طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

17323

الصلاة في شرائع من قبلنا

المكان : المملكة العربية السعودية / الرياض / بدون / بدون /
التصنيف الرئيسي : الصلاة
تاريخ الخطبة : 1441/03/18
تاريخ النشر : 1441/03/16
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/مكانة الصلاة ومنزلتها 2/للصلاة فضائل وخصائص وأسرار 3/الصلاة في شرائع الأنبياء والرسل والصالحين 4/عبودية الصلاة لا تقتصر على بني البشر حتى الملائكة يصلون 5/كل خلق الله يسبح له ويصلي بكيفية لا يعملها إلا الله.
اقتباس

لِلصَّلَاةِ خَصَائِصُ وَفَضَائِلُ لَا يَعْرِفُهَا إِلَّا مَنْ وَقَفَ عَلَى تَشْرِيعَاتِهَا، وَأَسْرَارُ وَفَوَائِدُ لَا يُدْرِكُهَا إِلَّا مُحَافِظٌ عَلَيْهَا قَائِمٌ بِهَا؛ لِذَا لَا غَرَابَةَ أَنْ تَكُونَ الصَّلَاةُ رَمْزِيَّةَ جَمِيعِ الشَّرَائِعِ، غَنِيَّةَ الْمَقَاصِدِ وَالْمَنَافِعِ…

الخطبة الأولى:

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي تَعَبَّدَنَا بِأَدَاءِ الصَّلَوَاتِ، وَجَعَلَ لِمَنْ أَدَّاهَا عَلَى مَا أَمَرَ ثَوَابَ خَمْسِينَ صَلَاةً، فَضْلًا مِنْهُ وَكَرَمًا وَتَكْفِيرًا لِلسَّيِّئَاتِ، وَأَفَاضَ فِيهَا عَلَى قُلُوبِ أَوْلِيَائِهِ لَذَّةً وَسَكَنًا وَمَكْرُمَاتٍ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، كَرِيمُ الْعَطَايَا، وَعَظِيمُ الْهِبَاتِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَرْفَعُ خَلْقِ اللَّهِ قَدْرًا، وَأَحْسَنُهُمْ خُلُقًا، سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ وَافِرُ النُّعُوتِ، وَكَامِلُ الصِّفَاتِ. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِصِدْقٍ وَإِحْسَانٍ.

 

أَمَّا بَعْدُ عِبَادَ اللَّهِ، فَأُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ وَكَثْرَةِ ذِكْرِهِ، وَأَحُثُّكُمْ عَلَى طَاعَتِهِ وَشُكْرِهِ، فَقَدْ قَالَ رَبُّنَا فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى)[طه: 132].

 

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: إِنَّهَا قُرَّةُ عُيُونِ الْمُوَحِّدِينَ، وَاسْتِرَاحَةُ قُلُوبِ الْخَاشِعِينَ، وَحَيَاةُ أَرْوَاحِ الْمُخْبِتِينَ، وَحَبْلُ نَجَاةِ الْمُنْقَطِعِينَ، وَنَهْرُ طُهْرِ الْمُذْنِبِينَ، وَسَلْوَى نُفُوسِ الْمَكْرُوبِينَ، عِبَادَةُ الْجَهْرِ وَالْعَلَنِ، وَأُنْسُ الْمُتَهَجِّدِينَ فِي الظُّلَمِ، سِرُّ قُرْبِ الْعِبَادِ بِرَبِّهِمْ وَاتِّصَالِهِمْ بِخَالِقِهِمْ، بَهْجَةُ الْمَنَازِلِ وَالدُّورِ، وَأُنْسُ الْمُؤْمِنِينَ فِي وَحْشَةِ الْقُبُورِ، وَأَوَّلُ الْأَعْمَالِ عَرْضًا وَسُؤَالًا يَوْمَ النُّشُورِ.

 

يَكْفِي فِي قَدْرِهَا أَنَّهَا كَانَتْ فِيمَنْ قَبْلَنَا مَشْرُوعَةً، وَجُعِلَتْ لَنَا كَرَامَةً وَطَاعَةً؛ فَهِيَ مَكْرُمَةُ اللَّهِ لِرَسُولِهِ فِي السَّمَاءِ، يَوْمَ عُرِجَ بِهِ فِي حَادِثَةِ الْإِسْرَاءِ، حَيْثُ دَنَا مِنْ رَبِّهِ فَكَلَّمَهُ فَكَانَتِ الصَّلَاةُ مِنْ خَيْرِ عَطَايَا فَضْلِهِ فَأَكْرَمَهُ.

 

عِبَادَ اللَّهِ: لِلصَّلَاةِ خَصَائِصُ وَفَضَائِلُ لَا يَعْرِفُهَا إِلَّا مَنْ وَقَفَ عَلَى تَشْرِيعَاتِهَا، وَأَسْرَارُ وَفَوَائِدُ لَا يُدْرِكُهَا إِلَّا مُحَافِظٌ عَلَيْهَا قَائِمٌ بِهَا؛ لِذَا لَا غَرَابَةَ أَنْ تَكُونَ الصَّلَاةُ رَمْزِيَّةَ جَمِيعِ الشَّرَائِعِ، غَنِيَّةَ الْمَقَاصِدِ وَالْمَنَافِعِ.

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: لَمَّا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَى أَنْبِيَائِهِ وَاجِبَاتٍ كَانَتِ الصَّلَاةُ مِنْ أَهَمِّهَا، وَحِينَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ فَرَائِضَ كَانَتِ الصَّلَاةُ مِنْ أَوَّلِهَا؛ فَهَذَا إِبْرَاهِيمُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- يُسْكِنُ ذُرِّيَّتَهُ؛ (هَاجَرَ وَإِسْمَاعِيلَ -عَلَيْهِمَا السَّلَامُ) وَادِيًا غَيْرَ ذِي زَرْعٍ لِيَحْنُوا جِبَاهَهُمْ فِي ذَلِكَ الْوَادِي الْقَاحِلِ، وَيُغَبِّرُوا وُجُوهَهُمْ عَلَى تُرَابِهَا الْحَارِّ، وَحَتَّى يَتَمَكَّنُوا مِنْ إِقَامَتِهَا كَمَا أُمِرُوا بِهَا دَعَا رَبَّهُ أَنْ يُهَيِّئَ لَهُمْ مِنْ عِبَادِهِ مَنْ يَأْوِي إِلَيْهِمْ، وَثَمَرًا طَيِّبًا يَكْفِي حَاجَتَهُمْ؛ فَقَالَ: (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ)[إِبْرَاهِيمَ: 37].

 

كَمَا دَعَا رَبَّهُ أَنْ يَجْعَلَهُ وَذُرِّيَّتَهُ مِنْ مُقِيمِي الصَّلَاةِ؛ فقَالَ: (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ)[إِبْرَاهِيمَ: 40].

 

بَلْ وَعَهِدَ اللَّهُ إِلَى أَبِي الْأَنْبِيَاءِ وَوَلَدِهِ إِسْمَاعِيلَ طَهَارَةَ بَيْتِهِ؛ تَهْيِئَةً لِرُوَّادِهِ وَالْعِبَادَةِ فِيهِ؛ قَالَ سُبْحَانَهُ: (وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ)[الْبَقَرَةِ: 125].

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: وَلَقَدْ أَوْرَثَ ذَلِكَ التَّوْجِيهُ، وَأَكْسَبَتْ تِلْكَ الْمُعَاهَدَةُ سُلُوكًا تَرْبَوِيًّا وَمَنْهَجَاً أُسَرِيًّا تَنَاقَلَتْهُ ذُرِّيَّتُهُمْ مِنْ بَعْدِهِمْ، وَلَا زَالَتِ الْأُسْرَةُ الْخَيِّرَةُ تَتَوَاصَى بِالصَّلَاةِ وَتَتَنَاصَحُ بِإِقَامَتِهَا؛ قَالَ اللَّهُ: (وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا)[مَرْيَمَ: 55].

 

وَفَي ذُرِّيَّتِهِ إِسْحَاقُ وَيَعْقُوبُ وَذَرَّارِيهِمَا أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ؛ فَبَعْدَ ذِكْرِهِ -سُبْحَانَهُ- إِبْرَاهِيمَ وَنَجَاتَهُ مِنَ النَّارِ قَالَ سُبْحَانَهُ: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ)[الْأَنْبِيَاءِ: 73].

 

عِبَادَ اللَّهِ: وَعَنْ كَلِيمِهِ مُوسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ- وَفِي أَوَّلِ لِقَائِهِ بِرَبِّهِ كَانَ مِنْ أَوَّلِ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ وَكَلَّفَهُ بِهِ الصَّلَاةُ؛ قَالَ رَبُّنَا -جَلَّ وَعَلَا-: (إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي)[طه: 14]، وَأَوْحَى إِلَيْهِ وَأَخِيهِ هَارُونَ -عَلَيْهِمَا السَّلَامُ- بِهَا فِي قَوْلِهِ -سُبْحَانَهُ-: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ)[يُونُسَ: 87].

 

وَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) (2375) مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: “مَرَرْتُ عَلَى مُوسَى لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي، عِنْدَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ، وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ“.

 

وَهَؤُلَاءِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَفِيهِمْ بَعَثَ اللَّهُ أَنْبِيَاءَ كَثِيرِينَ، وَجَمِيعُهُمْ أُمِرُوا بِالصَّلَاةِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ)[الْبَقَرَةِ: 43]، وَقَوْلِهِ: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ)[الْبَقَرَةِ: 83].

 

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: “غَزَا نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فَقَالَ لِقَوْمِهِ: لَا يَتْبَعْنِي رَجُلٌ قَدْ مَلَكَ بُضْعَ امْرَأَةٍ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَبْنِيَ بِهَا وَلَمَّا يَبْنِ، وَلَا آخَرُ قَدْ بَنَى بُنْيَانًا وَلَمَّا يَرْفَعْ سُقُفَهَا، وَلَا آخَرُ قَدِ اشْتَرَى غَنَمًا أَوْ خَلِفَاتٍ وَهُوَ مُنْتَظِرٌ وِلَادَهَا. قَالَ: فَغَدَا فَدَنَا مِنَ الْقَرْيَةِ حِينَ صَلَّى الْعَصْرَ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ…”(الْبُخَارِيُّ (3124) وَمُسْلِمٌ (1747).

 

وَعَنْ نَبِيِّ اللَّهِ دَاوُدَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- يَقُولُ اللَّهُ: (إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ)[ص: 18]. وَقَدْ رَوَى بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ مِنْ طُرُقٍ عِدَّةٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَوْلَهُ: “لَقَدْ قَرَأْتُ مَا بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ، مَا عَرَفْتُ صَلَاةَ الضُّحَى إِلَّا الْآنَ؛ (يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ) وَكُنْتُ أَقُولُ: أَيْنَ صَلَاةُ الْإِشْرَاقِ؟ ثُمَّ قَالَ بَعْدُ: هُنَّ صَلَاةُ الْإِشْرَاقِ”.

 

وَفِي الْحَدِيثِ يَقُولُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَمَا فِي (الصَّحِيحَيْنِ): “أَفْضَلُ الصَّلَاةِ صَلَاةُ دَاوُدَ…”.

 

وَعَنْ صَلَاةِ سُلَيْمَانَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- يَقُولُ رَبُّنَا: (وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ * إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ * فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ * رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ)[ص: 30 – 33]، وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهَا صَلَاةُ الْعَصْرِ، شُغِلَ عَنْهَا بِسَبَبِ عَرْضِ الصَّافِنَاتِ عَلَيْهِ.

 

عَبَادَ اللهِ: وَمَنْ قَرَأَ وَصَايَا لُقْمَانَ الْحَكِيمِ وَجَدَ أَنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ مِنْ ضِمْنِ وَصَايَاهُ الْقَيِّمَةِ لِوَلَدِهِ؛ قَالَ اللَّهُ: (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ)[لُقْمَانَ: 17].

 

وَزَكَرِيَّا -عَلَيْهِ السَّلَامُ- تَأْتِي الْمَلَائِكَةُ لِتُبَشِّرَهُ بِيَحْيَى وَهُوَ فِي مِحْرَابِهِ قَائِمٌ يُصَلِّي؛ قَالَ اللَّهُ: (فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ)[آلِ عِمْرَانَ: 39].

 

وَفِي الْمَهْدِ يَتَحَدَّثُ عِيسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ- أَنَّ الصَّلَاةَ مِمَّا أَوْصَاهُ اللَّه بِهَا؛ قَالَ اللَّهُ: (وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا)[مَرْيَمَ: 31]، وَعَنْ أُمِّهِ مَرْيَمَ جَاءَتِ الْمَلَائِكَةُ تَأْمُرُهَا بِهَا كَمَا فِي قَوْلِهِ -تَعَالَى-: (يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ)[آلِ عِمْرَانَ: 43]؛ بَلْ عُرِفَ عَنْهَا كَثْرَةُ مُلَازَمَتِهَا لِلْمِحْرَابِ وَانْقِطَاعِهَا فِيهِ عَنِ الْخَلَائِقِ.

 

وَأَخْبَرَ رَبُّنَا أَنَّ مَنْ كَانَ بِالْآخِرَةِ مُومِنًا، وَعَلَى الصَّلَاةِ مُحَافِظًا فَذَلِكَ سَيَحْمِلُهُ عَلَى الْإِيمَانِ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-؛ قَالَ اللَّهُ -تَعَالَى-: (وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقٌ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ)[الْأَنْعَامِ: 92].

 

أَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ؛ فَاسْتَغْفِرُوهُ فَيَا فَوْزَ الْمُسْتَغْفِرِينَ.

 

 

الخطبة الثانية:

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: وَمِنَ الْأَدِلَّةِ الَّتِي تُثْبِتُ حُضُوْرُ الصَّلَاةِ فِي شَرَائِعِ مَنْ قَبْلَنَا، وَأَنَّهَا كَانَتْ ضِمْنَ عِبَادَاتِهِمْ صَلَاةُ نَبِيِّنَا -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- بِجَمِيعِ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ وَرُسُلِهِ فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ، وَهِيَ ثَابِتَةٌ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ.

 

فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “لَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي الْحِجْرِ وَقُرَيْشٌ تَسْأَلُنِي عَنْ مَسْرَايَوَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ فَإِذَا مُوسَى قَائِمٌ يُصَلِّي، فَإِذَا رَجُلٌ ضَرْبٌ جَعْدٌ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ، وَإِذَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- قَائِمٌ يُصَلِّي، أَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ، وَإِذَا إِبْرَاهِيمُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- قَائِمٌ يُصَلِّي أَشْبَهُ النَّاسِ بِهِ صَاحِبُكُمْ؛ -يَعْنِي نَفْسَهُ- فَحَانَتِ الصَّلَاةُ فَأَمَمْتُهُمْ، فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنَ الصَّلَاةِ قَالَ قَائِلٌ: يَا مُحَمَّدُ، هَذَا مَالِكٌ صَاحِبُ النَّارِ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ فَبَدَأَنِي بِالسَّلَامِ” (مُسْلِمٌ 172).

 

وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيّ فِي “تَفْسِيرِهِ” (17/332): “ثُمَّ انْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَصَلَّيْتُ فِيهِ بِالنَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ إِمَامًا” (الْإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ لِلْأَلْبَانِيِّ ص13).

 

وَحَتَّى صِفَةُ الْوُضُوءِ اتَّفَقَتْ مَعَ جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ؛ فَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا فَقَالَ: “هَذَا وُضُوئِي وَوُضُوءُ الْمُرْسَلِينَ مِنْ قَبْلِي” (ابْنُ مَاجَهْ: (420).

 

وَرَوَى الْبُخَارِيُّ وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: “إِنَّا مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ أُمِرْنَا بِتَعْجِيلِ فِطْرِنَا وَتَأْخِيرِ سُحُورِنَا وَوَضْعِ أَيْمَانِنَا عَلَى شَمَائِلِنَا فِي الصَّلَاةِ“(صَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ فِي صَحِيحِ الْجَامِعِ (2286).

 

فَهَذِهِ الْأَدِلَّةُ الَّتِي سُقْنَاهَا وَغَيْرُهَا مِمَّا لَمْ يُسْعِفُنَا الْوَقْتُ لِسَوْقِهَا تُبَيِّنُ لَنَا أَنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ ضِمْنَ شَرَائِعِ مَنْ قَبْلَنَا، وَأَنَّهَا كَانَتْ ذَاتَ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ وَوُضُوءٍ دُونَ وُرُودِ مَا يُفَصِّلُ كَيْفِيَّتَهَا.

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: وَكَمَا تَوَعَّدَ اللَّهُ هَذِهِ الْأُمَّةَ إِنْ هِيَ فَرَّطَتْ فِي هَذِهِ الشَّعِيرَةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي جَعَلَ الْمُحَافَظَةَ عَلَيْهَا عَلَامَةَ الْإِيمَانِ وَتَرْكَهَا وَالتَّهَاوُنَ فِيهَا دَلِيلَ النِّفَاقِ وَالْكُفْرِ تَوَعَّدَ -عَزَّ وَجَلَّ- الْمُفَرِّطِينَ فِيهَا مِنَ الْأُمَمِ السَّابِقَةِ؛ فَبَعْدَ أَنْ سَاقَ اللَّهُ جُمْلَةً مِنَ الْأَنْبِيَاءِ بِأَسْمَائِهِمْ مِنْ لَدُنْ نُوحٍ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- أَخْبَرَ أَنَّ خَلْفًا بَعْدَهُمْ مِنْ صِفَاتِهِمْ أَنَّهُمْ تَخَلَّفُوا عَنِ الصَّلَوَاتِ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ؛ فَقَالَ تَعَالَى: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا)[مَرْيَمَ: 59].

 

وَفِي آيَةٍ أُخْرَى عَابَ تَعَالَى الْمُفَرِّطِينَ فِي الصَّلَاةِ مِنْهُمْ وَالْمُتَهَاوِنِينَ بِهَا؛ فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: (وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ)[الْمَائِدَةِ: 58].

 

عِبَادَ اللَّهِ: شَعِيرَةُ الصَّلَاةِ وَعِبَادَةُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ كَمَا لَمْ تَكُنْ مَحْصُورَةً عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ، بَلْ شَمِلَتْ كُلَّ الْأُمَمِ كَذَلِكَ هِيَ لَيْسَتْ مَحْصُورَةً عَلَى بَنِي الْبَشَرِ، بَلْ حَتَّى الْمَلَائِكَةُ مِنْ أَجَلِّ عِبَادَتِهِمُ الصَّلَاةُ؛ َقَالَ اللَّهُ -تَعَالَى-: (إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ)[الْأَعْرَافِ: 206].

 

وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: “نَزَلَ جِبْرِيلُ فَأَمَّنِي فَصَلَّيْتُ مَعَهُ“، وَعِنْدَ (أَصْحَابِ السُّنَنِ) أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَى فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ فَصَلَّى بِالنَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الظُّهْرَ ثُمَّ الْعَصْرَ ثُمَّ الْمَغْرِبَ ثُمَّ الْعِشَاءَ ثُمَّ الْفَجْرَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ. وَفِي الْيَوْمِ الثَّانِي نَزَلَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- فَصَلَّى بِالنَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الظُّهْرَ ثُمَّ الْعَصْرَ ثُمَّ الْمَغْرِبَ ثُمَّ الْعِشَاءَ ثُمَّ الْفَجْرَ فِي آخِرِ الْوَقْتِ وَقَالَ لَهُ: “الصَّلَاةُ بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ“.

 

وَكَذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَوْمًا لِأَصْحَابِهِ: “أَلَا تَصُفُّونَ كَمَا تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا، قَالُوا: وَكَيْفَ تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا؟ قَالَ: يُتِمُّونَ الصَّفَّ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ وَيَتَرَاصُّونَ فِي الصَّفِّ“.

 

وَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي (رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَغَيْرُهُمْ)، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَنْ أَبِي ذَرٍّ وَغَيْرِهِ -أَيْضًا- أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: “أَطَّتِ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ، مَا فِيهَا مَوْضِعُ شِبْرٍ إِلَّا وَفِيهَا مَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدٌ لِلَّهِ -تَعَالَى- يُسَبِّحُ اللَّهَ وَيَحْمَدُهُ...”.

 

وَحَتَّى الطَّيْرُ وَالْمَخْلُوقَاتُ الْأُخْرَى مِنْ سَمَاءٍ وَأَرْضٍ وَبِحَارٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ يُصَلِّي لِلَّهِ وَيُسَبِّحُ لَهُ؛ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ)[النُّورِ: 41].

 

عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّ فَرِيضَةً بِهَذِهِ الرُّتْبَةِ وَالرَّمْزِيَّةِ، وَشَعِيرَةً بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ وَالْقَدَاسَةِ لَتَسْتَحِقُّ مِنَّا كُلَّ الِاهْتِمَامِ وَالْحِرْصِ؛ لِنَنَالَ فِي الدُّنْيَا نَفْعَهَا وَبَرَكَتَهَا، وَنُدْرِكَ فِي الْآخِرَةِ فَضْلَهَا وَدَرَجَتَهَا؛ بِإِذْنِ اللَّهِ -تَعَالَى-، وَبِفَيْضِ كَرَمِهِ وَفَضْلِهِ.

 

(رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ)[إِبْرَاهِيمَ: 40].

 

الدُّعَاءُ …

الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ…

 

وَأَقِمِ الصَّلَاةَ.

 

الملفات المرفقة
الصلاة في شرائع من قبلنا
عدد التحميل 37
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات