكَمَه، ومن صمَت نجا، ولا يزال العبدُ سالِمًا ما سكَت، فإن تكلَّم كُتِبَ له أو عليه، وَمَنْ عدَّ كلامَه مِنْ عملِه قلَّ كلامُه فيما لا يعنيه، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ)[النِّسَاءِ: 114]، -أي: من كلامهم- (إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا)[النِّسَاءِ: 114].

 

بارَك اللهُ لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني اللهُ وإياكم بما فيه من الآيات والذِّكْر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيما لشانه، وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه تسليمًا مزيدًا.

 

أيها المسلمون: أبوابُ الخيرِ كثيرةٌ، ومن ملَك لسانَه فقد ملَك ذلك كلَّه، قال عليه الصلاة والسلام لمعاذ -رضي الله عنه-: “ألَا أُخبرك بمِلَاكِ ذلك كلِّه؟ قلتُ: بلى يا رسول الله، فأخَذ بلسانه وقال: كُفَّ عليكَ هذا، قلتُ: يا نبيَّ الله، وإنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بما نتكلم به، قال: ثكلتكَ أُمُّكَ يا معاذُ، وهل يَكُبُّ الناسَ في النار على وجوههم، -أو قال: على مناخرهم-، إلَّا حصائدُ ألسنتهم“(رواه الترمذي)، والمرء بأصغريه قلبه ولسانه، وعلى صلاحهما وفسادهما يكون صلاحُ العبدِ أو فسادُه، ولا يستقيم إيمانُ عبدٍ حتى يستقيمَ قلبُه، ولا يستقيم قلبُه حتى يستقيمَ لسانُه، والقلوبُ كالقدور تغلي بما فيها، وألسنتُها مَغارِيفُها، وإذا تكلَّم المرءُ فإن لسانَه يغرِف لكَ ممَّا في قلبه، فَأَبْطِنْ خيرًا يُخرِجْ لسانُكَ خيرًا.

 

ثم اعلموا أن الله أمركم بالصلاة والسلام على نبيه، فقال في محكم التنزيل: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الْأَحْزَابِ: 56]، اللهم صل وسلم على نبينا محمد، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون؛ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة أجمعين، وعنا معهم بجودك وكرمك يا أكرم الأكرمين.

 

اللهم أعِزَّ الإسلامَ والمسلمين، وأذِلَّ الشركَ والمشركينَ، ودَمِّرْ أعداءَ الدين، واجعل اللهم هذا البلدَ آمِنًا مطمئنًا وسائرَ بلاد المسلمين، يا ربَّ العالمينَ، اللهم ارفع وادفع عن المسلمين الأمراض والأسقام والأوهام، وارزقهم حُسنَ الظنِّ بكَ وقوةَ التوكل عليكَ، والرجوعَ إليكَ يا ربَّ العالمينَ.

 

اللهم وفِّق إمامَنا لهداكَ، واجعل عملَه في رضاكَ، ووفِّق جميعَ ولاة أمور المسلمين للعمل بكتابِكَ وتحكيم شرعكَ يا ذا الجلال والإكرام.

 

(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)[الْبَقَرَةِ: 201].

 

عبادَ اللهِ: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)[النَّحْلِ: 90]، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على آلائه ونعمه يزدكم، (وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ)[الْعَنْكَبُوتِ: 45].

 

 

الملفات المرفقة
محاسن اللسان ومخاطره
عدد التحميل 203
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات