طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

17210

خير الناس أنفعهم للناس

المكان : المملكة العربية السعودية / المدينة المنورة / حي المسجد النبوي / المسجد النبوي الشريف /
التصنيف الرئيسي : الأخلاق المحمودة
تاريخ الخطبة : 1441/02/12
تاريخ النشر : 1441/02/12
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/بعض صفات الكريم المعطاء 2/مقياس الخيرية النفع للناس 3/دوام النعم بأداء حقها والإنفاق منها 4/للشفاعة الحسنة ثواب كبير 5/بعض آداب الشفاعة وأحكامها
اقتباس

وأخذُ الهديةِ على الشفاعة يُضِيع أجرَها، ويُذهِب فضلَها، فلا تتعجَّلْ أجرَ شفاعتِكَ، وادَّخِرْها ذُخرًا لكَ في آخرتِكَ…

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله الذي وفَّق أهلَ الإحسان فارتَقَوْا عُلُوًّا وسُمُوًّا، وبذلوا النفعَ والمعروفَ تعبُّدا ورحمة وحُنُوًّا، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة نرجو بها هدى ورضا وقربا ودُنُوًّا، وأمنا ورفعة وسكينة وهدُوًّا، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدا عبده ورسوله، نحبه ونتبعه ولا نُحدث بدعا ولا نغلو غلوا، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، الذين سبقوا الناس إيمانا وجهادا وجودا وسخوا.

 

أما بعد: فيا أيها المسلمون: اتقوا الله؛ فمن اتقاه تفجَّرت له من الفقه الينابيع، وانبجست له عيون المعاني والبيان والبديع، (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)[الْبَقَرَةِ: 282].

 

أيها المسلمون: نفع البرايا من خير السجايا.

 

خير أيام الفتى يوم نفع *** واصطناع الخير أبقى ما صنع

 

والنفَّاع الْمِعْوَان مَنْ نفَع الناسَ بماله وجاهه وعلمه وخلقه وإحسانه، الخصب في نداه، والخير في عطاه، والنفع في مسعاه، قِدْرُه رِحَاب، وكفُّه سحاب، يواظب على بث الصلات والهبات والصدقات، ويجبر الكسير، ويتفضَّل على المستوفِد، ويُنقذ المستغيثَ المستنجِدَ، ويعلِّم الجاهل المسترشِد، ويرحم اليتيم، ويمسح دمعة الحزين، ويُخَالِق الناسَ بالحُبِّ والإحسانِ واللِّين، يزدحم الناس على بابه، والمورد العذب كثير الزحام، يسقط الطير حيث ينتثر الحَبُّ وتُغشى منازل الكرماء.

 

قال نبي الله عيسى -عليه الصلاة والسلام-: (وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ)[مَرْيَمَ: 31]، قال المفسِّرون: “وجعلني نفَّاعا حيث توجَّهتُ، قاضيا للحوائج، معلِّما للخير، آمِرًا بالمعروف ناهِيًا عن المنكر، مبارَكًا بأنواع البركات“.

 

وأنفع الخلق للخلق نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-، (عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)[التَّوْبَةِ: 128]، ما إن رأيتُ ولا سمعتُ بواحد في الناس كلهم كمثل محمد، -صلى الله عليه وسلم-، ومن انتصب لنفع العباد عاش صدرًا معظَّما، ووجها مبجَّلا.

 

عَذُبَتْ مَمَادِحُهُ بِأَفْوَاهِ الْوَرَى *** فَثَنَاؤُهُ يَنْتَابُ كُلَّ مَكَانِ

 

يعلو قدره ويحلو ذكره، لو كنت تعطي حين تسأل سامحت لك النفس واحلولاك كل خليل، وقد قيل: “سِمَنُ الكِيسِ، وَنُبْل الذِّكْر لا يجتمعانِ“، وقيل: “منعُ الجود سوءُ ظنٍّ بالمعبود“.

 

وَمَا ضَاعَ مالٌ أَوْرَثَ الْحَمْدَ أَهْلُهُ *** وَلَكِنَّ أَمْوَالَ الْبَخِيلِ تَضِيعُ

 

ومِنَ الناس مَنْ لا درَّ لضرعه، ولا مطمع في نفعه

 

والمرء ما لم تُفِدْ يومًا إقامتُه *** غيمٌ حَمَى الشمسَ لم يُمطر ولم يَسِلِ

وبعض الرجال نخلة لا جنى لها *** ولا ظلَّ إلَّا أن تُعَدَّ من النخل

 

فكن للخلق نفَّاعًا وللمحتاج مطواعا، ومُدَّ في الخير باعا وباعا، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “ألَا أخبركم بخيركم من شركم؟ فقال رجل: بلى يا رسول الله، قال: خيركم مَنْ يُرجى خيرُه ويؤمَن شرُّه، وشرُّكم مَنْ لا يُرجى خيرُه ولا يُؤمَن شرُّه“(أخرجه ابن حبان)، وعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: “أحبُّ الناس إلى الله أنفَعُهم للناس، وأحبُّ الأعمال إلى الله سرور تُدخِله على مسلم؛ أو تكشف عنه كربةً، أو تقضي عنه دَيْنًا، أو تطرُد عنه جوعًا، ولأن أمشي مع أخ لي في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد شهرًا” يعني مسجد المدينة.(أخرجه الطبراني في الأوسط).

 

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “مَنْ نَفَّسَ عن مؤمن كربةً من كُرَب الدنيا نفَّس اللهُ عنه كربةً مِنْ كُرَبِ يومِ القيامةِ، ومَنْ يَسَّر على مُعْسِر يسَّر اللهُ عليه في الدنيا والآخرة، ومَنْ ستَر مسلمًا سترَه اللهُ في الدنيا والآخرة، واللهُ في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه“(أخرجه مسلم)، قال النووي -رحمه الله-: “وفيه فضل قضاء حوائج المسلمين ونفعهم، بما تيسَّر من علم أو مال أو معاونة أو إشارة بمصلحة أو نصيحة وغير ذلك“.

 

فابذل المعروف وأجب الملهوف ولا تحقرنَّ صلة تهديها، ولا تستصغرن خدمة تسديها، فمثاقيل ذر الشر يجدها العامل محصَّلة مفصَّلة، ومثاقيل ذر الخير يجدها العامل موفورة مدَّخرة، عن أبي جري الهجيني -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “لا تحقرن شيئًا من المعروف أن تأتيه، ولو أن تهب صلة الحَبْل، ولو أن تُفرغ من دلوك في إناء المستسقِي، ولو أن تلقى أخاك المسلم ووجهك بَسْطٌ إليه، ولو أن تُؤنِس الوحشانَ بنفسك، ولو أن تهب الشسع“(أخرجه النسائي).

 

وعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- قال: “لَدَغَتْ رجلًا منا عقربٌ ونحن جلوس مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال رجل: “يا رسول الله، أَرْقِيهِ، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل“(أخرجه مسلم).

 

فلا تمنعن رفدك، ولا تمسكن فضلك، ولا تحبسن خيرك، ولا تبخلن ولا تضجرن، ولا تتبرَّمن من سائل أحوجته العيلةُ إلى السؤال، فأعطه قليلا، أو رُدَّه ردًّا جميلًا، ولا تجمع عليه مضاضة العيلة، وذل السؤال والغلظة والجفوة، وعِدَةُ الكريمِ نقدٌ وتعجيلٌ، وعِدَةُ البخيلِ مطلٌ وتعليلٌ، والعذر الجميل خير من المطل الطويل، فإن أردتَ الإنعام فأنجح، وإن تعذرت الحاجةُ فأفصح، عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “إن لله عند أقوام نِعَمًا، أقرَّها عندهم؛ -أي: أَثْبَتَها- ما كانوا في حوائج المسلمين ما لم يملُّوهم، فإذا مَلُّوهم نقَلَها الله إلى غيرهم“(أخرجه الطبراني في الكبير).

 

أَحْسِنْ إذا كان إمكانٌ ومقدرةٌ *** فلن يدوم على الإنسان إمكانُ

 

أقول ما تسمعون وأستغفر الله فاستغفروه، إنه كان للأوابين غفورا.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله آوى مَنْ إلى لطفه أوى، وأشهد ألَّا إله إلا الله وحده لا شريك له، داوى بإنعامه مَنْ يئس مِنْ أسقامه الدوا، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه صلاة تبقى وسلاما يترى.

 

أما بعد فيا أيها المسلمون: فاتقوا الله وراقِبوه وأطيعوه ولا تعصوه، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ)[التَّوْبَةِ: 119].

 

أيها المسلمون: وتُندَب الشفاعة بالخير؛ لأنها نفع يعود به المفضِلُ على المشفوع له، ومن شفع شفاعة حسنة يرجو بها نفع الخلق وقضاء حوائج الناس فقد أجزل النوالَ ونال محمدةَ الرجال، عن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- قال: “كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا أتاه طالب حاجة أقبل على جلسائه فقال: اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ما أحب“(متفق عليه).

 

سَاعِدْ بِجَاهِكَ مَنْ يغشاكَ مفتَقِرًا *** فالجُودُ بالجاه فوق الجود بالمال

 

قال الإمام الشافعي -رحمه الله-: “الشفاعات زكاة المروءات”.

 

فُرِضَتْ عَلَيَّ زكاةُ ما ملَكَتْ يَدِي *** وزكاة جاهي أن أُعِينَ وَأَشْفَعَا

فإذا ملكتَ فَجُدْ فإن لم تستَطِعْ *** فَاجْهَدْ بِوُسْعِكَ كُلِّه أن تَنْفَعَا

 

وكل من شفع في مَبْلَغ بِرٍّ، أو تيسير عسر، أو جلب خير، أو دفع شر، أو صلح بين متخاصمين، أو في بلوغ حق للمشفوع له، كان له نصيب من خير تلك الشفاعة وثوابها، ومن شفع في إبطال حق أو إحقاق باطل أو إقرار ظلم، أو تقديم غير المستحق على المستحق، أو إنالة غير المؤهَّل وإقصاء المؤهَّل، أو توظيف المشفوع له على حساب حرمان آخَر هو أَوْلَى ممَّن شفع له فعليه وزر من تلك الشفاعة السيئة الظالمة، قال الله جل وعزَّ: (مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا)[النِّسَاءِ: 85].

 

وأخذُ الهديةِ على الشفاعة يُضِيع أجرَها، ويُذهِب فضلَها، فلا تتعجل أجر شفاعتك، وادخرها ذخرا لكَ في آخرتِكَ، قال عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: “مَنْ شَفَعَ شفاعةً ليرد بها حقًّا أو يرفع بها ظلما فأُهدي له فَقَبِلَ فهو سُحْتٌ“، وعن أبي أمامة الباهلي -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “مَنْ شفَع لأخيه شفاعةً فأهدى له هديةً عليها فقد أتى بابًا عظيمًا من أبواب الربا“(أخرجه أحمد، وأبو داود، وحسَّنَه بعضُ أهل العلم).

 

وصلُّوا وسلِّموا على أحمد الهادي شفيع الورى طُرًّا، فمن صلى عليه صلاة واحدة صلى الله عليه بها عشرا.

 

لِلْخَلْقِ أُرسِلَ رحمةً ورحيمًا *** صَلُّوا عليه وسَلِّموا تسلِيمًا

 

اللهم صلِّ وسلم على نبينا محمد، وارضِ اللهم عن خلفائه الأربعة، أصحاب السنة المتَّبَعة؛ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الآل والأصحاب، وعنا معهم يا كريم يا وهاب، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودَمِّر أعداء الدين، واجعل بلاد المسلمين آمِنةً مطمئنة مستقرة يا رب العالمين.

 

اللهم وفِّق إمامَنا ووليَّ أمرنا خادمَ الحرمين الشريفين لما تحبه وترضاه، وخذ بناصيته للبر والتقوى، اللهم وفِّقْه ووليَّ عهده لِمَا فيه عز الإسلام وصلاح المسلمين يا رب العالمين.

 

اللهم انصر جنودنا واحفظ حدودنا، واحفظ رجال أمننا، اللهم اشف مرضانا وعاف مبتلانا وداوِ جرحانا، وارحم موتانا وانصرنا على من عادانا، يا رب العالمين.

 

اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم غيثا مغيثا، هنيئا مريئا، عامًّا نافِعًا، اللهم أنبت لنا الزرعَ، وأَدِرَّ لنا الزرع، اللهم اسقنا من بركتك، اللهم اسقنا الغيث، ولا تجعلنا من القانطين، برحمتك يا أرحم الراحمين.

 

اللهم اجعل دعاءنا مسموعا، ونداءنا مرفوعا، يا كريم يا حليم يا عظيم يا رحيم.

 

الملفات المرفقة
خير الناس أنفعهم للناس
عدد التحميل 130
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات