طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

17525

بيوت الصحابة (1) أبو بكر رضي الله عنه

المكان : المملكة العربية السعودية / الرياض / بدون / بدون /
تاريخ النشر : 1441/05/19
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/الأسرة التي أسلم أصولها وفروعها 2/جهودُ أسرة أبي بكر رضي الله عنه في نجاح الهجرة 3/حرص أبي بكر على إسلام أبيه رضي الله عنهما 4/تربية أبي بكر لأولاده رضي الله عنهم.
اقتباس

وَلَيْسَ فِي الصَّحَابَةِ مَنْ أَسْلَمَ أَبُوهُ وَأُمُّهُ وَأَوْلَادُهُ، وَأَدْرَكُوا النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَأَدْرَكَهُ -أَيْضًا- بَنُو أَوْلَادِهِ، إِلَّا أَبُو بَكْرٍ.

 الْخُطْبَةُ الْأُولَى:

 

إِنَّ الْحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران:102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً)[النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً)[الأحزاب:70-71]، أَمَّا بَعْدُ:

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: تَتَضَاءَلُ كَلِمَاتُ الْمَدْحِ، وَتَتَقَاصَرُ عِبَارَاتُ الثَّنَاءِ عَلَى أُسْرَةٍ كَامِلَةٍ بَرَزَتْ فَضَائِلُهَا فِي تَارِيخِ الْإِسْلَامِ، وَبَقِيَتْ مَنَاقِبُهَا مَحْفُورَةً فِي ذَاكِرَةِ الْأَيَّامِ؛ فَإِذَا ذُكِرَتْ حَادِثَةُ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ عِنْدَهَا تَعَدَّدَ جُهُودُ هَذِهِ الْأُسْرَةِ الْكَرِيمَةِ فِي نَجَاحِهَا، وَإِنْ عُدِّدَ خُلَصَاءُ صَحْبِ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ بَدْرُهَا السَّارِي أَبْهَى خُلَصَائِهِ، وَالْمُقَدَّمَ عِنْدَهُ مِنْ بَيْنِ أَصْفِيَائِهِ. تِلْكَ الْأُسْرَةُ الْفَاضِلَةُ هِيَ أُسْرَةُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِيقِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.

 

إِذَا مَا الْمَعَالِي بَعْدَ أَحْمَدَ فَاخَرَتْ *** أَشَارَتْ إِلَى تَاجِ الصِّحَابِ أَبِي بَكْرِ

حَبِيبُ رَسُولِ اللهِ ذُو الْجُودِ وَالتُّقَى*** وَصَاحِبُهُ فِي الْغَارِ ذُو الْفَضْلِ وَالْبِرِّ

 

عِبَادَ اللهِ: إِنَّ أُسْرَةَ خَلِيفَةِ رَسُولِ اللهِ أَبِي بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- تَمَيَّزَتْ عَلَى غَيْرِهَا مِنْ أُسَرِ الصَّحَابَةِ بِمَيْزَاتٍ كَثِيرَةٍ، مِنْهَا:

أَنَّهَا أُسْرَةٌ أَسْلَمَتْ أُصُولُهَا وَفُرُوعُهَا. فَأَبُوهُ -يَعْنِي: أَبَا قُحَافَةَ- آمَنَ بِالنَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِاتِّفَاقِ النَّاسِ، وَكَذَلِكَ أُمُّهُ آمَنَتْ بِالنَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَوْلَادُهُ، وَأَوْلَادُ أَوْلَادِهِ.

 

“وَلَيْسَ فِي الصَّحَابَةِ مَنْ أَسْلَمَ أَبُوهُ وَأُمُّهُ وَأَوْلَادُهُ، وَأَدْرَكُوا النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَأَدْرَكَهُ -أَيْضًا- بَنُو أَوْلَادِهِ، إِلَّا أَبُو بَكْرٍ؛ مِنْ جِهَةِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، فَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةُ كَانُوا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مُؤْمِنِينَ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ ابْنِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ كُلُّهُمْ -أَيْضًا- آمَنُوا بِالنَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَصَحِبُوهُ، وَأُمُّ أَبِي بَكْرٍ أُمُّ الْخَيْرِ آمَنَتْ بِالنَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-. فَهُمْ أَهْلُ بَيْتِ إِيمَانٍ لَيْسَ فِيهِمْ مُنَافِقٌ، وَلَا يُعْرَفُ فِي الصَّحَابَةِ مِثْلُ هَذَا لِغَيْرِ بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ.

 

وَكَانَ يُقَالُ: لِلْإِيمَانِ بُيُوتٌ، وَلِلنِّفَاقِ بُيُوتٌ؛ فَبَيْتُ أَبِي بَكْرٍ مِنْ بُيُوتِ الْإِيمَانِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَبَنُو النَّجَّارِ مِنْ بُيُوتِ الْإِيمَانِ مِنَ الْأَنْصَارِ”. فَعَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ قَالَ: “لَا نَعْلَمُ أَرْبَعَةً أَدْرَكُوا النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَبْنَاؤُهُمْ إِلَّا هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةُ: أَبُو قُحَافَةَ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، وَأَبُو عَتِيقِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَاسْمُ أَبِي عَتِيقٍ مُحَمَّدٌ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُم-“(رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْمُعْجَمِ الْكَبِيرِ).

 

وَلَمَّا أُذِنَ لِرَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِالْهِجْرَةِ لَمْ يَقْصِدْ بَيْتَ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ سِوَى بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ، وَلَمْ يَخْتَرْ لِهَذِهِ الرِّحْلَةِ رَفِيقًا غَيْرَ صَاحِبِهِ أَبِي بَكْرٍ، وَلَمْ يُفْضِ بِسِرِّ الْهِجْرَةِ إِلَّا لِابْنِ عَمِّهِ عَلِيٍّ وَأُسْرَةِ أَبِي بَكْرٍ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: “وَلَمْ يَعْلَمْ -فِيمَا بَلَغَنِي- بِخُرُوجِ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَحَدٌ حِينَ خَرَجَ إِلَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَأَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وَآلُ أَبِي بَكْرٍ“.

 

وَصَدَقَ اللهُ إِذْ يَقُولُ فِي أَبِي بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: (إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا)[التوبة:40].

 

لَقَدْ تَقَاسَمَتْ أُسْرَةُ أَبِي بَكْرٍ مُهِمَّةَ نَجَاحِ الْهِجْرَةِ؛ فَأَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- رَفِيقُ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ مَسْؤُولُ الْأَخْبَارِ؛ فَقَدْ أَمَرَ ” أَبُو بَكْرٍ ابْنَهُ عَبْدَاللهِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَتَسَمَّعَ لَهُمَا مَا يَقُولُ النَّاسُ فِيهِمَا نَهَارَهُ، ثُمَّ يَأْتِيهِمَا إِذَا أَمْسَى بِمَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنَ الْخَبَرِ“.

 

وَكَانَ “عَبْدُاللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ يَكُونُ فِي قُرَيْشٍ نَهَارَهُ مَعَهُمْ، يَسْمَعُ مَا يَأْتَمِرُونَ بِهِ وَمَا يَقُولُونَ فِي شَأْنِ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَبِي بَكْرٍ، ثُمَّ يَأْتِيهِمَا إِذَا أَمْسَى فَيُخْبِرُهُمَا الْخَبَرَ.

 

وَكَانَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ مَوْلَى أَبي بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- يَرْعَى فِي رِعْيَانِ أَهْلِ مَكَّةَ، فَإِذَا أَمْسَى أَرَاحَ عَلَيْهِمَا غَنَمَ أَبِي بَكْرٍ، فَاحْتَلَبَا وَذَبَحَا، فَإِذَا عَبْدُاللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ غَدَا مِنْ عِنْدِهِمَا إِلَى مَكَّةَ اتَّبَعَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ أَثَرَهُ بِالْغَنَمِ حَتَّى يُعَفِّيَ عَلَيْهِ… وَأَتَتْهُمَا أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- بِسُفْرَتِهِمَا، وَنَسِيَتْ أَنْ تَجْعَلَ لَهَا عِصَامًا؛ فَلَمَّا ارْتَحَلَا ذَهَبَتْ لِتُعَلِّقَ السُّفْرَةَ فَإِذَا لَيْسَ لَهَا عِصَامٌ، فَتَحِلُّ نِطَاقَهَا فَتَجْعَلُهُ عِصَامًا، ثُمَّ عَلَّقَتْهَا بِهِ، فَكَانَ يُقَالُ لِأَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ: ذَاتُ النِّطَاقِ؛ لِذَلِك”.

 

بَلْ إِنَّ تَضْحِيَةَ هَذِهِ الْأُسْرَةِ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى هَذِهِ الْأَعْمَالِ الْجَلِيلَةِ -الَّتِي كَانَتْ تَحْدُثُ بَيْنَ أَشْدَاقِ الْمَوْتِ، وَأَنْيَابِ النَّكَالِ الْقُرَشِيِّ-؛ بَلْ تَعَدَّتْهَا إِلَى أَنْ يَتَحَمَّلَ بَعْضُ أَفْرَادِهَا إِيذَاءَ قُرَيْشٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُفْضِيَ إِلَيْهِم بِسِرِّ هَذِهِ الرِّحْلَةِ الْمُقَدَّسةِ. “قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَحُدِّثْتُ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهَا قَالَتْ: لَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَتَانَا نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ فِيهِمْ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ، فَوَقَفُوا عَلَى بَابِ أَبِي بَكْرٍ، فَخَرَجَتْ إِلَيْهِمْ فَقَالُوا: أَيْنَ أَبُوكِ يَا بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ؟ قَالَتْ: قُلْتُ: لَا أَدْرِي وَاللهِ أَيْنَ أَبِي، قَالَتْ: فَرَفَعَ أَبُو جَهْلٍ يَدَهُ -وَكَانَ فَاحِشًا خَبِيثًا- فَلَطَمَ خَدِّي لَطْمَةً طَرَحَ مِنْهَا قُرْطِي”.

 

فَانْظُرُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- إِلَى تَضْحِيَةِ أُسْرَةِ أَبِي بَكْرٍِ فِي نُصْرَةِ الْإِسْلَامِ، وَكَيْفَ جَنَّدَ الصِّدِّيقُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَهْلَهُ، وَوَكَّلَ كُلَّ أَحَدٍ بِمُهِمَّةٍ تُنَاسِبُ حَالَهُ، وَكَيْفَ تَحَمَّلُوا تَبِعَاتِ هَذِهِ الْوَظَائِفِ السَّامِيَةِ.

 

هَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ أُسَرُنَا مُجْتَمِعَةً فِي الْوُقُوفِ مَعَ الْحَقِّ، وَهَكَذَا يَنْبَغِي عَلَى رَبِّ الْأُسْرَةِ أَنْ يُحْسِنَ إِدَارَةَ أُسْرَتِهِ، وَيُرَبِّيَهُمْ عَلَى الْقِيَامِ بِالْأَعْمَالِ الْإِيمَانِيَّةِ.

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: لَقَدْ خَرَجَ الصِّدِّيقُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- مَعَ رَسُولِ اللهِ –صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْ وَطَنِهِ وَأَهْلِهِ، “وَهَاجَرَ مَعَهُ وَتَرَكَ عِيَالَهُ وَأَوْلَادَهُ؛ رَغْبَةً فِي اللهِ وَرَسُولِهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-“.

 

فَبَقِيَ فِي الْمَدِينَةِ مُدَّةً، ثُمَّ كَلَّفَ ابْنَهُ عَبْدَ اللهِ بِمُهِمَّةٍ أَخِيرَةٍ بَعْدَ مُهِمَّتِهِ السَّابِقَةِ يَوْمَ الْهِجْرَةِ؛ فَقَدْ طَلَبَ مِنْهُ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهِ أَهْلَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ، “فَخَرَجَ عَبْدُ اللهِ بِعِيَالِ أَبِي بَكْرٍ، وَصَحِبَهُمْ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ، حَتَّى قَدِمُوا الْمَدِينَةَ“.

 

أَمَّا أَبُو قُحَافَةَ وَالِدُ أَبِي بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- فَلَمْ يُبَكِّرْ فِي إِسْلَامِهِ؛ فَقَدْ بَقِيَ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ حَتَّى فَتْحِ مَكَّةَ. فَلَمَّا دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ مَكَّةَ ذَهَبَ إِلَى بَيْتِ أَبِيهِ فَأَتَى بِهِ -وَقَدْ قَارَبَ التِّسْعِينَ مِنْ عُمُرِهِ- لِيُسْلِمَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَتْ أَسْمَاءُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-: “فَلَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَكَّةَ، وَدَخَلَ الْمَسْجِدَ، أَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ بِأَبِيهِ، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قَالَ: “هَلَّا تَرَكْتَ الشَّيْخَ فِي بَيْتِهِ حَتَّى أَكُونَ أَنَا آتِيهِ فِيهِ؟”، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللهِ، هُوَ أَحَقُّ أَنْ يَمْشِيَ إِلَيْكَ مِنْ أَنْ تَمْشِيَ أَنْتَ إِلَيْهِ، قَالَ: فَأَجْلَسَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ مَسَحَ صَدْرَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: ” أَسْلِمْ “. فَأَسْلَمَ، وَدَخَلَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ عَلَى رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَرَأْسُهُ كَأَنَّهُ ثَغَامَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “غَيِّرُوا هَذَا مِنْ شَعْرِهِ“(رَوَاهُ أَحْمَدُ).

 

وَفِي هَذَا الْمَوْقِفِ -مَعْشَرَ الْْإِخْوَةِ- نَلْحَظُ عِنَايَةَ أَبِي بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- بِأَبِيهِ، وَحِرْصَهُ عَلَى إِسْلَامِهِ، وَهَذَا يُعَلِّمُ الْأَبْنَاءَ مِثْلَ هَذِهِ الْمَوَاقِفِ مَعَ الْآبَاءِ.

 

وَفِي قَوْلِ رَسُولِ اللهِ: “هَلَّا تَرَكْتَ الشَّيْخَ فِي بَيْتِهِ حَتَّى أَكُونَ أَنَا آتِيهِ فِيهِ؟” فِيهِ بَيَانُ إِكْرَامِ رَسُولِ اللهِ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- لِآلِ أَبِي بَكْرٍ؛ لِمَا لَهُ وَلِأُسْرَتِهِ مِنْ خَيْرٍ فِي الْإِسْلَامِ.

 

نَسْأَلُ اللهَ أَنْ يُوَفِّقَنَا لِلِاقْتِدَاءِ بِهَذِهِ الْأُسْرَةِ الْكَرِيمَةِ فِي الصَّلَاحِ وَالْبَذْلِ لِلْإِسْلَامِ.

 

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ.

 

 

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:

 

الْحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ، أَمَّا بَعْدُ:

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ خَلِيفَةَ رَسُولِ اللهِ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- أَبَا بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- شُهِرَ بِاللِّينِ، لَكِنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ كَانَ لَيِّنًا فِي مَوْضِعِ اللِّينِ، وَحَازِمًا فِي مَوْضِعِ الْحَزْمِ، وَلَا أَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ مَوْقِفِهِ فِي حُرُوبِ الرِّدَّةِ؛ فَقَدْ حَفِظَ اللهُ بِحَزْمِهِ بَيْضَةَ الْإِسْلَامِ.

 

وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأُسْرَةَ تَحْتَاجُ إِلَى حَزْمٍ أَحْيَانًا؛ فَلِهَذَا كَانَ أَبُو بَكْرٍ سَالِكًا هَذَا الطَرِيقَ مَعَ أَوْلَادِهِ فِي بَعْضِ الْأَحَايِينِ.

 

قَالَ الشَّاعِرُ:

فَقَسَا لِيَزْدَجِرُوا وَمَنْ يَكُ رَاحِمًا *** فَلْيَقْسُ أَحْيَانًا عَلَى مَنْ يَرْحَمُ

 

وَمِنَ الْأَمْثِلَةِ عَلَى حَزْمِ الصِّدِّيقِ: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ ابْنَهُ تَأَخَّرَ إِسْلَامُهُ عَنْهُ؛ فَلَمَّا جَاءَتْ غَزْوَةُ بَدْرٍ كَانَ فِي صَفِّ الْمُشْرِكِينَ؛ فَأَغْلَظَ لَهُ أَبُوهُ فِي الْخِطَابِ، حَتَّى قَالَ لَهُ: “أَيْنَ مَالِي يَا خَبِيثُ؟ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ:

لَمْ يَبْقَ غَيْرُ شِكَّةٍ وَيَعْبُوبْ *** وَصَارِمٍ يَقْتُلُ ضُلَّالَ الشِّيبْ!”

 

 

لَكِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ أَسْلَمَ أَيَّامَ الْهُدْنَةِ، وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.

 

وَمِنْ مَوَاقِفِ الصِّدِّيقِ الَّتِي اجْتَمَعَ فِيهَا الْحَزْمُ وَاللِّينُ عَلَى أَمْرٍ عَجِيبٍ مَعَ أَوْلَادِهِ: أَنَّ ابْنَهُ عَبْدَ اللهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- “كَانَ قَدْ تَزَوَّجَ عَاتِكَةَ -وَهِيَ بِنْتُ زَيْدِ بْنِ عَمْرٍو، وَكَانَتِ امْرَأَةً لَهَا جَمَالٌ وَكَمَالٌ فِي عَقْلِهَا وَمَنْظَرِهَا-، وَكَانَ بِهَا مُعْجَبًا؛ فَشَغَلَتْهُ عَنْ أُمُورِهِ، فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ: طَلِّقْهَا، فَطَلَّقَهَا، ثُمَّ نَدِمَ فَقَالَ:

أَعَاتِكُ لَا أَنْسَاكِ مَا ذَرَّ شَارِقٌ *** وَمَا نَاحَ قُمْرِيُّ الْحَمَامِ الْمُطَوَّقُ

أَعَاتِِكُ قَلْبِي كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ *** لَدَيْكِ بِمَا تُخْفِي النُّفُوسُ مُعَلَّقُ

لَهَا خُلُقٌ جَزْلٌ وَرَأْيٌ وَمَنْطِقٌ *** وَخَلْقٌ مَصُونٌ فِي حَيَاءٍ وَمَصْدَقُ

فَلَمْ أَرَ مِثْلِي طَلَّقَ الْيَوْمَ مِثْلَهَا *** وَلَا مِثْلَهَا فِي غَيْرِ شَيْءٍ تُطَلَّقُ

 

وَلَهُ فِيهَا غَيْرُ هَذَا.

 

فَرَقَّ لَهُ أَبُو بَكْرٍ فَأَمَرَهُ بِمُرَاجَعَتِهَا فَرَاجَعَهَا”!.

 

وَمِنْ حَزْمِ الصِّدِّيقِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- مَعَ بَنَاتِهِ: مَوْقِفُهُ مِنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- حِينَمَا انْقَطَعَ عِقْدُهَا؛ فَأَقَامَ رَسُولُ اللهِ وَالنَّاسُ عَلَى الْتِمَاسِهِ؛ فَقَالَتْ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-: فَأَتَى النَّاسُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، فَقَالُوا: أَلاَ تَرَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ؟ أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَالنَّاسِ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي قَدْ نَامَ، فَقَالَ: حَبَسْتِ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَالنَّاسَ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ؟! فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَعَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَ: مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ وَجَعَلَ يَطْعُنُنِي بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).

 

فَالْحَزْمُ وَإِدَارَةُ الْأُسْرَةِ بِمَنْعِ الْخَطَأِ، وَالْمُعَاتَبَةُ عَلَيْهِ عِنْدَ فِعْلِهِ مِمَّا تُقَوَّمُ بِهِ الْأُسْرَةُ، وَتَرْجِعُ إِلَى طَرِيقِ الصَّوَابِ، وَتَسْتَمِرُّ عَلَى السَّيْرِ فِيهِ.

 

عِبَادَ اللهِ: فَهَذَا صِدِّيقُ الْأُمَّةِ أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وَأُسْرَتُهُ الْكَرِيمَةُ نَمُوذَجٌ فَذٌّ فِي الصَّلَاحِ وَالْهُدَى، وَمِثَالٌ فَرِيدٌ حَقِيقٌ بِأَنْ تَقْتَدِيَ بِأُسْرَتِهِ الْأُسَرُ الْمُسْلِمَةُ فِي الِاسْتِقَامَةِ عَلَى دِينِ اللهِ -تَعَالَى-.

فَتَشَبَّهُوا إِنْ لَمْ تَكُونُوا مِثْلَهُمْ *** إِنَّ التَّشَبُّهَ بِالْكِرَامِ فَلَاحُ

 

رَزَقَنَا اللهُ وَإِيَّاكُمُ السَّيْرَ عَلَى مِنْوَالِ الصَّالِحِينَ، وَالِاقْتِدَاءَ بِأَهْلِ الْفَضْلِ السَّالِفِينَ.

 

وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى خَيْرِ الْبَرِيَّةِ: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب:56].

 

 

الملفات المرفقة
بيوت الصحابة (1) أبو بكر رضي الله عنه
عدد التحميل 58
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات