طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

17519

في بيان أن الجزاء من جنس العمل

المكان : المملكة العربية السعودية / المدينة المنورة / حي المسجد النبوي / المسجد النبوي الشريف /
التصنيف الرئيسي : أحوال القلوب التربية
تاريخ الخطبة : 1441/05/15
تاريخ النشر : 1441/05/15
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/من سنن الله مجازاة عباده بما يتوافق مع أعمالهم 2/أمثلة توضح أن الجزاء من جنس العمل 3/من أراد أن ينظر ما له عند ربه فلينظر ما لله عنده
اقتباس

الله بصير بالعباد، وهو لهم بالمرصاد، وسيجازي الجميعَ بما عملوا، والجزاء من جنس العمل مماثِلًا له في الخير والشر، وكما تدين تُدان، ومن أراد أن ينظر ما لَهُ عند ربه فلينظر ما لله عنده، فإن الله يُنزِل العبدَ حيث أنزَلَه من نفسه…

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومَنْ يضلل فلا هاديَ له، وأشهد ألا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له، وأشهد أن نبينا محمدا عبدُه ورسولُه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا.

 

أما بعد: فاتقوا الله -عباد الله- حق التقوى، وراقبوه في السر والنجوى.

 

أيها المسلمون: أبدَع اللهُ الخلقَ فأحسَن ما صنَع، وأحكَم سبحانه دِينَه وما شرَع، حكيم عليم خبير رحيم، له في خلقه وأمره سُنَن لا تختَلِف ولا تتبدَّل، ومن سننه -سبحانه- مجازاة العِبَاد وفقَ أعمالهم؛ إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشرٌّ، جزاءً وفاقًا، وقد تظاهر الشرع والقدر على هذا، قال سبحانه: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ)[الزَّلْزَلَةِ: 7-8]، ففي الخير رتَّب الله من الأجور والثواب على كثير من الأعمال ما هو مماثِل لها ومناسب، فالجزاء يكون من جنس الطاعة، قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: “والجزاء أبدًا من جنس العمل، وليس لِمَنْ أحسَن العملَ إلا الإحسان، قال عز وجل: (هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ)[الرَّحْمَنِ: 60]، فمن حفظ حدود الله وحقوقه -حفظه الله- في الدارينِ”، قال عليه الصلاة والسلام: “احفظ الله يحفظك“(رواه الترمذي).

 

وإذا طلَب العبد الهداية بصدق هداه الله وثبَّتَه، قال سبحانه: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ)[مُحَمَّدٍ: 17]، والوفاء بعهد الله من الإيمان به وبما جاء به رسولُه -صلى الله عليه وسلم- جزاؤه وفاء الله لأهله بالجنة، قال تعالى: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ)[الْبَقَرَةِ: 40]، ومَنْ صدَق مع الله أكرَمَه اللهُ بما يحب وزيادة، قال عليه الصلاة والسلام: “إن تصدق الله يصدقك“(رواه النسائي)، قال ابن القيم -رحمه الله-: “ليس للعبد شيء أنفع من صِدْقِه ربه، ومَنْ صدَق اللهَ في جميع أموره صنَع اللهُ له فوق ما يصنع لغيره“، وعلى قَدْرِ قُرْبِ العبدِ منِ ربه بالطاعة والعبادة يكون قرب الله منه، قال تعالى في الحديث القدسي: “إذا تقرَّب العبدُ مني شبرًا تقربتُ منه ذراعًا، وإذا تقرَّب مني ذراعًا تقربتُ منه باعًا“(متفق عليه).

 

وللعبد من ربه ما ظنَّ به، إن خيرا فله، وإن سوءا فمثله، قال الله -تعالى- في الحديث القدسي: “أنا عند ظن عبدي بي“(رواه البخاري)، ومن أحسَن في الدنيا بالإيمان والتوحيد فله في الآخرة الجنة ورؤية الرب المجيد، قال تعالى: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ)[يُونُسَ: 26]، وللصلاة باب في الجنة يُنادى أهلُها منه، ولنصاعة أعضاء الوضوء بالطهارة تُعرَف هذه الأمة يومَ القيامة بذلك، قال عليه الصلاة والسلام: “إن أمتي يدعَوْن يوم القيامة غُرًّا محجلينَ من آثار الوضوء“(متفق عليه)، “وتبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء“(رواه مسلم).

 

والمؤذِّن رفَع صوته بالأذان فكان ثوابه من جنس فعله، قال عليه الصلاة والسلام: “المؤذنون أطول الناس أعناقًا يوم القيامة“(رواه مسلم)، و”لا يَسمَع مدَى صوتِ المؤذِّن جنٌّ ولا إنسٌ ولا شجرٌ ولا حجرٌ إلا شَهِدَ له يومَ القيامة“(رواه البخاري)، والله أَذِنَ بالمساجد أن ترفَع ويذكَر فيها اسمُه، و”مَنْ بنى مسجدا لله بنى الله له في الجنة مثله“(رواه مسلم).

 

والصدقة برهان على الإيمان وقرض مضاعَف عند الله، ومن أنفَق شيئًا أخلَف الله له خيرًا منه، قال عليه الصلاة والسلام: “قال الله -تعالى-: أَنْفِقْ يا ابنَ آدم أُنفِقْ عليكَ”(متفق عليه)، و”ما من يوم يُصبِح العباد فيه إلا مَلَكانِ ينزلانِ فيقول أحدُهما: اللهم أعطِ منفقًا خلفًا، ويقول الآخَر: اللهم أعطِ ممسكًا تلفًا“(متفق عليه)، والصائمون يقال لهم: (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ)[الْحَاقَّةِ: 24]، قال مجاهد -رحمه الله-: “نزلَت في الصائمين“، وينادَوْن من باب خاص بهم وهو الريان، وخَلُوفُ فمِ الصائمِ أطيبُ عند الله من ريح المسك، ومن مات محرمًا بعثَه الله مُلَبِّيًا.

 

وذِكْرُ اللهِ يحيي القلوب ويقوِّي الأبدانَ، وما لأهله جزاء خير من ذِكْر الله لهم، قال تعالى: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ)[الْبَقَرَةِ: 152]، ومَنْ ذكَر اللهَ على حالٍ ذكَرَه اللهُ بأكرمَ من تلك الحال، قال تعالى في الحديث القدسي: “وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم“(متفق عليه)، ومجالسُ الذِّكْر رياض الجنة، وللعبد عند ربه منها ما له فيها، أقبَل ثلاثةٌ على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فرأى أحدُهم فرجةً في الحلقة فجلَس فيها، والآخَر جلَس خلفَهم، والثالث أدبَر ذاهِبًا، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “ألَا أُخبِرُكم عن النفر الثلاثة؟ أما أحدُهم فأَوَى إلى الله فآواه اللهُ، وأمَّا الآخَرُ فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الآخَر فأعرَض فأعرَض اللهُ عنه“(متفق عليه).

 

والدِّين عزٌّ ورفعةٌ لأهله، ومَنْ نصَر دينَ الله فهو منصور، قال سبحانه: (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ)[الْحَجِّ: 40]، ومن دلَّ على خير فله مثلُ أجر فاعله، ومن سنَّ سنةً حسنةً فلَه أجرُها وأجرُ مَنْ عَمِلَ بها إلى يوم القيامة، والبلاء سنةُ اللهِ في خلقه، وعِظَمُ الجزاءِ مع عِظَم البلاءِ، فمن رضي فله الرضا، ومن سَخِطَ فله السخط، والصبر واجب على الأوامر والنواهي والأقدار، ومن يتصبَّر يصبره الله، ومَنْ تعرَّف على الله في الرخاء عرَفَه في الشدة، والعلم يُنال بالسعي له، ومَنْ سلَك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهَّل الله له طريقًا إلى الجنة، ومَنْ وفَّقَه اللهُ للتوبة فأقبَل عليه -سبحانه- تائبًا تاب عليه وقَبِلَه وأثابَه، قال سبحانه: (فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ)[الْمَائِدَةِ: 39].

 

والمؤمن إذا حضَره الموتُ بُشِّرَ برضوان الله وكرامته، فليس شيء أحب إليه ممَّا أمامه، فأحبَّ لقاءَ الله وأحبَّ اللهُ لقاءه، ومن عامَل الخلقَ بخيرٍ عامَلَه اللهُ بمثله في الدنيا والآخرة، وأكرَمُ الخلقِ نبيُّنا محمد -صلى الله عليه وسلم-، فمَن صلَّى عليه صلاةً صلَّى اللهُ عليه بها عشرا، والأنصار لا يحبهم إلا مؤمن، ومن أحبهم أحبَّه اللهُ، والله يرحم من عباده الرحماء، قال عليه الصلاة والسلام: “من لا يَرْحَم لا يُرْحَم“(متفق عليه)، ورَحِمَتِ امرأةٌ بغيٌّ كلبًا وسقته فرحمها الله وغفر لها، وأولى الناس بالمعروف ذوو القربى، فمن وصَل رحمَه وصلَه اللهُ، وفي بَذْلِ السلامِ للخَلْق السلامة، قال عليه الصلاة والسلام: “أفشوا السلام تسلموا“(رواه ابن حبان)، ومن تواضع لله رفعه، وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عِزًّا، قال سبحانه: (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ)[النُّورِ: 22]، قال ابن كثير -رحمه الله-: “فإن الجزاء من جنس العمل، فكما تَغفِر عن المذنب إليكَ نَغفِر لكَ، وكما تَصفَح نصفَح عنكَ“.

 

ومَنْ أحبَّ عبدًا لله أحبَّه اللهُ، ومن دعَا لأخيه بظهر الغيب قال الملك الموكَّل به: آمين ولكَ بمثله، والتفسُّح في المجالس جزاؤه من جنسه، قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ)[الْمُجَادَلَةِ: 11]، ومن أقال مسلمًا أقال اللهُ عثرتَه يومَ القيامة، والله يكون للعبد كما يكون لإخوانه المسلمين، قال عليه الصلاة والسلام: “مَنْ كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومَنْ فرَّج عن مسلم كربةً فرَّج اللهُ عنه كربةً من كربات يوم القيامة، ومن ستَر مسلمًا ستَرَه اللهُ يومَ القيامة“(متفق عليه)، “ومن يسَّر على معسِر يسَّر اللهُ عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه“(رواه مسلم)، ومن تجاوز عن الخَلْق تجاوَز اللهُ عنه، ومن أعتق عبدا أعتق الله بكل عضو منه عضوا من النار، ومن استدان أموال الناس يريد أداءها أدَّى الله عنه، ومن استغنى بالله وبما أعطاه أغناه الله وكفاه، قال عليه الصلاة والسلام: “ومن يستغن يُغْنِه اللهُ“(متفق عليه).

 

وإذا عفَّ العبدُ عن الحرام وسؤال الخلق أعفَّه اللهُ، قال عليه الصلاة والسلام: “إنه من يستعفف يعفه الله“(متفق عليه)، وما رفَق أحدٌ بغيره إلا رفَق اللهُ به، قال عليه الصلاة والسلام: “اللهم مَنْ وَلِيَ من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به“(رواه مسلم)، والخير يأتي بالخير وعلى خلافه الشر، يأتي بالشر، فجزاء سيئة مثلها، (وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)[الصَّافَّاتِ: 39]، فمن عمي قلبه عن الحق، أعمى الله بصره في المحشر، قال جل وعلا: (وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا)[الْإِسْرَاءِ: 72]، ومن زاغَ عن الحق بعد علمِه أزاغَ اللهُ قلبَه عن الهدى وأسكَنَه الشكَّ والخذلانَ، قال تعالى: (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ)[الصَّفِّ: 5]، ومن أعرَض عن الخير والدِّين عوقب بسلب الإيمان والخير، قال تعالى: (وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ)[التَّوْبَةِ: 127]، ومن ترَك الطاعة وتعمَّد نسيانَها خذَلَه اللهُ وأنساه نفسَه وتركَه في عذاب، قال تعالى: (نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ)[التَّوْبَةِ: 67]، وفساد الباطن عاقبته المزيد منه، قال عز وجل: (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا)[الْبَقَرَةِ: 10]، ومن حجب بصيرتَه عن الدِّين حجبه الله عن رؤيته يوم الدِّين، قال سبحانه: (كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ)[الْمُطَفِّفِينَ: 15]، والشرك بالله أعظم ذنب في الأرض، فمن تعلَّق قلبُه بشيء غير الله وُكِلَ إليه، ومن قصَد بعمله الرياء أو السمعة جُوزِيَ بمثلِ فعلِه، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “مَنْ سمَّع سمَّع اللهُ به، ومن يرائي يرائي اللهُ به“(متفق عليه).

 

وعابدُ غيرِ الله مخذولٌ في الدنيا والآخرة، قال عز وجل: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا * كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا)[مَرْيَمَ: 81-82]، ومن عمل عملا أشرك مع الله غيره تركَه اللهُ وشركَه، ومن عبَد شيئًا غير الله تَبِعَهُ في نار جهنم، ومَنْ حلَف بملة سوى الإسلام كاذبًا فهو كما قال، ومَنْ صوَّر صورة عُذِّبَ بها يوم القيامة، وكُلِّفَ أن ينفخ فيها الروحَ وليس بنافخ، ومن التمس رضا الناس في سَخَط الله سَخِطَ اللهُ عليه وأسخَط عليه الناسَ، ومن كَرِهَ لقاءَ الله كَرِهَ اللهُ لقاءه، ومن قصَد الكيدَ والخداعَ والمكرَ والاحتيالَ على الدين استدرَجَه اللهُ وأخذَه بغتةً، قال جل وعلا: (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)[آلِ عِمْرَانَ: 54]، وقال: (يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ)[النِّسَاءِ: 142]، ومن تأخَّر عن الصفوف الأُوَل في الصلاة أخَّرَه الله، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخِّرهم الله“(رواه مسلم).

 

ومن امتنع عن السجود في الدنيا مُنِعَ منه يومَ القيامة، قال تعالى: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ)[الْقَلَمِ: 42-43]، والكبر استعلاء على الحق والخَلْق، فيُحشَر أهلُه أمثالَ الذرِّ يطؤهم الناس بأقدامهم، و”مَنْ كَذَبَ كذبةً بلَغَت الآفاقَ قُطِعَ جانبُ فمِه إلى قفاه يوم القيامة“(رواه البخاري)، والزناة يأتيهم لهب النار من أسفلهم، والله يمحق الربا، وآكِلُه يُلقَم يوم القيامة أحجارًا في فمه، ومَنْ كتَم علمًا ألجَمَه اللهُ بلجام من نار يوم القيامة، ومن يغلل يأت بما غلَّ يومَ القيامة، ومن منَع فضل ماء يقول الله له يوم القيامة: “اليوم أمنعُكَ فضلي كما منعتَ ما لم تعمل يداك“(رواه البخاري).

 

ومَنْ شَرِبَ الخمرَ في الدنيا ثم لم يتُب منها حُرِمَ منها يوم القيامة، ومَنْ لَبِسَ الحريرَ من الرجال في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، ومن ادعى دعوى كاذبة يتكثَّر بها لم يزده الله به إلا قلةً، وجحدُ النعمِ مُؤذِن بزوالها، والله لا يغيِّر ما بقوم من النعمة ورَغَد العيش حتى يغيِّروا ما بأنفسهم بالظلم والمعاصي، والاستهزاء بالدِّين وأهله جزاؤه من جنسه، ومَنْ سَخِرَ بعباد الله سَخِرَ اللهُ منه، وآية النفاق بُغْضُ الأنصارِ، ومن أبغضهم أبغضه الله.

 

ومَنْ قتَل نفسَه بشيء عُذِّبَ به يومَ القيامة، والسارق مَدَّ يدَه بالباطل فاستحقَّتِ القطعَ، ومَنْ قذَف مملوكَه وهو بريء ممَّا قال جُلِدَ يومَ القيامة، وينصب لكل غادر لواء يُعرَف به يومَ القيامة، ومن لعَن شيئًا ليس له بأهل رجعَت اللعنةُ عليه، ولعَن للهُ مَنْ لعَن والديه، والظلم ظلمات يوم القيامة، ومن ظلم قِيدَ شبرٍ طوَّقَه اللهُ من سبع أراضين، وقطعُ وصلِ ذوي القربى أقبح من غيره، والله يقول للرحم: “أما ترضينَ أن أَصِلَ مَنْ وصلَكِ وأقطَع مَنْ قطَعَكِ؟“(متفق عليه)، واللهُ توعَّد بعذابِ الذين يعذبون الناسَ بغير حق، قال عليه الصلاة والسلام: “إن الله يعذِّب الذين يعذِّبون الناسَ في الدنيا“(رواه مسلم).

 

وإلحاق الضرر والمشقة بالخلق عاقبته وخيمة، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “من ضارَّ ضارَّ اللهُ به، ومن شاقَّ شقَّ اللهُ عليه“(رواه الترمذي)، ومن وَلِيَ شيئًا فشقَّ على الخَلْق شقَّ اللهُ عليه، وإن احتجب عن حاجتهم احتجَب اللهُ دون حاجته، و”من تتبَّع عورات المسلمين تتبَّع اللهُ عورتَه حتى يفضحه في بيته“(رواه أحمد)، والمغتاب مزَّق أعراضَ الناس بلسانه، فيأتي يوم القيامة له أظفار من نحاس يخمِش بها وجهَه، ومن استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون صُبَّ في أُذُنَيْهِ رصاصٌ مذابٌ يوم القيامة.

 

ومدينة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- آمنة، ومن أخاف أهلَها أخافَه الله، ومن كان له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشِقُّه مائل، وإذا فتح العبدُ بابَ مسألة فتَح اللهُ عليه بابَ فقرٍ، والبخل والإمساك ماحِق للبركة موجِب لشدة الحساب، قال عليه الصلاة والسلام: “لا تحصي فيحصي الله عليك“(متفق عليه).

 

وبعدُ أيها المسلمون: فالله بصير بالعباد، وهو لهم بالمرصاد، وسيجازي الجميعَ بما عملوا، والجزاء من جنس العمل مماثِلًا له في الخير والشر، وكما تدين تُدان، ومن أراد أن ينظر ما لَهُ عند ربه فلينظر ما لله عنده، فإن الله يُنزِل العبدَ حيث أنزَلَه من نفسه.

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ)[فُصِّلَتْ: 46].

 

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني الله وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لِشَانِه، وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا مزيدًا.

 

أيها المسلمون: الدنيا دار عمل، والآخرة دار الجزاء، وقد يعجِّل اللهُ لعبده بعضَ جزائه في الدنيا، فالنعيم المقرون بالشكر لأهل الطاعة بشارة، والمصائب مع الصبر رفعة أو كفَّارة، وأما العاصي المعرِض فإن ابتُلي فعقوبة معجَّلة، وما عند الله أشد، وإن أُخِّرت عقوبتُه فإمهالُ اللهِ له استدراجٌ.

 

ثم اعلموا أن الله أمرَكم بالصلاة والسلام على نبيِّه، فقال في محكم التنزيل: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيْمًا)[الْأَحْزَابِ: 56].

 

اللهم صلِّ وسلِّم وزِدْ وبارِكْ على نبينا محمد، وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين، الذين قَضَوْا بالحق وبه كانوا يعدِلون: أبي بكرٍ، وعُمَرَ، وعثمانَ، وعليٍّ، وعن سائر الصحابة أجمعينَ، وعنَّا معهم بجودِكَ وكرمِكَ يا أكرمَ الأكرمينَ.

 

اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين، ودمِّر أعداءَ الدين، واجعل اللهم هذا البلدَ آمِنًا مُطمئنًّا رخاءً وسائر بلاد المسلمين، اللهم أصلِح أحوال المسلمين في كل مكان، اللهم ردهم إليك ردا جميلا يا قوي يا عزيز.

 

(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)[البقرة: 201].

 

اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أَنْزِلْ علينا الغيثَ ولا تجعلنا من القانطينَ، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)[الْأَعْرَافِ: 23].

 

اللهم وفِّق إمامنا وولي عده لما تحب وترضى، وخذ بناصيتهما للبر والتقوى، انفع بهما الإسلام والمسلمين، يا ذا الجلال والإكرام.

 

عباد الله: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)[النَّحْلِ: 90]، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على آلائه ونعمه يزِدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

 

الملفات المرفقة
في بيان أن الجزاء من جنس العمل
عدد التحميل 282
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات