طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    سنة الله في تقدير الأرزاق    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

17270

وفاة النبي الأكرم –صلى الله عليه وآله وسلم-

المكان : المملكة العربية السعودية / القصيم - عنيزة / حي السليمانية / ابي موسى الأشعري /
التصنيف الرئيسي : السيرة النبوية
تاريخ الخطبة : 1441/03/11
تاريخ النشر : 1441/03/14
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/الحديث عن وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- ليس لمرد الحزن إنما لأخذ العظات والعبر 2/مرض النبي الأكرم -صلى الله عليه وسلم- ووفاته 3/ظلمة الدنيا عند وفاته صلى الله عليه وسلم 4/وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- وغسله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه 5/كمال الدين وإبلاغ النبي -صلى الله عليه وسلم- للدين إلى الناس كافة 6/محبة النبي -صلى الله عليه وسلم- بإتباعه 7/بعض وصايا النبي -صلى الله عليه وسلم- عند وفاته
اقتباس

مَعَاشِرَ المُؤمنينَ: الحَدِيثُ عن وَفَاةِ نَبِيِّنا -صلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ- ليسَ لِلتَّحزُّنِ، واستِدرَارِ العَوَاطِفِ، كلاَّ وَرَبِّي إنَّما هِيَ عِظَاتٌ وعِبَرٌ، وَشَحْذٌ لِلعَزَائِمِ والهِمَمِ، وتَثْبِيتٌ على الطَّرِيقِ الأَقْوَمِ. ألَمْ تَعْلَمُوا أنَّهُ بِمُجَرَّدِ نَبَأِ وفاتِهِ خَرَجَ أُنَاسٌ عن الدِّينِ، وَرَفعَ البَاطِلُ رَأسَهُ، وطَمِعَ الشَّيطانُ في القَومِ، فَنَتَعَلَّمْ من تِلْكَ المَوَاقِفِ الطَّرِيقَ الأَقوَمَ، فَقَدْ…

الخطبة الأولى:

 

الحمدُ لله جَعَلَ الموتَ وَسِيلَةً لِلقَائِهِ، أَشْهَدُ أن لا إلهَ إلَّا الله وحدَهُ لا شَريكَ لَهُ في عَلْيَائِهِ، وَأَشهَدُ أنَّ محمداً عبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ اخْتَارَهُ اللهُ على سَائِرِ أَوليائِهِ، صَلَواتُ رَبِّي وسلامُهُ عَليهِ وَعلى آلِهِ وأَصحَابِهِ.

 

أمَّا بعدُ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)[آل عمران: 102].

 

مَعَاشِرَ المُؤمِنينَ: الحَدِيثُ عن رَسُولِنَا -صلَّى اللهُ عليهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- يَأسِرُ القُلُوبَ، ويُجْرِيَ المَدَامِعَ، وَيُقَوِّيَ العزائمَ؛ فَمَولِدُه نُورٌ، وَهِجْرَتُهُ عِزٌّ لِلإسلامِ، وَفي وَفَاتِهِ اكْتِمَالٌ لِبَدْرِ الإسلامِ وَعَزَاءٌ الأَنَامِ؛ أَلا تَعْلَمُونَ: أنَّ تلكَ الأَحدَاثِ كُلِّها حَدَثَتْ في مثلِ شهرِكُمْ هذا؟

 

اللهُ أكبرُ -عبادَ اللهِ- لقد اختارَ اللهُ مُحمَّداً لِيكونَ لِلعالَمِينَ بَشِيراً وَنَذِيراً، فَأَنزَلَ عليه: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِر)[المدثر: 1-2]، فَشَمَّرَ بِكُلِّ عَزمٍ وإتمَامٍ، ثَلاثَاً وعِشريِنَ عامَاً، لاقى فيها المَتَاعِبَ والمَشَاقَّ، فَشَاءَ اللهُ -تَعَالَى- أنْ يَجمَعَ بَينَ يَدَيهِ المُسلِمينَ على صَعِيدِ عَرَفَاتَ، فَأَلْقَى عليهم نَظرَةً أَخِيرَةً بعدَما أَنزَلَ اللهُ قولَهُ: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا)[المائدة: 3] حينَها بَكى ابنُ الخطَّابِ -رَضِيَ اللهُ عنه وَأرضَاهُ- وَقَالَ: “واللهِ لَيسَ بَعدَ الكَمَالِ إلَّا النُّقصَانُ”.

 

مَعَاشِرَ المُؤمنينَ: الحَدِيثُ عن وَفَاةِ نَبِيِّنا -صلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّمَ- ليسَ لِلتَّحزُّنِ، واستِدرَارِ العَوَاطِفِ، كلاَّ وَرَبِّي إنَّما هِيَ عِظَاتٌ وعِبَرٌ، وَشَحْذٌ لِلعَزَائِمِ والهِمَمِ، وتَثْبِيتٌ على الطَّرِيقِ الأَقْوَمِ.

 

ألَمْ تَعْلَمُوا أنَّهُ بِمُجَرَّدِ نَبَأِ وفاتِهِ خَرَجَ أُنَاسٌ عن الدِّينِ، وَرَفعَ البَاطِلُ رَأسَهُ، وطَمِعَ الشَّيطانُ في القَومِ، فَنَتَعَلَّمْ من تِلْكَ المَوَاقِفِ الطَّرِيقَ الأَقوَمَ، فَقَدْ قَالَ اللهُ -تَعَالى-: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ)[العنكبوت: 57]، وَقَالَ نَبِيُّنَا -صلَّى اللهُ عليهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-: إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى.

 

عباد الله: لَقَدْ كانَ عن الْمُصْطَفَى يُرَدِّدُ على الحُجَّاجِ: لِتَأْخُذُوا عنِّي مَنَاسِكَكُمْ فَإِنِّي لاَ أَدْرِى لَعَلِّى لاَ أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ، لِعَلِّي لاَ أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا.

 

وَقَدْ وَدِّعَ الكَعبَةَ المُشَرَّفَةَ، وَعَادَ إلى المَدِينَةِ النَّبَويَّةِ، لِتَبكي المَدِينَةُ لا مِن الفَرَحِ ولَكنْ حَزَنَاً لِمَا حلَّ بِهِ من مَرَضٍ، فَقَدْ أَخَذَهُ وَجَعٌ فِي رَأْسِه وحَرَارَةٌ اشتَدَّتْ عليهِ، وَأَتَاهُ جِبْرِيلُ -عليهِ السِّلامُ- ذاتَ لَيلَةٍ، فَقَالَ: إِنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَأْتِىَ أَهْلَ الْبَقِيعِ فَتَسْتَغْفِرَ لَهُمْ فَخَرَجَ إليهم وَوَدَّعَهم وَدعَا لهم طويلاً.

 

ثُمَّ ثَقُلَ برسولِ اللهِ المَرَضُ فَانْتَقَلَ إلى بيتِ عائشةَ -رَضِي اللهُ عنها- فَمَكَثَ عِنْدَها، وفي يَومٍ وَجَدَ نَشَاطًا فَخَرَجَ إلى النَّاسِ فصلَّى بهم وَخَطَبَهُم وَقَالَ: عَبْدٌ خَيَّرَهُ الله بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ زَهْرَةَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ فَاخْتَارَ مَا عِنْدَهُ فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ وقَالَ: فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا، فَقَالَ لهُ رَسُولُ الله: لا تَبْكِ يا أَبَا بَكْرٍ؛ إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي مَالِهِ وَصُحْبَتِهِ أَبُو بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلاً لاَتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلاً.

 

وَأَمَرَهُ أنْ يُصلِّيَ بالنَّاس، ثمَّ اشتَدَّ الوجعُ بِرَسُولِ اللهِ، فَكَانَ كُلَّما أفاقَ، قالَ: هل صلَّى النَّاسُ؟ هل صلَّى النَّاسُ؟، وفي فجرِ الاثنينِ الثَّانيَ عَشَرَ من شهرِ ربيعٍ الأوَّلِ والصحابةُ قد اصطفُّوا خلفَ أبي بكرٍ يُصَلُّونَ إذْ رَفَعَ رَسُولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- السِّترَ عن غُرفتِهِ وبَرَزَ للنَّاسِ، فَكَادُوا يُفتَنُونَ عن صَلاتِهِم فَتَبَسَّم فَرِحَاً وعادَ إلى مَنزلِهِ، وَفي الضُّحى جاءَتُهُ سَكَرَاتُ المَوتِ فَكانَ يُدخِلُ يَديهِ في الإناءِ ويُرَدِّدُ: اللهمَّ أَعنِّي على سَكَرَاتِ الموتِ، ويقَولُ: لَعْنَةُ الله عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ لا يجتمعُ دِينَانِ بأرضِ العَربِ. لا إله إلا اللهُ، إنَّ للموتِ لَسَكرَاتٌ، بَلِ الرَّفِيقُ الأَعْلَى، بلِ الرَّفِيقُ الأَعْلَى، مَعَ الذينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا. الصَّلاةَ الصَّلاةَ وما مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم حتى جَعَلَ يُلَجْلِجُها في صَدْرِه وما يَفِيضُ بِهَا لسانُه. فَلَمَّا تَغَشَّاهُ الكَرْبُ، قَالَتْ فَاطِمَةُ: وَاكَرْبَ أَبَتَاهُ فقَالَ: لَيْسَ عَلَى أَبيكِ كَرْبٌ بَعْدَ اليَوْمِ.

 

لَقَد تُوفِّيَ رسولُ الله في بَيتِ عَائِشَةَ وفي يَومِها وبينَ سَحْرِها ونَحرِها بَعدَ ماستَاكَ أَحْسَنَ مَا كَانَ استِنَانَاً فَمَا عَدا أَنْ فَرَغَ من السِّواكِ حتى وَضَعَ يَدَهُ، ثمَّ قَالَ: في الرَّفِيقِ الأعلى ثُمَّ قَضَى رَسُولُ الله، قَالَتْ فَاطِمَةُ: يَا أَبَتَاهُ، أَجَابَ رَبَّاً دَعَاهُ! يَا أَبتَاهُ! جَنَّةُ الفِردَوسِ مَأْوَاهُ! يَا أَبَتَاهُ، إِلَى جبْريلَ نَنْعَاهُ! وَعَائِشَةُ تَصرُخُ وَتَبْكِي وَتَخرُجُ وهيَ تَقُولُ: مَاتَ رَسُولُ اللهِ، مَاتَ خَيرُ خَلقِ اللهِ، مَات إِمَامُ النَّبِيِّينَ، وَسَيِّدُ المُرسَلِينَ، فَيُقَابِلُها عُمَرُ، وَيُشهِرُ سَيفَهُ وَهُوَ في نَاحِيةِ المَسجِدِ وَيَقُولُ: واللهِ مَا مَاتَ رَسُولُ اللهِ، ولا يَمُوتُ حتى يَقطَعَ أَيديَ المُنَافِقِينَ وَأَرجُلَهُم.

 

عِبَادَ اللهِ: لَقَدْ أَظْلَمَتِ المدينةُ على أهلِها، وَضَاقَتْ عليهم أَرجَاؤهَا، وَانْدَهَشَ النَّاسُ مِنْ هَولِ الخَبَرَ، حتى جاءَ أبو بكرٍ فَدَخَلَ على عائشةَ فَوَجَدَ رَسُولَ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- مُسَجًّى فَكَشَفَ عن وجْهِهِ وأَكَبَّ يُقَبِّلُهُ ويَبْكِي، ويقولُ: بأبي أنتَ وأمِّي يا رسولَ اللهِ، إنَّا للهِ وإنَّا إليه راجعونَ طِبْتَ حيَّاً وميِّتاً فَصَعَدَ المِنبرَ وعمرُ يُكَلِّمُ النَّاسَ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عليه، وقَالَ: مَنْ كَانَ يَعبُدُ مُحمَّداً فإنَّ مُحمَّداً قد ماتَ ومن كان يعبُدُ اللهَ فإنَّ اللهَ حيٌّ لا يَمُوتُ ثُمَّ قَرَأَ: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ)[آل عمران: 144].

 

فبدأَ الناسُ يُرَدِّدُونَ الآيةَ وكأنَّهم لمْ يَقْرَؤُهَا مِنْ قَبلُ.

 

ورَاحُوا بِحُزنٍ لَيْسَ فِيهِمْ نَبِيهُم *** وَقَد وَهَنَت منهم ظُهُورٌ وَأَعضُدُ

يُبْكُّونَ مَنْ تَبكِي السَّمَوَاتُ يَومَهُ *** وَمَن قَد بَكَتهُ الأَرضُ فَالنَّاسُ أَكمَدُ

وَهَلْ عَدَلَتْ يَوماً رَزِيَّةُ هَالِكٍ *** رَزِيةَ يَومٍ مَاتَ فِيهِ مُحَمَّدُ

 

لَقَد غَسَّلُوا رَسُولَ اللهِ وَعَليهِ ثِيَابُهُ، فَصاروا يَصُبُّونَ المَاءَ فَوقَ القَمِيصِ وَيَدلِكونَهُ.

 

فاللهمَّ احشُرنا تَحتَ لِوائِهِ، وأَورِدْنَا حَوضَهُ، وأَسقِنَا بِيدِهِ شَربَةً هَنِيئَةً يَا رَبَّ العَالَمينَ.

 

أقولُ ما تسمعونَ، وأستغفرُ الله لي ولكم فاستغفروه من كلِّ ذَنْبٍ إنَّه هو الغفورُ الرحيمُ.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمدُ للهِ كَتَبَ الفَنَاءَ على أَهلِ هذه الدَّارِ وجعلَ الآخرةَ هيَ دَارُ القرارِ، أَشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له ذو العِزَّةِ والاقتدارِ، وَأَشهدُ أنَّ محمداً عبدُ اللهِ ورسولُه المُصطفى الْمُختَارُ، صلَّى الله وسلَّم وباركَ عليه وعلى آلهِ وأصحابِه الأخيارِ، ومن سارَ على نهجِهِمُ إلى يَومِ القَرَارِ.

 

أمَّا بعدُ: فاتَّقوا اللهَ -عبادَ اللهِ-: وَتَأمَّلوا في وَفَاةِ الأَنْبِيَاءِ الكِرَامِ على اللهِ فَهِيَ خَيرُ واعظٍ لَنا وَزَاجِرٍ.

 

لقد تُوفِيَ رَسُولُ الله وغُسِّلَ وكُفِّنَ وَدُفِنَ في مَكَانِه الذي ماتَ فيهِ.

 

لقد تُوفِيَ رَسُولُ الله -صلَّى اللهُ عليهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- عن ثلاثٍ وستينَ سَنَةً قَضَاها في الدَّعوةِ والإصلاحِ، والهِدَايَةِ والإرشَادِ، وصَلَّى عليه الرِّجالُ والنِّساءُ والصبيانُ دُونَ أنْ يَؤُمَّهُم أَحَدٌ.

 

لقد تَرَكَنَا على مَحَجَّةٍ بَيضَاءَ، لا يَزِيغُ عنها إلاَّ أَهْلُ الضَّلالِ والأهواءِ.

 

يا مُؤمِنُونَ: ما بَالنا لا نَتَّعِظُ بِموتِ إمامِ المُتَّقينَ فَلَعَلَّنَا نَظُنُّ أَنَّنا مُخلَّدونَ، أو أنَّنَا معَ سوءِ أفعَالِنا عندَ اللهِ مُكرمُونَ.

 

لقد التَحَقَ الْمُصطَفَى بالرَّفِيقِ الأعلى، وحُبُّه في قلوبِنَا مَغْرُوسٌ وسِيرَتُه وشَرِيعَتُه في الجوارحِ والنُّفوسِ، والحُبُّ الصَّادَقُ يَكونُ بالإتِّباعِ لا الابتِدَاعِ، وَبِمَحَبَّةِ سُنَّتِهِ ونُصْرَةِ شَرِيعَتِه، فَمَنْ أَحَبَّ لِقَاءَهُ فَليتَّبِعْ سُنَّتَهُ إلى يومِ الدِّينِ: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ)[آل عمران: 31].

 

لَقد كَانَ رَسُولُنا اللهُ -عليهِ الصَّلاةُ وَالسَلامُ- حَرِيصَاً علينا عَقِيدَةً وعِبَادَةً، وسُلُوكاً وَمَنْهَجَاً، فَمَا أصْدَقَهُ وأَنْصَحَهُ، حقَّاً: (لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ)[التوبة: 128].

 

يا مُؤمنُونَ: سَمِعْتُمْ حِرْصَ الرَّسُولِ على جَنَابِ التَّوحيدِ وَوُجُوبِ تَنْقِيَةِ أَرْضِ الجزيرةِ من مَظاهرِ الشِّركِ والضَّلالِ وما ذَاكَ إلا لِخَطَر بَقَاءِ اليَهُودِ والنَّصارى في جزيرةِ العربِ، فما بالُ منْ يَسْتَقْدِمُ الكَفَرَةِ إلى بلادِ الحرَمَينِ بِحُجَجٍ واهِيَةٍ، وأَعذَارٍ مَكرُورَةٍ، أو أنْ تُغْرَسَ أصْنَامٌ في بِلادِ التَّوحِيدِ والعَقِيدَةِ؟ سُبْحَانَكَ هذَا بُهْتَنٌ عَظِيمٌ.

 

مَعَاشِرَ الشَّبابِ: أَلَمْ تُدْرِكُوا حِرْصَ الرَّسولِ الأكْرَمِ على إقامةِ الصَّلاةِ والوصيَّةِ بها؟ فَهوَ يَجودُ بِنَفْسِهِ وأَنْفَاسِهِ الشَّرِيفَةِ يَقُولُ لَكُمْ: الصَّلاةَ الصَّلاة.

 

فَمَا بَالُ كَثِيرٍ مِن شَبَابِنا وَعُمَّالِنا عن صلاتِهم ساهونَ؟ وفي شَبَابِهم وَعَمَلِه لا هونَ: (أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ)[المطففين: 6-4].

 

أيُّها المُؤمِنُونَ: أَدْرَكْتُمْ يَقِينَاً عِظَمَ مَنزِلَةَ أبي بكرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَأرْضَاهُ- فقد نَصَرَ اللهُ به الدِّينَ وثَبَّتَ به المؤمنينَ فَجَزَاهُ اللهُ عنَّا وعن المُسلِمِينَ خيراً، فأينَ أهلُ الرَّفضِ الذينَ يَسُبُّونَهُ وَيَلْعَنُونَهُ، ألا لعنَةُ اللهِ على الظَّالِمينَ.

 

عبادَ اللهِ: في وفاةِ نبيِّنَا تَسْلِيَةٌ لِكُلِّ مَكْرُوبٍ، فمن أُصيبَ بِمُصِيبةٍ فَلْيَذكُرْ مُصَابَ الأُمَّةِ بِرَسُولِها فإنَّها تَخِفُّ عليه كُلُّ المَصَائِبُ.

 

أيُّها المؤمنونَ: لقد قال المولى قولاً كريمَاً تَشريِفَاً لِنَبِيِّنَا وتَكرِيمَاً، وإرشَادَاً لنا وتَعْلِيمَاً: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56].

 

فاللهم صلِّ وسلِّم وبَارِك على نَبِيِّنَا وقُدْوَتِنَا محمدٍ وعلى آله وصحبه ومن والاه.

 

اللهمَّ إنِّا نشهدُ أنَّه بلَّغَ الرِّسالةَ، وأدَّى الأمانَةَ، ونَصحَ الأُمَّةَ، وجاهدَ في الله حقَّ جهاده. اللهمَّ اجزه عنَّا وعن المسلمين خيرَ الجزاءِ.

 

جزا اللهُ عنَّا كُلَّ خيرٍ مُحمَّداً فقد كَانَ مَهديَّاً وقد كانَ هَادِيَاً.

 

اللهمَّ ارزقنا إتِّبَاعَ سُنَّتِه، والتمسُّكَ بها ظاهرا وباطنا قولا وعملا واعتقادا.

 

اللهمَّ أوردنا حوضَه واسقنا من يده شربةً لا نظمأُ بعدها أبدا يا ربَّ العالمينَ.

 

اللهمَّ إنَّا نسأَلُكَ إيماناً صادقاً، ولِسانَاً ذَاكِرَا، وعَمَلا صَالِحَاً مُتقَبَّلاً.

 

اللهمَّ ثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

 

(رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ)[الحشر: 10].

 

(وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ)[العنكبوت: 45].

 

الملفات المرفقة
وفاة النبي الأكرم –صلى الله عليه وآله وسلم-
عدد التحميل 72
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات