طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

17575

التفكك الأسري

المكان : المملكة العربية السعودية / الرياض / بدون / بدون /
تاريخ النشر : 1441/06/16
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/معنى التفكك الأسري 2/أسباب التفكك الأسري 3/مظاهر وآثار التفكك الأسري 4/حلول ومعالجات.
اقتباس

دُخُولُ وَسَائِلِ الِاتِّصَالِ وَالتَّوَاصُلِ الْحَدِيثِ إِلَى الْبُيُوتِ دُونَ ضَوَابِطَ؛ فَالْإِفْرَاطُ فِي الْعُكُوفِ أَمَامَ شَبَكَةِ الْإِنْتَرْنِتْ، وَصَفَحَاتِ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ؛ يُضْعِفُ تَرَابُطَ الْأُسْرَةِ؛ فَكُلُّ فَرْدٍ مَشْغُولٌ بِعَالَمِهِ الِافْتِرَاضِيِّ، مَعْزُولٌ عَنْ بَاقِي الْأُسْرَةِ.

الْخُطْبَةُ الْأُولَى:

 

إِنَّ الْحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران:102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب:70-71].

 

أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحَدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

 

عِبَادَ اللهِ: تُوَاجِهُ الْأُسْرَةُ الْمُسْلِمَةُ الْيَوْمَ تَحَدِّيَاتٍ وَمَخَاطِرَ كَثِيرَةً، تَسْتَهْدِفُ كِيَانَهَا وَقِيَمَهَا، وَالْمُدْرِكُ لِلْأُمُورِ يَعْلَمُ أَنَّ حَالَ الْأُسْرَةِ الْيَوْمَ لَيْسَ كَحَالِهِ بِالْأَمْسِ؛ مِنَ الْقِيَامِ بِالْمَسْؤُولِيَّةِ، وَالتَّرَابُطِ وَالتَّرَاحُمِ، وَالْوِفَاقِ بَيْنَ أَفْرَادِهَا.

 

وَإِنَّ مِنَ الْمَخَاطِرِ الَّتِي تُوَاجِهُهَا الْأُسْرَةُ الْيَوْمَ: ازْدِيَادَ ظَاهِرَةِ تَفَكُّكِ الْأُسْرَةِ، وَهُوَ انْحِلَالُ رَوَابِطِ الْأُسْرَةِ، وَاضْمِحْلَالُ الْمَحَبَّةِ وَالْمَوَدَّةِ بَيْنَ أَفْرَادِ الْبَيْتِ الْوَاحِدِ؛ فَلَا يَكُونُ لِلْبَيْتِ دَوْرُهُ الرَّئِيسُ فِي تَوْجِيهِ وَضَبْطِ سُلُوكِ الْأَوْلَادِ، وَيُصْبِحُ فَقَطْ مَأْوًى لِلنَّوْمِ وَالْأَكْلِ وَإِشْبَاعِ الْحَاجَاتِ الْجَسَدِيَّةِ وَالْمَادِّيَّةِ، وَهَذَا يُفْضِي إِلَى انْفِرَاطِ عِقْدِ الْأُسْرَةِ، وَانْحِلَالِهَا وَتَشَتُّتِ أَفْرَادِهَا.

 

وَأَسْبَابُ مَا وَصَلَ إِلَيْهِ الْحَالُ فِي بَعْضِ الْأُسَرِ مِنَ التَّشَتُّتِ وَالتَّفَكُّكِ كَثِيرَةٌ، لَكِنْ نَتَنَاوَلُ الْمُهِمَّ مِنْهَا؛ وَهُوَ:

أَوَّلاً: الْجَهْلُ مِنْ قِبَلِ الْوَالِدَيْنِ الْكَبِيرُ بِأَحْكَامِ الشَّرْعِ؛ فَكَأَنَّ الزَّوَاجَ نَشَأَ لِإِشْبَاعِ الْغَرِيزَةِ الْجِنْسِيَّةِ فَقَطْ، فَتَغِيبُ الرَّحْمَةُ وَالْمَوَدَّةُ عَنِ الْبَيْتِ، وَحِينَ يَأْتِي الْأَوْلَادُ تَكُونُ الْحُقُوقُ غَائِبَةً، وَالْمَسْؤُولِيَّاتُ ضَائِعَةً؛ فَأَنَّى لَهَا أَنْ تَنْشَأَ أُسْرَةً مُتَرَابِطَةً وَكُلُّ فَرْدٍ لَا يَعْرِفُ مَا لَهُ مِنْ حُقُوقٍ، وَمَا عَلَيْهِ مِنْ وَاجِبَاتٍ؟! وَرُبَّمَا كَانَ هُنَاكَ تَفْرِيطٌ بِصِلَةِ أَفْرَادِ الْأُسْرَةِ بِرِبِّهِمْ سُبْحَانَهُ؛ فَتَكُونُ الْعُقُوبَةُ حَاضِرَةً فِي عَلَاقَةِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: “إِنِّي لَأَرَى شُؤْمَ مَعْصِيَتِي فِي سُوءِ خُلُقِ امْرَأَتِي وَدَابَّتِي“.

 

ثَانِيًا: ضَعْفُ دَوْرِ الْوَالِدَيْنِ، وَعَدَمُ تَحَمُّلِهِمَا الْمَسْؤُولِيَّةَ الْوَاجِبَةَ عَلَيْهِمَا تِجَاهَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَتِجَاهَ أَبْنَائِهِمْ؛ فَإِذَا أَهْمَلَ الْأَبُ زَوْجَتَهُ وَأَخَلَّ بِوَاجِبَاتِهِ نَشَأَتِ الْمَشَاكِلُ وَالِاخْتِلَافَاتُ بَيْنَهُمَا، وَتَبْدَأُ عَادَةً بِتَذَمُّرِ الزَّوْجَةِ وَكَثْرَةِ شَكْوَاهَا؛ فَإِنْ لَمْ تُحَلَّ فِي وَقْتِهَا أَدَّتْ إِلَى النِّزَاعَاتِ الَّتِي تَتْرُكُ أَثَرَهَا فِي الْأَوْلَادِ؛ فَيُصْبِحُونَ عُرْضَةً لِأَصْدِقَاءِ السُّوءِ، وَلُقْمَةً سَهْلَةً لِلِانْحِرَافِ!

 

وَبِمُقَابِلِ الْأَبِ؛ فَإِنَّ الْأُمَّ الْمُقَصِّرَةَ فِي وَاجِبَاتِهَا، وَحُقُوقِ زَوْجِهَا وَأَوْلَادِهَا، تَكُونُ سَبَبًا لِتَفَكُّكِ أُسْرَتِهَا، فَإِنْ كَانَتْ عَامِلَةً وَلَمْ تُنَظِّمْ وَقْتَهَا لِلْقِيَامِ بِوَاجِبَاتِهَا؛ شَعَرَ الزَّوْجُ بِعَدَمِ الِاهْتِمَامِ وَالْعِنَايَةِ بِشُؤُونِهِ؛ فَيَنْشَأُ الْخِلَافُ وَيَبْدَأُ التَّصَدُّعُ فِي الْأُسْرَةِ، كَمَا أَنَّ بَعْضَ الزَّوْجَاتِ كَثِيرَةُ الِانْشِغَالِ بِصَاحِبَاتِهَا أَوْ بِمُتَابَعَةِ وَسَائِلِ الْإِعْلَامِ مُهْتَمَّةً بِمَا يُعْرَضُ مِنْ أَفْلَامٍ وَمُسَلْسَلَاتٍ أَوْ تَتَبُّعٍ لِأَخْبَارِ الْمُوضَاتِ وَآخِرِ الْمُودِيلاتِ؛ فَتُقَصِّرُ وَتُهْمِلُ أَوْلَادَهَا فَيَنْشَؤُونَ بَعِيدًا عَنْ عَيْنِهَا وَمُلَاحَظَاتِهَا، مِمَّا يَجْعَلُهُمْ عُرْضَةً لِلِانْحِرَافِ وَالْفَسَادِ.

 

قَالَ أَحْمَد شَوْقِي:

لَيْسَ الْيَتِيمُ مَنِ انْتَهَى أَبَوَاهُ مِنْ *** هَمِّ الْحَيَاةِ وَخَلَّفَاهُ ذَلِيلَا

إِنَّ الْيَتِيمَ هُوَ الَّذِي تَلْقَى لَهُ *** أُمًّا تَخَلَّتْ أَوْ أَبًا مَشْغُولَا

 

ثَالِثًا: سُوءُ التَّرْبِيَةِ؛ فَهُنَاكَ مَنْ يُدَلِّلُ أَبْنَاءَهُ تَدْلِيلاً يُفْسِدُ بِهِ أَخْلَاقَهُمْ، وَيَجْعَلُهُمْ ضُعَفَاءَ لَا يَسْتَطِيعُونَ تَحَمُّلَ مَسْؤُولِيَّةٍ، وَلَا مُوَاجَهَةَ أَعْبَاءِ الْحَيَاةِ، وَهُنَاكَ مَنْ يَقْسُو عَلَيْهِمْ قَسْوَةً شَدِيدَةً، تَجْعَلُهُمْ عُرْضَةً لِكُلِّ كَلِمَةٍ عَاطِفِيَّةٍ، أَوْ لَمْسَةِ حَنَانٍ، وَخَيْرُ الْأُمُورِ أَوْسَاطُهَا.

 

وَلَا تَغْلُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَمْرِ وَاقْتَصِدْ *** كِلَا طَرَفَيْ قَصْدِ الْأُمُورِ ذَمِيمُ

 

رَابِعًا: عَدَمُ الْعَدْلِ بَيْنَ الْأَوْلَادِ؛ فَتَفْضِيلُ بَعْضِ الْأَبْنَاءِ عَلَى بَعْضٍ يُؤَدِّي إِلَى الشَّحْنَاءِ وَالْبَغْضَاءِ بَيْنَهُمْ، وَشُعُورِ الْكَرَاهِيَةِ وَالْحَسَدِ، مِمَّا يُؤَدِّي إِلَى تَفَكُّكِ رَابِطَةِ الْأُخُوَّةِ فِي الْبَيْتِ الْوَاحِدِ بِسَبَبِ غِيَابِ الْعَدْلِ الَّذِي أَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ الْكَرِيمُ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ: “اعْدِلُوْا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ، اعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ، اعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ“(صَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ).

 

خَامِسًا: دُخُولُ وَسَائِلِ الِاتِّصَالِ وَالتَّوَاصُلِ الْحَدِيثِ إِلَى الْبُيُوتِ دُونَ ضَوَابِطَ؛ فَالْإِفْرَاطُ فِي الْعُكُوفِ أَمَامَ شَبَكَةِ الْإِنْتَرْنِتْ، وَصَفَحَاتِ التَّوَاصُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ؛ يُضْعِفُ تَرَابُطَ الْأُسْرَةِ؛ فَكُلُّ فَرْدٍ مَشْغُولٌ بِعَالَمِهِ الِافْتِرَاضِيِّ، مَعْزُولٌ عَنْ بَاقِي الْأُسْرَةِ، وَفِي دِراسَةٍ قَامَ بِهَا عَدَدٌ مِنَ الْبَاحِثِينَ عَلَى مُسْتَخْدِمِي الْإِنْتَرْنِتْ كَانَ مِنْ أَبْرَزِ نَتَائِجِهَا: تَنَاقُصُ التَّوَاصُلِ الْأُسَرِيِّ بَيْنَ أَفْرَادِ الْأُسْرَةِ، وَتَضَاؤُلُ شُعُورِ الْفَرْدِ بِالْمُسَانَدَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ مِنْ جَانِبِ الْمُقَرَّبِينَ لَهُ، وَهَذِهِ النَّتَائِجُ يُتَوَقَّعُ أَنْ يَنْتِجَ عَنْهَا خِلَافَاتٌ وَتَفَكُّكُ الْأُسْرَةِ الْوَاحِدَةِ، وَهَذَا مُشَاهَدٌ وَمَلْمُوسٌ، وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ.

 

عِبَادَ اللهِ: وَلِتَفَكُّكِ الْأُسْرَةِ آثَارٌ وَمَظَاهِرُ؛ مِنْهَا:

الطَّلَاقُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَعُقُوقُ الْأَبْنَاءِ لِآبَائِهِمْ، وَهُرُوبُ بَعْضِ الْأَبْنَاءِ مِنْ بُيُوتِهِمْ.

 

وَمِنْهَا: التَّعَرُّضُ لِلْأَمْرَاضِ النَّفْسِيَّةِ؛ كَالْخَوْفِ وَالْقَلَقِ وَالِاكْتِئَابِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ نَتِيجَةً لِلشُّعُورِ بِعَدَمِ الْأَمَانِ، وَالِاضْطِرَابِ الْعَاطِفِيِّ، مِنْ كَثْرَةِ الْخِلَافَاتِ وَالْخِصَامِ دَاخِلَ الْأُسْرَةِ؛ فَتَكْرَارُ النِّزَاعِ بَيْنَ الْوَالِدَيْنِ أَمَامَ الْأَبْنَاءِ يَنْعَكِسُ عَلَى نُمُوِّهِمُ النَّفْسِيِّ، وَيُؤَدِّي إِلَى إِحْدَاثِ شَرْخٍ بَيْنَ الْآبَاءِ وَأَبْنَائِهِمْ، وَهَذِهِ النِّزَاعَاتُ الْمُتَفَاقِمَةُ قَدْ تَنْتَهِي بِالطَّلَاقِ، وَتَفَرُّقِ الْأُسْرَةِ وَتَفَكُّكِهَا، وَتَشَرُّدِ الْأَبْنَاءِ وَضَيَاعِهِمْ، وَشُعُورِهِمْ بِالْكَرَاهِيَةِ وَالْحِقْدِ، وَرَغْبَتِهِمْ فِي الِانْتِقَامِ مِنَ الْوَالِدَيْنِ وَالْمُجَتْمَعِ بِشَكْلٍ عَامٍّ.

 

وَمِنْهَا: قَطْعُ الْأَرْحَامِ، خَاصَّةً إِذَا كَانَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ قَرَابَةٌ؛ فَتُؤَثِّرُ نِزَاعَاتُهُمُ الْمُسْتَمِرَّةُ عَلَى أَفْرَادِ أُسْرَتَيْهِمَا، وَتَحُلُّ الْكَرَاهِيَةُ وَالْبَغْضَاءُ وَالْقَطِيعَةُ مَحَلَّ الْمَحَبَّةِ وَالْمَوَدَّةِ وَالتَّوَاصُلِ.

 

وَمِنْ ذَلِكَ: انْحِدَارُ الْأَبْنَاءِ نَحْوَ الِانْحِرَافِ الْأَخْلَاقِيِّ، أَوِ ارْتِكَابُهُمْ بَعْضَ الْجَرَائِمِ، وَقَدْ أَكَّدَتْ دِرَاسَاتٌ مَيْدَانِيَّةٌ أَنَّ التَّفَكُّكَ الْأُسَرِيَّ سَبَبٌ رَئِيسٌ لِجُنُوحِ الشَّبَابِ لِلْجَرِيمَةِ، فَالْأُسْرَةُ الْمُفَكَّكَةُ بِيئَةٌ خَصْبَةٌ لِتَرْبِيَةٍ غَيْرِ سَوِيَّةٍ، وَنَشْأَةٍ غَيْرِ مُسْتَقِيمَةٍ، وَقَدْ أَثْبَتَتِ الْعَدِيدُ مِنَ الدِّرَاسَاتِ الْمُتَخَصِّصَةِ أَنَّ أَكْثَرَ الْجَانِحِينَ لِلْجَرِيمَةِ يَنْتَمُونَ إِلَى أُسَرٍ مُفَكَّكَةٍ، وَكَثِيرٌ مِنَ الْمَوْقُوفِينَ فِي دُورِ الْأَحْدَاثِ يَنْتَمُونَ إِلَى هَذِهِ الْأُسَرِ.

 

بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، أَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ؛ فَاسْتَغْفِرُوهُ؛ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

 

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:

 

الْحَمْدُ للهِ وَكَفَى، وَصَلَاةً وَسَلَامًا عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى، وَنَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَنَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، أَمَّا بَعْدُ:

 

عِبَادَ اللهِ: لِكُلِّ مُشْكِلَةٍ حُلُولٌ، وَوَسَائِلُ لِلْوِقَايَةِ؛ فَمِنْ حُلُولِ مُشْكِلَةِ التَّفَكُّكِ الْأُسَرِيِّ:

نَشْأَةُ الْأُسْرَةِ عَلَى التَّقْوَى وَالْإِيمَانِ، وَهَذَا يَقِيهَا مِنَ التَّفَكُّكِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ؛ فَالزَّوْجُ يَخَافُ اللهَ -تَعَالَى- وَالزَّوْجَةُ كَذَلِكَ، وَكُلٌّ يَعْرِفُ حُقُوقَ زَوْجِهِ عَلَيْهِ، وَمِنْ هُنَا رَاعَى الشَّرْعُ مَبْدَأَ تَكْوِينِ الْأُسْرَةِ الصَّالِحَةِ، وَنَبَّهَ إِلَى حُسْنِ الِاخْتِيَارِ لِلزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ؛ فَقَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي اخْتِيَارِ الزَّوْجِ: “إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ“(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ)، وَقَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي اخْتِيَارِ الزَّوْجَةِ: “تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ َلأرْبَعٍ: لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا؛ فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ، تَرِبَتْ يَدَاكَ“(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).

 

فَالزَّوْجَةُ الصَّالِحَةُ تُرَاعِي حَقَّ اللهِ فِي زَوْجِهَا، وَالزَّوْجُ الصَّالِحُ يُرَاعِي حَقَّ اللهِ فِي زَوْجَتِهِ؛ قَالَ رَسُول اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “لاَ يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً؛ إنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ“(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)، وَفِي ظِلِّ هَذَا الصَّلَاحِ يَنْشَأُ الْأَبْنَاءُ نَشْأَةً طَيِّبَةً صَالِحَةً.

 

وَمِنَ الْحُلُولِ: أَنْ تُحَلَّ الْخِلَافَاتُ الزَّوْجِيَّةُ وَفْقَ شَرْعِ اللهِ -تَعَالَى-، بَعِيدًا عَنِ الَّذِينَ يَزِيدُونَ الْمَشَاكِلَ تَعْقِيدًا؛ بِتَحْرِيضِهِمْ وَتَهْيِيجِهِمْ وَإِذْكَاءِ نَارِ الْفِتْنَةِ، وَتَأَمَّلْ كَيْفَ وَجَّهَنَا الْقُرْآنُ إِلَى حَلِّ الْمَشَاكِلِ الزَّوْجِيَّةِ الْمُتَفَاقِمَةِ؛ فَقَالَ -سُبْحَانَهُ-: (وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا)[النساء:35]؛ أَيْ: “رَجُلَيْنِ مُكَلَّفَيْنِ مُسْلِمَيْنِ عَدْلَيْنِ عَاقِلَيْنِ، يَعْرِفَانِ مَا بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَيَعْرِفَانِ الْجَمْعَ وَالتَّفْرِيقَ… فَيَنْظُرَانِ مَا يَنْقِمُ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ، ثُمَّ يُلْزِمَانِ كُلًّا مِنْهُمَا مَا يَجِبُ”(تَفْسِيرُ السَّعْدِيِّ)، وَلَا بَأْسَ مِنْ مُرَاجَعَةِ الْمُخْتَصِّينَ وَالِاسْتِشَارِيِّينَ فِي مَجَالِ الْأُسْرَةِ؛ لِتَقْرِيبِ وِجْهَاتِ النَّظَرِ وَوَضْعِ حُلُولٍ لِبَعْضِ الْمُشْكِلَاتِ.

 

وَمِنَ الْحُلُولِ: تَخْصِيصُ وَقْتٍ كَافٍ لِجُلُوسِ الْأَبِ مَعَ زَوْجِهِ وَأَوْلَادِهِ، يُحَدِّثُهُمْ وَيُحَدِّثُونَهُ، وَيُحَاوِرُهُمْ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِشُؤُونِهِمْ؛ فَإِنَّ أَفْرَادَ الْأُسْرَةِ بِحَاجَةٍ إِلَى مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْهِمْ، وَيَجْلِسُ مَعَهُمْ، وَالْأَبُ هُوَ الْمَسْؤُولُ وَالْقَائِمُ عَلَيْهَا، وَيُحِبُّ الْأَبْنَاءُ أَنْ يَتَحَلَّقُوا حَوْلَهُ وَيَسْتَمِعُوا لِحَدِيثِهِ؛ فَلَا يَنْبَغِي حِرْمَانُهُمْ مِنْ ذَلِكَ الْحَنَانِ الْأَبَوِيِّ.

 

وَمِنْهَا: التَّوَسُّطُ فِي التَّرْبِيَةِ؛ فَلَا إِفْرَاطَ وَلَا تَفْرِيطَ، مَعَ إِشْبَاعِ الْجَانِبِ الْعَاطِفِيِّ فِي الْأُسْرَةِ، يَقُولُ أَحَدُ الْمُتَخَصِّصِينَ: “كُلَّمَا زَادَ الْحُبُّ لِلْأَبْنَاءِ؛ زَادَتْ فُرْصَةُ حِفْظِهِمْ مِنَ الضَّيَاعِ”، وَبِحَسَبِ دِرَاسَاتٍ لِوَاقِعِ انْحِرَافَاتِ كَثِيرٍ مِنَ الْفَتَيَاتِ فَإِنَّ السَّبَبَ الرَّئِيسَ هُوَ الْقَسْوَةُ الزَّائِدَةُ مِنَ الْوَالِدَيْنِ، وَعَدَمُ إِشْبَاعِ عَوَاطِفِهِنَّ وَلَوْ بِكَلِمَاتِ وُدٍّ وَمَحَبَّةٍ؛ فَسُرْعَانَ مَا تَنْجَرِفُ مَعَ مَنْ يُسْمِعُهَا ذَلِكَ مِنْ خَارِجِ الْبَيْتِ، وَيُشْعِرُهَا بِبَعْضِ الِاهْتِمَامِ، خَاصَّةً مَعَ الِانْفِتَاحِ الرَّقَمِيِّ عَبْرَ شَبَكَاتِ النِّتِّ وَالْجَوَّالِ.

 

أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ: إِنَّ عَلَى الْوَالِدَيْنِ أَنْ يُدْرِكَا عِظَمَ الْمَسْؤُولِيَّةِ الْمُلْقَاةِ عَلَيْهِمَا تِجَاهَ أَبْنَائِهِمْ، خَاصَّةً فِي هَذَا الْوَقْتِ؛ فَالتَّرْبِيَةُ صَعْبَةٌ، وَالْمُعَوِّقَاتُ كَثِيرَةٌ، يَقُولُ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “كُلُّكُمْ رَاعٍ فَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ؛ فَالأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ“(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).

 

فَاحْفَظُوا أُسَرَكُمْ بِالْقِيَامِ بِمَا أَمَرَ اللهُ عَلَيْكُمْ مِنَ الْعَدْلِ وَالتَّسَامُحِ وَالتَّعَاوُنِ، وَلَا تَسْمَحُوا لِخِلَافَاتِكُمْ أَنْ تَظْهَرَ، فََيَتَصَدَّعَ كِيَانُ الْأُسْرَةِ، وَيَتَعَرَّضَ لِلتَّفَكُّكِ.

 

وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى الرَّحْمَةِ الْمُهْدَاةِ، الَّذِي أَمَرَكُمُ اللهُ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ؛ فَقَالَ: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56].

 

الملفات المرفقة
التفكك الأسري
عدد التحميل 46
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات