طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

17573

العنوسة أسبابها وعلاجها

المكان : المملكة العربية السعودية / الرياض / بدون / بدون /
تاريخ النشر : 1441/06/16
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/تفشي ظاهرة العنوسة 2/أسباب العنوسة 3/علاج ظاهرة العنوسة 4/نصائح للآباء والشباب والشابات.
اقتباس

وَمِنْ ذَلِكَ: تَأَثُّرُ بَعْضِ الْفَتَيَاتِ بِمَا يَبُثُّهُ الْإِعْلَامُ مِنْ تَضْلِيلٍ وَتَزْيِيفٍ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِأُمُورِ الزَّوَاجِ, فَكُلُّ الْمُسَلْسَلَاتِ وَالْأَفْلَامِ تَقْرِيبًا تُشَجِّعُ عَلَى فَسَادِ الْأَخْلَاقِ, وَالْعَلَاقَاتِ الْمُحَرَّمَةِ بَيْنَ الشَّبَابِ وَالْفَتَيَاتِ قَبْلَ الزَّوَاجِ, فِيمَا يُسَمُّونَهُ بِالْحُبِّ وَالْعِشْقِ؛ فَيُسَمِّمُونَ أَفْكَارَ الْبَنَاتِ…

الْخُطْبَةُ الْأُولَى:

 

إِنَّ الْحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران:102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب:70-71].

 

أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحَدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

 

مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ: إِنَّ مِنَ الْمُشْكِلَاتِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ الْمُنْتَشِرَةِ فِي زَمَانِنَا ظَاهِرَةَ الْعُنُوسَةِ, وَبَقَاءَ كَثِيرٍ مِنَ الْبَنَاتِ بِلَا أَزْوَاجٍ, وَلِهَذِهِ الظَّاهِرَةِ أَسْبَابُهَا, يَرْجِعُ بَعْضُهَا إِلَى الْمُجْتَمَعِ وَأُخْرَى إِلَى أَوْلِيَاءِ الْمَرْأَةِ. فَأَمَّا الْأَسْبَابُ الَّتِي تَرْجِعُ إِلَى الْمُجْتَمَعِ:

تَعْقِيدُ أُمُورِ الزَّوَاجِ بِمَا دَخَلَهُ مِنْ عَادَاتٍ وَتَقَالِيَدَ مُخَالِفَةٍ لِلشَّرْعِ, أَدَّتْ إِلَى غَلَاءِ الْمُهُورِ, وَارْتِفَاعِ تَكَالِيفِ الزَّوَاجِ, الَّذِي أَصْبَحَ بَعِيدَ الْمَنَالِ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الشَّبَابِ وَالشَّابَّاتِ!.

 

وَمِنْهَا: أَنَّ بَعْضَ الْأُسَرِ تَأْنَفُ أَنْ تُزَوِّجَ الْبِنْتَ الصُّغْرَى قَبْلَ زَوَاجِ أُخْتِهَا الْكُبْرَى, يَظُنُّونَ أَنَّ نَصِيبَ الْكُبْرَى قَدْ يَبُورُ بِسَبَبِ ذَلِكَ, أَوْ أَنَّ ابْنَتَهُمْ قَدْ تُصَابُ بِعُقَدٍ نَفْسِيَّةٍ حِينَ تَرَى أَخَوَاتِهَا يَتَزَوَّجْنَ قَبْلَهَا!! مُتَجَاهِلِينَ أَنَّ فِعْلَهُمْ ذَلِكَ قَدْ يُؤَدِّي إِلَى حِرْمَانِ بَنَاتِهِمْ جَمِيعًا مِنَ الزَّوَاجِ, فَالزَّوَاجُ قِسْمَةٌ كَالرِّزْقِ, وَالنَّصِيبُ يَأْتِي فِي أَوَانِهِ بِتَقْدِيرِ اللهِ -تَعَالَى-, وَكَمْ مِنْ فَتَاةٍ صَغِيرَةٍ تَزَوَّجَتْ قَبْلَ أُخْتِهَا الْكُبْرَى ثُمَّ لَحِقَتْهَا أُخْتُهَا بَعْدَهَا بِفَتْرَةٍ قَصِيرَةٍ؛ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ نَسُدَّ الْأَبْوَابَ عَلَى بَنَاتِنَا بِهَذَا التَّفْكِيرِ الَّذِي لَا يُوَافِقُهُ شَرْعٌ وَلَا عَقْلٌ!.

 

وَأَمَّا الْأَسْبَابُ الَّتِي تَعُودُ إِلَى أَوْلِيَاءِ الْأُمُورِ؛ فَمِنْ ذَلِكَ: رَفْضُ بَعْضِ الْآبَاءِ تَزْوِيجَ بَنَاتِهِمْ لِغَيْرِ أَبْنَاءِ عَشِيرَتِهِمْ، أَوْ مِمَّنْ هُوَ دُونَهُمْ مِنَ الطَّبَقَاتِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ، بِحَسَبِ الْعُرْفِ الِاجْتِمَاعِيِّ؛ فَيَرُدُّونَ لِذَلِكَ كُلَّ مَنْ يَخْطُبُ بَنَاتِهِمْ حَتَّى يَكْبَرْنَ، وَيَفُوتَ عَلَيْهِنَّ قِطَارُ الزَّوَاجِ فِي سِنٍّ مُبَكِّرٍ, وَكَثِيرٌ مِنَ الْبَنَاتِ يَشْكِينَ مِنْ ظُلْمِ آبَائِهِنَّ, وَتَقَيُّدِهِمْ بِهَذِهِ الْعَادَاتِ الَّتِي مَا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ.

 

وَمِنْهَا –أَيْضًا-: عَضْلُ بَعْضِ الْآبَاءِ بَنَاتِهِمْ مِنْ تَزْوِيجِهِنَّ بِأَزْوَاجِهِنَّ بَعْدَ طَلَاقِهِمْ لَهُنَّ، وَقَدْ رَضِيَ الطَّرَفَانِ عَلَى اسْتِئْنَافِ الْحَيَاةِ الزَّوْجِيَّةِ؛ فَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: “زَوَّجْتُ أُخْتًا لِي مِنْ رَجُلٍ فَطَلَّقَهَا، حَتَّى إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا جَاءَ يَخْطُبُهَا، فَقُلْتُ لَهُ: زَوَّجْتُكَ وَفَرَشْتُكَ وَأَكْرَمْتُكَ، فَطَلَّقْتَهَا، ثُمَّ جِئْتَ تَخْطُبُهَا، لاَ وَاللَّهِ لاَ تَعُودُ إِلَيْكَ أَبَدًا، وَكَانَ رَجُلًا لاَ بَأْسَ بِهِ، وَكَانَتِ المَرْأَةُ تُرِيدُ أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ: (فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ)[البقرة:232], فَقُلْتُ: الآنَ أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَزَوَّجَهَا إِيَّاهُ”(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ).

 

وَهُنَاكَ أَسْبَابٌ لِلْعُنُوسَةِ تَخُصُّ الْفَتَاةَ نَفْسَهَا؛ كَرَغْبَتِهَا فِي إِكْمَالِ دِرَاسَتِهَا عَلَى حِسَابِ زَوَاجِهَا؛ فَكُلَّمَا تَقَدَّمَ إِلَيْهَا خَاطِبٌ رَدَّتْهُ, وَلَا تَزَالُ تَفْعَلُ ذَلِكَ حَتَّى تَتَفَاجَأَ بِأَنَّهَا قَدْ كَبِرَتْ, أَوْ أَحْجَمَ عَنْهَا الشَّبَابُ, مَعَ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْفَتَيَاتِ تَزَوَّجْنَ وَأَكْمَلْنَ دِرَاسَتَهُنَّ, فَلَا تَنَاقُضَ بَيْنَ الزَّوَاجِ وَالدِّرَاسَةِ, بَلْ إِنَّ بَعْضَ الْأَزْوَاجِ كَانَ حَرِيصًا عَلَى إِكْمَالِ زَوْجَتِهِ لِدِرَاسَتِهَا, مُشَجِّعًا وَمُعِينًا لَهَا عَلَى ذَلِكَ.

 

وَمِنْ ذَلِكَ: أَنَّ بَعْضًا مِنَ الْفَتَيَاتِ قَدْ تَرْسُمُ فِي أَحْلَامِهَا أَوْصَافًا لِشَرِيكِهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ؛ مُتَأَثِّرَةً بِالْأَفْلَامِ وَالْمُسَلْسَلَاتِ الْهَابِطَةِ, هَذِهِ الْأَوْصَافُ الَّتِي فِي مُخَيَّلَتِهَا قَدْ لَا تَتَحَقَّقُ فِي كُلِّ خَاطِبٍ تَقَدَّمَ لَهَا, وَقَدْ تَكُونُ مِثَالِيَّةً غَيْرَ وَاقِعِيَّةٍ؛ فَتَسْتَمِرُّ الْبِنْتُ فِي أَحْلَامِهَا حَتَّى تَسْتَيْقِظَ عَلَى كِبَرِ سِنٍّ, وَعُزُوفِ الشَّبَابِ عَنْهَا!.

 

وَمِنْ ذَلِكَ: تَأَثُّرُ بَعْضِ الْفَتَيَاتِ بِمَا يَبُثُّهُ الْإِعْلَامُ مِنْ تَضْلِيلٍ وَتَزْيِيفٍ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِأُمُورِ الزَّوَاجِ, فَكُلُّ الْمُسَلْسَلَاتِ وَالْأَفْلَامِ تَقْرِيبًا تُشَجِّعُ عَلَى فَسَادِ الْأَخْلَاقِ, وَالْعَلَاقَاتِ الْمُحَرَّمَةِ بَيْنَ الشَّبَابِ وَالْفَتَيَاتِ قَبْلَ الزَّوَاجِ, فِيمَا يُسَمُّونَهُ بِالْحُبِّ وَالْعِشْقِ؛ فَيُسَمِّمُونَ أَفْكَارَ الْبَنَاتِ؛ حَيْثُ يَغْرِسُونَ فِي عُقُولِهِنَّ أَلَّا زَوَاجَ نَاجِحٌ إِلَّا عَنْ عَلَاقَةِ حُبٍّ وَعَاطِفَةٍ قَبْلَ الزَّوَاجِ!.

 

وَيَغِيبُ عَنْ عَقْلِ الْفَتَيَاتِ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ هُوَ مِنَ الْفِسْقِ وَالْفُجُورِ, وَكَيْفَ يَجْعَلُ اللهُ فِي الْفِسْقِ خَيْرًا وَبَرَكَةً؟! وَيَغِيبُ عَنْهُنَّ أَنَّ أَجْيَالًا كَامِلَةً مُنْذُ قُرُونٍ لَا يَعْرِفُونَ مِثْلَ هَذِهِ الْعَلَاقَاتِ الْمُحَرَّمَةِ الَّتِي يُرَوِّجُ لَهَا الْإِعْلَامُ الْخَبِيثُ, وَكَانَتْ زَوْجَاتُهُمْ يُضْرَبُ بِهِنَّ الْمَثَلَ فِي الْأَخْلَاقِ وَحُسْنِ الْمُعَامَلَةِ وَالْحُبِّ الْحَقِيقِيِّ, وَاللهُ -تَعَالَى- يَقُولُ: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)[الروم: 21]؛ فَالْمَوَدَّةُ وَالْمَحَبَّةُ وَالرَّحْمَةُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ إِنَّمَا تَكُونُ بَعْدَ الزَّوَاجِ لَا قَبْلَهُ!.

 

وَلَيْسَ هَذَا فَقَطْ مَا تَأَثَّرَتْ بِهِ بَنَاتُنَا مِنْ وَسَائِلِ الْإِعْلَامِ الْخَبِيثَةِ؛ فَهُنَاكَ النَّظْرَةُ السَّلْبِيَّةُ إِلَى تَعَدُّدِ الزَّوْجَاتِ, حَيْثُ تَرْفُضُ بَعْضُ الْبَنَاتِ أَنْ تَكُونَ الزَّوْجَةَ الثَّانِيَةَ, وَهَذَا سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ الْعُنُوسَةِ؛ حَيْثُ إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْمُجْتَمَعَاتِ تَرْتَفِعُ فِيهَا نِسْبَةُ الْإِنَاثِ عَنِ الذُّكُورِ، وَعِلَاجُ هَذِهِ الْمُشْكِلَةِ التَّعَدُّدُ؛ وَإِلَّا بَقِيَ نِسَاءٌ فِي الْمُجْتَمَعِ بِلَا زَوَاجٍ, وَمَنْ نَظَرَ إِلَى الْمُجْتَمَعَاتِ الْمُسْلِمَةِ قَدِيمًا لَنْ يَجِدَ امْرَأَةً بِلَا زَوْجٍ, حَتَّى الْأَرْمَلَةِ وَالْمُطَلَّقَةِ وَلَوْ بَلَغَ عُمْرُهَا مَا بَلَغَ تَجِدُ زَوْجًا لَهَا يَسْتُرُهَا, بِفَضْلِ التَّعَدُّدِ الَّذِي أَبَاحَهُ الشَّرْعُ؛ لِيَكُونَ أَحَدَ الْحُلُولِ النَّاجِحَةِ لِظَاهِرَةِ الْعُنُوسَةِ.

 

أَمَّا فِيمَا يَخْتَصُّ بِالشَّبَابِ؛ فَتُعَانِي بَعْضُ الْمُجْتَمَعَاتِ الْغَنِيَّةِ خَاصَّةً مِنْ عُزُوفِ شَبَابِهَا عَنِ الزَّوَاجِ مِنْ بَنَاتِ مُجْتَمَعَاتِهِمْ؛ فَأَصْبَحَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ يَرْغَبُ فِي جَمَالِ الْمَرْأَةِ فَقَطْ؛ فَصَارَ الزَّوَاجُ مِنَ الْأَجْنَبِيَّاتِ ظَاهِرَةً تُؤَدِّي إِلَى انْتِشَارِ الْعُنُوسَةِ بَيْنَ بَنَاتِ مُجْتمَعِهِمْ, وَمَعَ أَنَّ الْجَمَالَ مُعْتَبَرٌ فِي اخْتِيَارِ الزَّوْجَةِ لَكِنَّ الدِّينَ وَالْخُلُقَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ؛ فَالْحَيَاةُ الزَّوْجِيَّةُ يَنْشَأُ عَنْهَا أَبْنَاءٌ وَمَسْؤُولِيَّةٌ, وَالْأُمُّ هِيَ الْمَسْؤُولَةُ عَنِ التَّرْبِيَةِ, وَأَيُّ خَطَأٍ فِي الِاخْتِيَارِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أُمُورٌ قَدْ لَا تُحْمَدُ عُقْبَاهَا, وَالْقِصَصُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ, وَالْمُجْتَمَعُ يَعُجُّ بِكَثِيرٍ مِنَ الْمَشَاكِلِ الزَّوْجِيَّةِ، وَالَّتِي كَانَ سَبَبَهَا سُوءُ الِاخْتِيَارِ وَالتَّقْدِيرِ.

 

أَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ؛ فَاسْتَغْفِرُوهُ؛ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

 

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:

 

الْحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُ، أَمَّا بَعْدُ:

 

عِبَادَ اللهِ: تَنَاوَلْنَا فِي الْخُطْبَةِ الْأُولَى أَسْبَابَ ظَاهِرَةِ الْعُنُوسَةِ, وَلِمُعَالَجَةِ تِلْكَ الْأَسْبَابِ يَكُونُ الْعِلَاجُ لِهَذِهِ الظَّاهِرَةِ, فَعَلَى أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ فِي الْمُجْتَمَعِ مَسْؤُولِيَّةٌ فِي تَيْسِيرِ أُمُورِ الزَّوَاجِ, وَالتَّخْفِيفِ مِنْ تَكَالِيفِهِ, وَالِابْتِعَادِ عَنْ تِلْكَ الْعَادَاتِ السَّيِّئَةِ الَّتِي أَخَّرَتْ كَثِيرًا مِنَ الشَّبَابِ عَنْهُ؛ وَهُنَا نَتَسَاءَلُ لِمَاذَا التَّغَالِي فِي الْمُهُورِ وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ مَنْ سَيَدْفَعُ ثَمَنَ ذَلِكَ أَبْنَاؤُنَا وَبَنَاتُنَا؟! خَطَبَ عُمَرُ فَقَالَ: “أَلاَ لاَ تُغَالُوا بِصُدُقِ النِّسَاءِ؛ فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَكْرُمَةً فِى الدُّنْيَا أَوْ تَقْوَى عِنْدَ اللَّهِ, لَكَانَ أَوْلاَكُمْ بِهَا النَّبِىُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-, مَا أَصْدَقَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ, وَلاَ أُصْدِقَتِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِهِ؛ أَكْثَرَ مِنْ ثِنْتَىْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً“(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ).

 

أَلَيْسَ مِنَ الْمُؤْسِفِ أَنْ يَكُونَ الزَّوَاجُ وَمَا يُصَاحِبُهُ مِنِ احْتِفَالَاتٍ وَوَلَائِمَ مَظْهَرًا مِنْ مَظَاهِرِ الْفَخْرِ وَالتَّعَالِي, بَعْضُهُمْ يُغَالِي وَيُزَايِدُ كَيْ يَسْبِقَ غَيْرَهُ فَقَطْ, أَوْ كَيْ لَا يُقَالَ عَنْهُ: “إِنَّهُ أَقَلُّ مِنْ فُلَانٍ”, أَوْ لِيَتَحَدَّثَ النَّاسُ عَنْ عُرْسِهِ، مِمَّا يُؤَدِّي إِلَى عَجْزِ الشَّبَابِ عَنِ الزَّوَاجِ وَانْصِرَافِهِمْ إِلَى الْحَرَامِ! وَالنَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: “مَنْ لَبِسَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ؛ أَلْبَسَهُ اللَّهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- ثَوْبَ مَذَلَّةٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ“(رَوَاهُ أَحْمَدُ), زَادَ أَبُو دَاوُدَ: “ثُمَّ تُلَهَّبُ فِيهِ النَّارُ“(حَسَّنَهُ الْأَلْبَانِيُّ).

 

أَيُّهَا النَّاسُ: اعْلَمُوا أَنَّ بَرَكَةَ الزَّوَاجِ فِي يُسْرِ الْمُهُورِ وَقِلَّةِ التَّكَالِيفِ؛ قَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “إِنَّ مِنْ يُمْنِ الْمَرْأَةِ؛ تَيْسِيرَ خِطْبَتِهَا, وَتَيْسِيرَ صَدَاقِهَا, وَتَيْسِيرَ رَحِمِهَا“(رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ وَحَسَّنَهُ الْأَلْبَانِيُّ)؛ “مِنْ يُمْنِ الْمَرْأَةِ” أَيْ: مِنْ بَرَكَتِهَا وَسَعَادَتِهَا فِي زَوَاجِهَا.

 

وَلَا تَجْعَلُوا الْعَادَاتِ وَالتَّقَالِيدَ تَقُودُكُمْ إِلَى مَا لَا يُرْضِي اللهَ -تَعَالَى-, وَاجْعَلُوا الشَّرْعَ حَاكِمًا عَلَى تَصَرُّفَاتِكُمْ وَعَادَاتِكُمْ بِمَا وَافَقَ شَرْعَ اللهِ فَخُذُوهُ, وَمَا خَالَفَ الشَّرْعَ فَذَرُوهُ؛ (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ)[الشورى: 10], (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)[الحشر: 7].

 

أَيُّهَا الْآبَاءُ: إِذَا تَقَدَّمَ لِخِطْبَةِ بَنَاتِكُمْ مَنْ حَسُنَ خُلُقُهُ وَدِينُهُ فَلَا تَرُدُّوهُ؛ فَإِنَّكُمْ إِنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ -بِسَبَبِ الْعَادَاتِ وَالتَّقَالِيدِ- فَقَدْ خَالَفْتُمْ أَمْرَ نَبِيِّكُمْ لَكُمْ, الْقَائِلِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ؛ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتَنَةٌ فِي الْأَرْضِ, وَفَسَادٌ عَرِيضٌ“(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ).

 

كَمْ مِنْ أَبٍ طَمِعَ فِي مَالِ الْخَاطِبِ وَمَنْصِبِهِ وَجَاهِهِ وَوَظِيفَتِهِ ثُمَّ نَدِمَ بَعْدَ ذَلِكَ؛ حُزْنًا وَأَسَفًا عَلَى ابْنَتِهِ مِنْ سُوءِ مُعَامَلَةِ زَوْجِهَا لَهَا! فَاللهَ اللهَ فِي بَنَاتِكُمْ لَا تَبِيعُوهُنَّ بِدُنْيَا فَانِيَةٍ, كَمْ مِنْ فَقِيرٍ لَهُ عِنْدَ اللهِ شَأْنٌ وَمَكَانَةٌ؛ فعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ لِرَجُلٍ عِنْدَهُ جَالِسٍ:  “مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا؟” فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ: هَذَا وَاللَّهِ حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ, قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:  “مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا؟” فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ، هَذَا حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ لَا يُنْكَحَ, وَإِنْ شَفَّعَ أَنْ لَا يُشَفَّعَ, وَإِنْ قَالَ أَنْ لَا يُسْمَعَ لِقَوْلِهِ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الْأَرْضِ مِثْلَ هَذَا“(مُتَّفَقٌ عَلَيْه).

 

أَيُّهَا الْآبَاءُ: رَبُّوا أَبْنَاءَكُمْ عَلَى الْفَضِيلَةِ وَالْأَخْلَاقِ النَّبِيلَةِ, وَاحْذَرُوا مِنْ تَأْثِيرِ الْإِعْلَامِ الْفَاسِدِ الْهَابِطِ, خَاصَّةً عَلَى عُقُولِ النِّسَاءِ؛ فَإِنَّهُنَّ عَاطِفِيَّاتٌ, يَتَأَثَّرْنَ بِسُهُولَةٍ بِمَا يُشَاهِدْنَ وَيَسْمَعْنَ مِنَ الْقِصَصِ الَّتِي تَبُثُّهَا تِلْكَ الْأَفْلَامُ الْمَاجِنَةُ, وَالْمُسَلْسَلَاتُ الْهَابِطَةُ, فَمَا الَّذِي غَيَّرَ عُقُولَ كَثِيرٍ مِنَ النِّسَاءِ وَجَعَلَهُنَّ يَحْمِلْنَ تَصَوُّرَاتٍ خَاطِئَةً وَأَفْكَارًا غَيْرَ صَحِيحَةٍ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِأُمُورِ الزَّوَاجِ غَيْرَ مَا يُبَثُّ مِنْ وَسَائِلِ الْإِعْلَامِ لَيْلَ نَهَارَ, وَيَسْتَهْدِفُ فِكْرَ الْمَرْأَةِ وَأَخْلَاقَهَا عَلَى وَجْهِ التَّحْدِيدِ!.

 

مَنْ لِي بِتَرْبِيَةِ النِّسَاءِ فَإِنَّهَا *** فِي الشَّرْقِ عِلَّةُ ذَلِكَ الإِخْفَاقِ

الأُمُّ مَدْرَسَةٌ إِذَا أَعْدَدْتَهَا *** أَعْدَدْتَ شَعْبًا طَيِّبَ الْأَعْرَاقِ

رَبُّوا الْبَنَاتِ عَلَى الْفَضِيلَةِ إِنَّهَا *** فِي الْمَوْقِفَيْنِ لَهُنَّ خَيْرُ وَثَاقِ

وَعَلَيْكُمُ أَنْ تَسْتَبِينَ بَنَاتُكُمْ *** نُورَ الْهُدَى وَعَلَى الْحَيَاءِ الْبَاقِي

 

وَأَنْتُمْ -مَعْشَرَ الشَّبَابِ وَالشَّابَّاتِ- اتْرُكُوا الْمِثَالِيَّاتِ وَالْأَحْلَامَ الَّتِي تَصْنَعُهَا الْمُسَلْسَلَاتُ وَالْأَفْلَامُ, عِيشُوا وَاقِعَكُمْ كَمَا عَاشَهُ آبَاؤُكُمْ وَأَجْدَادُكُمْ, لَا تُبَالِغُوا كَثِيرًا فِي شُرُوطِ مَنْ تُرِيدُونَهُ زَوْجًا لَكُمْ, وَامْتَثِلُوا هَذِهِ الْوَصِيَّةَ النَّبَوِيَّةَ الْمُبَارَكَةَ تَسْعَدْ حَيَاتُكُمُ الزَّوْجِيَّةُ, وَتَطِبْ لَكُمُ الْعِشْرَةُ, قَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ َلأرْبَعٍ: لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا؛ فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ، تَرِبَتْ يَدَاكَ“(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).

 

وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى الرَّحْمَةِ الْمُهْدَاةِ، الَّذِي أَمَرَكُمُ اللهُ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ؛ فَقَالَ: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56].

 

الملفات المرفقة
العنوسة أسبابها وعلاجها
عدد التحميل 22
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات