طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    سنة الله في تقدير الأرزاق    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

17456

معية الله لعيسى بن مريم -عليه السلام- وتأييده بالمعجزات

المكان : مصر / الإسكندرية / بدون / بدون /
تاريخ الخطبة : 1441/05/08
تاريخ النشر : 1441/05/17
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/بطاقة تعريف وتشريف 2/صفةُ عيسى عليه السلام وشمائلُه وفضائلُه 3/معية الله لعيسى -عليه السلام- وتأييده بالمعجزات 4/معية الله وتأييده لعيسى -عليه السلام- مع قومه.
اقتباس

فإن أصعب ما تمر به المرأة عندما يأتيها المخاض فتكون المرأة في ضعف ووهن شديد؛ فكيف إذا انضم إلى ذلك الرمي بالفاحشة والوحدة، فليس معها أم ولا أخت ولا سند؛ كان هذا هو حال مريم -عليها السلام- عندها تداركتها العناية الربانية بالمنح والمعجزات التي تشد العضد وتزيل الهم…

الخطبة الأولى:

 

الحَمْدُ لله الدَّاعي إلى بابه، الموفِّق من شاء لصوابِهِ، أنعم بإنزالِ كتابِه، يَشتملُ على مُحكم ومتشابه، فأما الَّذَينَ في قُلُوبهم زَيْغٌ فيتبعونَ ما تَشَابَه منه، وأمَّا الراسخون في العلم فيقولون آمنا به، أحمده على الهدى وتَيسيرِ أسبابِه، وأشهد أنْ لا إِله إلاَّ الله وحدَه لا شَريكَ له شهادةً أرْجو بها النجاةَ مِنْ عقابِه.

 

وأشهد أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه أكمَلُ النَّاس عَملاً في ذهابه وإيابه، صلَّى الله عليه وعلى صاحبه أبي بكرٍ أفْضل أصحَابه، وعَلَى عُمر الَّذِي أعَزَّ الله بِهِ الدِّيْنَ واسْتَقَامَتِ الدُّنْيَا بِهِ، وَعَلَى عثمانَ شهيدِ دارِهِ ومِحْرَابِه، وعَلى عليٍّ المشهورِ بحَلِّ المُشْكِلِ من العلوم وكَشْفِ نِقابه، وَعَلَى آلِهِ وأصحابه ومنْ كان أوْلَى بِهِ، وسلَّمَ تسليماً.

 

في هذا اللقاء نتعرف على روح الله وكلمته التي ألقاها إلى مريم -عليها السلام-، نتكلم عن المسيح عيسى ابن مريم؛ فمن هو المسيح؟ ولماذا سمي بذلك؟ وما هي فضائله ومعجزاته؟

 

بطاقة تعريف وتشريف: هو سيدنا المسيح عيسى بن مريم بنت عمران، روحُ الله وكلمته ألقاها إلى مريم، وآخرُ أنبياء بني إسرائيل؛ نسبه هو نسب أمه لأنه مولود من غير أب.

 

صفةُ عيسى -عليه السلام- وشمائلُه وفضائلُه: قال الله -تعالى-: (مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ)[المائدة: 75]؛ قيل: سُمِّي المسيحُ لمَسْحِه الأرضَ، وهو سياحتُه فيها، وفرارُه بدينِه مِن الفتن في ذلك الزمان؛ لشدة تكذيب اليهودِ له، وافترائهم عليه وعلى أمِّه، عليهما السلام.

وقيل: لأنه كان ممسوحَ القَدَمينِ.

 

وقال -تعالى-: (وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ)[المائدة:46]؛ وقال -تعالى-: (وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ)[البقرة:87]، والآياتُ في ذلك كثيرةٌ جدًّا.

 

عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: “رأيتُ عيسى وموسى وإبراهيم، فأما عيسى، فأحمرُ، جَعْدٌ، عَرِيضُ الصَّدرِ…”(رواه البخاري).

 

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه-، عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، قال: “الأنبياء إِخوةٌ لِعلَّاتٍ، ودينُهم واحدٌ، وأمهاتُهم شتى، وأنا أَوْلى الناس بعيسى ابن مريم؛ لأنه لم يكُنْ بيني وبينه نبيٌّ، وإنه نازلٌ – فإذا رأيتُموه فاعرِفوه، فإنه رجلٌ مَرْبُوعٌ إلى الحُمْرة والبياضِ، سَبْطٌ كأنَّ رأسَه يقطُرُ وإن لم يُصِبْه بَلَلٌ – بين ُمَمصَّرَتينِ، فيَكسِر الصليب، ويقتُل الخنزير، ويضَع الجِزْيَة، ويُعطِّل المِلَل حتى تَهلِكَ في زمانه المِلَلُ كلُّها غيرُ الإسلام، ويُهلِكُ الله في زمانه المسيحَ الدجَّال الكذَّاب، وتَقَعُ الأَمَنَة في الأرض حتى تَرْتَعَ الإبل مع الأُسْدِ جميعًا، والنُّمورُ مع البقر، والذِّئابُ مع الغَنَم، ويلعب الصبيان والغلمان بالحيَّات، لا يضر بعضهم بعضًا، فيمكث ما شاء الله أن يمكث، ثم يُتوفَّى، فيُصلِّي عليه المسلمون ويدفنونه“.

 

الإيمان بعيسى -عليه السلام- من الإيمان بالله؛ قال الله -تعالى- (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ)[البقرة: 285]

 

الإيمان برسالة عيسى -عليه السلام- يوجب دخول الجنة؛ واعلموا أن من موجبات الجنة الإيمان بأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه عُبَادَةَ بن الصامت قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَالْجَنَّةَ، وَالنَّارَ حَقٌّ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنْ عَمَلٍ“، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ “مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ حَرَّمَ عَلَيْهِ النَّارَ“.

 

ثالثا: أن أولى الناس بعيسى هو النبي -صلى الله عليه وسلم- أنا أولى الناس في الأولى والآخرة؛ فعن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: “أنا أولى الناس بابن مريم الأنبياء أولاد علاتٍ وليس بيني وبينه نبيٌّ“(أخرجه البخاري).

 

كما أنه لا يشبه عيسى في الخلق إلا آدم -عليه السلام-: حيث إن الله خلق آدم من تراب وخلق عيسى -عليه السلام- من غير أب يقول الله -تعالى-: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)[آل عمران: 59].

 

يقول الشيخ محمد رشيد رضا -رحمه الله – أقول: “بعد أن بيّن -سبحانه- خلق عيسى ومجيئه بالآيات وما كان من أمر قومه في الإيمان والكفر به، كشف شبهة المفتونين بخلقه على غير السنة المعتادة والمحاجين فيه بغير علم، ورد على المنكرين لذلك فقال: إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم أي: إن شبه عيسى وصفته في خلق الله إياه على غير مثال سبق كشأن آدم في ذلك، ثم فسّر هذا المثل بقوله: خلقه من تراب أي قدر أوضاعه وكون جسمه من تراب ميت أصابه الماء فكان طينًا لازبًا ذا لزوجة ثم قال له كن فيكون؛ أي ثم كونه تكوينا آخر بنفخ الروح فيه“.

 

عباد الله: أما عن معية الله لعيسى -عليه السلام- وتأييده بالمعجزات، وتأييد الله  لعيسى -عليه السلام- عند ولادته؛ فإن أصعب ما تمر به المرأة عندما يأتيها المخاض فتكون المرأة في ضعف ووهن شديد؛ فكيف إذا انضم إلى ذلك الرمي بالفاحشة والوحدة، فليس معها أم ولا أخت ولا سند؛ كان هذا هو حال مريم -عليها السلام- عندها تداركتها العناية الربانية بالمنح والمعجزات التي تشد العضد وتزيل الهم؛ قال الله -تعالى- في شأن السيدة البتول مريم -عليها السلام- – وهو يصف لنا حالها (فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً)[مريم:23–26].

 

يقول الزحيلي -رحمه الله –: “أي فاضطرها وألجأها وجع الولادة وألم الطلق إلى الاستناد إلى جذع النخلة والتعلق به، لتسهيل الولادة، فتمنت الموت قبل ذلك الحال؛ استحياءً من الناس، وخوفًا أن يُظن بها السوء في دينها، أو أن تكون شيئًا لا يبالي به، ولا يعتد به أحد من الناس كالوتد والحبل، أو لم تخلق ولم تك شيئًا. قال ابن كثير: فيه دليل على جواز تمني الموت عند الفتنة، فإنها عرفت أنها ستبتلى وتمتحن بهذا المولود الذي لا يحمل الناس أمرها فيه على السداد، ولا يصدقونها في خبرها، وبعد ما كانت عندهم عابدة ناسكة، تصبح عندهم فيما يظنون عاهرة زانية. قال الزمخشري: أجاء منقول من جاء إلى معنى الإلجاء.

 

(فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا)؛ أي فناداها جبريل من تحت الأكمة أو من تحت النخلة، وقيل: المنادي هو عيسى، وقد أنطقه الله بعد وضعه تطييبًا لقلبها وإيناسًا لها، قائلاً: لا تحزني، فقد جعل ربك تحتك جدولاً أو نهرًا صغيرًا، أجراه الله لها لتشرب منه. وقيل: المراد بالسريّ هنا عيسى، والسريّ: السيد العظيم الخصال من الرجال. قال ابن عباس: المراد ب مِنْ تَحْتِها جبريل، ولم يتكلم عيسى حتى أتت به قومها.

 

ففي هذا لها آية وأمارة أن هذا من الأمور الخارقة للعادة التي لله -تعالى- فيها مراد عظيم، وهذا هو الأصح.

 

(وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا)؛ أي: حرّكي جذع النخلة، تسقط عليك رطبًا طريًا طيبًا، صالحًا للاجتناء والأكل من غير حاجة إلى تخمير وصناعة. وهذه آية أخرى.

 

قال الزمخشري، كان جذع نخلة يابسة في الصحراء، ليس لها رأس ولا ثمر ولا خضرة، وكان الوقت شتاء. وقيل: كانت النخلة مثمرة. والمهم في الأمر: وجوب اتخاذ الأسباب لتحصيل الرزق، والاعتقاد بأن الفاعل الحقيقي في تيسير الرزق هو الله -تعالى-، وأنه على كل شيء قدير. وأما التفاصيل فلا يجب علينا أن نعتقد إلا بما أخبر به القرآن صراحة، وأما الروايات فتحتاج إلى تثبت ودليل وسند صحيح. وما أحسن قول الشاعر:

ألم تر أن الله أوحى لمريم *** وهزي إليك الجذع يساقط الرطب

ولو شاء أدنى الجذع من غير هزه *** إليها ولكن كل شيء له سبب

 

(فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً)؛ أي: فكلي من ذلك الرطب، واشربي من ذلك الماء، وطيبي نفسا ولا تحزني وقرّي عينا برؤية الولد النبي، فإن الله قدير على صون سمعتك، والإرشاد إلى حقيقة أمرك. قال عمرو بن ميمون: ما من شيء خير للنفساء من التمر والرطب، ثم تلا هذه الآية الكريمة”.

 

تأييد الله  لعيسى -عليه السلام- بعد ولادته: كلام -عليه السلام-: كما مر في الآيات السابقة أمر الله -تعالى- السيدة مريم  -عليها السلام- أن تصوم عن الكلام، وكان هذا في شرعهم طاعة وعبادة وألا تُكلم أحدًا من البشر؛ قال الله -تعالى-: (فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا)[سورة مريم: 27-33].

 

جاءت به تحمله في المهد صبيًّا لم تمر عليه ليالي ولا أيام، وهنا تصدى لها عداء الأنبياء من قومها ورموها في شرفها وعرضها فلم تنطق ببنت شفة، وإنما أشارت إلى عيسى -عليه السلام- وهنا تأتي المعجزة المسكتة لتلك الألسن الكاذبة يقول السعدي –رحمه الله–: “فحينئذ قال عيسى -عليه السلام-، وهو في المهد صبي: (إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا)؛ فخاطبهم بوصفه بالعبودية، وأنه ليس فيه صفة يستحق بها أن يكون إلهًا، أو ابنًا للإله، -تعالى- الله عن قول النصارى المخالفين لعيسى في قوله: (إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ)؛ ومدعون موافقته.

 

(آتَانِيَ الْكِتَابَ)؛ أي: قضى أن يؤتيني الكتب (وَجَعَلَنِي نَبِيًّا)؛ فأخبرهم بأنه عبد الله، وأن الله علمه الكتاب، وجعله من جملة أنبيائه، فهذا من كماله لنفسه، ثم ذكر تكميله لغيره فقال: (وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ)؛ أي: في أي: مكان، وأي: زمان، فالبركة جعلها الله فيَّ من تعليم الخير والدعوة إليه، والنهي عن الشر، والدعوة إلى الله في أقواله وأفعاله، فكل من جالسه، أو اجتمع به، نالته بركته، وسعد به مصاحبه.

 

(وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا)؛ أي: أوصاني بالقيام بحقوقه، التي من أعظمها الصلاة، وحقوق عباده، التي أجلها الزكاة، مدة حياتي، أي: فأنا ممتثل لوصية ربي، عامل عليها، منفذ لها، ووصاني أيضًا، أن أبرّ والدتي فأحسن إليها غاية الإحسان، وأقوم بما ينبغي له، لشرفها وفضلها، ولكونها والدة لها حق الولادة وتوابعها.

 

(وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا)؛ أي: متكبرا على الله، مترفعا على عباده (شَقِيًّا)؛ في دنياي أو أخراي، فلم يجعلني كذلك بل جعلني مطيعًا له خاضعًا خاشعًا متذللاً متواضعًا لعباد الله، سعيدًا في الدنيا والآخرة، أنا ومن اتبعني.

 

فلما تم له الكمال، ومحامد الخصال قال: (وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا)؛ أي: من فضل ربي وكرمه، حصلت لي السلامة يوم ولادتي، ويوم موتي، ويوم بعثي، من الشر والشيطان والعقوبة، وذلك يقتضي سلامته من الأهوال، ودار الفجار، وأنه من أهل دار السلام، فهذه معجزة عظيمة، وبرهان باهر، على أنه رسول الله، وعبد الله حقًّا”.

 

عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، قال: “لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى ابن مريم، وصاحب جريج،…”.

 

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني الله وإياكم بما فيه من الآياتِ والذكرِ الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

معية الله وتأييده لعيسى -عليه السلام- مع قومه: إخوة الإسلام: أما عن معجزات نبي الله عيسى -عليه السلام- مع قومه فكثيرة نذكر منها ما ذكره الله -تعالى- في القرآن الكريم.

(وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)[آل عمران:49].

 

فاشتملت الآيات على معجزات باهرات وبراهين قاطعات: المعجزة الأولى: أنه يخلق من الطين كهيئة الطير كصورة الطير فينفخ فيها فيتحول إلى طائر يطير. المعجزة الثانية أنه يبرئ الأكمه والأبرص فيشفى بإذن الله -تعالى-. المعجزة الثالثة: أنه يحيي الموتى بإذن الله. المعجزة الرابعة: أنه يخبرهم بما في بيوتهم.

 

يقول ابن كثير – رحمه الله –: “(وأحيي الموتى بإذن الله)؛ قال كثير من العلماء: بعث الله كل نبي من الأنبياء بمعجزة تناسب أهل زمانه، فكان الغالب على زمان موسى، -عليه السلام-، السحر وتعظيم السحرة. فبعثه الله بمعجزة بهرت الأبصار وحيّرت كل سحار، فلما استيقنوا أنها من عند العظيم الجبار انقادوا للإسلام، وصاروا من الأبرار. وأما عيسى، -عليه السلام-، فبعث في زمن الأطباء وأصحاب علم الطبيعة، فجاءهم من الآيات بما لا سبيل لأحد إليه، إلا أن يكون مؤيدًا من الذي شرع الشريعة. فمن أين للطبيب قدرة على إحياء الجماد، أو على مداواة الأكمه، والأبرص، وبعث من هو في قبره رهين إلى يوم التناد؟ وكذلك محمد -صلى الله عليه وسلم- بعثه الله في زمن الفصحاء والبلغاء ونحارير الشعراء، فأتاهم بكتاب من الله، -عز وجل-، لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور من مثله، أو بسورة من مثله لم يستطيعوا أبدًا، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا، وما ذاك إلا لأن كلام الرب لا يشبهه كلام الخلق أبدًا”.

 

تأييد الله لعيسى -عليه السلام- إنزال المائدة: قال الله -تعالى-: (إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ)[المائدة: 112- 115].

 

والمقصود بكلمة الاستطاعة، مع أن الطلب صادر من الحواريين وهم مؤمنون يعلمون أن الله قادر على كلّ شيء: أنه هل يفعل ذلك، وهل يجيبك إلى مطلبك أو لا؟ فأرادوا علم المعاينة والمشاهدة والاطمئنان بعد توافر الاعتقاد والعلم بقدرة الله -تعالى-، كما قال إبراهيم -عليه السلام-: (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى)[البقرة:260]؛ لأن علم النّظر والخبر قد تدخله الشّبهة والاعتراضات، وعلم المعاينة المحسوس لا يدخله شيء من ذلك، ولذلك قال الحواريون: (وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا)؛ كما قال إبراهيم: (وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي)[البقرة:260]؛ قال السّدّي: هل يستطيع ربّك أي هل يطيعك ربّك إن سألته، وهذا تفريع على أن استطاع بمعنى أطاع، والسّين زائدة.

 

وقال الطّبري: “الأولى في المعنى عندي بالصّواب: هل يستجيب لك إن سألته ذلك ويطيعك فيه“.

 

ومضمونُ ذلك أن عيسى -عليه السلام-، أمرَ الحواريِّينَ بصيام ثلاثين يومًا، فلما أتمُّوها سألوا مِن عيسى إنزالَ مائدةٍ مِن السماءِ عليهم ليأكُلُوا منها وتطمئنَّ بذلك قلوبهم أنَّ الله قد تقبَّل صيامَهم وأجابَهم إلى طَلِبَتهم، وتكونَ لهم عيدًا يفطُرونَ عليها يومَ فِطرِهم، وتكون كافيةً لأوَّلهم وآخرهم، لغنيِّهم وفقيرِهم، فوعَظهم عيسى -عليه السلام- في ذلك، وخاف عليهم ألَّا يقوموا بشُكْرها، ولا يُؤَدُّوا حقَّ شروطِها، فأبَوْا عليه إلا أن يسألَ لهم ذلك مِن ربِّه عز وجل، فلما لم يُقْلِعوا عن ذلك قام إلى مُصلَّاه…، وتضرَّع إلى اللهِ في الدعاءِ والسؤال، أن يُجابوا إلى ما طَلَبوا، فأنزل الله -تعالى- المائدةَ مِن السماءِ.

 

اللهم صلِّ وسلِّم على نبيِّنا محمد، وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين الذين قضَوا بالحق وبه كانوا يعدِلون: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر الصحابةِ أجمعين، وعنَّا معهم بجُودِك وكرمِك يا أكرم الأكرمين.

 

 

الملفات المرفقة
معية الله لعيسى بن مريم -عليه السلام- وتأييده بالمعجزات
عدد التحميل 32
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات