طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

17507

بيوت الصحابة (4) أم سلمة رضي الله عنها

المكان : المملكة العربية السعودية / الرياض / بدون / بدون /
تاريخ النشر : 1441/05/15
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/إسلام أم سلمة وهجرتها مع زوجها أبي سلمة 2/ زواج أم سلمة برسول الله -صلى الله عليه وسلم- 3/ رجاحة عقل أم سلمة وحصافة تدبيرها وحسن مشورتها 4/ جانب أسري مهم من حياة أم سلمة-رضي الله عنها-.
اقتباس

قَالَتْ: فَكُنْتُ أَخْرُجُ كُلَّ غَدَاةٍ فَأَجْلِسُ فِي الْأَبْطَحِ، فَمَا أَزَالُ أَبْكِي حَتَّى أُمْسِيَ، سَنَةً أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا، حَتَّى مَرَّ بِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَمِّي أَحَدُ بَنِي الْمُغِيرَةِ، فَرَأَى مَا بِي فَرَحِمَنِي، فَقَالَ لِبَنِي الْمُغِيرَةِ: أَلَا تُحْرَجُونَ مِنْ هَذِهِ الْمِسْكِينَةِ؟! فَرَّقْتُمْ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا وَبَيْنَ وَلَدِهَا! قَالَتْ: فَقَالُوا لِي: الْحَقِي بِزَوْجِكِ إِنْ شِئْتِ…

الْخُطْبَةُ الْأُولَى:

 

إِنَّ الْحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران:102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب:70-71]، أَمَّا بَعْدُ:

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: هِنْدُ بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ الْمَخْزُومِيَّةُ عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ النِّسَاءِ الْفُضْلَيَاتِ فِي تَارِيخِ الْمُسْلِمِينَ، لَهَا فَضَائِلُ وَمَآثِرُ حَمِيدَةٌ، وَأَعْمَالٌ صَالِحَةٌ مَجِيدَةٌ.

 

كَانَتْ مَعَ زَوْجِهَا الْأَوَّلِ مِنَ الْأَوَائِلِ إِسْلَامًا، وَمِنَ الْأَوَائِلِ فِي الْهِجْرَتَيْنِ: الْهِجْرَةِ إِلَى الْحَبَشَةِ، ثُمَّ الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ، ضَحَّتْ تَضْحِيَاتٍ كَبِيرَةً حَتَّى وَصَلَتْ إِلَى مَا وَصَلَتْ إِلَيْهِ مِنَ الْفَضْلِ وَالْخَيْرِ.

 

كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا عِشْرَةٌ حَسَنَةٌ، وَحُبٌّ عَمِيقٌ، وَمِنْ شِدَّةِ تِلْكَ الْعَلَاقَةِ أَرَادَتْ أَنْ تَعْقِدَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ عَهْدًا أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ صَاحِبِهِ إِذَا مَاتَ، لَكِنَّ زَوْجَهَا أَمَرَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ.

 

فَلَمَّا مَاتَ زَوْجُهَا تَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.

 

لَمْ تُشْهَرْ هِنْدٌ بِهَذَا الِاسْمِ، وَإِنَّمَا شُهِرَتْ بِكُنْيَتِهَا: أُمُّ سَلَمَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا وَأَرْضَاهَا- إِحْدَى زَوْجَاتِ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.

 

عِبَادَ اللهِ: لَمَّا أُذِنَ لِلْمُسْلِمِينَ بِالْهِجْرَةِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْحَبَشَةِ كَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ مَعَ زَوْجِهَا أَبِي سَلَمَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- فِي طَلِيعَةِ الْمُهَاجِرِينَ، الَّذِينَ تَرَكُوا أُسَرَهُمْ، وَفَارَقُوا قَوْمَهُمْ وَأَرْضَهُمْ مِنْ أَجْلِ دِينِ اللهِ تَعَالَى.

 

وَقَدْ بَقِيَتْ أُمُّ سَلَمَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- فِي الْحَبَشَةِ مَعَ زَوْجِهَا، حَتَّى رَجَعَا بَعْدَ ذَلِكَ مَعَ مَنْ رَجَعَ إِلَى مَكَّةَ، فَوَجَدُوا أَنَّ الْأَمْرَ فِي مَكَّةَ لَمْ يَزَلْ عَلَى أَشُدِّهِ؛ فِي الصَّدِّ عَنْ دِينِ اللهِ، وَمُحَارَبَةِ أَهْلِهِ.

 

غَيْرَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى بِلُطْفِهِ وَتَوْفِيقِهِ قَدْ جَعَلَ مَجِيءَ أُمِّ سَلَمَةَ وَزَوَجِهَا وَمَنْ مَعَهُمَا مِنَ الْعَائِدِينَ مِنَ الْحَبَشَةِ؛ مُوَافِقًا لِلْإِذْنِ بِالْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ.

 

فَعَزَمَ أَبُو سَلَمَةَ وَزَوْجَتُهُ أُمُّ سَلَمَةَ عَلَى الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ، لَكِنَّ هَذِهِ الْهِجْرَةَ هَذِهِ الْمَرَّةَ لَمْ تَكُنْ كَسَابِقَتِهَا؛ فَقَدْ حَصَلَ فِيهَا مِنَ الْبَلَاءِ لِهَذَيْنِ الزَّوْجَيْنِ الصَّالِحَيْنِ شَيْءٌ عَظِيمٌ، خَاصَّةً عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-.

 

قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- عَنْ زَوْجِهَا: “لَمَّا أَجْمَعَ أَبُو سَلَمَةَ الْخُرُوجَ إِلَى الْمَدِينَةِ رَحَّلَ لِي بَعِيرَهُ، ثُمَّ حَمَلَنِي عَلَيْهِ، وَجَعَلَ مَعِي ابْنِي سَلَمَةَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ فِي حِجْرِي، ثُمَّ خرج يَقُودُ بِى بَعِيرَهُ. فَلَمَّا رَأَتْهُ رِجَالُ بَنِي الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ -تَعْنِي: قَبِيلَتَهَا- قَامُوا إِلَيْهِ، فَقَالُوا: هَذِهِ نَفْسُكَ غَلَبْتَنَا عَلَيْهَا، أَرَأَيْتَ صَاحِبَتَنَا هَذِهِ عَلَامَ نَتْرُكُكَ تَسِيرُ بِهَا فِي الْبِلَادِ؟ قَالَتْ: فَنَزَعُوا خِطَامَ الْبَعِيرِ مِنْ يَدِهِ وَأَخَذُونِي مِنْهُ. قَالَتْ: وَغَضِبَ عِنْدَ ذَلِكَ بَنُو عَبْدِ الْأَسَدِ رَهْطُ أَبِى سَلَمَةَ، وَقَالُوا: وَاللَّهِ لَا نَتْرُكُ ابْنَنَا عِنْدَهَا إِذْ نَزَعْتُمُوهَا مِنْ صَاحِبِنَا. قَالَتْ: فَتَجَاذَبُوا ابْنِي سَلَمَةَ بَيْنَهُمْ حَتَّى خَلَعُوا يَدَهُ، وَانْطَلَقَ بِهِ بَنُو عَبْدِ الْأَسَدِ، وَحَبَسَنِي بَنُو الْمُغِيرَةِ عِنْدَهُمْ، وَانْطَلَقَ زَوْجِي أَبُو سَلَمَةَ إِلَى الْمَدِينَةِ. قَالَتْ: فَفُرِّقَ بَيْنِي وَبَيْنَ ابْنِي وَبَيْنَ زَوْجِي. قَالَتْ: فَكُنْتُ أَخْرُجُ كُلَّ غَدَاةٍ فَأَجْلِسُ فِي الْأَبْطَحِ، فَمَا أَزَالُ أَبْكِي حَتَّى أُمْسِيَ، سَنَةً أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا، حَتَّى مَرَّ بِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَمِّي أَحَدُ بَنِي الْمُغِيرَةِ، فَرَأَى مَا بِي فَرَحِمَنِي، فَقَالَ لِبَنِي الْمُغِيرَةِ: أَلَا تُحْرَجُونَ مِنْ هَذِهِ الْمِسْكِينَةِ؟! فَرَّقْتُمْ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا وَبَيْنَ وَلَدِهَا!

 

قَالَتْ: فَقَالُوا لِي: الْحَقِي بِزَوْجِكِ إِنْ شِئْتِ، قَالَتْ: فَرَدَّ بَنُو عَبْدِ الْأَسَدِ إِلَيَّ عِنْدَ ذَلِكَ ابْنِي، قَالَتْ: فَارْتَحَلْتُ بَعِيرِي، ثُمَّ أَخَذْتُ ابْنِي فَوَضَعْتُهُ فِي حِجْرِي، ثُمَّ خَرَجْتُ أُرِيدُ زَوْجِي بِالْمَدِينَةِ.

قَالَتْ: وَمَا مَعِي أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ، حَتَّى إِذَا كُنْتُ بِالتَّنْعِيمِ لَقِيتُ عُثْمَانَ بْنَ طَلْحَة بْن أَبِي طَلْحَةَ أَخَا بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، فَقَالَ: إِلَى أَيْنَ يَا ابْنَةَ أَبِي أُمَيَّةَ؟ قُلْتُ: أُرِيدُ زَوْجِي بِالْمَدِينَةِ. قَالَ: أَوَمَا مَعَكِ أَحَدٌ؟ قُلْتُ: مَا مَعِي أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ وَابْنِي هَذَا. فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا لَكِ مِنْ مَتْرَكٍ؛ فَأَخَذَ بِخِطَامِ الْبَعِيرِ فَانْطَلَقَ مَعِي يَهْوِي بِي، فَوَاللهِ مَا صَحِبْتُ رَجُلًا مِنَ الْعَرَبِ قَطُّ أَرَى أَنَّهُ كَانَ أَكْرَمَ مِنْهُ، كَانَ إِذَا بَلَغَ الْمَنْزِلَ أَنَاخَ بِي، ثُمَّ اسْتَأْخَرَ عَنِّي، حَتَّى إِذَا نَزَلْتُ اسْتَأْخَرَ بِبَعِيرِي فَحَطَّ عَنْهُ، ثُمَّ قَيَّدَهُ فِي الشَّجَرِ، ثُمَّ تَنَحَّى إِلَى شَجَرَةٍ فَاضْطَجَعَ تَحْتَهَا، فَإِذَا دَنَا الرَّوَاحُ قَامَ إِلَى بَعِيرِي فَقَدَّمَهُ فَرَحَّلَهُ، ثُمَّ اسْتَأْخَرَ عَنِّي وَقَالَ: ارْكَبِي، فَإِذَا رَكِبْتُ فَاسْتَوَيْتُ عَلَى بَعِيرِي أَتَى فَأَخَذَ بِخِطَامِهِ فَقَادَنِي حَتَّى يَنْزِلَ بِي، فَلَمْ يَزَلْ يَصْنَعُ ذَلِكَ بِي حَتَّى أَقْدَمَنِي الْمَدِينَةَ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى قَرْيَةِ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ بِقُبَاءٍ قَالَ: زَوْجُكِ فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ، وَكَانَ أَبُو سَلَمَةَ بِهَا نَازِلًا؛ فَادْخُلِيهَا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ رَاجِعًا إِلَى مَكَّةَ.

 

فَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ تَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ: “مَا أَعْلَمُ أَهْلَ بَيْتٍ فِي الْإِسْلَامِ أَصَابَهُمْ مَا أَصَابَ آلَ أَبِي سَلَمَةَ، وَمَا رَأَيْتُ صَاحِبًا قَطُّ كَانَ أَكْرَمَ مِنْ عُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ“(السِّيرَةُ النَّبَوِيَّةُ لابن كثير).

 

أَرَأَيْتُمْ -إِخْوَانِي الْكِرَامَ- هَذِهِ التَّضْحِيَاتِ الَّتِي قَدَّمَتْهَا أُسْرَةُ أَبِي سَلَمَةَ؟! وَرَأَيتُمْ قُوَّةَ إِيمَانِ أُمِّ سَلَمَةَ، وَحِرْصَهَا عَلَى زَوْجِهَا وَحُبَّهَا لَهُ؟! وَرَأَيْتُمْ رَحْمَةَ ذَلِكَ الْمَخْزُومِيِّ الَّذِي جَعَلَهُ اللهُ سَبَبًا لِلَمِّ شَمْلِ أُسْرَةِ آلِ أَبِي سَلَمَةَ؟! وَرَأَيْتُمُ الْعِفَّةَ وَالشَّرَفَ وَصِيَانَةَ الْمَرْأَةِ عِنْدَ بَعْضِ الرِّجَالِ فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ؟! فَهَذَا الْمَوْقِفُ النَّبِيلُ مِنْ عُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ كَانَ قَبْلِ إِسْلَامِهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-!!

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: مَكَثَتْ أُمُّ سَلَمَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- فِي الْمَدِينَةِ حَتَّى أَصَابَتْ زَوْجَهَا أَبَا سَلَمَةَ جِرَاحَةٌ عَقِبَ غَزْوَةِ أُحُدٍ، وَقَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِجِرَاحَتِهِ قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ لِأَبِي سَلَمَةَ: بَلَغَنِي أَنَّهُ لَيْسَ امْرَأَةٌ يَمُوتُ زَوْجُهَا وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، ثُمَّ لَمْ تَتَزَوَّجْ بَعْدَهُ؛ إِلَّا جَمَعَ اللهُ بَيْنَهُمَا فِي الْجَنَّةِ، وَكَذَا إِذَا مَاتَتِ امْرَأَةٌ وَبَقِيَ الرَّجُلُ بَعْدَهَا، فَتَعَالَ أُعَاهِدْكَ أَنْ لَا أَتَزَوَّجَ بَعْدَكَ وَلَا تَتَزَوَّجَ بَعْدِي. قَالَ: أَتُطِيعِينِي؟ قَالَتْ: مَا اسْتَأْمَرْتُكَ إِلَّا وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُطِيعَكَ. قَالَ: فَإِذَا مِتُّ فَتَزَوَّجِي. ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ ارْزُقْ أُمَّ سَلَمَةَ بَعْدِي رَجُلاً خَيْرًا مِنِّي لَا يُخْزِيهَا وَلَا يُؤْذِيهَا”.

 

وَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ قَدْ سَمِعَتْ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: “مَا مِنْ مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ، فَيَقُولُ مَا أَمَرَهُ اللهُ: (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ)[البقرة: 156]، اللهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي، وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا أَخْلَفَ اللهُ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا“، قَالَتْ: فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ، قُلْتُ: أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ؟ أَوَّلُ بَيْتٍ هَاجَرَ إِلَى رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ثُمَّ إِنِّي قُلْتُهَا، فَأَخْلَفَ اللهُ لِي رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-(رَوَاهُ مُسْلِمٌ).

 

ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بَعْدَ ذَلِكَ خَطَبَهَا فَاعْتَذَرَتْ بِبَعْضِ الْأَعْذَارِ، لَكِنْ تِلْكَ الْأَعْذَارُ ذَهَبَتْ كُلُّهَا، وَزُفَّتْ أُمُّ سَلَمَةَ إِلَى خَيْرِ الْبَشَرِ؛ جَبْرًا لِمُصِيبَتِهَا، وَمُكَافَأَةً لَهَا عَلَى تَضْحِيَاتِهَا.

 

فَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: لَمَّا خَطَبَنِي النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قُلْتُ لَهُ: فِيَّ خِلَالٌ ثَلَاثٌ: أَمَّا أَنَا فَكَبِيرَةُ السِّنِّ، وَأَنَا امْرَأَةٌ مُعِيلٌ، وَأَنَا امْرَأَةٌ شَدِيدَةُ الْغَيْرَةِ. فَقَالَ: “أَنَا أَكْبَرُ مِنْكِ، وَأَمَّا الْعِيَالُ فَإِلَى اللهِ، وَأَمَّا الْغَيْرَةُ فَأَدْعُو اللهَ فَيُذْهِبُهَا عَنْكِ” فَتَزَوَّجَهَا -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-.

 

وَهَذَا مِنْ رَجَاحَةِ عَقْلِ أُمِّ سَلَمَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- وَحُسْنِ تَفْكِيرِهَا بِالْمَآلَاتِ؛ فَإِنَّهَا خَشِيَتْ أَنْ تُكَدِّرَ عَلَى رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَيَاتَهُ فَيَكْرَهُهَا بِكِبَرِ سِنِّهَا، أَوْ يَضِيقُ مِنْ أَوْلَادِهَا، أَوْ تُؤْذِيهِ بِغَيْرَتِهَا؛ فَاحْتَاطَتْ لِدِينِهَا وَلِرَسُولِهَا وَلِنَفْسِهَا قَبْلَ الْمُوَافَقَةِ عَلَى هَذَا الْمَشْرُوعِ الْعَظِيمِ.

 

أَلَا فَلْتَعْلَمْ كُلُّ زَوْجَةٍ أَنَّ اللهَ لَنْ يُضَيِّعَهَا، وَسَيُعْطِيهَا خَيْرًا مِمَّا سَأَلَتْ، وَيُعَوِّضُهَا خَيْرًا مِمَّا فَقَدَتْ، إِذَا حَسَّنَتْ عَلَاقَتَهَا مَعَ اللهِ وَمَعَ زَوْجِهَا.

 

نَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى أَنْ يُقِرَّ أَعْيُنَنَا بِزَوْجَاتٍ صَالِحَاتٍ، وَيُعِينَنَا وَإِيَّاهُنَّ عَلَى صَلَاحِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا.

 

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ.

 

 

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:

 

الْحَمْدُ للهِ الْوَاحِدِ الْأَحَدِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ.

 

أَمَّا بَعْدُ:

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: لَقَدْ كَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- عَلَى جَانِبٍ كَبِيرٍ مِنَ الْحَصَافَةِ الْمُشْرِقَةِ وَالرَّأْيِ السَّدِيدِ؛ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ: أَنَّهُ لَمَّا جَاءَ فَتْحُ مَكَّةَ وَكَانَ “رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِالْأَبْوَاءِ لَقِيَهُ ابْنُ عَمِّهِ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ وَابْنُ عَمَّتِهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ، فَأَعْرَضَ عَنْهُمَا؛ لِمَا كَانَ يَلْقَاهُ مِنْهُمَا مِنْ شِدَّةِ الْأَذَى وَالْهَجْوِ، فَقَالَتْ لَهُ أُمُّ سَلَمَةَ: لَا يَكُنِ ابْنُ عَمِّكَ وَابْنُ عَمَّتِكَ أَشْقَى النَّاسِ بِكَ.. [فَجَاءَهُ بَعْدَ ذَلِكَ] أَبُو سُفْيَانَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)[يوسف: 92].

 

وَلِحُسْنِ رَأْيِهَا كَانَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَسْتَشِيرُهَا فِي بَعْضِ الْمَوَاقِفِ؛ فَفِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ لَمَّا أَبْرَمَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كِتَابَ الصُّلْحِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَقُرَيْشٍ، قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِأَصْحَابِهِ: “قُومُوا فَانْحَرُوا ثُمَّ احْلِقُوا“، قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا قَامَ مِنْهُمْ رَجُلٌ حَتَّى قَالَ ذَلِكَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ [لِظَنِّهِمْ أَنَّ الصُّلْحَ سَيَكُونُ فِي غَيْرِ مَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ]. فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ دَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ، فَذَكَرَ لَهَا مَا لَقِيَ مِنَ النَّاسِ، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَتُحِبُّ ذَلِكَ؟ اخْرُجْ ثُمَّ لاَ تُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ كَلِمَةً، حَتَّى تَنْحَرَ بُدْنَكَ، وَتَدْعُوَ حَالِقَكَ فَيَحْلِقَكَ؛ فَخَرَجَ فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ؛ نَحَرَ بُدْنَهُ، وَدَعَا حَالِقَهُ فَحَلَقَهُ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَامُوا فَنَحَرُوا، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَحْلِقُ بَعْضًا”(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ).

 

وَهَذَا الْمَوْقِفُ يُعَلِّمُ الْأُسْرَةَ “السَّمَاحَ لِلزَّوْجَةِ بِالتَّعْبِيرِ عَنْ رَأْيِهَا؛ فَالْحَيَاةُ الزَّوْجِيَّةُ مُشَارَكَةٌ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَالرَّجُلُ يُعْطِي زَوْجَتَهُ الْفُرْصَةَ لِتُعَبِّرَ عَنْ رَأْيِهَا فِيمَا يَدُورُ دَاخِلَ بَيْتِهَا، وَهَذَا مِمَّا يَجْعَلُ الْحَيَاةَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ سَعِيدَةً، وَيَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يَحْتَرِمَ رَأْيَ زَوْجَتِهِ، وَيُقَدِّرَهُ إِذَا كَانَ صَوَابًا، وَإِنْ خَالَفَ رَأْيَهُ؛ فَذَاتَ يَوْمٍ وَقَفَتْ زَوْجَةُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لِتُرَاجِعَهُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-، فَلَمَّا أَنْكَرَ عَلَيْهَا ذَلِكَ، قَالَتْ: وَلِمَ تُنْكِرُ أَنْ أُرَاجِعَكَ؟ فَوَاللهِ إِنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَيُرَاجِعْنَهُ“.

 

عِبَادَ اللهِ: وَهُنَاكَ جَانِبٌ أُسَرِيٌّ مُهِمٌّ مِنْ حَيَاةِ أُمِّ سَلَمَةَ مَعَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُرْشِدُ الزَّوْجَيْنِ إِلَى التَّحَدُّثِ فِي الْأُمُورِ السَّابِقَةِ لِلْحَيَاةِ الزَّوْجِيَّةِ بَيْنَهُمَا، إِنْ كَانَ فِيهَا خَيْرٌ وَعِظَةٌ.

فَعَنْ عَائِشَة -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-: أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ، ذَكَرَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَنِيسَةً رَأَتْهَا بِأَرْضِ الحَبَشَةِ يُقَالُ لَهَا: مَارِيَةُ، فَذَكَرَتْ لَهُ مَا رَأَتْ فِيهَا مِنَ الصُّوَرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “أُولَئِكَ قَوْمٌ إِذَا مَاتَ فِيهِمُ العَبْدُ الصَّالِحُ، أَوِ الرَّجُلُ الصَّالِحُ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، أُولَئِكَ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ“(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ).

 

فَيَا أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ فِي حَيَاةِ أُمِّ سَلَمَةَ الْأُسَرِيَّةِ دُرُوسًا عَظِيمَةً تَنْفَعُ الزَّوْجَاتِ خُصُوصًا، وَالْأُسَرَ الْمُسْلِمَةَ عُمُومًا؛ فَمِنْ ذَلِكَ: الْوَفَاءُ لِلزَّوْجِ وَقُوَّةُ الْحُبِّ لَهُ، وَحُسْنُ طَاعَتِهِ، وَهَذَا مِمَّا يُعَمِّرُ الْبَيْتَ بِالسَّعَادَةِ وَالْوِئَامِ.

 

وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا: التَّضْحِيَةُ مِنْ أَجْلِ الْإِسْلَامِ، وَتَحَمُّلُ الْبَلَاءِ فِي طَرِيقِ عِزِّهِ، وَأَنَّ الْمَكَارِهَ فِي طَرِيقِ الْحَقِّ تُوصِلُ إِلَى الْمَحَابِّ.

 

وَأَنَّ الزَّوْجَ الصَّالِحَ يَسْعَدُ أَيَّمَا سَعَادَةٍ بِالزَّوْجَةِ الصَّالِحَةِ؛ فَلَا تَظُنَّنَّ امْرَأَةٌ أَنَّ صَلَاحَهَا سَبَبٌ لِكَسَادِهَا لَدَى الْأَزْوَاجِ.

 

نَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى أَنْ يُعَمِّرَ بُيُوتَنَا بِالصَّلَاحِ وَالْهُدَى، وَأَنْ يَجْمَعَ شَمْلَ أَهْلِهَا عَلَى الْخَيْرِ وَالتُّقَى.

 

هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى خَيْرِ الْبَشَرِ: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب:56].

 

 

الملفات المرفقة
بيوت الصحابة (4) أم سلمة رضي الله عنها
عدد التحميل 58
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات