طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

17492

خطبة عيد الفطر 1440هـ

المكان : المملكة العربية السعودية / المدينة المنورة / حي المسجد النبوي / المسجد النبوي الشريف /
التصنيف الرئيسي : الفطر
تاريخ الخطبة : 1440/10/01
تاريخ النشر : 1441/05/04
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/العيد يوم فرحة وبهجة 2/تحقيق التوحيد في يوم العيد 3/الفرح بالعيد من سنة المسلمين 4/العيد فرصة للتصافي والتسامح 5/وجوب الوفاء بالعهود والعقود 6/شكرا رجال أمننا 7/الوصية للنساء الفضليات
اقتباس

إن ضيفَكم قد رحَل، ورمضان قد أفَل، ولا منتهى من صالح العمل، فلا تغلقوا مصحفًا، ولا تمنعوا رغيفًا، ولا تحرموا لهيفًا، ولا تقطعوا إحسانًا، ولا تهجروا صيامًا، ولا تتركوا قيامًا، فما أحسنَ الإحسانَ يتبعه الإحسانُ، وما أقبح العصيانَ بعد الإحسانِ…

الخطبة الأولى:

 

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا، الحمد لله الذي أنزلَنا ربيعَ فضلِه الخصيب، وأحلَّنا في ربوة كرمه الرحيب، وأكرَمَنا بالعيش المغدِق الناعم الرطيب، وجعَل الأعياد مربحًا للعبد التوَّاب الأوَّاب الثوَّاب المنيب، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، إليه أدعو وإليه أنيب، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدا عبده ورسوله، ذو النَّسَب النسيب والحَسَب الحسيب، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، صلاة ننال بها أجزلَ الأجر وأعظم النصيب.

 

أما بعد: فيا أيها المسلمون: اتقوا الله فإن الأمس مَثَل واليوم عَمَل، وغدا أَمَل، (وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا)[الْمُزَّمِّلِ: 20].

 

أيها المسلمون: لقد أظلَّكم عيدُ الفطر السعيد، الذي شامت بروقُه، وعلاكم شروقُه، ها هو العيد وقد نثَر في أرجائكم عبقَه الفوَّاح، ونشَر فيكم ضياءه الوضَّاح، وانبلج بأريجه نورُ الصباح، عيد أزهر بالمسرَّة والأفراح، وأسفَر بنسائم السَّكِينة والانشراح، عيد احلولى زمانُه ومكانُه، واعلولى محلُّه وميدانه، واعذوذب اسمُه وعنوانُه، فهنيئًا لكم يوم العيد السعيد، هنيئا لكم يوم الفطر المجيد.

هنيئا لك العيد الذي أنتَ عيدُه***وأنكَ من فيض البهاء تزيده

 

بالبِرِّ صمتَ وبتَّ شهرَكَ صائمًا***وبسنة الله الرضية تُفْطِرُ

فَانْعَمْ بعيد الفطر عيدًا إنه***يوم أغر من الزمان مشهَّرُ

 

يا صائمًا ترَك الطعامَ تعفُّفًا***أضحى رفيق الجوع واللأواءِ

أَبْشِرْ بعيدِكَ في القيامة رحمةً***محفوفة بالبر والأنداءِ

 

الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.

 

أيها المسلمون: طوبى لكم يوم أكملتُم عدةَ شهركم، وأخرجتُم زكاةَ فطركم، وجلجلتُم بالتكبير لربكم، والتكبيرُ أبلغُ لفظ في معاني التعظيم، فعَظِّموا خالِقَكم حقَّ عظمته، وخافوا من بأسه ونقمته، ولا تغفلوا عن شكر فضله ونعمته، وانقادوا لأمره ونهيه، ولا تعارضوهما بترخُّصٍ جافٍ أو تشديد غالٍ أو علة تُوهِن صدقَ الانقياد، وعظِّموه ونزِّهوه، عما يقول ويفعل عَبَدةُ الأوثانِ والمشركون، ولا تخففوا صحائفكم بالبدع والمحدَثات، ولا تُفسِدوا دينَكم بالذهاب إلى السحرة والكهان، والدجالين والمشعوِذِينَ الذين يدَّعون علمَ المغيَّبات، وكَشْف المضمَرات، ولا تخدشوا إيمانَكم بتعليق الخيوط والحروز، والتمائم وسائر المعلَّقات، التي لا تجلب مالًا، ولا تدفع وبالًا، ولا تحمي عيالًا، ولا تُحبِطوا أعمالَكم بعبادة الرِّمم البالية، والعظام النَّخِرة، ولا تطوفوا بقبر، ولا تذبحوا عند قبر، ولا تستغيثوا بقبر كما يفعله عباد القبور والأوثان، ومن صان عقيدتَه وتوحيدَه لربه فقد استشعر معنى التكبير، وقام بواجب التعظيم للرب العظيم.

 

الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.

 

أيها المسلمون: إذا أشرَق العيدُ تهلَّلت الوجوهُ فرحًا وأشرقت، وتلألأت واستهلت، واستبشرت واستنارت، والفَرَح بالعيد سُنَّة المسلمين، وشعيرة من شعائر الدين، شرع في العيد إشهار السرور والأفراح، لا إشهار الحزن والنُّوَاح، ولا تذكُّر الأوجاع ونَكْث الجراح.

 

لا حزن يعلو فرحةً شُرعت***في يوم عيد ويوم العيد أفراح

 

فأعلِنوا الأفراحَ وأظهِروها، وانشروا السعادةَ وعمموها، وبدِّدوا غيمةَ الأحزان، وروِّحُوا الأبدانَ، وأدخلوا السرورَ على الأهل والأقارب والجيران، وانفحوا بالمال نفحًا، وابسطوا اليدينِ إعطاءً ومَنْحًا، ووسِّعوا على العيال وأسعِدوا الأطفالَ، وجودوا بالتبسُّم وبَسْط الوجه، عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: سئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “أيُّ الأعمال أفضل؟ قال: إدخالُكَ السرورَ على مؤمن، أشبعتَ جوعتَه، أو كسوتَ عورتَه، أو قضيتَ له حاجةً” (رواه الطبراني في الأوسط).

 

فطوبى لكل منَّاح فيَّاح، ولكل رؤوف عطَّاف، يحنو على الفقراء والمساكين، ويُدخِل الفرحَ في قلوب اليتامى والمحرومين والمنكوبين، ويُشفِق على الأيامى والأرامل والمقطوعين، ويحدُب على الضعفاء والمكروبينَ، ويواسي المستضعفينَ والمشردينَ، وإدخال السرور على الوالدين وبرهما وإزالة ما يحزنهما ألزم وأوجب.

 

الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.

 

أيها المسلمون: عاد العيد لتعود جداول الحب وسواقيه، وتفيض مسايل الوُدِّ ومجاريه، فتطهر القلوب من أوضار الحقد والشحناء، وتغسلها من أدران الكراهية والبغضاء، عاد العيد لتنتشل نفحتُه كلَّ كئيب، وتسلِّي فرحتُه كلَّ مكلوم، وتواسِي بهجتُه كلَّ مهموم، جاء العيد ليغسل وجوهًا ارتسم الحزنُ على قسماتها، وخيَّم الأسى في ساحتها، وتسلَّل اليأسُ إلى باحتها، اللهف لا يرد فَوَاتًا، والتحسُّر لا يُحيي مواتًا.

 

فلستُ بمدركٍ ما فات مني***بِلَهْفَ ولا بليتَ ولا لو انِّي

 

فاستثِمروا العيد في علاج القلوب الكسيرة، ومداواة النفوس الحسيرة، وزورا المرضى والزَّمْنى والمكلومين، وأَعِيدُوا البسمةَ لمن فقدها، والفرحة لمن أضاعها.

 

الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.

 

أيها المسلمون: التهنئة بالعيد تزيد المودةَ وتوثِّق المحبةَ، والمصافحة تفتح جسورَ التعارف والألفة، فاجعلوا تصافُحَ الكفوف عنوان صفاء القلوب وسلامة الصدور، واصفحوا عمن زلَّ وأخطأ، واعفوا عمَّن ظلَم وأساء، وجُودوا بالمودة وبوحوا بالمحبة، وعبِّقوا عيدَكم برائحة العفو الزكية الذكية، وأعلِنُوا العفو وأظهِرُوه حتى يفوح عبيرُه ويطيب نميرُه، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليالٍ، يلتقيان فيُعرِض هذا ويُعرِض هذا، وخيرُهما الذي يبدأ بالسلام، وأيُّ عيد للقلوب المتهاجرة، وأي بهجة للنفوس المتناحرة، وأي فرح للأيدي المتشاجرة، العيد مَيدانٌ للسلام والتآلُف، عيد تتآلَف فيه القلوبُ وتجتمع فيه الكلمةُ ويلتئم فيه الصدعُ، ويَخْزى فيه الشيطانُ، لا عيد لنفوس يقودها الكبرُ والغرورُ والظلمُ، ولا عيد لمن اغتسل غسل العيد ولم يغتسل من أدران الشحناء والبغضاء والعداوات، ولا عيد لمن لبس ثيابَ الأعياد على أدران الأحقاد.

 

الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.

 

أيها المسلمون: الأُسْرَةُ غذاءُ الروحِ، ودواءُ الجروحِ، والعيدُ ميقاتٌ تلتئم فيه الأسرُ وأصولها، وتلتفُّ فيه أطرافُها، وتجتمع فيه فروعُها، ويلتقي فيه شبابُها وشيوخُها، فقوموا بواجب الصلة والبر والإحسان، واغرسوا في نفوس أبنائكم وبناتكم قيمَ الولاء للدِّين والعقيدة والتوحيد، والولاء لهذا الوطن المجيد وأمنه واستقراره، ووحدته ولُحْمَته الوطنية، ووجوب لزوم الجماعة، ونبذ الفرقة والاختلاف، واحملوهم على منهج الوسطية والاعتدال، واحموهم عن مسالك التطرف والغلو والإرهاب، وشجِّعُوهم ليكونوا عونًا لرجال الأمن في حفظ الأمن والنظام، وانقلوهم إلى مرافئ العِلْم والمعرفة والتفوق والنبوغ، ونشِّئوهم على مكارم الأخلاق والشِّيَم والنزاهة والطهارة والفضيلة، والعفة في المنطق والطعمة والخلطة، وربُّوهم على الحِلْم والتواضع وصلة الرحم وتوقير الصغير والكبير، وإجلال أهل الفضل والعلم، والفضلُ أن يكون الأدبُ في الأصول راسِخًا، وفي الفروع شامِخًا.

 

زَانُوا قديمَهُمُ بحُسْن حديثِهم***وكريم أخلاقٍ وحُسْنِ خِصَالِ

 

فطُوبَى لقومٍ أنتَ فارعُ أصلِهم***وطوباكَ إذ مِنْ أصلهم أنتَ فارعُ

 

الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.

 

أيها المسلمون: أمرَت الشريعةُ بالوفاء بالعقود التي يتعاقدها الناسُ بينهم؛ من بيع وشراء وإجارة وكراء ومناكَحة وطلاق ومزارَعة إلى غير ذلك من صور العقود، ويقع التنازعُ والتناكرُ والمكرُ بين المتعاقدين، وتكون الخيانة والغش والغبن والتكاذب بين الكفلاء والأجراء، والعمال وأرباب العمل، وتُقدِم بعضُ العمالة على إبرام عقود في صناعات لا يحسنونها، ومهن لا يتقنونها، وأعمال لا يعرفونها، وكلٌّ يطمع في تحصيل المال ولو بالكسب الحرام، وكلٌّ يشتهي المكر بصاحبه إلا مَنْ عصمَه اللهُ بالتقوى، ويفصل اللهُ بين العباد يومَ الفصل والقضاء، عن عائشة -رضي الله عنها- أن رجلا قعَد عند النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: “يا رسول الله، إن لي مملوكينَ يكذبونني، ويخونني، ويعصونني، وأشتمهم وأضربهم. فكيف أنا منهم؟ فقال عليه الصلاة والسلام: يُحسَب ما خانوك وعَصَوْكَ وكذَّبوك وعقابُكَ إياهم، فإن كان عقابك إياهم بقَدْر ذنوبهم كان كِفَافًا لا لكَ ولا عليكَ، وإن كان عقابُكَ إياهم دون ذنوبهم كان فضلًا لك، وإن كان عقابك إياهم فوق ذنوبهم اقتُصَّ لهم منك الفضلُ، فتنحَّى الرجلُ فجعل يبكي ويهتف، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ألَا تقرأ كتاب الله: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ)[الْأَنْبِيَاءِ: 47]، فقال الرجل: واللهِ يا رسول الله، ما أجد لي ولهم شيئًا خيرًا من مفارقتهم، أُشهِدُكَ أنهم أحرارٌ كُلُّهم” (رواه أحمد والترمذي)؛ فاتقوا الله -أيها المسلمون- وحقِّقُوا العدلَ والنَّصَفةَ في المعامَلة، ومن كان في إيفاء ما يقوم عليه مثلما يكون في حفظ ما يكون له فقد أنصَف في القضاء وعدَل بالسواء.

 

الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.

 

أيها المسلمون: الأيام دائرة، والمنايا حاضرة، وما الناس إلا ظاعن أو مودِّع، ومستلَب مستعجل أو مؤجل.

وكلُّ مخلوقٍ فإلى الفناء، وكل ملك فإلى انتهاء، ولا يدوم غير مُلْك الباري -سبحانه- من ملك قهار، منفرد بالعز والبقاء وما سواه فإلى انقضاء.

 

وكلنا بشَرٌ يلفُّنا قدرُ***ونحن في سفر نمضي إلى حُفَرِ

 

الموت يشملنا والحشر يجمعنا فحتَّام تؤخر التوبة، وما أنتَ في ذلك بمعذور، فحتام لا ترعوي وتنتهي،

حتام سمعك لا يعي لمذكِّر***وصميم قلبك لا يلين لعاذل

 

أراكَ من الحياة على اغترار***وما لَكَ بالإنابة من بَدَارِ

وتطمع في البقاء وكيف تبقى***وما الدنيا لساكنها بِدَارِ

 

فاحذروا ركوب المعاصي، والانبعاث فيها والعَبَّ منها، والتساهل في خرق سياج الآداب، والتعدي على حمى الشريعة والدين، وتباعَدُوا عن المحرَّمات، واحذروا مقاربتها ومباشرتها، ولا تخالِطوا أسبابَها ودواعِيَها، شكرًا لله منكم على سوابغ إحسانه، وعظيم امتنانه، وأحسِنُوا جوارَ النِّعَم، تحفظوا النِّعَمَ الموجودة، وتجلبوا النعمَ المفقودةَ، وتستديموا عطاءَ الله وكرمَه وجودَه، فما أدبرت نعمةٌ بعدما أقبلت، ولا رُفِعت مِنَّة بعدما نزلت، ولا سُلِبَتْ كرامةٌ بعدما مُنِحَتْ إلا لعطايا لم تُشكَرْ، أو لخطايا تُظْهَر وتُشْهَر، والنعم إذا شُكِرَتْ قرَّت، وإذا كُفِرَتْ فرَّت، فادلفوا إلى باب التوبة والإنابة، واقطعوا حبائلَ التسويف، وامحوا سوابقَ العصيان بلواحق الإحسان، وحافِظُوا على الصلوات الخمس المفروضة حيث ينادَى بهن، ولا تتخلفوا عن الجماعة إلا مِنْ عُذرٍ، وأدوا زكاة أموالكم، وبادِرُوا بالحج ما استعطتُم، وصِلُوا مَنْ قطَعَكم، وأعطُوا مَنْ حَرَمَكُمْ، واعفوا عمَّن ظلَمَكم، فليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمُه وصَلَها، ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، ولا تتعاملوا بصفقات الربا الخاسرة، وزياداته الظالمة، ومضاعَفاته الفاحشة، واحذروا جحدَ الحقوق، والتلاعب بأثمان السلع، والغش والنش والتطفيف في المكاييل والموازين، واحذروا أموال اليتامى والأوقاف والوصايا، لا تأكلوها ظلما وعدوانا، وأحسِنوا إلى نسائكم، وزوجاتكم، وأبنائكم، وبناتكم، وقوموا بالنفقة الشرعية اللازمة، وعاملوهم باللطف والعطف والمحبة والشفقة والرحمة، وصونوا ألسنتكم، واحفظوا فروجكم، وطهِّروا قلوبَكم من الغل والحقد والحسد والكراهية والبغضاء، وإياكم ومجالسَ الفسوق والفجور، واحذروا الخصومات والمشاحَنات، واقبلوا المعذرة، وأَقِيلُوا العثرةَ، ولا تقاطَعُوا، ولا تدابَرُوا، ولا تباغضوا، ولا تحاسدوا، وكونوا عبادَ الله إخوانا.

 

أيها المسلمون: هذا يوم التسامُح والتصافُح والتصالُح، فتراحموا وتلاحموا، وتسامحوا، وتصافحوا وتصالحوا حتى يكون فرحكم أفراحًا، وعيدكم أعيادًا.

 

الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.

 

أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين، من كل ذنب وخطيئة فاستغفروه، إنه كان للأوابين غفورا.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.

 

الحمد لله على سوابق نعمائه، وسوالف آلائه، أحمده أبلغَ الحمد وأكملَه وأتمَّه وأشملَه، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبدُه ورسولُه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، صلاةً متضاعِفةً دائمةً إلى يوم الدين.

 

أما بعد، فيا أيها المسلمون: اتقوا اللهَ الذي لا يخفى عليه شيء من المقاصد والنوايا، ولا يستتر دونَه شيءٌ من الضمائر والخفايا، السرائر لديه بادية، والسر عنده علانية، (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)[الْحَدِيدِ: 4].

 

أيها المسلمون: للأمن ثمنُه، وللوطن جنودُه، وللحُكْم رجالُه، وهذه كلمة شكر وعرفان، ووفاء وولاء، نُزجِيها لجنودنا المرابطين في ميادين الشرف، الذين أرخصوا الأرواحَ وحملوا السلاحَ، وواجهوا الموتَ في سبيل صيانة الحرمات والمقدَّسات، أيها الأنجادُ البُسُلُ المساعيدُ، والأجناد الشُّمُ المغاويرُ، يا من رويتم ترابَ هذا الوطن بدمائكم، وفديتموه بأرواحكم، وحفظتموه بتضحياتكم، يا من وقفتًم سدًّا منيعًا، وذرى رفيعًا ضد العدوان الخبيث، يا حماةَ الحرمينِ، يا ذخرَ الدارِ وعزَّ الوطنِ وحصنَه ودرعَه، لا كلمة توفيكم، ولا شكر يجزيكم، ولا مدح يكافيكم، أنتم العيد جندُه وحصنُه ودرعُه، عبَد العابدون وركَع الراكعون، وصام الصائمون في ربيع الأمن ودوحة السلام التي عمَّرها جهادُكم وصانها فداؤُكم، عيدكم مبارك، كلمة تهنئة تطوف ثغوركم، وتُصافِح صقورَكم، وكل عام وأنتم بخير، وجهادكم منصور، وعدوكم مقهور، وبلادكم مصونة، والنصر قريب بحول الله وقوته، شكرًا يا حماةَ الوطن والعقيدة والدين، شكرا يتقاصر أمام قاماتكم:

 

أعرني لسانا أيها الشعر للشكر***وإن لم تُطِقْ شكرًا فلا كنتَ من شِعْرِي

سأذكركم ذكرَ المحبِّ حبيبَه***وشكر الجدوب ندى القطر

 

ودعواتنا الصادقة في صبيحة يوم العيد ومن فوق المنبر النبوي الشريف المنيف، أن يكتب الله النصر عاجلًا، وأن يرد العدو خائبًا منهزمًا.

 

آمين آمين لا أرضى بواحدة***حتى أبلغها ألفين آمين

 

ونقول لكل عدو مكاشف، لأمن بلادنا واستقراره وازدهاره:

 

يا جُلَّ ما بعدت عليك بلادنا***وطلابنا، فابرُقْ بأرضك وارعدِ

 

وإن من دواعي الفخر والابتهاج دعوة خادم الحرمين الشريفين -حفظه الله تعالى- إخوتَه زعماءَ وقادة الأمتين العربية والإسلامية إلى القمم الخليجية والعربية والإسلامية؛ لجمع كلمة المسلمين وتوحيد مواقفهم وقطع الطريق على أعداء الأمة المتربِّصين بها، فشَكَر اللهُ لخادم الحرمين الشريفين، وأيَّده الله بتوفيقه ونصره، ووفق زعماء الأمة إلى ما فيه الخير لشعوبهم وبلادهم.

 

الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.

 

يا معشرَ النساءِ: إن الله رفعكن وشرفكن، وأعلى قدركن ومكانتكن، وحفظ حقوقكن، فاشكرنَ النعمةَ واذكرنَ المنةَ، واغضضنَ من أبصاركن، واحفظنَ فروجكنَ، وتصدقنَ وأكثرنَ الاستغفارَ، ولا تُكثِرْنَ اللعنَ، ولا تكفرنَ العشيرَ، ولا تبرجنَ، ولا تكشَّفْنَ، والمرأة الشريفة العفيفة لا تقبل أن تكون منبع إثارة، أو مثار فتنة، للأعين الشرهة، وللنظرات الخائنة الوقحة، والنفوس السافلة الدنيئة، والأقوال المهينة البذيئة.

 

الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.

 

أيها المسلمون: إن ضيفَكم قد رحَل، ورمضان قد أفَل، ولا منتهى من صالح العمل، فلا تغلقوا مصحفًا، ولا تمنعوا رغيفًا، ولا تحرموا لهيفًا، ولا تقطعوا إحسانًا، ولا تهجروا صيامًا، ولا تتركوا قيامًا، فما أحسنَ الإحسانَ يتبعه الإحسانُ، وما أقبح العصيانَ بعد الإحسانِ، ومَنْ صام رمضانَ ثم أتبَعَه ستًّا من شوال كان كصيام الدهر، ومن لم يُخرِجْ زكاةَ الفطر فليبادِرْ إلى إخراجها فورًا، ومن أتى منكم من طريق فليرجع من طريق أخرى إن تيسَّر له ذلك؛ اقتداءً بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

 

الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.

 

بشراكم يا من قمتُم وصمتُم، بشراكم يا من تصدقتُم واجتهدتُم، فقد ذهَب التعبُ، وزال النَّصَبُ، وثبَت الأجرُ إن شاء الله -تعالى-، تقبَّل اللهُ صيامكم وقيامَكم، وأعاد اللهُ عليكم هذه الأيامَ المباركةَ أعوامًا عديدةً وأزمنةً مديدةً، ونحن في صحة وعافية وحياة سعيدة، اللهم تقبَّل مساعينا وزكِّها، وارفع درجاتنا وأَعْلِهَا، اللهم أعطِنا من الآمال منتهاها، ومن الخيرات أقصاها، اللهم تقبَّلْ صيامَنا وقيامَنا ودعاءنا يا أرحم الراحمين.

 

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، وأدم على بلاد الحرمين الشريفين أمنَها ورخاءَها وعِزَّها واستقرارَها وسائر بلاد المسلمين يا رب العالمين.

 

اللهم وفِّق إمامنا وولي أمرنا خادم الحرمين الشريفين، عَبْدَكَ سلمان بن العزيز لما تحب وترضى، وخذ بناصيته للبر والتقوى، وأصلح له بطانته، ومتعه بالصحة والعافية، واحفظه من كل شر وسوء يا رب العالمين، اللهم وفقه وولي عهده وأولاده وإخوانه ووزراءه وأعوانه لِمَا فيه عز الإسلام وصلاح المسلمين، يا رب العالمين.

 

اللهم انصر بهم دينك، وأعل بهم كلمتك، واجعلنا وإيَّاهم من الهداة المهتدين، يا رب العالمين، اللهم وفِّق جميعَ ولاة أمور المسلمين لتحكيم شرعك واتباع سنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم.

 

اللهم فرج هم المهمومين، ونفِّسْ كربَ المكروبين، واقض الدَّيْن عن المدينين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين، وارحم موتانا وموتى المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين.

 

(سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)[الصَّافَّاتِ: 180-181].

 

الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.

 

الملفات المرفقة
خطبة عيد الفطر 1440هـ
عدد التحميل 146
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات