طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

17199

الصبر عند البلاء

المكان : المملكة العربية السعودية / الرياض / بدون / الداخلة /
تاريخ الخطبة : 1441/02/05
تاريخ النشر : 1441/02/10
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/أهمية الصبر ومكانة الصابرين 2/تنوع الابتلاءات وتعددها 3/أنواع الصبر 4/صور من جزاء الصابرين 5/النهي عن الجزع والتشكي.
اقتباس

أيها المبتلى: اعلم أنَّ في الناس من هو أشد بلاء منك، ومع ذلك فهو صابر محتسب، فلا تظنن أنك أنت المبتلى وحدك، فلا أحد من الناس يسلم من البلاء، ولكن الصابر الشاكر لا يتسخط ولا يتشكى مما هو فيه، بل يصبر صبراً جميلاً، فيراه الناس كأن ليس به بأس.

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله الذي يوفي الصابرين أجرهم بغير حساب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ نبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً.

 

أما بعد: فاتقوا الله المسلمون، واعملوا صالحاً، تؤجرون عليه، وكونوا من الشاكرين عند النعماء، ومن الصابرين عند البلاء.

 

عباد الله: قال الإمام ابن القيم -رحمه الله-: “الصبر: حَبْسُ النَّفْسِ عَنِ الْجَزَعِ وَالتَّسَخُّطِ، وَحَبْسُ اللِّسَانِ عَنِ الشَّكْوَى، وَحَبْسُ الْجَوَارِحِ عَنِ التَّشْوِيشِ“.

الصَّبْرُ مِثْلُ اسْمِهِ، مُرٌّ مَذَاقَتُهُ *** لَكِنَّ عَوَاقِبَهُ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ

 

عباد الله: إنَّ مقام الصبر عظيم، وأجره جزيل، ولقد خلق الله عباده ليبلوهم، قال -تعالى-: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ)[الملك:2]؛ قال الإمام الطبري -رحمه الله-: “ليختبركم فينظر أيكم له أيها الناس أطوع، وإلى طلب رضاه أسرع“(تفسير الطبري:23/ 505).

 

وإنَّ من الاختبار أن يبتلي الله عبده بالمصائب فيتميز الصابر من غيره، ولقد ابتلي الأنبياء والرسل وهم أعظم الناس بلاء، ثم الأمثل فالأمثل، عن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاءً؟ قَالَ: “الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الصَّالِحُونَ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ، فَالْأَمْثَلُ مِنَ النَّاسِ، يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صَلابَةٌ زِيدَ فِي بَلائِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ خُفِّفَ عَنْهُ، وَمَا يَزَالُ الْبَلاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَمْشِيَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ لَيْسَ عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ“(أخرجه الإمام أحمد والترمذي وصححه الألباني).

 

ومِن الناس -يا عباد الله- مَن يُبتلَى بالأمراض في نفسه أو في ولده، ومنهم مَن يبتلى بالفقر، ومنهم مَن يُبتلى بوقوع الظلم عليه، ومنهم مَن يُبتلى بمصائب وفجائع، فمن صبر وصابر فإنَّ له من الأجور العظيمة ما لا يعلمه إلا الله، والمخالط للناس قد يأتيه أذى من أحدهم، فعليه بالصبر، قال الْحَسَنُ -رحمه الله-: “ابْنَ آدَمَ لَا تُؤْذِ وَإِنْ أُوذِيتَ فَاصْبِرْ“.

 

والصبر -يا عباد الله- أنواع؛ صبر على طاعة الله بفعل الفرائض والنوافل والأركان والواجبات، وصبر عن معصية الله، فإذا دعته نفسه إلى معصية أو تشوَّق إلى فعلها، فإنَّه يمنع نفسه ولا يقترفها، ويصبر على ترك المعاصي، طاعة لله وابتغاء مرضاته، والنوع الثالث من أنواع الصبر: صبر على أقدار الله المؤلمة، فلا يجزع منها ولا يتسخط ولا يتشكَّى، بل يصبر ويدعو الله ويتضرع إليه، يسأل الله السلامة والفرج، وإنَّ بعضاً من الناس كثير التشكي من المصائب والمشاكل، لا يجلس مجلساً إلا ذكرها، لا ينظر إلى نعم الله عليه وما أكثرها، فلا يحمد الله عليها ولا يشكره، قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ الله مَعَ الصَّابِرِينَ)[البقرة:153]؛ قال الإمام السعدي -رحمه الله-: “الصبر محتاج إليه العبد، بل مضطر إليه في كل حالةٍ من أحواله، فلهذا أمر الله -تعالى- به، وأخبر أنَّه (مَعَ الصَّابِرِينَ) وهذه معية خاصة، تقتضي محبته ومعونته ونصره وقربه.. ولو لم يكن للصابرين فضيلة إلا أنَّهم فازوا بهذه المعية من الله، لكفى بها فضلاً وشرفاً” (ينظر تفسير السعدي ص: 75).

 

أيها المؤمنون: يقول الله -تعالى-: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ)[البقرة:155-157]، وقال -تعالى-: (لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ)[آل عمران:186].

 

ومن تسخَّط من البلاء -يا عباد الله- فله السخط، فاحذر يا مَن ابتُليت أن تتسخط، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “إِنَّ عِظَمَ الجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ البَلَاءِ، وَإِنَّ الله إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ“(أخرجه الترمذي وحسنه الألباني).

 

ومن يتصبَّر -يا عباد الله- فإنَّ الله يصبِّره، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ الله، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ“(أخرجه الشيخان).

 

ألا ترون -يا عباد الله- أئمة الإسلام كيف نالوا شرف الإمامة في الدين، إنَّما نالوها بالصبر واليقين، قال الله -تعالى- عنهم: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ)[السجدة:24].

 

وصف بعضهم أحمد بن حنبل فقال: “رحمه الله، عن الدنيا ما كان أصبره، وبالماضين ما كان أشبهه، أتته البدع فنفاها والدنيا فأباها“، وقال الإمام ابن تيمية -رحمه الله-: “بالصبر تُترك الشهوات، وباليقين تُدفع الشبهات“، وقال -رحمه الله-: “ذَكَرَ الله الصَّبْرَ فِي كِتَابِهِ فِي أَكْثَرَ مِنْ تِسْعِينَ مَوْضِعًا وَقَرَنَهُ بِالصَّلَاةِ.. وَجَعَلَ الْإِمَامَةَ فِي الدِّينِ مَوْرُوثَةً عَنْ الصَّبْرِ وَالْيَقِينِ“(ينظر مجموع الفتاوى:10/ 39).

 

وقال علي -رضي الله عنه-: “اعْلَمُوا أَنَّ مَنْزِلَةَ الصَّبْرِ مِنَ الْإِيمَانِ كَمَنْزِلَةِ الرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ، فَإِذَا ذَهَبَ الرَّأْسُ ذَهَبَ الْجَسَدُ، وَإِذَا ذَهَبَ الصَّبْرُ ذَهَبَ الْإِيمَانُ“.

 

ومن عظيم جزاء من صبر على الطاعون إذا وقع في بلده أن ينال مثل أجر الشهيد، عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ الله عَنْهَا، قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- عَنِ الطَّاعُونِ، فَأَخْبَرَنِي “أَنَّهُ عَذَابٌ يَبْعَثُهُ الله عَلَى مَنْ يَشَاءُ، وَأَنَّ الله جَعَلَهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، لَيْسَ مِنْ أَحَدٍ يَقَعُ الطَّاعُونُ، فَيَمْكُثُ فِي بَلَدِهِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا، يَعْلَمُ أَنَّهُ لاَ يُصِيبُهُ إِلَّا مَا كَتَبَ الله لَهُ، إِلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ شَهِيدٍ“(أخرجه البخاري).

 

ومن عظيم جزاء الصبر على المرض -يا عباد الله- ما رواه عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ -رحمه الله- قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما-: “أَلاَ أُرِيكَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: هَذِهِ المَرْأَةُ السَّوْدَاءُ، أَتَتِ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَتْ: إِنِّي أُصْرَعُ، وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ الله لِي، قَالَ: “إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الجَنَّةُ، وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ الله أَنْ يُعَافِيَكِ” فَقَالَتْ: أَصْبِرُ، فَقَالَتْ: إِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ الله لِي أَنْ لاَ أَتَكَشَّفَ، فَدَعَا لَهَا“(أخرجه الشيخان).

 

وكذلك مَن صبر على عمى عينيه، فإنَّ الله يعوِّضه منهما بالجنة، قال النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم-: “إِنَّ الله قَالَ: إِذَا ابْتَلَيْتُ عَبْدِي بِحَبِيبَتَيْهِ فَصَبَرَ، عَوَّضْتُهُ مِنْهُمَا الجَنَّةَ“؛ يُرِيدُ: عَيْنَيْهِ(أخرجه البخاري).

 

وكذلك من صبر على موت صفيِّه واحتسب الأجر فإنَّ جزاءه الجنة، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “يَقُولُ الله -تعالى-: مَا لِعَبْدِي المُؤْمِنِ عِنْدِي جَزَاءٌ، إِذَا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا ثُمَّ احْتَسَبَهُ، إِلَّا الجَنَّةُ“(أخرجه البخاري)، والصفيّ هو المصافي له من أخ وصديق أو ولد أو والد وكل محبّ مصافٍ له. وقال الله -عَزَّ وَجَلَّ-: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ)[الزمر:10]، قَالَ عُمَرُ: “وَجَدْنَا خَيْرَ عَيْشِنَا بِالصَّبْرِ”.

 

أيها المبتلى: اصبر وصابر، اصبر ولا تتشكى للناس، وأمِّل وتفاءل بالخير، واعلم أنَّ الصبر يعقبه ظفر، وارض بأقدار الله، واحتسب الأجر من الله.

إذا بليت فثق بالله وارض به *** إنَّ الذي يكشف البلوى هو الله

 

أيها المبتلى: اعلم أنَّ في الناس من هو أشد بلاء منك، ومع ذلك فهو صابر محتسب، فلا تظنن أنك أنت المبتلى وحدك، فلا أحد من الناس يسلم من البلاء، ولكن الصابر الشاكر لا يتسخط ولا يتشكى مما هو فيه، بل يصبر صبراً جميلاً، فيراه الناس كأن ليس به بأس.

 

ومن عظيم الصبر والرضا بأقدار الله المؤلمة: ما رواه خَلَفُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا مُبْتَلًى مِنْ هَؤُلَاءِ الزَّمْنَى يَقُولُ: “وَعِزَّتِكَ لَوْ أَمَرْتَ الْهَوَامَّ فَقَسَمَتْنِي مَضْغًا مَا ازْدَدْتُ لَكَ بِتَوْفِيقِكَ إِلَّا صَبْرًا وَعَنْكَ بِمَنِّكَ وَحَمْدِكَ إِلَّا رِضًا”، قَالَ خَلَفٌ: وَكَانَ الْجُذَامُ قَدْ قَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ وَعَامَّةَ بَدَنِهِ.

 

عبدالله: إياك والجزع من المصائب، قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: “كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ بِهِ جُرْحٌ، فَجَزِعَ، فَأَخَذَ سِكِّينًا فَحَزَّ بِهَا يَدَهُ، فَمَا رَقَأَ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ، قَالَ الله -تعالى-: بَادَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ، حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ“(أخرجه البخاري).

 

اللهم يا حي يا قيوم اجعلنا من الشاكرين وعند البلاء من الصابرين.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإيَّاكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة فاستغفروه إنَّه هو الغفور الرحيم.

 

 

الملفات المرفقة
الصبر عند البلاء
عدد التحميل 57
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات