طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

17559

طرق الوقاية من تعاطي المخدرات

المكان : المملكة العربية السعودية / الرياض / بدون / بدون /
تاريخ النشر : 1441/06/14
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/المخدرات آفة العصر 2/دور الأسرة والمدرسة في مكافحة المخدرات 3/دور المسجد والمؤسسات الرسمية في مكافحة المخدرات 4/ وسائل وأفكار للوقاية من المخدرات 5/طرق علاج المخدرات.
اقتباس

الْمَدْرَسَةُ هِيَ الْمَحْضِنُ التَّرْبَوِيُّ الثَّانِي الَّذِي يَمْكُثُ فِيهِ الطَّالِبُ فَتْرَةً طَوِيلَةً يَوْمِيًّا, وَيَتَلَقَّى كَثِيرًا مِنَ الْمَفَاهِيمِ وَالتَّصَوُّرَاتِ وَالْقِيَمِ مِنْ خِلَالِهَا؛ وَلِذَا يَنْبَغِي أَنْ يَضْطَلِعَ الْمُدَرِّسُونَ بِدَوْرٍ مُهِمٍّ: تَعْرِيُف الطُّلَّابِ بِأَضْرَارِ الْمُخَدِّرَاتِ وَمُكَافَحَتِهَا؛ فَمِنْ خِلَالِ الْمَنْهَجِ الدِّرَاسِيِّ يُمْكِنُ تَخْصِيصُ بَعْضِ الدُّرُوسِ لِتَنَاوُلِ ظَاهِرَةِ انْتِشَارِ الْمُخَدِّرَاتِ، وَبَيَانِ أَضْرَارِهَا، وَالتَّحْذِيرِ مِنْهَا…

الْخُطْبَةُ الْأُولَى:

 

إِنَّ الْحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران:102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب:70-71].

 

أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحَدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

 

عِبَادَ اللهِ: إِنَّ الْمُخَدِّرَاتِ آفَةٌ خَبِيثَةٌ, وَبَلَاءٌ مُسْتَطِيرٌ, يَجْتَاحُ مُجْتَمَعَاتِ الْمُسْلِمِينَ, وَيَفْتِكُ بِشَبَابِهَا, وَمُكَافَحَةُ الْمُخَدِّرَاتِ وَطُرُقُ الْوِقَايَةِ لَيْسَ مَنُوطًا بِالْجِهَاتِ الْأَمْنِيَّةِ وَحْدَهَا, بَلْ هُوَ مَسْؤُولِيَّةُ الْمُجْتَمَعِ كُلِّهِ؛ بَدْءًا مِنَ الْأُسْرَةِ فَالْمَدْرَسَةِ وَالْمَسْجِدِ وَالسُّلْطَةِ, وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمُؤَسَّسَاتِ دَوْرُهُ الَّذِي يَتَكَامَلُ مَعَ الْآخَرِينَ لِلْحَدِّ مِنْ ظَاهِرَةِ الْمُخَدِّرَاتِ, وَتَخْلِيصِ الْمُجْتَمَعِ مِنْ أَضْرَارِهَا وَدَفْعِ شَرِّهَا, عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-، عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: “مَثَلُ القَائِمِ في حُدُودِ اللهِ وَالوَاقعِ فِيهَا, كَمَثَلِ قَومٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ فَصَارَ بَعْضُهُمْ أعْلاها وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا, وَكَانَ الَّذِينَ في أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوا مِنَ المَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقهُمْ, فَقَالُوا: لَوْ أنَّا خَرَقْنَا في نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤذِ مَنْ فَوقَنَا؛ فَإِنْ تَرَكُوهُمْ وَمَا أرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا, وَإنْ أخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا“(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ).

 

أَيُّهَا الْإِخْوَةُ: اعْتَنَى الْإِسْلَامُ بِبِنَاءِ الْأُسْرَةِ؛ لِأَنَّهَا لَبِنَةُ الْمُجْتَمَعِ الْأُولَى, وَأَيُّ خَلَلٍ فِي بِنْيَةِ الْأُسْرَةِ يَتْرُكُ تَأْثِيرَهُ عَلَى الْمُجْتَمَعِ؛ وَلِذَا فَإِنَّ مُكَافَحَةَ الْمُخَدِّرَاتِ وَالْوِقَايَةَ مِنْهَا أَوَّلُ مَا يَبْدَأُ مِنْ دَاخِلِ الْأُسْرَةِ الْمُسْلِمَةِ, وَحِينَ تُقَصِّرُ الْأُسْرَةُ فِي وَاجِبِ التَّرْبِيَةِ يَقَعُ بَعْضُ أَبْنَائِهَا فَرِيسَةً لِهَذِهِ الْآفَةِ, يَقُولُ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: “كُلُّكُمْ رَاعٍ فَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ؛ فَالأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ“(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ مِنْ حُقُوقِ الْأَبْنَاءِ عَلَى آبَائِهِمْ حُسْنَ رِعَايَتِهِمْ, وَالِاهْتِمَامَ بِتَرْبِيَتِهِمُ التَّرْبِيَةَ الصَّالِحَةَ, وَالْحَيْلُولَةَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يُفْسِدُ أَخْلَاقَهُمْ, أَوْ يُشَوِّهُ تَفْكِيرَهُمْ وَتَصَوُّرَاتِهِمْ مِنْ وَسَائِلِ الْإِعْلَامِ الْهَابِطِ, وَتَجْنِيبَهُمْ رُفَقَاءَ السُّوءِ, وَتَوْفِيرَ بِيئَةٍ تَرْبَوِيَّةٍ تُعِينُهُمْ عَلَى التَّنْشِئَةِ الصَّالِحَةِ, يَنْبَغِي تَقْوِيَةُ الْإِيمَانِ فِي نُفُوسِهِمْ, وَغَرْسُ مُرَاقَبَةِ اللهِ -تَعَالَى- فِي قُلُوبِهِمْ, وَتَقْوِيَةُ صِلَتِهِمْ بِهِ -سُبْحَانَهُ-, كَمَا يَنْبَغِي تَوْعِيَةُ الْأَبْنَاءِ بِمَخَاطِرِ الْمُخَدِّرَاتِ وَخُبْثِهَا, وَبَيَانِ أَضْرَارِهَا الْخَطِيرَةِ لَهُمْ, وَضَرْبِ الْقَصَصِ الْوَاقِعِيَّةِ عَنْ مَآلَاتِ أَصْحَابِهَا, وَالْمَآسِي الَّتِي جَلَبُوهَا لِأُسَرِهِمْ.

 

وَلْنَنْظُرْ إِلَى لُقْمَانَ الْحَكِيمِ كَيْفَ كَانَ يَغْرِسُ الْإِيمَانَ فِي قَلْبِ ابْنِهِ، وَيُعَرِّفُهُ بِالطَّاعَةِ، وَيُحَذِّرُهُ الْمَعْصِيَةَ؛ (يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ * يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ)[لقمان: 16-17]؛ وَقَدْ قَصَّ اللهُ لَنَا خَبَرَهُ لِنَحْذُوَ حَذْوَهُ فِي تَرْبِيَةِ أَبْنَائِنَا, فَهَلْ قُمْنَا بِمَا يَجِبُ عَلَيْنَا تِجَاهَ أَوْلَادِنَا؟

 

أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ: إِنَّ الْمَدْرَسَةَ هِيَ الْمَحْضِنُ التَّرْبَوِيُّ الثَّانِي الَّذِي يَمْكُثُ فِيهِ الطَّالِبُ فَتْرَةً طَوِيلَةً يَوْمِيًّا, وَيَتَلَقَّى كَثِيرًا مِنَ الْمَفَاهِيمِ وَالتَّصَوُّرَاتِ وَالْقِيَمِ مِنْ خِلَالِهَا؛ وَلِذَا يَنْبَغِي أَنْ يَضْطَلِعَ الْمُدَرِّسُونَ بِدَوْرٍ مُهِمٍّ: تَعْرِيُف الطُّلَّابِ بِأَضْرَارِ الْمُخَدِّرَاتِ وَمُكَافَحَتِهَا؛ فَمِنْ خِلَالِ الْمَنْهَجِ الدِّرَاسِيِّ يُمْكِنُ تَخْصِيصُ بَعْضِ الدُّرُوسِ لِتَنَاوُلِ ظَاهِرَةِ انْتِشَارِ الْمُخَدِّرَاتِ، وَبَيَانِ أَضْرَارِهَا، وَالتَّحْذِيرِ مِنْهَا.

 

وَلِلْمُعَلِّمِ دَوْرُهُ فِي التَّوْعِيَةِ وَالتَّوْجِيهِ, وَكَذَا الْإِذَاعَةُ الْمَدْرَسِيَّةُ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ تَتَنَاوَلَ مَوْضُوعَاتٍ تَتَعَلَّقُ بِالْمُخَدِّرَاتِ, وَهُنَاكَ الْمَطْوِيَّاتُ وَالْمَنْشُورَاتُ, وَالْمُلْصَقَاتُ الْإِرْشَادِيَّةُ التَّوْضِيحِيَّةُ وَالتَّحْذِيرِيَّةُ, وَحَبَّذَا عَرْضُ قَصَصٍ وَاقِعِيَّةٍ عَنْ آثَارِ الْمُخَدِّرَاتِ، تُحْكَى بِأَلْسِنَةِ مَنْ وَقَعُوا فِي شِبَاكِهَا؛ فَكَثِيرًا مَا يَقَعُ فِي وَحْلِ هَذِهِ السُّمُومِ مَنْ يَجْهَلُ أَثَرَهَا الْمُدَمِّرَ, ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَنْدَمُ أَشَدَّ النَّدَمِ؛ إِذْ يَبْدَأُ الْأَمْرُ بِتَجْرِبَةٍ أَوْ مَزْحَةٍ أَوِ اسْتِهْتَارٍ بِالْعَوَاقِبِ, ثُمَّ يَغْرَقُ الْمَرْءُ فِي بَحْرِ الْإِدْمَانِ, وَلَا يَسْتَطِيعُ التَّخَلُّصَ مِنْهُ.

 

أَتَانِي هَوَاهَا قَبْلَ أَنْ أَعْرِفَ الْهَوَى *** فَصَادَفَ قَلْبًا خَالِيًا فَتَمَكَّنَا

 

فَمَنْ عَرَفَ أَضْرَارَ هَذِهِ السُّمُومِ وَآثَارَهَا كَانَ بَعِيدًا عَنْهَا, كَمَا قِيلَ:

عَرَفْتُ الشَّرَّ لَا لِلشَّر *** لَكِنْ لِتَوَقِّيهِ

وَمَنْ لَمْ يَعْرِفِ الشَّرَّ *** مِنَ الْخَيْرِ يَقَعْ فِيهِ

 

بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ. أَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ؛ فَاسْتَغْفِرُوهُ؛ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

 

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:

 

الْحَمْدُ للهِ وَكَفَى، وَصَلَاةً وَسَلَامًا عَلَى عِبَادِهِ الَّذِين اصْطَفَى، وَنَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَنَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، أَمَّا بَعْدُ:

 

عِبَادَ اللهِ: وَأَمَّا دَوْرُ الْمَسْجِدِ فَهُوَ دَوْرٌ مُهِمٌّ جِدًّا؛ لِمَا يَحْتَلُّهُ الْمَسْجِدُ مِنْ مَكَانَةٍ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ, وَالْخِطَابُ الدِّينِيُّ أَكْثَرُ الْخِطَابَاتِ تَأْثِيرًا عَلَى الْفَرْدِ, وَأَهْلُهُ مَقْبُولُونَ اجْتِمَاعِيًّا مِنْ مُخْتَلَفِ فِئَاتِ الْمُجْتَمَعِ, وَيُمْكِنُ مُكَافَحَةُ الْمُخَدِّرَاتِ مِنْ خِلَالِ الْمَسْجِدِ؛ عَنْ طَرِيقِ الِاسْتِغْلَالِ الْأَمْثَلِ لِخُطَبِ الْجُمُعَةِ فِي تَنَاوُلِ هَذِهِ الظَّاهِرَةِ, وَتَكْثِيفِ الْوَعْظِ وَالْإِرْشَادِ, وَالْمُحَاضَرَاتِ وَالنَّدَوَاتِ، وَاسْتِضَافَةِ الْمُتَخَصِّصِينَ مِنْ أَطِبَّاءَ وَاخْتِصَاصِيِّينَ نَفْسِيِّين, وَجِهَاتٍ رَسْمِيَّةٍ مُتَخَصِّصَةٍ, وَلِيَتَعَاوَنَ أَهْلُ الْحَيِّ مَعَ الْمَسْجِدِ فِي مُحَارَبَةِ هَذِهِ الظَّاهِرَةِ؛ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمَسْجِدُ إِشْعَاعَ نُورٍ, وَمِشْعَلَ إِصْلَاحٍ فِي الْحَيِّ الَّذِي هُوَ فِيهِ.

 

عِبَادَ اللهِ: إِنَّ بَيَانَ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ فِي الْمُخَدِّرَاتِ وَتَذْكِيرَ النَّاسِ بِهِ أَمْرٌ غَايَةٌ فِي الْأَهَمِّيَّةِ؛ فَالْمُسْلِمُ مَهْمَا ضَعُفَ إِيمَانُهُ وَوَقَعَ فِي الْمَعَاصِي يَنْزَجِرُ إِذَا ذُكِّرَ, وَتُؤَثِّرُ فِيهِ نُصُوصُ الْوَعِيدِ, عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ رَجُلًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ اسْمُهُ عَبْدَ اللهِ, وَكَانَ يُلَقَّبُ حِمَارًا، وَكَانَ يُضْحِكُ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَدْ جَلَدَهُ فِي الشَّرَابِ، فَأُتِيَ بِهِ يَوْمًا، فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: اللهُمَّ الْعَنْهُ مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “لَا تَلْعَنْهُ، فَوَاللهِ مَا عَلِمْتُ أَنَّهُ لَيُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ“(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ).

 

فَلْنُبَيِّنْ لَهُمُ الْأَحَادِيثَ الزَّاجِرَةَ عَنْ تَنَاوُلِ الْخُمُورِ وَالْمُسْكِرَاتِ, وَشِدَّةِ عُقُوبَةِ أَهْلِهَا فِي الْآخِرَةِ؛ قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ” إِنَّ عَلَى اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- عَهْدًا لِمَنْ يَشْرَبُ الْمُسْكِرَ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ“, فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمَا طِينَةُ الْخَبَالِ؟ قَالَ: “عَرَقُ أَهْلِ النَّارِ” أَوْ “عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ“(رَوَاهُ مُسْلِمٌ)، وَقَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “وَمَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِى الدُّنْيَا فَمَاتَ وَهُوَ يُدْمِنُهَا لَمْ يَتُبْ مِنْهَا؛ لَمْ يَشْرَبْهَا فِى الآخِرَةِ“(رَوَاهُ مُسْلِمٌ), وَقَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ، فَسَكِرَ؛ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، فَإِنْ مَاتَ؛ دَخَلَ النَّارَ، فَإِنْ تَابَ؛ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ“(رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ), وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: “لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فِي الْخَمْرِ عَشَرَةً: عَاصِرَهَا، وَمُعْتَصِرَهَا، وَشَارِبَهَا، وَحَامِلَهَا، وَالْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ، وَسَاقِيَهَا، وَبَائِعَهَا، وَآكِلَ ثَمَنِهَا، وَالْمُشْتَرِي لَهَا، وَالْمُشْتَرَى لَهُ“(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ)؛ وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ الْمُخَدِّرَاتِ أَخْبَثُ مِنْهَا, وَأَشَدُّ ضَرَرًا وَفَسَادًا.

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: وَالدَّوْرُ الْأَسَاسُ فِي مُكَافَحَةِ الْمُخَدِّرَاتِ وَمُحَارَبَتِهَا يَقَعُ عَلَى الْجِهَاتِ الرَّسْمِيَّةِ الْخَاصَّةِ بِمُكَافَحَةِ هَذِهِ الْآفَةِ, خَاصَّةً الْجِهَاتِ الْأَمْنِيَّةَ الَّتِي أُنْشِئَتْ لِهَذَا الْغَرَضِ؛ فَعَلَيْهَا وَاجِبُ الْقِيَامِ بِمُهِمَّتِهَا عَلَى أَكْمَلِ وَجْهٍ؛ فَهِيَ السَّدُّ الْمَنِيعُ أَمَامَ هَذَا الطُّوفَانِ الْكَبِيرِ الَّذِي اجْتَاحَ بَعْضَ الدُّوَلِ؛ حَتَّى أَصْبَحَ مِنَ الْمُسْتَحِيلِ التَّخَلُّصُ مِنْهُ فِي فَتْرَةٍ قَصِيرَةٍ.

 

فَعَلَى هَذِهِ الْجِهَاتِ أَنْ تَكُونَ يَقِظَةً مُتَنَبِّهَةً لِوَسَائِلِ الْمُرَوِّجِينَ وَتُجَّارِ السُّمُومِ؛ حَيْثُ يَسْتَخْدِمُونَ كَافَّةَ السُّبُلِ وَالْحِيَلِ لِتَهْرِيبِ هَذِهِ الْآفَةِ وَإِدْخَالِهَا بِلَادَ الْمُسْلِمِينَ, وَمِنْ ثَمَّ نَشْرُهَا بَيْنَ الشَّبَابِ, خَاصَّةً فِي تَجَمُّعَاتِهِمْ؛ كَالْمَدَارِسِ وَالْجَامِعَاتِ؛ فَتَعْزِيزُ الرَّقَابَةِ, وَتَقْوِيَةُ الصِّلَاتِ بِالْمُجْتَمَعِ أَمْرٌ مُهِمٌّ فِي التَّضْيِيقِ عَلَى أَصْحَابِ هَذِهِ الْخَبَائِثِ.

 

فَيُعَزِّزُ كُلُّ ذَلِكَ بِوَضْعِ الْقَوَانِينِ الرَّادِعَةِ لِتِجَارَةِ الْمُخَدِّرَاتِ, أَوْ تَهْرِيبِهَا أَوْ تَعَاطِيهَا, وَتَغْلِيظِ الْعُقُوبَاتِ عَلَى الْمُهَرِّبِينَ وَالْمُرَوِّجِينَ؛ فَحِينَ ذَكَرَ اللهُ حَدَّ الزِّنَا خَتَمَهُ بِقَوْلِهِ: (وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ)[النور: 2].

 

أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ: إِنَّ مِنْ وَسَائِلِ الْوِقَايَةِ مِنَ الْمُخَدِّرَاتِ: تَوْفِيرَ الْأَمَاكِنِ الصَّالِحَةِ لِاسْتِثْمَارِ وَقْتِ الْفَرَاغِ؛ فَالْفَرَاغُ مَفْسَدَةٌ إِنْ لَمْ يُشْغَلْ بِالْخَيْرِ شَغَلَ صَاحِبَهُ بِالْبَاطِلِ, فَيَنْبَغِي الِاسْتِثْمَارُ الْأَمْثَلُ لِوَقْتِ الْفَرَاغِ بِمَا يَنْفَعُ, وَيُفَرِّغُ الطَّاقَةَ الْكَبِيرَةَ لَدَيْهِمْ فِيمَا يُفِيدُ؛ كَدَوْرَاتٍ مِهَنِيَّةٍ, يَتَعَلَّمُونَ مِنْهَا مِهْنَةً يَشْغَلُونَ بِهَا وَقْتَهُمْ, أَوْ نَشَاطَاتٍ رِيَاضِيَّةً هَادِفَةً, وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يَشْغَلُهُمْ بِالْخَيْرِ، وَيَقْضُونَ بِهِ وَقْتَ فَرَاغِهِمْ.

 

وَمِنْ ذَلِكَ: إِجْرَاءُ فُحُوصَاتٍ طِبِّيَّةٍ لِطُلَّابِ الْمَدَارِسِ الثَّانَوِيَّةِ وَالْجَامِعِيَّةِ خَاصَّةً؛ لِلتَّأَكُّدِ مِنْ خُلُوِّ أَجْسَامِهِمْ مِنَ الْمَوَادِّ الْمُخَدِّرَةِ؛ لِلتَّعَرُّفِ عَلَى مَنْ وَقَعَ فِي شِرَاكِ هَذِهِ الْآفَةِ الْمُدَمِّرَةِ؛ حَتَّى يَخْضَعَ لِلْعِلَاجِ اللَّازِمِ, وَيُحْمَى بَقِيَّةُ الطُّلَّابِ مِنْ هَذِهِ السُّمُومِ عَنْ طَرِيقِ الصُّحْبَةِ الَّتِي لَهَا تَأْثِيرٌ كَبِيرٌ فِي انْتِشَارِ الْمُخَدِّرَاتِ بَيْنَ الشَّبَابِ.

 

عِبَادَ اللهِ: وَفِي مُقَابِلِ هَذِهِ الْجُهُودِ مُجْتَمِعَةً يَنْبَغِي إِيجَادُ مُؤَسَّسَاتٍ صِحِّيَّةٍ وَنَفْسِيَّةٍ؛ لِعِلَاجِ مَنْ وَقَعَ فِي مُسْتَنْقَعِ هَذِهِ السُّمُومِ, فَهَؤُلَاءِ الْمُدْمِنُونَ ضَحَايَا غَرِقُوا وَهُمْ بِحَاجَةٍ إِلَى مَنْ يَنْتَشِلُهُمْ مِنْ هَذَا الْغَرَقِ, يَحْتَاجُونَ إِلَى الْعِلَاجِ, وَيَحْتَاجُونَ إِلَى التَّأْهِيلِ النَّفْسِيِّ, وَكَذَا دَمْجُهُمْ فِي الْمُجْتَمَعِ؛ حَتَّى لَا يَعُودُوا مَرَّةً أُخْرَى إِلَى تَعَاطِي هَذِهِ السُّمُومِ.

 

عِبَادَ اللهِ: هُنَاكَ تَجَارِبُ نَاجِحَةٌ لِبَعْضِ الْمُؤَسَّسَاتِ التَّرْبَوِيَّةِ الْخَاصَّةِ بِالْوِقَايَةِ مِنَ الْمُخَدِّرَاتِ وَعِلَاجِهَا فِي بَعْضِ الدُّوَلِ، آتَتْ ثِمَارًا طَيِّبَةً فِي تَخَلُّصِ بَعْضِ الشَّبَابِ مِنْ هَذِهِ الْآفَةِ إِلَى الْأَبَدِ, وَذَلِكَ عَنْ طَرِيقِ الْوَسَائِلِ وَالْخُطُوَاتِ الْآتِيَةِ: الْعِلَاجُ الطِّبِّيُ وَالنَّفْسِيُّ, وَتَرْكُ رُفَقَاءِ السُّوءِ, وَمُصَاحَبَةُ الْأَخْيَارِ, وَالِابْتعَادُ عَنْ بِيئَةِ الْإِدْمَانِ, وَالْقِيَامُ بِالْفَرَائِضِ الدِّينِيَّةِ, وَتَقْوِيَةُ الْجَوَانِبِ الْإِيمَانِيَّةِ لَدَيْهِ, مَعَ شَغْلِ وَقْتِ الْفَرَاغِ بِالنَّافِعِ وَالْمُفِيدِ, وَمُراجَعَةِ الطَّبِيبِ وَالْمُسْتَشَارِ النَّفْسِيِّ, مَعَ تَعْزِيزِ جَانِبِ التَّفْكِيرِ الْإِيجَابِيِّ لِمُعَالَجَةِ النَّفْسِ وَخَطَرَاتِهَا وَوَسَاوِسِهَا مِنْ خِلَالِ: تَذْكِيرِ الْفَرْدِ بِالْخَسَائِرِ الْمَادِّيَّةِ وَالرُّوحِيَّةِ وَالنَّفْسِيَّةِ لِهَذِهِ السُّمُومِ, وَتَذْكِيرِهِ بِالْآخِرَةِ، وَأَنَّ الْإِنْسَانَ مُحَاسَبٌ عَلَى كُلِّ أَعْمَالِهِ, وَتَعْمِيقِ مُرَاقَبَتِهِ للهِ -عَزَّ وَجَلَّ- فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ.

 

أَيُّهَا الْآبَاءُ: الْوَصِيَّةُ الْمُؤَكَّدَةُ لَكُمْ هِيَ الْحِرْصُ عَلَى أَبْنَائِكُمْ وَبَنَاتِكُمْ وَمُتَابَعَتُهُمْ وَمُلَاحَظَةُ أَصْدِقَائِهِمْ، وَلَا يَعْنِي ذَلِكَ حِصَارَهُمْ، بَلِ الثِّقَةُ مَعَ الْمُتَابَعَةِ وَالتَّرْبِيَةِ مَعَ الْمُرَاقَبَةِ؛ فَعَلَى الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ أَنْ يَقُومُوا بِوَاجِبِهِمْ بِصِدْقٍ وَجِدِّيَّةٍ، وَالْحَذَرَ الْحَذَرَ مِنَ التَّهَاوُنِ وَاللَّامُبَالَاةِ؛ فَإِنَّ الْمَرْءَ لَوْ وَقَعَ فَرِيسَةً لِلْمُخَدِّرَاتِ صَعُبَ عَلَيْهِ الْخَلَاصُ وَالْفِكَاكُ مِنْهَا بِسُهُولَةٍ, وَرُبَّمَا صَارَ نَكْبَةً عَلَى أُسْرَتِهِ؛ فَالْمُخَدِّرَاتُ جَحِيمٌ لَا يُطَاقُ, وَالْوَاقِعُ الْمُؤْلِمُ لِأَصْحَابِهِ خَيْرُ شَاهِدٍ وَدَلِيلٍ.

 

وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى الرَّحْمَةِ الْمُهْدَاةِ، الَّذِي أَمَرَكُمُ اللهُ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ؛ فَقَالَ: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56].

 

الملفات المرفقة
طرق الوقاية من تعاطي المخدرات
عدد التحميل 8
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات