طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

17255

فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا

المكان : المملكة العربية السعودية / القصيم - عنيزة / حي السليمانية / ابي موسى الأشعري /
التصنيف الرئيسي : أحوال القلوب الخلق والآفاق
تاريخ الخطبة : 1441/02/19
تاريخ النشر : 1441/02/23
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/الكون يسير وفق سنن إلهية ثابتة 2/التفكر والتأمل في آيات الله الكونية 3/زوال النعم وهلاك الأمم بالذنوب والمعاصي 4/استدامة النعم وزيادتها مرتهنة بشكره
اقتباس

أَيُّهَا المُسْلِمُونَ: جَمِيعُ النِّعَمِ مِنَ اللَّهِ -تَعَالَى- وَإِلَيْهِ فَهُوَ سُبْحَانُهُ مَانِحُهَا وَمَانِعُهَا، وَالنِّعَمُ وَالنِّقَمُ مِنْ أَمْرِهِ النَّافِذِ، فَوَجَبَ أَنْ تُطْلَبَ النِّعَمُ مِنْهُ ابْتِدَاءً وَاسْتِدَامَةً وَزِيَادَةً، وَأَنْ تُدْفَعَ النِّقَمُ وَتُرْفَعَ بِدُعَائِهِ وَسُؤَالِهِ وَطَاعَتِهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَمِنْ رَحْمَتِهِ سُبْحَانَهُ بِعِبَادِهِ: أَنْ بَيَّنَ…

الخطبة الأولى:

 

الحَمدُ للهِ صَنَعَ الكَونَ فَأَتْقَنَهُ، وَشَرَعَ الشَّرْعَ فَأحْكَمَهُ، أَشهدُ ألَّا إِلهَ إلَّا اللهُ وَحْدهُ لا شَريكَ لَهُ نَحمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَنَشْكُرُهُ، وَنُثْنِي عَليهِ وَلا نَكفُرُهُ، وأَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ أَتْقَى النَّاسِ لِرَبِّهِ وَأَسْرَعَهُم رُجُوعَاً إليهِ، اللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عليهِ وعلى آلهِ وَأَصحَابِه، وَمَنْ تبعَهُم بِإحسَانٍ وَإيمَانٍ إلى يَومِ الدِّينِ.

 

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقوا اللهَ -عِبادَ اللهِ- وَرَاقِبوه، وَاعلَمُوا أَنَّهُ مَنْ (يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ)[النور: 52].

 

أَيُّها المُسلِمونَ: هَذا الكَونُ العَظِيمُ وَمَا حَوَاهُ مِن عَظِيمِ صُنعِ اللهِ، يَسيرُ وِفْقَ سُنَنٍ رَبَّانيَّةٍ وَقَوَاعِدَ ثَابِتَةٍ، سُنَنٌ إلهِيَّةٌ فِي الأَنْفُسِ وَالآفَاقِ وَالمُجْتَمَعَاتِ والدُّوَلِ، سُنَنٌ كَونِيَّةٌ وَاجْتِمَاعِيَّةٌ وَحَضَارِيَّةٌ واقْتِصَادِيَّةٌ، وَسُنَنُ اسْتِخْلافٍ وَتَمْكِينٍ، فَتَأمَّلُوا قَولَ اللهِ فِي كِتَابِهِ العَزِيزِ: (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا)[فاطر: 43].

 

وَسُبْحَانَ اللهِ! أَعْظَمُ مَيْزَاتِ السُّنَنِ الإلهِيَّةِ أنَّهَا لا تُحَابِي أَحَدًا، ولا تُجامِلُ أَيَّ دَوْلَةٍ ولا شَعْبٍ! فَكُلُّ مَنْ حَقَّت عَلَيهِ سُنَّةُ اللهِ جَاءَها الجَزَاءُ إنْ خَيْرَاً فَخَيرٌ وَإنْ شَرَّاً فَشَرٌّ: (ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ)[الأنفال: 51]، وَالغَافِلُون عَن السُّنَنِ الإلهِيَّةِ، المُعَانِدُونَ لَهَا سَوفَ تَفْجَؤُهُم الأَحْدَاثُ، وتحِقُّ عليهم الْمَثُلاتُ، وَيَعُضُّونَ أَصَابِعَ النَّدَمِ، قَالَ تَعَالى: (فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ)[غافر: 85].

 

أُمَّةَ الإسْلامِ: لَقَد بيَّنَ اللهُ لَنا السُّنَنُ وَأَمَرَنا سُبْحَانَهُ أَنْ نتَفَكَّرَ فِي الآيَاتِ وَالنُّذُرِ، لِكَي نَصْحُوَ مِنْ الغَفْلَةِ، ولِتَقُومَ عُقُولٌ نَاضِجَةٌ تُدْرِكُ مَآلاتِ الأُمُورِ، فَتُبْعِدُ الأُمَّةَ عَنْ مَوَاطِنِ السُّقُوطِ والخَنَا والفُجُورِ، فَاللهُ أمَرَنَا وَحَذَّرَنا، فَقَالَ: (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ)[آل عمران: 137]، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)[النساء: 26].

 

عِبَادَ اللهِ: مِنْ سُنَنِ اللهِ -تَعَالى-: قَولَهُ: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً)[الإسراء: 16].

 

عُقُوبَاتٌ مُرَوِّعَةٌ لِمَعاصٍ ظَاهِرَةٍ وَبَاطِنَةٍ تَدْعُو كُلَّ مُؤمِنٍ لِوَقْفَةِ مُحَاسَبَةٍ: (أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ) [الأعراف: 99].

 

كَمْ أَرْضَاً كَانَتْ تَنعَمُ بِأَمْنٍ وَرَغَدِ عَيشٍ يَأَتِيها رِزقُهَا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ؟ فَمَا كَانَ مِنْهُمْ إلاَّ أنَّهُمْ اجَتَرَأوا عَلى مَحَارِم اللهِ فَانْتَهَكُوها وَأعْلَنُوهَا، فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ؟

 

ألا تَعْلَمُونَ -يَا رَعَاكُمُ اللهُ- أنَّ رَغَد العَيشِ قَدْ يَتَحَوَّلُ بِأَمْرِ اللهِ فِي طَرفَةِ عَينٍ؟!

 

اسْألوا الآبَاءَ والأجْدَادَ عَنْ حالِ أهْلِنا في نَجْدٍ هُنا قَبْلَ مِائَةِ سَنَةٍ.

 

لَقَدْ نَفَاهُمُ الجُوعُ إلى الهِنْدِ والعِرَاقِ لِيَعْمَلُوا هُناكَ؟ فَكيفَ أصْبَحَتْ تِلْكَ البِلادُ وَكَيفَ أَصْبَحْنَا الآنَ؟

 

إي -واللهِ- إنَّها سُنَّةُ اللهِ -تَعَالى- في كُلِّ مَنْ عَصَاهُ وَعَطَّلَ شَرِيعَتَهُ وَحَرَّفَهَا، قَالَ تَعَالى: (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ)[البقرة: 85].

 

ألا تَعْلَمُونَ أنَّ إشَاعَةَ الْفَاحِشَةِ فِي الَّذِينَ آمَنُوا، وَالتَّطَاوُلَ على دِينِ اللهِ، وَإلحَادًا يُجَاهَرُ بِهِ مِنْ أسْبِابِ العُقُوباتِ والهَلاكَاتِ، يَقُولُ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ مِنْهُ.

 

فُشُوُّ الرِّبَا وانتِشَارُهِ وَتَرْكُ الأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهيُ عَن المُنْكَرِ وَإِضْعَافُهُ، سَبَبٌ لِلعُقُوبَاتِ وَتَطَاوُلِ أَهْلِ الرَّذِيلَةِ وَالفَسَادِ، صَدَقْتَ يَا رَسُولَنا حِينَ قُلْتَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْهُ، ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلَا يَسْتَجِيبُ لَكُمْ.

 

إنَّها دَعْوَةٌ لِلعُقَلاءِ والحُكَماءِ لِلرُّجُوعِ للكِتَابِ المُبِينِ، والتَّمَسُّكِ بِهَدْيِ سَيِّدِ المُرْسَلِينَ، وَلْنَتَدَبَّرْ قَولَ اللهِ -تَعالى-: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ)[الأعراف: 96].

 

فَيَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ وَيَتُوبُونَ وَيَسْتَغْفِرُونَ.

 

فَالَّلهم لا تُؤاخِذْنَا بِذُنُوبِنَا وَلا بِمَا فَعَلَهُ السُّفَهَاءُ مِنَّا، ولا تُسلِّطْ عَلَينَا بِذُنُوبِنَا مَنْ لا يَخَافُكَ وَلا يَرْحَمُنا، عُمَّنَا بِالخَيرِ وَالأَمْنِ والأمَانِ، واكْفِنَا شَرَّ الفِتَنِ، وَأسبَابَ العُقُوبَاتِ، وأستَغْفِرُ اللهَ لي وَلَكُم وِللمسلِمينَ مِن كُلِّ ذَنْبٍّ فَاسْتَغْفِرُوهُ إنَّهُ هُو الغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا طَيِّبًا كَثِيرًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، أَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهْ.

 

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللهِ وَأَطِيعُوهُ، وَاشْكُرُوا نِعَمَهُ ولا تَعْصُوهُ، فَهُوَ القَائِلُ: (وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ)[النمل: 40].

 

أَيُّهَا المُسْلِمُونَ: جَمِيعُ النِّعَمِ مِنَ اللَّهِ -تَعَالَى- وَإِلَيْهِ فَهُوَ سُبْحَانُهُ مَانِحُهَا وَمَانِعُهَا، وَالنِّعَمُ وَالنِّقَمُ مِنْ أَمْرِهِ النَّافِذِ، فَوَجَبَ أَنْ تُطْلَبَ النِّعَمُ مِنْهُ ابْتِدَاءً وَاسْتِدَامَةً وَزِيَادَةً، وَأَنْ تُدْفَعَ النِّقَمُ وَتُرْفَعَ بِدُعَائِهِ وَسُؤَالِهِ وَطَاعَتِهِ عَزَّ وَجَلَّ.

 

عِبَادَ اللهِ: وَمِنْ رَحْمَتِهِ سُبْحَانَهُ بِعِبَادِهِ: أَنْ بَيَّنَ لَنا سُنَّتَهُ فِي النِّعَمِ وَالنِّقَمِ، فَقَدْ أوضَحَهَا فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ)[إِبْرَاهِيمَ: 7] هَذِهِ سُّنَّةٌ رَبَّانِيَّةٌ عَظِيمَةٌ، فَاسْتِدَامَةُ النِّعَمِ وَزِيَادَتُهَا مُرْتَهَنَةٌ بِشُكْرِهَا؛ كَمَا أَنَّ كُفْرَهَا يُؤَدِّي إِلَى زَوَالِ النِّعْمَةِ، وَنُزُولِ النِّقْمَ. وَمَعْنَى الْآيَةِ: إِنْ شَكَرْتُمْ أُجِرْتُمْ لَا مَحَالَةَ، وَزَادَكُمُ اللَّهُ -تَعَالَى- نِعْمَةً، وَإِنْ كَفَرْتُمْ مُنِعْتُمْ وَعُوقِبْتُمْ، وَعِقَابُ اللَّهِ شَدِيدٌ. فَمَنْ هَدَاهُ اللَّهُ إِلَى طَاعَةٍ، وَفَتَحَ لَهُ بَابًا مِنَ الْخَيْرِ، فَلَزِمَهُ وَلَمْ يُفَارِقْه، أَدَامَهُ اللَّهُ -تَعَالَى- عَلَيْهِ، وَبَارَكَ لَهُ فِيهِ، وَزَادَهُ مِنْهُ فَوَجَدَ فِيهِ لَذَّتَهُ وَاُنْسَهُ؛ فَمَثَلاً مَنْ فَتَحَ اللهُ لَهُ بَابَ الذِّكْرِ فَلْيُدَاوِمْ عَليهِ، وَمَنَ فَتَحَ عليهِ بالصَّدَقَةِ فَلْيُكْثِرْ مِنْهَا، فللجَنَّةِ بِحَمْدِ اللهِ ثَمَانِيَةُ أبْوَابٍ فَلْتَدْخُلْ مِنْ أيِّها شِئْتَ، عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ يَقُولُ فِي صَلَاتِهِ: اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكُ الثَّبَاتَ فِي الْأَمْرِ، وَالْعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ، وَأَسْأَلُكَ شَكَرَ نِعْمَتِكَ.

 

عِبَادَ اللهِ: وَمَنْ كَفَرَ نِعْمَةَ مَا هُدِيَ إِلَيْهِ مِنَ الطَّاعَةِ، عُوقِبَ عَلَى كُفْرِهِ، بِضِيقِ صَدْرِهِ، وَقَسْوَةِ قَلْبِهِ، حَقَّاً: (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ)[الصف: 5].

 

فَمَنْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْأَمْنِ والاسْتِقْرَارِ وَالْعَافِيَةِ، فَشَكَرَ اللَّهَ عليها وَلَمْ يَكْفُرْهَا، أَدَامَ اللَّهُ عليهِ نِعْمَتَهُ وَثَبَّتَهَا، وَزَادَهُ مِنْهَا وَبَارَكَهَا.

 

وَأَمَّا مَنْ بَطِرَها وَاسْتَعْلَى بِهَا فَسُنَّةُ اللَّهِ جَارِيَةٌ عَلَيْهِ لَا مَحَالَةَ، بِسْلَبِ نِعْمَتِهِ، وَرفْعِ عَافِيَتِهِ، وَإحْلال نِقْمَتِهِ.

 

نَعُوذُ باللهِ مِنْ الحَوْرِ بَعْدَ الكَورِ.

 

وهَذِهِ السُّنَّةُ الرَّبَّانِيَّةُ تَجْرِي عَلَى الْأَفْرَادِ والْأُمَمِ والدُّولِ؛ فَالْأُمَّةُ الشَّاكِرَةُ تَزْدَادُ نِعَمُهَا، وَيُبَارَكُ فِيهَا، وَالْأُمَّةُ الَّتِي تُقَابِلُ نِعَمَ اللَّهِ بِالمُجَاهَرَةِ بِالْمَعَاصِي وَالْفُجُورِ أُمَّةٌ حَرِيَّةٌ بِسَلْبِ النِّعَمِ، وَحُلُولِ النِّقَمِ، وَاشْتِعَالِ الْفِتَنِ وَتَوَالِي الْمِحَنِ: (وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا)[الْكَهْفِ: 59].

 

أيُّها المُؤمِنُونَ: المُسلِمُ الوَاعِي يَنْظُرُ بِعَينٍ مُبْصِرَةٍ وَقَلْبٍ حَيِّ، فَيَعْظُمُ إيمَانُهُ بِربِّه؛ وَيُوقِنُ أنَّ الأُمورَ كُلُّهَا بِأسبِابِها وَمُسَبَّبَاتِها وَنَتَائِجِها بِيَدِ اللهِ وَحْدَهُ، فَهُوَ المُعِزُّ المُذِلُّ، الرَّافِعُ الخَافِضُ، البَاسِطُ القَابِضُ، المُعطِي المَانِعُ، مُقدِّرُ الأَقْدَارِ، وَمُصرِّفُ الأَكْوَانِ.

 

المُسلِمُ الوَاعِي يَعْلَمُ مِنْ خِلالِ السُّنَنِ الرَّبَّانيَّةِ أنَّ الحَيَاةَ لَيستْ عبَثًا وَلا هَمَلًا، فَمَنْ يَعمَلْ خَيرًا يُجزَ بِهِ، وَمَنْ يَعمَلْ سُوءًا يُجزَ به، وَاللهُ لا يُضيعُ أَجْرَ مَنْ أحْسَنَ عَمَلا.

 

ثُمَّ صَلُّوا وَسَلِّموا على سَيِّدِ البَشَرِيَّةِ وَهَادِيهَا، نَبيِّنَا وَحَبِيبِنَا مُحمَّدٍ، فَإنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا، فَاللهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِك عَلى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وعلى آلَهِ وَأَزْواجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، وَصَحَابَتِهِ أجْمَعِينَ، وَالتَّابِعِينَ لَهُم بِإحسَانٍ إلى يَومِ الدِّينِ.

 

اللهم أعِزَّ الإسلامَ والمسلمين، وأذِلَّ الشركَ والمُشركين، اللهم انصُر دينَك وكتابَك وسُنَّة نبيِّك وعبادَك الصالِحين.

 

اللهم انْصُرْ جُنُودَنا واحفَظْ وَأمِّنْ حُدُودَنا، وانصُر إخواننا المستضعفين في كل مكان، اللهم وفِّقْ وُلاةَ أُمُورِ المُسلِمينَ عامَّةً، وَوَلِيَّ أَمْرِنَا خَاصَّةً لِمَا تُحبُّه وَتَرْضَاهُ، وفِّقهم لِمَا فِيهِ صَلاحُ البِلادِ وَالعِبَادِ، وَاجْعَلْهُم مِفْاتِيحَ للخيرِ مَغَالِيقَ لِلشَّرِّ.

 

اللهم إنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ، وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ، وَجَمِيعِ سَخَطِكَ.

 

اللهمَّ اهْدِ ضَالَّ الْمُسْلِمِينَ، واَكْبِتْ أَعْدَاءَ الدِّينِ وَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ خَاسِرِينَ.

 

(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)[البقرة: 201]، (وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ)[العنكبوت: 45].

 

الملفات المرفقة
فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا
عدد التحميل 67
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات