طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

17543

بيت النبوة (1) محمد صلى الله عليه وسلم

المكان : المملكة العربية السعودية / الرياض / بدون / بدون /
تاريخ النشر : 1441/06/04
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/زوجات النبي يطلبنه الزيادة في النفقة 2/اعتزال النبي صلى الله عليه وسلم لزوجاته 3/موقف نساء النبي الكريم بعد نزول آية التخيير 4/وقفات تربوية مع هذه القصة.
اقتباس

هَذَا حَالٌ مِنْ أَحْوَالِ بَيْتِ النُّبُوَّةِ، وَفِيهِ بَيَانٌ لِمَا قَدْ يَحْدُثُ بَيْنَ الزَّوْجِ وَزَوْجِهِ -أَحْيَانًا- مِمَّا يَسْتَدْعِي الْغَضَبَ؛ بَلِ الْهَجْرَ وَالِاعْتِزَالَ، وَلْنَتَأَمَّلْ كَيْفَ كَانَ تَعَامُلُ النَّبِيِّ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- مَعَ أَزْوَاجِهِ؟ كَمْ كَانَ صَبُورًا حَلِيمًا؟! رَحِيمًا فِي تَعَامُلِهِ مَعَ النِّسَاءِ.

الْخُطْبَةُ الْأُولَى:

 

إِنَّ الْحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران:102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً)[النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً)[الأحزاب:70-71]:

 

أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

 

مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ: أَمَرَنَا اللهُ -تَعَالَى- بِالِاقْتِدَاءِ بِنَبِيِّنَا فِي جَمِيعِ شُؤُونِنَا؛ (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ)[الأحزاب: 21]، وَهُوَ كَمَا أَخْبَرَ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: “خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي”(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ). فَمَا أَحْوَجَنَا إِلَى مَعْرِفَةِ شَيْءٍ مِنْ أَخْبَارِهِ مَعَ أَهْلِهِ! وَكَيْفَ كَانَ يَتَعَامَلُ مَعَهُنَّ؟ وَهَاكُمْ خَبَرًا مِنْ أَخْبَارِهِ مَعَ أَزْوَاجِهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُنَّ-، حِينَ طَلَبْنَ التَّوْسِعَةَ عَلَيْهِنَّ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا.

 

فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-: أَنَّهُ سَأَلَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: “يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ! مَنِ اللَّتَانِ تَظَاهَرَتَا عَلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْ أَزْوَاجِهِ؟ فَقَالَ: تِلْكَ حَفْصَةُ وَعَائِشَةُ، قَالَ: فَقُلْتُ: وَاللَّهِ إِنْ كُنْتُ لَأُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْ هَذَا مُنْذُ سَنَةٍ، فَمَا أَسْتَطِيعُ هَيْبَةً لَكَ، قَالَ: فَلاَ تَفْعَلْ مَا ظَنَنْتَ أَنَّ عِنْدِي مِنْ عِلْمٍ فَاسْأَلْنِي؛ فَإِنْ كَانَ لِي عِلْمٌ خَبَّرْتُكَ بِهِ، قَالَ: ثُمَّ قَالَ عُمَرُ: وَاللَّهِ إِنْ كُنَّا فِي الجَاهِلِيَّةِ مَا نَعُدُّ لِلنِّسَاءِ أَمْرًا، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِنَّ مَا أَنْزَلَ، وَقَسَمَ لَهُنَّ مَا قَسَمَ، قَالَ: فَبَيْنَا أَنَا فِي أَمْرٍ أَتَأَمَّرُهُ –أَيْ: أَتَفَكَّرُ فِيهِ-؛ إِذْ قَالَتِ امْرَأَتِي: لَوْ صَنَعْتَ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: فَقُلْتُ لَهَا: مَا لَكِ وَلِمَا هَا هُنَا، وَفِيمَ تَكَلُّفُكِ فِي أَمْرٍ أُرِيدُهُ؟ فَقَالَتْ لِي: عَجَبًا لَكَ يَا ابْنَ الخَطَّابِ! مَا تُرِيدُ أَنْ تُرَاجَعَ أَنْتَ، وَإِنَّ ابْنَتَكَ لَتُرَاجِعُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَتَّى يَظَلَّ يَوْمَهُ غَضْبَانَ؟! فَقَامَ عُمَرُ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ مَكَانَهُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى حَفْصَةَ، فَقَالَ لَهَا: يَا بُنَيَّةُ! إِنَّكِ لَتُرَاجِعِينَ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَتَّى يَظَلَّ يَوْمَهُ غَضْبَانَ؟ فَقَالَتْ حَفْصَةُ: وَاللَّهِ إِنَّا لَنُرَاجِعُهُ، فَقُلْتُ: تَعْلَمِينَ أَنِّي أُحَذِّرُكِ عُقُوبَةَ اللَّهِ، وَغَضَبَ رَسُولِهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؟! يَا بُنَيَّةُ، لاَ يَغُرَّنَّكِ هَذِهِ الَّتِي أَعْجَبَهَا حُسْنُهَا حُبُّ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِيَّاهَا -يُرِيدُ عَائِشَةَ- قَالَ: ثُمَّ خَرَجْتُ حَتَّى دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ لِقَرَابَتِي مِنْهَا، فَكَلَّمْتُهَا فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: عَجَبًا لَكَ يَا ابْنَ الخَطَّابِ! دَخَلْتَ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَبْتَغِيَ أَنْ تَدْخُلَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَزْوَاجِهِ! فَأَخَذَتْنِي وَاللَّهِ أَخْذًا كَسَرَتْنِي عَنْ بَعْضِ مَا كُنْتُ أَجِدُ، فَخَرَجْتُ مِنْ عِنْدِهَا”.

 

وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: قال عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: “لَمَّا اعْتَزَلَ نَبِيُّ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نِسَاءَهُ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا النَّاسُ يَنْكُتُونَ بِالْحَصَى، وَيَقُولُونَ: طَلَّقَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نِسَاءَهُ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُؤْمَرْنَ بِالْحِجَابِ، فَقَالَ عُمَرُ: فَقُلْتُ: لَأَعْلَمَنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ، قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ، فَقُلْتُ: يَا بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ، أَقَدْ بَلَغَ مِنْ شَأْنِكِ أَنْ تُؤْذِي رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؟ فَقَالَتْ: مَا لِي وَمَا لَكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ! عَلَيْكَ بِعَيْبَتِكَ -أي: بِوَعْظِ ابْنَتِكَ- قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ، فَقُلْتُ لَهَا: يَا حَفْصَةُ، أَقَدْ بَلَغَ مِنْ شَأْنِكِ أَنْ تُؤْذِي رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؟ وَاللهِ، لَقَدْ عَلِمْتِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، لَا يُحِبُّكِ، وَلَوْلَا أَنَا لَطَلَّقَكِ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؛ فَبَكَتْ أَشَدَّ الْبُكَاءِ، فَقُلْتُ لَهَا: أَيْنَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؟ قَالَتْ: هُوَ فِي خِزَانَتِهِ فِي الْمَشْرُبَةِ -وَهِيَ غُرْفَةٌ عُلْوِيَّةٌ-، فَدَخَلْتُ، فَإِذَا أَنَا بِرَبَاحٍ غُلَامِ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قَاعِدًا عَلَى أُسْكُفَّةِ الْمَشْرُبَةِ، مُدَلٍّ رِجْلَيْهِ عَلَى نَقِيرٍ مِنْ خَشَبٍ -وَهُوَ جِذْعٌ يَرْقَى عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ وَيَنْحَدِرُ- فَنَادَيْتُ: يَا رَبَاحُ، اسْتَأْذِنْ لِي عِنْدَكَ عَلَى رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَنَظَرَ رَبَاحٌ إِلَى الْغُرْفَةِ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَيَّ، فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا، ثُمَّ قُلْتُ: يَا رَبَاحُ، اسْتَأْذِنْ لِي عِنْدَكَ عَلَى رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَنَظَرَ رَبَاحٌ إِلَى الْغُرْفَةِ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَيَّ، فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا، ثُمَّ رَفَعْتُ صَوْتِي، فَقُلْتُ: يَا رَبَاحُ، اسْتَأْذِنْ لِي عِنْدَكَ عَلَى رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؛ فَإِنِّي أَظُنُّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ظَنَّ أَنِّي جِئْتُ مِنْ أَجْلِ حَفْصَةَ، وَاللهِ لَئِنْ أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِضَرْبِ عُنُقِهَا، لَأَضْرِبَنَّ عُنُقَهَا، وَرَفَعْتُ صَوْتِي، فَأَوْمَأَ إِلَيَّ أَنِ ارْقَهْ.

 

فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَهُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى حَصِيرٍ، فَجَلَسْتُ، فَأَدْنَى عَلَيْهِ إِزَارَهُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَإِذَا الْحَصِيرُ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ، فَنَظَرْتُ بِبَصَرِي فِي خِزَانَةِ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَإِذَا أَنَا بِقَبْضَةٍ مِنْ شَعِيرٍ نَحْوِ الصَّاعِ، وَمِثْلِهَا قَرَظًا فِي نَاحِيَةِ الْغُرْفَةِ، وَإِذَا أَفِيقٌ مُعَلَّقٌ – وَهُوَ الْجِلْدُ الَّذِي لَمْ يُدْبَغْ- قَالَ: فَابْتَدَرَتْ عَيْنَايَ، قَالَ: “مَا يُبْكِيكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟!” قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ، وَمَا لِي لَا أَبْكِي وَهَذَا الْحَصِيرُ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِكَ، وَهَذِهِ خِزَانَتُكَ لَا أَرَى فِيهَا إِلَّا مَا أَرَى، وَذَاكَ قَيْصَرُ وَكِسْرَى فِي الثِّمَارِ وَالْأَنْهَارِ، وَأَنْتَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَصَفْوَتُهُ، وَهَذِهِ خِزَانَتُكَ، فَقَالَ: “يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، أَلَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَنَا الْآخِرَةُ وَلَهُمُ الدُّنْيَا؟”، قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: وَدَخَلْتُ عَلَيْهِ حِينَ دَخَلْتُ، وَأَنَا أَرَى فِي وَجْهِهِ الْغَضَبَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا يَشُقُّ عَلَيْكَ مِنْ شَأْنِ النِّسَاءِ؟ فَإِنْ كُنْتَ طَلَّقْتَهُنَّ؛ فَإِنَّ اللهَ مَعَكَ، وَمَلَائِكَتَهُ، وَجِبْرِيلَ، وَمِيكَائِيلَ، وَأَنَا، وَأَبُو بَكْرٍ، وَالْمُؤْمِنُونَ مَعَكَ، وَقَلَّمَا تَكَلَّمْتُ وَأَحْمَدُ اللهَ بِكَلَامٍ، إِلَّا رَجَوْتُ أَنْ يَكُونَ اللهُ يُصَدِّقُ قَوْلِي الَّذِي أَقُولُ، وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، آيَةُ التَّخْيِيرِ: (عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ)[التحريم: 5]، (وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ)[التحريم: 4]، وَكَانَتْ عَائِشَةُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ، وَحَفْصَةُ تَظَاهَرَانِ عَلَى سَائِرِ نِسَاءِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَطَلَّقْتَهُنَّ؟ قَالَ: “لَا”، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ وَالْمُسْلِمُونَ يَنْكُتُونَ بِالْحَصَى، يَقُولُونَ: طَلَّقَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نِسَاءَهُ، أَفَأَنْزِلُ، فَأُخْبِرَهُمْ أَنَّكَ لَمْ تُطَلِّقْهُنَّ؟ قَالَ: “نَعَمْ، إِنْ شِئْتَ”.

 

فَلَمْ أَزَلْ أُحَدِّثُهُ حَتَّى تَحَسَّرَ الْغَضَبُ عَنْ وَجْهِهِ، وَحَتَّى كَشَرَ فَضَحِكَ، وَكَانَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ ثَغْرًا، ثُمَّ نَزَلَ نَبِيُّ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَنَزَلْتُ، فَنَزَلْتُ أَتَشَبَّثُ بِالْجِذْعِ، وَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَأَنَّمَا يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ مَا يَمَسُّهُ بِيَدِهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّمَا كُنْتَ فِي الْغُرْفَةِ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ -وَكَانَ قَدْ أَقْسَمَ أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَيْهِنَّ شَهْرًا-، قَالَ: “إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ”، فَقُمْتُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، فَنَادَيْتُ بِأَعْلَى صَوْتِي: لَمْ يُطَلِّقْ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نِسَاءَهُ.

 

تَقُولُ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-: لَمَّا أُمِرَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِتَخْيِيرِ أَزْوَاجِهِ، بَدَأَ بِي، فَقَالَ: “إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا، فَلَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ”، قَالَتْ: قَدْ عَلِمَ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا لِيَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ، قَالَتْ: ثُمَّ قَالَ: “إِنَّ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- قَالَ: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا)[الأحزاب: 28-29]”، قَالَتْ: فَقُلْتُ: فِي أَيِّ هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ؟ فَإِنِّي أُرِيدُ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ، قَالَتْ: ثُمَّ فَعَلَ أَزْوَاجُ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِثْلَ مَا فَعَلْتُ”(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).

 

هَذَا حَالٌ مِنْ أَحْوَالِ بَيْتِ النُّبُوَّةِ، وَفِيهِ بَيَانٌ لِمَا قَدْ يَحْدُثُ بَيْنَ الزَّوْجِ وَزَوْجِهِ -أَحْيَانًا- مِمَّا يَسْتَدْعِي الْغَضَبَ؛ بَلِ الْهَجْرَ وَالِاعْتِزَالَ، وَلْنَتَأَمَّلْ كَيْفَ كَانَ تَعَامُلُ النَّبِيِّ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- مَعَ أَزْوَاجِهِ؟ كَمْ كَانَ صَبُورًا حَلِيمًا؟! رَحِيمًا فِي تَعَامُلِهِ مَعَ النِّسَاءِ، يَتَحَمَّلُ أَذَاهُنَّ وَلَا يُقَابِلُ ذَلِكَ وَلَوْ بِكَلِمَةٍ جَارِحَةٍ لِنُفُوسِهِنَّ -صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ-.

 

أَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ؛ فَاسْتَغْفِرُوهُ؛ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

 

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:

 

الْحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ، وَصَلَاةً وَسَلَامًا عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُ، أَمَّا بَعْدُ:

 

أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ: يُرَجِّحُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ -رَحِمَهُ اللهُ- أَنَّ اعْتِزَالَهُ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- لِنِسَائِهِ لَمْ يَكُنْ لِمَوْقِفٍ وَاحِدٍ بَدَرَ مِنْهُنَّ، بَلْ تَكَرَّرَ مِنْهُنَّ مَا يُغْضِبُهُ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-، قَالَ الْحَافِظُ: “وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَجْمُوعُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ كَانَ سَبَبًا لِاعْتِزَالِهِنَّ، وَهَذَا هُوَ اللَّائِقُ بِمَكَارِمِ أَخْلَاقِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَسَعَةِ صَدْرِهِ وَكَثْرَةِ صَفْحِهِ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ حَتَّى تَكَرَّرَ مُوجِبُهُ مِنْهُنَّ“(فَتْحُ الْبَارِي)، وَفِي هَذَا دَرْسٌ لَنَا -مَعْشَرَ الْأَزْوَاجِ- فِي الصَّبْرِ عَلَى الزَّوْجَاتِ، وَحُسْنِ مُعَاشَرَتِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَالْحِلْمِ فِي مُقَابَلَةِ أَذَاهُنَّ، وَمُعَالَجَةِ مَا يَصْدُرُ مِنْهُنَّ بِالْحِكْمَةِ.

 

وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ يَظْهَرُ عِظَمُ حُبِّ الصَّحَابَةِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- لِنَبِيِّهِمْ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-؛ إِذْ حَزِنُوا لِمَا أَصَابَهُ؛ فَأَصَابَهُمْ هَمٌّ شَدِيدٌ لِمَا هُوَ فِيهِ، وَكَانُوا مِنْ شِدَّةِ الْهَمِّ يَنْكُتُونَ بِالْحَصَى فِي الْمَسْجِدِ، لَقَدْ كَانَ وَلَاؤُهُمْ لِنَبِيِّهِمْ عَظِيمًا؛ حَتَّى قَالَ عُمَرُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- مُتَحَدِّثًا عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ بَاقِي الْمُؤْمِنِينَ: “فَإِنْ كُنْتَ طَلَّقْتَهُنَّ؛ فَإِنَّ اللهَ مَعَكَ، وَمَلَائِكَتَهُ، وَجِبْرِيلَ، وَمِيكَائِيلَ، وَأَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَالْمُؤْمِنُونَ مَعَكَ“.

 

وَيَتَبَيَّنُ لَنَا مِنْ مَوْقِفِ عُمَرَ وَوَعْظِهِ ابْنَتَهُ حَفْصَةَ دَرْسٌ عَظِيمٌ، وَهُوَ أَنَّ دَوْر أَبِي الزَّوْجَةِ لَا يَتَوَقَّفُ بَعْدَ زَوَاجِ ابْنَتِه، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَعِظَهَا وَيُوَضِّحَ لَهَا حَقَّ الزَّوْجِ عَلَيْهَا، وَيُوَجِّهَهَا إِلَى طَاعَتِهِ، وَحِينَ يُغَاضِبُ الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ يَكُونُ لِلْأَبِ دَوْرٌ فِي مَعْرِفَةِ أَسْبَابِ ذَلِكَ؛ لِيُصْلِحَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ مَا أَمْكَنَ، لَا أَنْ يَكُونَ أُذُنًا لِابْنَتِهِ؛ يَسْمَعُ مِنْهَا وَيَتَحَزَّبُ مَعَهَا ضِدَّ زَوْجِهَا!.

 

أَيُّهَا الْإِخْوَةُ: زَوَجْاَتُ نَبِيِّنَا -رَضِيَ اللهُ عَنْهُنَّ- اجْتَمَعْنَ يَوْمًا؛ “لَمَّا رَأَيْنَ نِسَاءَ الْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرِينَ قَدْ وُسِّعَ عَلَيْهِنَّ فِي النَّفَقَةِ؛ لِوُجُودِ يُسْرٍ وَسَعَةِ رِزْقٍ بَيْنَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، فَطَالَبْنَ بِالتَّوْسِعَةِ فِي النَّفَقَةِ عَلَيْهِنَّ أُسْوَةً بِغَيْرِهِنَّ” فَأَنْزَلَ اللهُ -تَعَالَى- آيَةَ التَّخْيِيرِ؛ يُخَيِّرُهُنَّ بَيْنَ الْبَقَاءِ مَعَ الرَّسُولِ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- عَلَى الْحَالِ الَّتِي هُوَ فِيهَا، أَوْ أَنْ يُطَلِّقَهُنَّ وَيُوَسِّعَ عَلَيْهِنَّ اللهُ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا، “فَمَا اخْتَارَتْ مِنْهُنَّ امْرَأَةٌ غَيْرَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَالدَّارِ الْآخِرَةِ؛ فَأَكْرَمَهُنَّ اللهُ لِذَلِكَ وَأَنْزَلَ عَلَى رَسُولِهِ: (لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ)[الأحزاب: 52]”.

 

وَهَكَذَا يَنْبَغِي لِلْمَرْأَةِ الصَّالِحَةِ أَنْ تَصْبِرَ عَلَى زَوْجِهَا، وَلَا تُحَمِّلَهُ مَا لَا يُطِيقُ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ تُعِينَهُ عَلَى مَرْضَاةِ اللهِ -تَعَالَى-، وَقَدْ كَانَتْ بَعْضُ نِسَاءِ السَّلَفِ تُوصِي زَوْجَهَا وَهُوَ خَارِجٌ لِطَلَبِ الْمَعَاشِ، فَتَقُولُ لَهُ: “يَا أَبَا فُلَانٍ، اتَّقِ اللهَ فِينَا وَلَا تَأْكُلْ حَرَامًا؛ فَإِنَّا نَصْبِرُ عَلَى جُوعِ الدُّنْيَا، وَلَا نَصْبِرُ عَلَى عَذَابِ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ”.

 

وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَنْ أَمَرَكُمُ اللهُ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ؛ فَقَالَ: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56].

 

الملفات المرفقة
بيت النبوة (1) محمد صلى الله عليه وسلم
عدد التحميل 29
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات