طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

17623

ظلم الأولاد

المكان : المملكة العربية السعودية / الرياض / بدون / بدون /
تاريخ الخطبة : 1441/02/10
تاريخ النشر : 1441/06/26
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/من صور ظلم الأولاد 2/مخاطر ظلم الأولاد وأضراره 3/ وصية للآباء.
اقتباس

وَمِنْ ظُلْمِ الْأَوْلَادِ: التَّقْصِيرُ فِي تَرْبِيَةِ الْأَبْنَاءِ، وَإِهْمَالُهُمْ بِلَا إِرْشَادٍ وَلَا نُصْحٍ وَلَا تَوْجِيهٍ؛ مِمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ فَسَادُهُمْ وَضَيَاعُ دِينِهِمْ وَأَخْلَاقِهِمْ؛ فَهُنَاكَ آبَاءٌ قَصَّرُوا وَفَرَّطُوا وَتَخَلَّوْا عَنْ مَسُؤولِيَّتِهِمْ فِي التَّرْبِيَةِ الْحَقِيقِيَّةِ، وَظَنُّوا أَنَّهُمْ بِتَوْفِيرِهِمْ لِلطَّعَامِ وَلِلِّبَاسِ…

الْخُطْبَةُ الْأُولَى:

 

إِنَّ الْحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران:102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب:70-71].

 

أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

 

مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ: إِنَّ الطَّبِيعَةَ الْبَشَرِيَّةَ الَّتِي فَطَرَ اللهُ النَّاسَ عَلَيْهَا أَنْ يُشْفِقَ الْوَالِدَانِ عَلَى أَبْنَائِهِمَا؛ فَاللهُ -سُبْحَانَهُ- غَرَسَ فِي قُلُوبِهِمُ الْعَطْفَ وَالرَّحْمَةَ وَالْحَنَانَ وَالْحِرْصَ عَلَى أَبْنَائِهِمَا، وَالْوَالِدَيْنِ يَنْدَفِعَانِ بِالْفِطْرَةِ إِلَى رِعَايَةِ الْأَوْلَادِ، إِلَى التَّضْحِيَةِ بِكُلِّ شَيْء حَتَّى بِالذَّاتِ، وَلَكِنْ قَدْ يَحْدُثُ أَنْ يَتَصَرَّفَ بَعْضُ الْآبَاءِ مَعَ أَوْلَادِهِمْ بِعَكْسِ ذَلِكَ تَمَامًا؛ حَدًّا يَصِلُ إِلَى ظُلْمِهِمْ، وَلِهَذَا الظُّلْمِ صُوَرٌ، مِنْهَا:

عَدَمُ الْقِيَامِ بِحُقُوقِهِمُ الَّتِي فَرَضَهَا اللهُ عَلَيْهِمْ تِجَاهَ أَبْنَائِهِمْ، وَتَبْدَأُ هَذِهِ الْحُقُوقُ مِنْ قَبْلِ الزَّوَاجِ بِاخْتِيَارِ الزَّوْجِ الصَّالِحِ؛ لِقَوْلِهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “تَخَيَّرُوا لِنُطَفِكُمْ، وَانْكِحُوا الْأَكْفَاءَ، وَأَنْكِحُوا إِلَيْهِمْ“(أَخَرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ).

 

وَمِنْ ذَلِكَ اخْتِيَارُ الِاسْمِ الْحَسَنِ لِلْوَلَدِ، وَقَدْ غَيَّرَ النَّبِيُّ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- أَسْمَاءً قَبِيحَةً بِأَسْمَاءٍ جَمِيلَةٍ لِبَعْضِ الصَّحَابَةِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-؛ فَمَنْ لَم يُحْسِن اختِيَارَ اِسمِ وَلَدِه فَقَد أَسَاء إِلَيه.

 

وَمِنْ ظُلْمِهِ: الْقَسْوَةُ وَالشِّدَّةُ فِي التَّعَامُلِ، يَظُنُّ بَعْضُ الْآبَاءِ أَنَّ هَذِهِ الْمُعَامَلَةَ تَغْرِسُ فِي نُفُوسِ أَوْلَادِهِمُ الِاحْتِرَامَ وَالْإِجْلَالَ وَالْمَهَابَةَ لِلْأَبِ، وَلَا يَدْرِي أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ مُخَالِفٌ لِهَدْيِهِ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-، وَكَيْفَ يَكُونُ فِي مُخَالَفَةِ هَدْيِهِ خَيْرٌ؟! عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَبَّلَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ وَعِنْدَهُ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ جَالِسًا، فَقَالَ الْأَقْرَعُ: إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ثُمَّ قَالَ: “مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ“(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ).

 

فَالْمُعَامَلَةُ الْقَاسِيَةُ سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ نُشُوءِ الْعُقُوقِ فِي نُفُوسِ الْأَوْلَادِ، وَبُغْضِهِمْ لِآبَائِهِمْ، وَجَرِّهِمْ لِنُزْعَةِ الِانْتِقَامِ؛ فَمَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ، مَنْ لَا يَرْحَمْ أَبْنَاءَهُ صِغَارًا فَلَنْ يَرْحَمُوهُ عِنْدَ كِبَرِهِ.

 

أَيُّهَا الْآبَاءُ: إِنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَحُثَّ عَلَى ضَرْبِ الْأَوْلَادِ إِلَّا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ ضَرْبَ تَأْدِيبٍ؛ لِتَرْكِهِمُ الصَّلَاةَ، قَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “مُرُوا صِبْيَانَكُمْ بِالصَّلاَةِ لِسَبْعٍ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ“(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ)، هُنَاكَ آبَاءٌ يَضْرِبُونَ أَوْلَادَهُمْ عَلَى أُمُورٍ تَافِهَةٍ، وَهُنَاكَ مَنْ يَضْرِبُ وَلَدَهُ عَلَى وَجْهِهِ لَطْمًا وَلَكْمًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرْمِي وَلَدَهُ بِمَا فِي يَدِهِ؛ وَرُبَّما أَصَابَهُ وَأَدْمَاهُ أَوْ جَرَحَهُ، وَجَرْحُ الْمَشَاعِرِ وَالنَّفْسِيَّةِ أَشَدُّ أَلَمًا، وَأَبْلَغُ أَثَرًا مِنْ جَرْحِ الْجَسَدِ! قَالَ السَّعْدِيُّ: “وَالصَّغِيرُ يُعَامِلُهُ بِالرَّحْمَةِ وَالرِّقَّةِ الْمُنَاسِبِةِ لِحَالِهِ… وَاجْتِنَابِ الْعُنْفِ الْقَوْلِيِّ وَالْفِعْلِيِّ“.

 

وَلَا يَقِلُّ الْعُنْفُ اللَّفْظِيُّ عَنِ الْعُنْفِ الْجَسَدِيِّ أَثَرًا، بَلْ قَدْ يَكُونُ أَشَدَّ ضَرَرًا عَلَى الطِّفْلِ، وَيُورِثُهُ آثاراً نَفْسِيَّةً تُلَازِمُهُ طُولَ حَيَاتِهِ، فَبَعْضُ الْآبَاءِ يَسْتَخْدِمُ أُسْلُوبَ التَّهْدِيدِ وَالتَّخْوِيفِ مَعَ الْأَبْنَاءِ؛ مِمَّا يُرْعِبُهُمْ وَيُنَشِّؤُهُمْ جُبَنَاءَ خَائِفِينَ، وَبَعْضُهُمْ لَا تَعْرِفُ لِسَانُهُ إِلَّا الْأَلْفَاظَ الْجَارِحَةَ يَسْتَخْدِمُهَا بِاسْتِمْرَارٍ مَعَ أَوْلَادِهِ، وَقَدْ يُطْلِقُ بَعْضُ الْآبَاءِ عَلَى أَوْلَادِهِ أَلْقَابًا سَيِّئَةً يُنَادَى بِهَا فِي الْبَيْتِ ثُمَّ تَنْتَشِرُ فِي الْحَيِّ وَالْمَدْرَسَةِ، وَيَصِيرُ هَذَا اللَّقَبُ مَبْعَثًا لِلسُّخْرِيَةِ مِنْ قِبَلِ الْأَصْدِقَاءِ وَالنَّاسِ؛ مِمَّا يُؤَثِّرُ عَلَى نَفْسِيَّةِ الْوَلَدِ، وَقَدْ يَحْمِلُ الْحِقْدَ عَلَى وَالِدَيْهِ وَأُسْرَتِهِ بِسَبَبِهِ، وَتَظْهَرُ نَتَاَئِجُهُ بَعْدَمَا يَكْبَرُ!.

 

وَلَا يَعْنِي ذَلِكَ الدَّعْوَةَ إِلَى تَدْلِيلِ الْأَطْفَالِ تَدْلِيلاً زَائِدًا عَنِ الْحَدِّ الْمَطْلُوبِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يُفْسِدُهُمْ تَرْبَوِيًّا وَخُلُقِيًّا، أَوْ يَجْعَلُهُمْ عَالَةً عَلَى آبَائِهِمْ لَا يُحْسِنُونَ التَّصَرُّفَ، لَا شَخْصِيَّةَ لَهُمْ حَتَّى وَهُمْ كِبَارٌ، وَخَيْرُ الْأُمُورِ أَوْسَاطُهَا.

 

وَمِنْ ظُلْمِ الْأَوْلَادِ: التَّقْصِيرُ فِي تَرْبِيَةِ الْأَبْنَاءِ، وَإِهْمَالُهُمْ بِلَا إِرْشَادٍ وَلَا نُصْحٍ وَلَا تَوْجِيهٍ؛ مِمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ فَسَادُهُمْ وَضَيَاعُ دِينِهِمْ وَأَخْلَاقِهِمْ؛ فَهُنَاكَ آبَاءٌ قَصَّرُوا وَفَرَّطُوا وَتَخَلَّوْا عَنْ مَسُؤولِيَّتِهِمْ فِي التَّرْبِيَةِ الْحَقِيقِيَّةِ، وَظَنُّوا أَنَّهُمْ بِتَوْفِيرِهِمْ لِلطَّعَامِ وَلِلِّبَاسِ وَالتَّرْفِيهِ قَدْ أَدَّوْا مَا عَلَيْهِمْ! وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ: “وَكَمْ مِمَّنْ أَشْقَى وَلَدَهُ، وَفِلْذَةَ كَبِدِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ بِإِهْمَالِهِ، وَتَرْكِ تَأْدِيبِهِ، وَإِعَانَتِهِ عَلَى شَهَوَاتِهِ، وَيَزْعُمُ أَنَّهُ يُكْرِمُهُ وَقَدْ أَهَانَهُ، وَأَنَّهُ يَرْحَمُهُ وَقَدْ ظَلَمَهُ؛ فَفَاتَهُ انْتِفَاعُهُ بِوَلَدِهِ، وَفَوَّتَ عَلَيْهِ حَظَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَإِذَا اعْتَبَرْتَ الْفَسَادَ فِي الْأَوْلَادِ رَأَيْتَ عَامَّتَهُ مِنْ قِبَلِ الْآبَاءِ“.

 

إِنَّ التَّرْبِيَةَ وَالْأَخْلَاقَ الْفَاضِلَةَ إِذَا فَاتَتِ الْوَلَدَ فِي حَالِ الصِّغَرِ؛ صَعُبَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَحَلَّى بِهَا عِنْدَ الْكِبَرِ، وَإِهْمَالُ الْأَوْلَادِ أَوْ سُوءُ تَرْبِيَتِهِمْ -كَمَنْ يُهَيِّئُ لَهُمْ سُبُلَ الِانْحِرَافِ بِتَوْفِيرِ مَا يُفْسِدُ أَخْلَاقَهُمْ وَيُثِيرُ غَرَائِزَهُمْ- تَسْهِيلٌ لَهُمْ لِسُلُوكِ سُبُلِ الْفَسَادِ، وَهَذَا مِنَ الظُّلْمِ الْعَظِيمِ لِلْأَوْلَادِ، وَأَكْثَرُ الْآبَاء وَاقِعُونَ فِيهِ فِي هَذَا الزَّمَانِ -عِيَاذًا بِاللهِ-؛ فَبُيُوتُ الْمُسْلِمِينَ الْيَوْمَ لَا تُشَجِّعُ الْأَبْنَاءَ عَلَى الْأَخْلَاقِ الْفَاضِلَةِ وَسُلُوكِهَا وَالِاسْتِقَامَةِ عَلَيْهَا، بَلْ تُشَجِّعُ عَلَى الْأُخْرَى؛ وَانْظُرْ فِي الْوَاقِعِ لِتَرَى أَثَرَ ذَلِكَ؛ فَالْأَبْنَاءُ أَمَانَةٌ وَسَنُسْأَلُ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ فَإِمَّا كَرَامَةٌ وَإِمَّا نَدَامَةٌ، وَفِي الْحَدِيثِ: “إِنَّ اللهَ -تَعَالَى- سَائِلٌ كُلَّ رَاعٍ عَمَّا اسْتَرْعَاهُ: أَحَفِظَ ذَلِكَ أَمْ ضَيَّعَهُ؟ حَتَّى يَسْأَلَ الرَّجُلَ عَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ“(رَوَاهُ النَّسَائِيُّ).

 

وَمِنَ الظُّلْمِ: عَدَمُ الْعَدْلِ بَيْنَ الْأَوْلَادِ؛ فَمَنْ مَيَّزَ بَعْضَ وَلَدِهِ عَلَى الآخَرِينَ فِي الْعَطَاءِ وَالنَّفَقَةِ وَالْهَدَايَا؛ فَقَدْ زَرَعَ بُذُورَ الشِّقَاقِ وَالْحِقْدِ بَيْنَ الْإِخْوَةِ، وَقَدْ نَهَى الشَّرْعُ عَنْ ذَلِكَ؛ فَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ أَبَاهُ أَتَى بِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: إِنِّي نَحَلْتُ ابْنِي هَذَا غُلَامًا، فَقَالَ: “أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَ مِثْله؟” قَالَ: لَا، قَالَ: “فَارْجِعْهُ“(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: “اتَّقُوا اللهَ وَاعْدِلُوا فِي أَوْلَادِكُمْ“، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ -أَيْضًا-: “يَا بَشِيرُ! أَلَكَ وَلَدٌ سِوَى هَذَا؟” قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ: “أَكُلَّهُمْ وَهَبْتَ لَهُ مِثْلَ هَذَا؟” قَالَ: لَا، قَالَ: “فَلَا تُشْهِدْنِي إِذًا؛ فَإِنِّي لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ“؛ فَبَيَّنَ النَّبِيُّ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- أَنَّ هَذَا التَّمْيِيزَ بِالْعَطَاءِ لِوَلَدٍ دُونَ سَائِرِ إِخْوَتِهِ هُوَ مِنَ الْجَوْرِ وَالظُّلْمِ.

 

وَمِنَ الظُّلْمِ: تَسَلُّطُ الْآبَاءِ عَلَى الْأَبْنَاءِ بِالتَّعَدِّي عَلَى خُصُوصَيَّاتِهِمْ؛ فَبَعْضُ الْآبَاءِ تَسَلُّطِيٌّ لَا يَكَادُ يَسْمَحُ لِابْنِهِ فِي اخْتِيَارِ مَا يُحِبُّ، وَلَا يَتْرُكُ لَهُ مُتَنَفَسًّا؛ فَالْأَبُ هُوَ الَّذِي يُقَرِّرُ التَّخَصُّصَ الَّذِي سَيَدْخُلُهُ الِابْنُ فِي الْجَامِعَةِ حَتَّى وَلَوْ لَمْ يَرْغَبْ فِيهِ الِابْنُ، وَهُوَ الَّذِي يَخْتَارُ وَيُحَدِّدُ لَهُ الزَّوْجَةَ، بَلْ وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْمُرُ ابْنَهُ بِطَلَاقِ زَوْجَتِهِ وَإِنْ كَانَ يُحِبُّهَا وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا خِلَافٌ، وَبَلَغَ بِبَعْضِهِمْ أَنْ يَذْهَبَ مَعَ ابْنِهِ إِلَى السُّوقِ؛ لِيَخْتَارَ لَهُ الْمَلَابِسَ وَلَوْنَهَا وَتَفْصِيلَاتِهَا، فَأَيُّ شَخْصِيَّةٍ سَتُوَلِّدُ تِلْكَ الْمُعَامَلَةُ؟! غَيْرَ رَجُلٍ سَلْبِيٍّ لَا ثِقَةَ لَهُ بِنَفْسِهِ، مَسْلُوبِ الْإِرَادَةِ لَيْسَ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ شَيْءٌ!.

 

وَمِنَ الظُّلْمِ: عَدَمُ النَّفَقَةِ الْوَاجِبَةِ عَلَى الْأَوْلَادِ بِسَبَبِ الشُّحِّ؛ فَبَعْضُ الْأَبْنَاءِ يَشْكُونَ مِنْ بُخْلِ آبَائِهِمْ، وَالتَّضْيِيقِ الشَّدِيدِ عَلَيْهِمْ فِي النَّفَقَةِ، وَرُبَّمَا تَمَنَّى بَعْضُ الْأَوْلَادِ مَوْتَ وَالِدِهِمْ أَوْ فَرِحُوا بِمَوْتِهِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ الَّذِي كَنَزَهُ وَحَرَمَهُمْ مِنْهُ أَصْبَحَ الْيَوْمَ فِي أَيْدِيهِمْ، وَأَحْيَانًا يَكُونُ التَّضْيِيقُ الشَّدِيدُ عَلَى الْأَبْنَاءِ سَبَبًا مِنْ أَسْبَابِ انْحِرَافِهِمْ، قَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “كَفَى بِالمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يَحْبِسَ عَمَّنْ يَمْلِكُ قُوتَهُ“(رَوَاهُ مُسْلِمٌ).

 

أَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرُوهُ؛ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

 

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:

 

الْحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ، وَالصَّلَاةُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُ، أَمَّا بَعْدُ:

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: كُلٌّ مِنَّا يَرْجُو بِرَّ أَبْنَائِهِ، فَهَلْ رَبَّيْنَاهُمْ تَرْبِيَةً صَحِيحَةً، تُؤَهِّلُهُمْ لِلْقِيَامِ بِمَا نَرْجُوهُ مِنْهُمْ مُسْتَقْبَلاً؟! إِنَّ لِأَبْنَائِكُمْ حُقُوقًا عَلَيْكُمْ فَأَدُّوها، قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: إِنَّ اللهَ -سُبْحَانَهُ- يَسْأَل الْوَالِدَ عَنْ وَلَدِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَ الْوَلَدَ عَنْ وَالِدِهِ؛ فَإِنَّهُ كَمَا أَنَّ للْأَبِ عَلَى ابْنِهِ حَقًّا فَلِلِابْنِ عَلَى أَبِيهِ حَقٌّ؛ فَكَمَا قَالَ -تَعَالَى-: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا)[العنكبوت: 8]، قَالَ -تَعَالَى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا)[التحريم: 6]”.

 

أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ: لَا يَخْفَى أَنَّ لِلظُّلْمِ آثَارَهُ وَأَضْرَارَهُ؛ إِذْ عُقُوبَةُ الظُّلْمِ مُعَجَّلةٌ، كَمَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-، فَإِنْ قَصَّرَ الْوَالِدُ فِي حُقُوقِ وَلَدِهِ وَتَعَدَّى وَظَلَمَ؛ فَإِنَّ لِذَلِكَ أَضْرَارًا سَيَجْنِيهَا الْأَبُ قَبْلَ ابْنِهِ؛ مِنْ ذَلِكَ:

الْإِثْمُ الَّذِي سَيُحَاسَبُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِسَبَبِ التَّفْرِيطِ، قَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ“(رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ)، قَالَ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ: “وَالصَّبِيُّ أَمَانَةٌ عِنْدَ وَالِدَيْهِ… فَإِنْ عُوِّدَ الْخَيْرَ وَعُلِّمَهُ نَشَأَ عَلَيْهِ وَسَعِدَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَشَارَكَهُ فِي ثَوَابِهِ أَبَوَاهُ وَكُلُّ مُعَلِّمٍ لَهُ وَمُؤَدِّبٍ، وَإِنْ عُوِّدَ الشَّرَّ وَأُهْمِلَ إِهْمَالَ الْبَهَائِمِ شَقِيَ وَهَلَكَ، وَكَانَ الْوِزْرُ فِي رَقَبَةِ الْقَيِّمِ عَلَيْهِ“(إِحْيَاءُ عُلُومِ الدِّينِ).

 

فَاحْذَرُوا ضَيَاعَ الْأَمَانَةِ فَإِنَّهَا خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ؛ قَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “مَا مِنْ عَبْدٍ يَستَرْعِيهِ اللهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ؛ إِلاَّ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الجَنَّة“(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)، وَفِي رِوَايَةٍ: “فَلَمْ يَحُطْهَا بِنُصْحِهِ لَمْ يَجِدْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ“، وَفِي رِوَايَةٍ: “ثُمَّ لا يَجْهَدُ لَهُمْ وَيَنْصَحُ لَهُمْ؛ إِلاَّ لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمُ الْجَنَّةَ“.

 

وَمِنْ ذَلِكَ: انْحِرَافُ الْأَبْنَاءِ؛ فَالْخَلَلُ فِي التَّرْبِيَةِ يُؤَدِّي إِلَى خَلَلٍ فِي السُّلُوكِ؛ الْعُنْفُ الشَّدِيدُ وَالْقَسْوَةُ أَوِ التَّدْلِيلُ الزَّائِدُ عَنْ حَدِّهِ، أَوِ الْبُخْلُ وَالتَّضْيِيقُ الشَّدِيدُ فِي النَّفَقَةِ، وَكَذَا فَتْحُ أَبْوَابِ الْفَسَادِ أَمَامَهُ؛ لَنْ يَنْشَأَ وَلَدًا سَوِيًّا مُسْتَقِيمًا.

 

وَمِنْ أَضْرَارِهِ: عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ؛ فَمِنْ أَسْبَابِ انْتِشَارِ الْعُقُوقِ ظُلْمُ الْآبَاءِ لِأَبْنَائِهِمْ، فَمَا الَّذِي يَرْجُوهُ أَبٌ مِنِ ابْنٍ يَخْتَزِنُ عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ مَشَاعِرَ الْبُغْضِ وَالْكُرْهِ وَالْحِقْدِ؛ بِسَبَبِ الْقَسْوَةِ الْمُبَالَغِ فِيهَا، أَوِ السُّخْرِيَةِ الْمُسْتَمِرَّةِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مُعَامَلَةٍ سَيِّئَةٍ تِجَاهَ الْإِبْنِ؟!.

 

وَمِنْ ذَلِكَ: الْفَشَلُ فِي الدِّرَاسَةِ وَالْعَمَلِ وَالْحَيَاةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ، فَـ”مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي يَكَادُ يُجْمِعُ عُلَمَاءُ التَّرْبِيَةِ عَلَيْهَا: أَنَّ الْوَلَدَ إِذَا عُومِلَ مِنْ قِبَلِ أَبَوَيْهِ وَمُرَبِّيهِ الْمُعَامَلَةَ الْقَاسِيَةَ، وَأُدِّبَ بِالضَّرْبِ الشَّدِيدِ وَالتَّوْبِيخِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ، وَكَانَ التَّحْقِيرُ وَالِازْدِرَاءُ مُوَجَّهًا مِنَ الْآبَاءِ وَالتَّشْهِيرُ وَالسُّخْرِيَةُ؛ فَإِنَّ رُدُودَ الْفِعْلِ سَتَظْهَرُ فِي سُلُوكِهِ وَخُلُقِهِ، وَإِنَّ مَظَاهِرَ الْخَوْفِ وَالِانْكِمَاشِ سَتَبْدُو فِي تَصَرُّفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَقَدْ يَؤُولُ بِهِ الْأَمْرُ إِلَى الِانْتِحَارِ حِينًا، أَوْ إِلَى مُقَاتَلَةِ أَبَوَيْهِ أَحْيَانًا، أَوْ إِلَى تَرْكِ الْبَيْتِ نِهَائِيًّا، مُتَخَلِّصًا مِمَّا يُعَانِيهِ مِنَ الْقَسْوَةِ الظَّالِمَةِ وَالْمُعَامَلَةِ الْأَلِيمَةِ؛ فَلَا عَجَبَ -وَهَذِهِ الْحَالَةُ- أَنْ نَرَاهُ فِي الْمُجْتَمَعِ مُجْرِمًا، وَفِي هَذِهِ الْحَيَاةِ شَاذًّا وَمُنْحَرِفًا! وَلَا عَجَبَ أَنْ يَنْشَأَ عَلَى الِاعْوِجَاجِ وَالْمُيُوعَةِ وَالِانْحِلَالِ“.

 

فَاتَّقُوا اللهَ فِي أَوْلَادِكُمْ، وَاعْلَمُوا: “إِنَّ اللهَ سَائِلٌ كُلَّ رَاعٍ عمَّا اسْتَرْعَاهُ، حَفِظَ أمْ ضَيَّعَ؛ حَتَّى يَسْألَ الرَّجُلَ عَنْ أهْلِ بَيْتِهِ“(رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالنَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ)، قَالَ النَّوَوِيُّ: “الرَّاعِي هُوَ الْحَافِظُ الْمُؤْتَمَنُ الْمُلْتَزِمُ صَلَاحَ مَا قَامَ عَلَيْهِ، وَمَا هُوَ تَحْتَ نَظَرِهِ؛ فَفِيهِ أَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ تَحْتَ نَظَرِهِ شَيْءٌ فَهُوَ مُطَالَبٌ بِالْعَدْلِ فِيهِ وَالْقِيَامِ بِمَصَالِحِهِ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ وَمُتَعَلَّقَاتِهِ“(شَرْحُ النَّوَوِيِّ عَلَى مُسْلِمٍ).

 

وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَنْ أَمَرَكُمُ اللهُ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ؛ فَقَالَ: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56].

 

الملفات المرفقة
ظلم الأولاد
عدد التحميل 39
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات