طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

17522

الحياء وفضله

المكان : المملكة العربية السعودية / الرياض / ظهرة بديعة / جامع الحقباني /
تاريخ الخطبة : 1441/05/01
تاريخ النشر : 1441/05/17
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/أهمية التخلق بالأخلاق الفاضلة ووسائله 2/فضائل خلق الحياء 3/أنواع الحياء وأقسامه 4/من أعظم فوائد الحياء 5/مكانة الحياء عند السلف الصالح 6/ حاجات مجتمعنا إلى خلق الحياء.
اقتباس

ما أحوجنا للحياء هذه الأيام! فلقد خرج كثير من الناس عن خُلق الحياء، وأصبحنا نرى في الشوارع ما تقشعرّ منه القلوب والأبدان، وإن العبد ليخجل من لُبْس بعض الشباب والشابات، ومن تصرفاتهم في الشوارع، ومن فَسْخ الحياء لدى البعض أمام الناس، فما أقبح بالمرأة أن تكون كالرجل في كلامها ومخالطتها للرجال، فما يزين المرأة مثل حيائها، وكذلك الرجل.

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًّا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُ الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين وتابعيهم وسلم تسليمًا كثيرًا.

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران:102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب:70-71].

 

أما بعد: فإنَّ خير الحديث كتابُ الله، وخير الهدي هديُ محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

 

أما بعد فيا أيها المؤمنون، اتقوا الله -جل وعلا- واعملوا لدنياكم كأنكم تعيشون أبدًا واعملوا لأخراكم كأنكم تموتون غدًا، فلنقدم الآخرة على الدنيا فإنها الباقية، وتلك هي الفانية فما السعادة إلا بذلك؛ جعلنا الله وإياكم من أهلها.

 

معاشر المؤمنين: الأخلاق الفاضلة كثيرة، وعلى المسلم أن يسعى جادًّا في التخلق بها، وهي إنما يكتسبها الإنسان بالسعي لها، والحرص عليها، والصبر عن ضدها حتى تكون خلةً دائمة لا تنفك عنه وكأنه فُطِرَ عليها.

 

عباد الله: إن من الأخلاق الفاضلة التي حثّ عليها الشرع ودعت إليها الفطرة: خُلُق الحياء، فمن فضله عده المصطفى -صلى الله عليه وآله وسلم- من شُعَب الإيمان؛ كما أخرج البخاري من حديث أبي هريرة قال -صلى الله عليه وآله وسلم-: “الإيمان بضع وستون شعبة والحياء شعبة من الإيمان“، سنتطرق في هذه الخطبة بمشيئة الله لتعريف الحياء وأقسامه، وبيان فضله، وتطبيق النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- لهذا الخلق العظيم، وأصحابه من بعده.

 

قال ابن مفلح الحنبلي: “وحقيقة الحياء خُلُق يبعث على فعل الحسن وترك القبيح”.

ومن فضل الحياء أن الله -جل وعلا- اتصف به كما أخرج أبو داود في سننه من حديث يعلى بن أمية قال -صلى الله عليه وآله وسلم-: “إن الله -تعالى- حيي ستير يحب الحياء والستر؛ فإذا اغتسل أحدكم فليستتر“.

 

قال ابن القيم: “أما حياء الرب -تبارك وتعالى- من عبده؛ فنوع آخر لا تدركه ولا تكيّفه العقول فإنه حياء كرم وبرّ وجود؛ فإنه كريم يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفرًا، ويستحي أن يُعذّب شيبة شابت في الإسلام”. اهـ.

 

معاشر المسلمين: فرق بين حياء المخلوق والخالق؛ فحياء المخلوق خُلق يخلقه الله -جل وعلا- في نفس الإنسان، يناسبه كمخلوق، وخلق الخالق صفة من صفاته ليست بمخلوقة ولا يمكن معرفة كيفيتها، بل نجزم بأنه لا يشبه حياء المخلوق؛ لأن الله يقول عن نفسه: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)[الشورى:11].

 

وحياء الإنسان على نوعين: غريزي بمعنى فطري؛ بمعنى أن الله فطر المخلوق على ذلك، وحياء مكتسَب يكتسبه الإنسان بترويض نفسه عليه، وهذا هو المطلوب من العبد شرعًا، وهو أحد شُعَب الإيمان وهو محور خطبتنا.

 

قال المناوي: “والحياء نوعان: نفساني وهو المخلوق في النفوس كلها كالحياء من كشف العورة والجماع بين الناس، وحياء إيماني وهو أن يمتنع المسلم من فعل المحرم؛ خوفًا من الله” اهـ.

 

عباد الله: إن من أعظم فوائد الحياء المكتسب أنه يرد العبد عن فعل المعاصي؛ حياء من الله، قال ابن القيم -رحمه الله-: “ومن عقوباتها -أي: الذنوب-: ذهاب الحياء الذي هو مادة الحياة للقلب، وهو أصل كل خير وذهابه ذهاب كل خير بأجمعه، وفى الصحيح أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: “الحياء خير كله“، وقال -صلى الله عليه وآله وسلم-: “إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت“؛ وفيه تفسيران أحداهما أنه على التهديد والوعيد؛ والمعنى: من لم يستحِ فإنه يصنع ما شاء من القبائح؛ إذ الحامل على تركها الحياء، فإذا لم يكن هناك حياء ينزعه عن القبائح فإنه يواقعها، وهذا تفسير أبي عبيدة. والثاني أن الفعل إذا لم تستحِ فيه من الله فافعله، وإنما الذي ينبغي تركه ما يستحي فيه من الله، وهذا تفسير الإمام أحمد في رواية ابن هاني”. اهـ.

 

أيها المسلمون: إن الحياء يجلب الطاعة، والطاعة تجلب الحياء؛ فإن الحياء متولد من تعظيم الله ومن محبته -جل وعلا-؛ قال عمر بن الخطاب: “من قل حياؤه قل ورعه، ومن قل ورعه مات قلبه”.

 

معاشر المسلمين: لقد أمر الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- الناس بالحياء وحثّهم عليه؛ فمن ذلك ما أخرجه البيهقي في الشعب من حديث سعيد بن زيد أن رجلاً قال: يا رسول الله أوصني. قال: “أوصيك أن تستحي من الله كما تستحي رجلاً من صالحي قومك“.

 

وأخرج البخاري من حديث أبي مسعود البدري قال -صلى الله عليه وآله وسلم-: “إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت“.

 

وأخرج الترمذي في جامعه من حديث أبي هريرة قال -صلى الله عليه وآله وسلم-: “الحياء من الإيمان والإيمان في الجنة“.

 

وأخرج الترمذي في جامعه من حديث أنس قال -صلى الله عليه وآله وسلم-: ما كان الفحش في شيء إلا شانه، ولا كان الحياء في شيء إلا زانه“.

 

اللهم ارزقنا الحياء منك حق الحياء، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله الحيي الستير، جل في علاه من إله عليّ حكيم، وأشهد ألا إله إلا الله الملك الحق المبين.

 

أما بعد فيا أيها الناس: كان الحياء نورًا يتلألأ في زمن النبوة، فمراقبة الله عامة للمجتمع فمن لم يستحِ من الله استحيا من الخلق.

 

وقبل أن نتعرض للمثل التطبيقي للحياء في زمن النبوة وما بعده، نبين أن الحياء منه ما هو مذموم ومنه ما هو محمود؛ فالمحمود هو ما نحن بصدد الحديث عنه، وأما المذموم فهو الخور والضعف عن إنكار المنكر أو الأمر بالمعروف حياء من الناس أو ترك السؤال عما أشكل عليه من أمور دينه حياء من الناس، فهذا قد جاء الشرع بالتحذير منه وذمه.

 

معاشر المسلمين: ما أحوجنا للحياء هذه الأيام! فلقد خرج كثير من الناس عن خُلق الحياء، وأصبحنا نرى في الشوارع ما تقشعرّ منه القلوب والأبدان، وإن العبد ليخجل من لُبْس بعض الشباب والشابات، ومن تصرفاتهم في الشوارع، ومن فَسْخ الحياء لدى البعض أمام الناس، فما أقبح بالمرأة أن تكون كالرجل في كلامها ومخالطتها للرجال، فما يزين المرأة مثل حيائها، وكذلك الرجل.

 

لقد كان النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أشد حياء من العذراء في خدرها؛ أخرج البخاري ومسلم من حديث عائشة قالت: إن امرأة من الأنصار قالت: يا نبي الله! كيف أغتسل من المحيض؟ قال -صلى الله عليه وآله وسلم-: “خذي فرصة ممسكة فتطهري ثلاثًا؛ ثم إن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- استحيا فأعرض بوجهه”.

 

وهكذا كان أصحابه من بعده فهذا أبو بكر قال في إحدى خطبه: “يا معشر المسلمين! استحيوا من الله؛ فو الذي نفسي بيده إني لأظل حين أذهب للغائط متقنعًا بثوبي استحياء من ربي -عز وجل-“.

 

عباد الله: من تأمل الحياء عرف أن الحياء هو الدين كما قال عمر بن عبد العزيز: “وقد تحدث عنده قوم؛ فقالوا: الحياء من الدين؛ فقال -رحمه الله-: “بل الحياء هو الدين كله”.

 

وقال الفضيل بن عياض: “من علامات الشقوة: قلة الحياء“.

 

وإن تعجب من قلة الحياء، فعجب أولئك القوم يخرجون يبيتون في البراري، ويتجمعون بل يختلط الرجال بالنساء، ليشاهدوا الكسوف، مع فرحهم، وتصويرهم للكسوف، بل إن العين لتدمع إنما يوضع فعاليات لكسوف الشمس، فلا حول ولا قوة إلا بالله، أين هؤلاء عن حال النبي -صلى الله عليه وسلم- لما كسفت الشمس في زمنه، خرج مسرعًا فزعًا إلى الصلاة، وقال: “إذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة“.

 

إذا لم تخش عاقبة الليالي *** ولم تستحي فاصنع ما تشاء

فلا والله ما في العيش خير *** ولا الدنيا إذا ذهب الحياء

يعيش المرء ما استحيا بخير *** ويبقى العود ما بقي اللحاء

 

قال يحيى بن معاذ: “من استحيا من الله مطيعًا استحيا الله منه وهو مذنب“.

قال ابن القيم شارحًا لهذا القول: “المعنى من غلب عليه خلق الحياء من الله حتى في حال طاعته فقلبه مطرق بين يدي ربه إطراق مستحي خَجِل؛ فإذا واقع ذنبا استحيا الله أن ينظر إليه في تلك الحالة لكرامته عليه“. اهـ.

 

وقال سليمان بن عبد الملك: “إذا أراد الله بعبدٍ هلاكًا نزع منه الحياء، فإذا نزع منه الحياء لم تلقه إلا مقيتًا ممقتًا“.

إذا قل ماء الوجه قل حياؤه *** ولا خير في وجه إذا قل ماؤه

وقال بعض العرب:

إني كأني أرى من لا حياء له *** ولا أمانة وسط الناس عريانا

 

معاشر المسلمين: إن الحياء بهذا المعنى خير كله، ولا يأتي إلا بخير، فلنحرص عليه فإنه من صفات المرسلين، وهو داعٍ إلى هجر المعصية خجلاً من الله، وداع إلى فعل الطاعة بوازع الحب لله، ومن فضائله أنه يكسو المرء الوقار فلا يفعل ما يُخِلّ بالمروءة والتوقير، ولا يؤذي من يستحق الإكرام. وهو دليل على كرم السجية وطيب المعدن والمنبت.

 

أيها الناس: ولو لم يكن في الحياء إلا أنه يردع صاحبه عن المعاصي لكان حريًّا بالمؤمن أن يسعى إليه روي أن عمر بن الخطاب كان يمشي في إحدى سكك المدينة فسمع امرأة تقول:

دعتني نفسي بعد خروج عمرو *** إلى اللذات فاطلع التلاعا

فقلت لها عجلت فلن تطاعي *** ولو طالت إقامته رباعا

أحاذر إن أطعتك سب نفسي *** ومخزاة تجللني قناعا

 

فقال عمر: وأُتي بالمرأة أي شيء منعك؟ قالت: “الحياء، وإكرام عرضي“، فقال عمر: “إن الحياء ليدل على هناة ذات ألوان، ومن استحيا استخفى، ومن استخفى اتقى، ومن اتقى وقي وكتب إلى صاحبي زوجها فأقفله“.

 

معاشر المسلمين: سمعتم بما قام به بعض الرجال والنساء من التحرشات الجنسية في تجمعات الترفيه، وما وقعوا فيما وقعوا فيه إلا لما قل الحياء، فمن لم يستح فعل ما يشاء، فلنرب أنفسنا وأولادنا على الحياء، ولنجنبهم كل ما ينزع الحياء عنهم. فما من عاقل إلا ويعرف للحياء وأهله فضله، فما أعظمه من خُلق! وما أشرفه من دين!

 

اللهم وفقنا لهداك، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، اللهم ولِّ على المسلمين خيارهم، واللهم وفق ولي أمرنا لما تحب ترضى، اللهم خذ بناصيته للبر والتقوى، اللهم وفقه للبطانة الصالحة، اللهم أنجِ المستضعفين.

 

 

الملفات المرفقة
الحياء وفضله
عدد التحميل 115
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات