طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

17309

امتلك بيت العمر (2)

المكان : المملكة العربية السعودية / الدمام / حي أحد / جامع الحمادي /
التصنيف الرئيسي : الإيمان الحياة الآخرة
تاريخ الخطبة : 1441/02/26
تاريخ النشر : 1441/03/10
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/قصر عمر أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- مقارنة بالأمم السابقة 2/إكرام الله لأمة محمد -صلى الله عليه وسلم- بأعمال يسيرة وأجورها كبيرة 3/بعض الأعمال الصالحة التي ثوابها بيت في الجنة
اقتباس

يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-: أَعْمَارُنَا فِيْ هَذِهِ الحَيَاةِ قَصِيْرَةٌ. هَذِهِ الأَعْمَارُ إِذَا قَارَنْتَهَا بِأْعْمَارِ الأُمَمِ مِنْ قَبْلِنَا لَوَجَدْتَهَا قَلِيْلَةً جِدًا، وَلِذَلِكَ فَإِنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَعْطَى هَذِهِ الأُمَّةَ مِيْزَةً عَلَى غَيْرِهَا مِنَ الأُمَمِ بِوُجُودِ أَعْمَالٍ يَسِيْرَةٍ أُجُورُهَا كَبَيْرَةٌ، وَبِذَلِكَ نُدْرِكُ مَنْ سَبَقَنَا مِنَ الأُمَمِ. كَمَا وَرَدَتْ أَحَادِيْثُ كَثِيْرَةٌ فِيْ أَعْمَالٍ مَنْ عَمِلَهَا كَانَ ثَوَابُهُ أَنْ يُبْنَى لَهُ بَيْتٌ أَوْ قَصْرٌ فِي الجَنَّة. وَالإِنْسَانُ يَتَمَنَّى فِي دَارِ الفَنَاءِ هَذِهِ مَسْكَنًا هَنِيْئًا يَتَمَلَّكُهُ هُوَ وَ…

الخطبة الأولى:

 

الحَمْدُ للهِ ذِي الرِّضَا المَرْغُوبِ، يَعْفُو وَيَصْفَحُ وَيَغْفِرُ الذُّنُوبَ، يُمْلِي وَيُمْهِلُ لَعَلَّ العَاصِي يَتُوبُ، أَحْمَدُهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى حَمْدًا هُوَ لِلْذَّاتِ العَلِيَّةِ مَنْسُوبٌ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَا اللهُ ذُو الجَنَابِ المَرْهُوبِ، خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَامٍ وَمَا مَسَّهُ مِنْ لُغُوبٍ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ذُو المَقَامِ الـمَوْهُوبِ، لَا يَأْكُلُ الصَّدَقَاتِ، وَخَاتَمُ النُّبُوةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ مَضْرُوبٌ، مَنْ أَطَاعَهُ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ، وَمَنْ تَبِعَ نَهْجَهُ فَقَدْ أَرْضَاهُ، وَمَنْ عَصَاهُ فِي النَّارِ مَكْبُوبٌ. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِكْ عَلَيهِ عَدَدَ الرِّمَالِ وَالحَصَى، وَكُلَّمَا أَطَاعَهُ عَبْدٌ أَوْ عَصَى، وَنَوِّرْ بَصَائِرَنَا وَالقُلُوبَ.

 

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ -عِبَادَ اللهِ- وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ.

 

يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-: أَعْمَارُنَا فِيْ هَذِهِ الحَيَاةِ قَصِيْرَةٌ، رَوَى التِرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ وَحَسَّنَهُ الأَلْبَانِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ السِّتِينَ إِلَى السَّبْعِينَ وَأَقَلُّهُمْ مَنْ يَجُوزُ ذَلِكَ.

 

هَذِهِ الأَعْمَارُ إِذَا قَارَنْتَهَا بِأْعْمَارِ الأُمَمِ مِنْ قَبْلِنَا لَوَجَدْتَهَا قَلِيْلَةً جِدًا، وَلِذَلِكَ فَإِنَّ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَعْطَى هَذِهِ الأُمَّةَ مِيْزَةً عَلَى غَيْرِهَا مِنَ الأُمَمِ بِوُجُودِ أَعْمَالٍ يَسِيْرَةٍ أُجُورُهَا كَبَيْرَةٌ، وَبِذَلِكَ نُدْرِكُ مَنْ سَبَقَنَا مِنَ الأُمَمِ؛ فَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ التِرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ غُرِسَتْ لَهُ بِهِ نَخْلةٌ فِي الجَّنَّةِ.

 

وَرَوَى البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ، فِي يَومٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتَ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ يَومَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ، وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ، إِلَّا أَحَدٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ“.

 

كَمَا وَرَدَتْ أَحَادِيْثُ كَثِيْرَةٌ فِيْ أَعْمَالٍ مَنْ عَمِلَهَا كَانَ ثَوَابُهُ أَنْ يُبْنَى لَهُ بَيْتٌ أَوْ قَصْرٌ فِي الجَنَّة.

 

وَالإِنْسَانُ يَتَمَنَّى فِي دَارِ الفَنَاءِ هَذِهِ مَسْكَنًا هَنِيْئًا يَتَمَلَّكُهُ هُوَ وَعَائِلَتُهُ، يُؤْيْهِ وَيُسْعِدُهُ وَيَحْمِيهِ مِنْ عَنَاءِ الإِيْجَار.

 

وَكُنَّا فِيْ خُطْبَةٍ سَابِقَةٍ تَحَدَّثْنَا عَنْ صِفَاتِ بُيُوتِ الجَنَّةِ وَقُصُورِهَا، وَاليَوْمَ -بِإِذْنِ اللهِ- نَتَنَاوَلُ بَعْضَ الأَعْمَالِ التِي جَاءَ الثَوَابُ لِمَنْ عَمِلَهَا بِبَيْتٍ فِي الجَنَّةِ، فَمِنْ هَذِهِ الأَعْمَالِ: الإِيْمَانُ بِاللهِ -تَعَالَى- وَعَمَلُ الصَّالِحَاتِ، يَقُولُ اللهُ -تَعَالَى-: (وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاء الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ)[سبأ: 37].

 

نَعَمْ، فِيْ غُرُفَاتِ يَسْكُنُونَ فِيْهَا مَعَ أَمْنٍ مِنْ جَمِيْعِ المَخَاوِفِ.

 

وَهَذِهِ الغُرَفُ لَيْسَتْ كَغُرَفِ الدُّنْيَا، اسمع إِلَى مَا وَرَدَ فِي شَأْنِهَا، رَوَى مُسْلِمٌ فِيْ صَحِيْحِهِ عَنْ أَبِيْ سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: إِنَّ أهْلَ الجَنَّةِ لَيَتَراءوْنَ أهْلَ الغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ، كَمَا تَتَراءَوْنَ الكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الغَابِرَ مِنَ الأُفُقِ مِنَ المَشْرِقِ أوِ المَغْرِبِ، لِتَفاضُلِ ما بيْنَهُمْ قالوا: يا رَسولَ اللهِ تِلكَ مَنازِلُ الأنْبِياءِ لا يَبْلُغُها غَيْرُهُمْ؟ قالَ: بَلَى، والذي نَفْسِي بيَدِهِ رِجالٌ آمَنُوا باللَّهِ وصَدَّقُوا المُرْسَلِينَ.

 

لَقَدْ ظَنَّ الصَّحَابَة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُم- أَنَّ هَذِهِ الغُرَفَ تَخُصُّ الأَنْبِيَاءَ فَقَطْ، فَأَجَابَهُم رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِأَنَّهَا كَذَلِكَ وَلِأَقْوَامٍ غَيرِ النَبِيِّيِنَ؛ هُمْ مِمَّنْ آَمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَصَدَّقُوا المُرْسَلِينَ، قَالَ ابنُ عِلَّانَ: “وَقَوْلُهُ وَصَدَّقُوا المُرْسَلِينَ أَيْ حَقَّ تَصْدِيقِهِمْ، وَإِلَّا لَكَانَ كُلُّ مَنْ آَمَنَ بِاللهِ وَصَدَّقَ رَسُولَهُ وَصَلَ إِلَى تِلكَ الدَّرَجَةِ وَلَيسَ كَذَلِكَ”.

 

وَمِنَ الأَعْمَالِ التِي يَنَالُ صَاحِبَهَا مَسَاكِنَ فِيْ الجَنَّة: الصَّبْرُ: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُم مِّنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ * الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)[العنكبوت: 58-59].

 

الصَّبْرُ عَنْ كُلِّ شَاقٍ، الصَبْرُ عَلَى طَاعَةِ اللهِ، وَالصَّبْرُ عَنْ مَحَارِمِ اللهِ، والصَّبْرُ عَلَى أَقْدَارِ اللهِ المُؤْلِمَةِ.

 

لَابُدَّ مِنَ البَلَاءِ لِلْإِنْسَانِ، سَأَلَ سَعْدُ بنُ أَبِي وَقَاصٍ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً؟ قَالَ: الأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ، فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسْبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صَلْبًا اِشْتَدَّ بَلَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ اِبْتُلِيَ عَلَى حَسْبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ البَلَاءُ بِالعَبْدِ حَتَّى يَترُكَهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ.

 

الغُرُفَاتُ فِيْ الجَنَّةِ جُزْءٌ مِنْ ثَوَابِ الصَّابِرِيْنَ، وَقَدْ تَتَابَعَتِ الآيَاتُ وَالأَحَادِيْثُ فِي بَيَانِ الثَوابِ لِمَنْ صَبَرَ، وَيَكْفِيكَ مِنْهَا قَولُ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ)[الزمر: 10].

 

وَمِنَ الأَعْمَالِ التِي يَنَالُ صَاحِبَهَا مَسَاكِنَ فِيْ الجَنَّة: سَدُّ الفُرَجِ فِي صُفُوفِ الصَّلَاةِ، فَإِذَا صَفَفْتَ اِسْتِعْدَادًا لِلْصَّلَاةِ وَوَجَدْتَ فُرْجَةً فِي الصَّفِّ الذِي أَمَامَكَ فَبَادِرْ إِلَى سَدِّهَا، عَمَلٌ يَسِيْرٌ وَأَجْرٌ كَبِيْرٌ، رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤمِنينَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- أَن رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: مَنْ سَدَّ فُرْجَةً بَنَى اللهُ لهُ بَيْتًا في الجنةِ، ورفعَهُ بِها درجةً.

 

الخُطْوَةُ التِي تَخْطُوهَا لِسَدِّ الصَفِّ الذي أَمَامَكَ هِيَ أَعْظَمُ الخُطُوَاتِ أَجْرًا عِنْدَ اللهِ، رَوَى الطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُ وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَمَا- أَن رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: ما من خُطْوَةٍ أَعْظَمُ أَجْرًا من خُطْوَةٍ مَشَاها رجلٌ إلى فُرْجَةٍ في الصَّفِّ فَسَدَّها.

 

قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-: “لَئِنْ تَقَعَ ثَنِيَّتَايَ أَحَبُّ إِلَيَّ مَنْ أَنْ أَرَى فُرْجَةً فِي الصَّفِّ أَمَامِيْ فَلَا أَصِلُهَا“.

 

بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ بِالقُرآن العَظِيمِ، وَنَفَعَنَا بِمَا فِيهِ مِنَ الآَيَاتِ وَالذِّكْرِ الحَكِيمِ، قَدْ قُلْتُ مَا سَمِعْتُمْ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

الخطبة الثانية:

 

الحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدَاً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِيْ إِلَى رِضْوَانِهِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آله وَإِخْوَانِهِ وَخِلَّانِهِ، وَمَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِ وَاقْتَفَى أَثَرَهُ وَاِسْتَنَّ بِسُنَّتِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

 

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُم مُسْلِمُونَ.

 

يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-: فَمَا زِلْنَا مَعَ تَعْدَاد بَعْضِ الأَعْمَالِ التِي يَنَالُ بِهَا صَاحِبُهَا مَنْزِلاً فِي الجَنَّة، وَمِنْ ذَلِكَ: المُحَافَظَةُ عَلَى السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ، رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ عَنْ أُمِّ حَبِيْبَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: مَنْ صَلَّى فِي يَومٍ وَلَيْلَةٍ ثِنْتَيْ عَشْرةَ رَكْعَةٍ بُنَي لَهُ بَيْتٌ فِي الجَنَّةِ: أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ المَغْرِبِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ العِشَاءِ، وَرَكَعَتَيْنِ قَبْلَ الفَجْرِصلاةِ الغَداةِ.

 

حَرِيٌّ وَجَدِيْرٌ بِمَنْ سَمِعَ هَذَا الثَوَابَ أَنْ يَحْرِصَ عَلَى أَنْ يَمْتَلِكَ كُلَّ يَوْمٍ بَيْتًا، سُئِلَ ابْنُ تَيْمِيَةَ -رَحِمَهُ اللَّهُ- عَمَّنْ لَا يُوَاظِبُ عَلَى السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ؟ فَأَجَابَ: مَنْ أَصَرَّ عَلَى تَرْكِهَا دَلَّ ذَلِكَ عَلَى قِلَّةِ دِينِهِ وَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمَا، لَمَّا رَوَتْ أُمُّ حَبِيْبَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- الحَدِيْثَ السَّابِقَ فِيْ فَضْلِ السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ، قَالَتْ: “فَمَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-، وَقَالَ عَنْبَسَةُ أَحَدُ رُواةِ الحَدِيْثِ: “فَمَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ أُمِّ حَبِيبَةَ“، وَقَالَ عَمْرُو بنُ أَوْسٍ: “مَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ عَنْبَسَةَ“، وَقَالَ النُّعْمَانُ بنُ سَالِمٍ: “مَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ عَمْرِو بنِ أَوْسٍ“، وَأَنْتَ مَاذَا سَتَقُولُ بَعْدَ سَمَاعِكَ لِهَذَا الحَدِيثِ؟

 

وَمِنَ الأَعْمَالِ التِي يَنَالُ صَاحِبَهَا مَسَكَنًا فِيْ الجَنَّة: صَلَاةِ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ مِنَ الضُّحَى وأَرْبَعًا قَبْلَ صَلَاةِ الظُهْرِ، يَفْصِلُ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ بِسَلَامٍ، أَخْرَجَ الطَبَرَانِيُّ فِي الَأوْسَطِ وَحَسَّنَهُ الأَلْبَانِيُّ عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: مَنْ صَلَّى الضُّحَى أَرْبَعًا، وَقَبْلَ الأَوْلَى أَرْبَعًا، بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي الجَنَّةِ.

 

اعْلَم أَنَّ صَلَاةَ الضُّحَى لَا يَنْحَصِرُ ثَوَابُهَا عَلَى بَيْتٍ فِي الجَنَّةِ فَحَسْبٍ؛ بَلْ إِنَّ مَنْ صَلَّاهَا فَكَأَنَّمَا تَصَدَقَ بِثَلَاثِمائَةٍ وَسِتِّينَ صَدَقَةٍ، رَوَى مُسْلِمٌ فِيْ صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ بالمَعروفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنِ المُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَيُجْزِئُ مِن ذلكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُما مِنَ الضُّحَى.

 

 

أَيُّهَا الإِخْوَةُ: وَبَعْدُ: فَمَا ذُكِرَ فِي خُطْبَةِ اليَوْمِ شَيءٌ قَلِيْلٌ مِنَ الأَعْمَالِ التِي يَنَالُ صَاحِبُهَا مَسْكَنًا فِي الجَنَةِ.

 

أَسْأَلُ اللهَ -تَعَالَى- أَنْ يَرْزُقَنَا أَجْمَعِينَ المَسَاكِنَ الطَّيِّبَةَ فِي الدُّنْيَا والآخِرَةِ.

 

اِعْمَلْ لِدَارِ البَقَا رِضْوَانُ خَازِنُهَا *** الجَارُ أَحْمَدُ وَالرَّحْمَنُ بَانِيهَا

أَرْضٌ لَهَا ذَهَبٌ وَالمِسْكُ طِينَتُهَا *** وَالزَّعْفَرَانُ حَشِيشٌ نَابِتٌ فِيهَا

أَنْهَارُهَا لَبَنٌ مَحْضٌ وَمِنْ عَسَلٍ *** وَالخَمْرُ يَجْرِي رَحِيقَاً فِي مَجَارِيهَا

وَالطَّيرُ تَجْرِي عَلَى الأَغْصَانِ عَاكِفَةً *** تُسَبِّحُ اللهَ جَهْرًا فِي مَغَانِيهَا

 

يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-: اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ -تَعَالَى- قَدْ أَمَرَنَا بِالصَّلَاةِ عَلَى نَبَيِهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-، وَجَعَلَ لِلصَّلَاةِ عَلَيهِ فِي هَذَا اليَوْمِ وَالإِكْثَارِ مِنْهَا مَزِيَّةً عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الأَيَّامِ، فَاللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آله وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

 

عِبَادَ اللهِ: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)[النحل: 90]، فَاْذْكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُم، (وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ)[العنكبوت: 45].

 

الملفات المرفقة
امتلك بيت العمر (2)
عدد التحميل 43
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات