طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

17191

التعدي على مال الغير: السرقة وما يلحق بها

المكان : المملكة العربية السعودية / الرياض / بدون / بدون /
التصنيف الرئيسي : بناء المجتمع حكم التشريع
تاريخ النشر : 1441/02/07
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/شمولية دين الإسلام دين وحسن نظمه 2/من خصائص الشريعة الإسلامية ومميزاتها 3/من صور التعدي على مال الغير 4/دناءة مروءة المعتدي على مال غيره 5/من عظيم أمر المال حرم التصرف فيه إلا بإذن صاحبه 6/بشرى للمعتدى عليه في ماله 7/أنواع من السرقة المعنوية الخفية
اقتباس

إِنَّ الْمُعْتَدِيَ عَلَى أَمْوَالِ غَيْرِهِ سَاقِطُ الْمُرُوءَةِ، مَخْرُومُ الْكَرَامَةِ، مَسْلُوبُ الْعِفَّةِ، خَسِيسُ الطِّبَاعِ، خَبِيثُ النَّفْسِ؛ يَرَى نَفْسَهُ الْأَوْلَى بِمَا فِي يَدَيْ غَيْرِهِ؛ فَهُوَ بِشَتَّى الْوَسَائِلِ يَسْعَى لِلِاسْتِحْوَاذِ عَلَيْهَا مُسْتَخْدِمًا شَتَّى الْوَسَائِلِ لِإِحَازَتِهَا وَلَوْ كَانَتْ مُحَرَّمَةً…

الخطبة الأولى:

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ قَدَّرَ لِكُلٍّ مَخْلُوقٍ رِزْقَهُ، وَكُلٌّ عَلَى جَنَاحِ النِّعْمَةِ مَحْمُولٌ، نَحْمَدُهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- حَمْدًا وَهُوَ بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ مَوْصُولٌ، وَنَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِهِ الْكَرِيمِ مِنْ تَعَامُلِ السُّحْتِ وَمَالِ الْغُلُولِ، وَنَرْجُوهُ الْعِصْمَةَ مَنْ كُلِّ مَشْرُوبٍ حَرَامٍ وَمَأْكُولٍ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَلَا يَزُولُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُ دَعْوَةِ الْخَلِيلِ، وَبُشْرَى ابْنِ الْبَتُولِ، أَشْرَقَ عَلَى الْوُجُودِ بِنُورِهِ فَإِذَا الْكَوَاكِبُ وَالشُّمُوسُ أُفُولٌ.

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: اتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَاقِبُوهُ فِي جَهْرِكُمْ وَسِرِّكُمْ، وَاعْلَمُوا أَنَّ تَقْوَى اللَّهِ فَوْزٌ وَنَجَاةٌ وَمَعْصِيَتُهُ تُورِثُ سُخْطَهُ وَتَحْرِمُ رِضَاهُ؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آلِ عِمْرَانَ: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ)[الْحَجِّ: 1-2].

 

عِبَادَ اللَّهِ: دِينُنَا الْإِسْلَامِيُّ هُوَ دِينُ عَقِيدَةٍ وَشَرِيعَةٍ وَسُلُوكٍ، وَأَحْكَامُهُ تَقُومُ عَلَى أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ: أَوَامِرَ وَنَوَاهٍ وَمُبَاحَاتٍ؛ فَهُوَ إِمَّا أَوَامِرُ نَأْتَمِرُ بِهَا أَوْ نَوَاهٍ نَنْتَهِي عَنْهَا، أَوْ مُبَاحَاتٌ مَنْطُوقٌ بِهَا أَوْ مَسْكُوتٌ عَنْهَا. عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: “إِنَّ اللَّهَ حَدَّ حُدُودًا فَلَا تَعْتَدُوهَا، وَفَرَضَ أَشْيَاءَ فَلَا تُضَيِّعُوهَا، وَحَرَّمَ مَحَارِمَ فَلَا تَنْتَهِكُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ لَمْ يَسْكُتْ عَنْهَا نِسْيَانًا، فَلَا تَكَلَّفُوهَا، رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ فَاقْبَلُوا“(شُعَيْبٌ الْأَرْنَاؤُوطِ، تَخْرِيجُ الْعَوَاصِمِ وَالْقَوَاصِمِ: 5/ 322، حَدِيثٌ حَسَنٌ).

 

مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ: إِنَّ مِنْ حِكْمَةِ اللَّهِ أَنْ جَعَلَ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا، وَأَوْدَعَ لِكُلِّ أَمْرٍ نِظَامًا؛ وَكَانَ مِنْ أَفْضَلِ خَصَائِصِ شَرِيعَتِنَا جَمِيلُ قَوَانِينِهَا وَحُسْنُ نُظُمِهَا؛ إِذْ لَمْ تَتْرُكْ شُؤُونَ الْعِبَادِ إِلَى أَنْفُسِهِمْ أَوْ تَكِلْهُمْ إِلَى عُقُولِهِمْ؛ بَلْ أَقَامَتْ مَنْهَجًا يَضْبِطُ عَلَاقَةَ الْمَخْلُوقِينَ بِخَالِقِهِمْ، وَنِظَامًا يُقَنِّنُ تَعَامُلَ الْمَخْلُوقِينَ بِبَعْضِهِمْ، فِي أَفْضَلِ تَفْصِيلٍ وَأَكْمَلِ بَيَانٍ؛ قَالَ اللَّهُ: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ)[الْأَنْعَامِ: 38].

 

كَمَا دَعَتِ الشَّرِيعَةُ الْعِبَادَ إِلَى أَنْ يَقُومُوا بِوَاجِبَاتِهِمْ قَبْلَ أَنْ يُطَالِبُوا بِحُقُوقِهِمْ، وَمَتَى قَامَ كُلُّ فَرْدٍ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِ فَيَعْنِي ذَلِكَ أَنَّ جَمِيعَ الْحُقُوقِ أُدِّيَتْ لِكُلِّ فَرْدٍ فِي الْأُمَّةِ؛ فَالْحَقُّ الَّذِي هُوَ لَكَ هُوَ وَاجِبٌ بِالنِّسْبَةِ لِلطَّرَفِ الْآخَرِ، وَبِهَذَا الِالْتِزَامِ نَكُونُ قَدْ قَضَيْنَا عَلَى كُلِّ خِلَافٍ وَأَنْهَيْنَا كُلَّ مُشْكِلَةٍ؛ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَمَا فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: “سَتَكُونُ أَثَرَةٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: تُؤَدُّونَ الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْكُمْ، وَتَسْأَلُونَ اللَّهَ الَّذِي لَكُمْ“(الْبُخَارِيُّ: 3603، وَمُسْلِمٌ (1843).

 

وَمِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ أَنَّ أَحْكَامَهَا قَامَتْ عَلَى الْمَصَالِحِ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ، وَبُنِيَتْ عَلَى الْمَنَافِعِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأُخْرَوِيَّةِ؛ فَكُلُّهَا رَحْمَةٌ؛ (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)[الْأَنْبِيَاءِ: 107]، وَلَا غَرَابَةَ فِي كَوْنِهَا تُحَقِّقُ تِلْكَ الْمَصَالِحَ وَالْمَنَافِعَ أَوْ تَدْفَعُ تِلْكَ الْمَضَارَّ وَالْمَفَاسِدَ؛ فَالَّذِي شَرَعَ هُوَ مَنْ خَلَقَ، وَهُوَ الْخَبِيرُ بِأَحْوَالِهِمْ وَشُؤُونِهِمُ، الْعَلِيمُ بِمَصَالِحِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأُخْرَوِيَّةِ؛ (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)[الْمُلْكِ: 14]، (أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ)[التِّينِ: 8].

 

كَمَا قَامَتِ الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ -أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ- عَلَى صِيَانَةِ الْحُقُوقِ وَتَقْدِيسِهَا وَاحْتِرَامِ الْوَاجِبَاتِ وَحِمَايَتِهَا، وَجَاءَتِ التَّحْذِيرَاتُ فِي سِيَاقَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ وَبِأَسَالِيبَ مُتَنَوِّعَةٍ حَوْلَ حُكْمِ التَّعَدِّي عَلَى حُقُوقِ الْآخَرِينَ وَخُطُورَةِ التَّهَاوُنِ بِهَا؛ قَالَ اللَّهُ: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)[الْبَقَرَةِ: 229]، وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: “إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ…”(الْبُخَارِيُّ 1739).

 

وَمِنْ تِلْكَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ -يَا عِبَادَ اللَّهِ- الَّتِي جَاءَ الشَّرْعُ بِبَيَانِ حُكْمِهَا وَالتَّحْذِيرِ مِنْ مُمَارَسَتِهَا جَرِيمَةُ التَّعَدِّي عَلَى أَمْوَالِ الْغَيْرِ وَالتَّهَاوُنِ بِهَا، وَيَأْتِي فِي مُقَدِّمَةِ ذَلِكَ السَّرِقَةُ وَمَا يَلْحَقُ بِهَا، وَهَذِهِ الْجَرِيمَةُ مِنْ جُمْلَةِ الرَّذَائِلِ الَّتِي حَارَبَتْهَا الشَّرِيعَةُ وَأَنْزَلَتْ بِأَصْحَابِهَا الْعُقُوبَةَ، وَجَعَلَتْهَا مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ، بَلْ وَمِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ، وَدَلِيلُ تَحْرِيمِهَا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ؛ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ)[الْمُمْتَحَنَةِ: 12]، وَفِي السُّنَّةِ: “لَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ“(أَبُو هُرَيْرَةَ، صَحِيحُ مُسْلِمٍ: 57).

 

وَالسَّرِقَةُ هِيَ الصُّورَةُ الْأَشْهَرُ، وَتَعْنِي أَخْذَ مَالِ الْغَيْرِ مِنْ حِرْزِهِ بِغَيْرِ وَجْهِ حَقٍّ بِطْرِيقِ التَّخَفِّي، وَيَلْحَقُ بِهَا عِدَّةُ صُوَرٍ آثِمَةٍ:

 

كَالْغَصْبِ: وَهُوَ أَخْذُ مَالِ الْغَيْرِ عَلَانِيَةً قَهْرًا بِغَيْرِ حَقٍّ.

وَالْحِرَابَةُ: وَهُوَ التَّرَصُّدُ لِلنَّاسِ فِي أَسْفَارِهِمْ وَطُرُقِهِمْ وَسَلْبُ مَا مَعَهُمْ تَحْتَ قُوَّةِ السِّلَاحِ، وَيَنْتِجُ عَنْهَا الْقَتْلُ أَحْيَانًا.

وَالِاخْتِلَاسُ: وَهُوَ أَخْذُ الْمَالِ بِصِفَةٍ لَا يَشْعُرُ بِهَا الْمَسْرُوقُ مِنْهُ، وَغَالِبًا مَا يَكُونُ الِاخْتِلَاسُ مِنَ الْمَالِ الْعَامِّ.

وَالنَّهْبُ: وَهُوَ أَخْذُ الْمَالِ مُغَالَبَةً وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ.

وَالطَّرَّارُ: وَهُوَ النَّشَّالُ الَّذِي يَسْرِقُ مِنْ جَيْبِ الْإِنْسَانِ أَوْ مِنْ يَدِهِ.

وَالنَّبَّاشُ: وَهُوَ مَنْ يَنْبُشُ الْقُبُورَ لِأَخْذِ مَا فِيهَا مِنْ كَفَنٍ وَغَيْرِهِ.

وَالْخَائِنُ: وَهُوَ الْمُتَصَرِّفُ فِي مَالِ مَنِ ائْتَمَنَهُ بِدُونِ إِذْنِهِ وَلَا مَعْرِفَتِهِ مِنَ الْأَمْوَالِ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ.

وَالْجَاحِدُ: هُوَ الْمُنْكِرُ مَا عِنْدَهُ مِمَّا اسْتَعَارَهُ مِنْ أَمْلَاكِ الْغَيْرِ.

وَالِاحْتِيَالُ وَالنَّصْبُ: أَخْذُ مَالِ الْغَيْرِ بِطَرِيقَةٍ يَكُونُ ظَاهِرُهَا الْمِصْدَاقِيَّةُ وَالتَّرَاضِي، وَفِي بَاطِنِهَا الْخِدَاعُ وَالِالْتِوَاءُ وَالذَّرَائِعُ الْكَاذِبَةُ.

 

الِابْتِزَازُ، وَهُوَ أُسْلُوبٌ مِنْ أَسَالِيبِ الضَّغْطِ الَّذِي يُمَارِسُهُ الْمُبْتَزُّ عَلَى الضَّحِيَّةِ مُسْتَخْدِمًا أُسْلُوبَ التَّشْهِيرِ لِإِجْبَارِ الضَّحِيَّةِ عَلَى مُجَارَاتِهِ وَتَحْقِيقِ رَغَبَاتِهِ الْجَسَدِيَّةِ أَوِ الْمَادِّيَّةِ وَغَيْرِهَا.

 

وَالْغُلُولُ، وَهُوَ الْأَخْذُ مِنَ الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ قَبْلَ تَقْسِيمِهِمَا، وَكَذَا أَخْذُ الْعَامِلِ مِنَ الزَّكَاةِ أَوْ مِمَّنْ يَجْبِيهَا مِنْهُمْ، وَكَذَا هَدَايَا الْعُمَّالِ لِمَنْ هُوَ فَوْقَهُمْ؛ (وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)[آلِ عِمْرَانَ: 161].

سَرِقَةُ الْأَرَاضِي: وَهِيَ أَنْ يَسْتَوْلِيَ عَلَى أَرْضِ غَيْرِهِ سَوَاءٌ بِادِّعَاءِ مِلْكِيَّتِهَا أَوْ بِتَغْيِيرِ حُدُودِهَا وَمَنَارَاتِهَا، وَفِي الْحَدِيثِ: “وَمَنْ سَرَقَ مِنَ الْأَرْضِ شِبْرًا طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ“(سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ، الْأَلْبَانِيُّ، صَحِيحُ التِّرْمِذِيِّ: 1418).

 

السَّرِقَةُ الْفِكْرِيَّةُ وَالْعِلْمِيَّةُ: وَهِيَ سَرِقَةُ التُّرَاثِ الْفِكْرِيِّ وَالْأَعْمَالِ الْأَدَبِيَّةِ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ شِعْرًا أَمْ نَثْرًا أَمْ قِصَّةً أَمْ رِوَايَةً، مُؤَلَّفَاتٍ أَوْ أَسْمَاءً أَوْ رُمُوزًا وَمَا دُونَهَا، وَهِيَ عَمَلِيَّةُ تَجَنٍّ مُتَعَمَّدَةٌ بِنِسْبَةِ الْأَفْكَارِ وَالنُّصُوصِ وَالِاخْتِرَاعَاتِ إِلَى شَخْصٍ آخَرَ غَيْرِ صَاحِبِهَا الْأَصْلِيِّ.

 

سَرِقَةُ الْمُنْتَجَاتِ وَالْعَلَامَاتِ التِّجَارِيَّةِ وَتَزْوِيرُهَا: وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ نَشَاطٍ يَسْتَحْوِذُ مِنْ خِلَالِهِ شَخْصٌ مَا عَلَى نِتَاجِ فِكْرِ كِيَانٍ آخَرَ، أَوْ يَسْتَوْلِي عَلَى هُوِيَّتِهِ الْإِلِكْتِرُونِيَّةِ مِنْ إِبْدَاعَاتٍ مِثْلَ الِاخْتِرَاعَاتِ وَالنَّمَاذِجِ الصِّنَاعِيَّةِ وَالْعَلَامَاتِ التِّجَارِيَّةِ وَغَيْرِهَا.

 

سَرِقَةُ الْهُوِيَّةِ: وَهِيَ انْتِحَالُ شَخْصٍ شَخْصِيَّةَ آخَرَ بِاسْتِخْدَامِ اسْمِهِ، أَوْ حِسَابِهِ أَوْ بِطَاقَتِهِ، وَفِي مُعْظَمِ الْأَحْيَانِ يُؤَدِّي مِثْلُ هَذَا النَّوْعِ مِنَ السَّرِقَاتِ لِتَدْمِيرِ الْقُدْرَةِ الْمَالِيَّةِ لِلضَّحِيَّةِ.

 

عِبَادَ اللَّهِ: تَتَّفِقُ كُلُّ هَذِهِ الصُّوَرِ وَغَيْرُهَا مِنَ التَّعَدِّي عَلَى أَمْوَالِ الْغَيْرِ فِي حُكْمِهَا فِي كَوْنِهَا رَذِيلَةً وَكَبِيرَةً، وَتَخْتَلِفُ فِي عُقُوبَاتِهَا شَرْعًا وَقَانُونًا؛ حَيْثُ تَتَرَتَّبُ عَلَى هَذِهِ الْمُمَارَسَاتِ الدَّنِيئَةِ عُقُوبَاتٌ مُتَفَاوِتَةٌ أَعْظَمُهَا الْقَتْلُ وَالصَّلْبُ، مُرُورًا بِالْقَطْعِ وَالسَّجْنِ وَحَتَّى التَّغْرِيمِ وَالتَّشْهِيرِ وَمَا دُونَ ذَلِكَ مَعَ إِعَادَةِ الْحَقِّ لِأَهْلِهِ؛ هَذَا فِي الدُّنْيَا؛ فَإِنْ لَمْ تُطَبَّقْ فِي حَقِّهِ عُقُوبَةٌ تَكُونُ كَفَّارَةً لَهُ أَوْ لَمْ يُحْدِثْ تَوْبَةً مِنْهَا وَيُعِيدُ الْحَقَّ إِلَى أَهْلِهِ؛ فَفِي الْآخِرَةِ عِقَابُهُ إِلَّا أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ -تَعَالَى- أَوْ يَأْذَنَ لَهُ بِشَافِعٍ.

 

اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ قَلْبًا سَلِيمًا، وَرِزْقًا حَلَالًا، وَعَيْشًا كَرِيمًا؛ أَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنَبٍ وَخَطِيئَةٍ؛ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

 

الخطبة الثانية:

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ الْمُعْتَدِيَ عَلَى أَمْوَالِ غَيْرِهِ سَاقِطُ الْمُرُوءَةِ، فَاقِدُ الْكَرَامَةِ، مَسْلُوبُ الْعِفَّةِ، خَسِيسُ الطِّبَاعِ، خَبِيثُ النَّفْسِ؛ يَرَى نَفْسَهُ الْأَوْلَى بِمَا فِي يَدَيْ غَيْرِهِ؛ فَهُوَ بِشَتَّى الْوَسَائِلِ يَسْعَى لِلِاسْتِحْوَاذِ عَلَيْهَا مُسْتَخْدِمًا شَتَّى الْوَسَائِلِ لِإِحَازَتِهَا وَلَوْ كَانَتْ مُحَرَّمَةً، وَالْمُعْتَدِي عَلَى حُقُوقِ غَيْرِهِ طُفَيْلِيُّ الطِّبَاعِ، قَدْ عَطَّلَ قُدُرَاتِهِ وَطَاقَاتِهِ وَأَوْقَفَ جَوَارِحَهُ لِيَعِيشَ عَلَى تَعَبِ الْآخَرِينَ.

 

لِذَا لَا غَرَابَةَ أَنْ يُنْزِلَ الشَّارِعُ الْحَكِيمُ بِهِ عُقُوبَاتٍ صَارِمَةً؛ كَقَطْعِ يَدِهِ الْجَارِحَةِ الَّتِي امْتَدَّتْ لِمَالِ غَيْرِهِ؛ قَالَ اللَّهُ -تَعَالَى-: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ)[الْمَائِدَةِ: 38]، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ-رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّهُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: “لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ“(الْبُخَارِيُّ (6783)، وَمُسْلِمٌ (1687).

 

نَعَمْ قُطِعَتْ، فَإِنَّهَا لَمَّا كَانَتْ عَفِيفَةً غَلَا ثَمَنُهَا حَتَّى قُوِّمَتْ بِنِصْفِ الدِّيَةِ، وَلَمَّا سَرَقَتْ هَانَتْ فَرَخُصَتْ فَقُطِعَتْ فِي رُبْعِ دِينَارٍ.

 

عِبَادَ اللَّهِ: لَيْسَ مِنْ مَالٍ أُخِذَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَلَا سَبَبٍ مَشْرُوعٍ إِلَّا كَانَ أَكْلًا لَهُ بِالْبَاطِلِ مَهْمَا كَانَتْ مُسَمَّيَاتُهُ أَوْ وَسَائِلُ كَسْبِهِ؛ قَالَ اللَّهُ: (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ)[الْبَقَرَةِ: 188]، وَفِي الْحَدِيثِ: “كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ؛ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ“.

 

ولَقَدْ كَانَ مِنْ عَظِيمِ أَمْرِ الْمَالِ أَنْ مَنَعَ الشَّارِعُ أَخْذَهُ وَالِانْتِفَاعَ بِهِ إِلَّا بِإِذْنِ مَالِكِهِ حَتَّى وَلَوْ كَانَ مِنْ طَرِيقِ الْحَرَجِ وَالْحَيَاءِ؛ فَعَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: “لَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَأْخُذَ عَصَا أَخِيهِ بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسِهِ، وَذَلِكَ لِشِدَّةِ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ“(أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ). وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: “مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ، فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ” فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا، يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: “وَإِنْ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ“(رَوَاهُ مُسْلِمٌ).

فَإِذَا كَانَ هَذَا تَشْدِيدَهُ وَعُقُوبَتَهُ فِي الْأَشْيَاءِ الْحَقِيرَةِ وَالرَّخِيصَةِ؛ فَالَّذِي أَكْبَرُ مِنْهُ مِنْ بَابِ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ أَشَدَّ حُرْمَةً وَأَوْجَبَ عُقُوبَةً.

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: وَأَمَّا أَنْتَ يَا مَنِ اعْتُدِيَ عَلَى مَالِكَ وَحَلَالِكَ فَلْتُبْشِرْ بِعِوَضِ اللَّهِ لَكَ فِي الدُّنْيَا؛ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا إِلَّا كَانَ مَا أُكِلَ مِنْهُ لَهُ صَدَقَةٌ، وَمَا سُرِقَ مِنْهُ لَهُ صَدَقَةٌ“، وَفِيهِ بَيَانُ أَنَّ مَنْ أُخِذَ مِنْهُ مَالُهُ لَا يَضِيعُ عِنْدَ اللَّهِ، عُرِفَ الْمُعْتَدِي أَوْ لَمْ يُعْرَفْ”.

 

وَأمَّا فِي الْآخِرَةِ؛ فَاللَّهُ الْحَكَمُ الْعَدْلُ سَيَأْخُذُ مِنْ حَسَنَاتِ مَنِ اعْتَدَى عَلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَوْ يُؤْخَذُ مِنْ سَيِّئَاتِكَ فَتُطْرَحُ عَلَيْهِ؛ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: “مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ، فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ، قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ“(أَبُو هُرَيْرَةَ، الْبُخَارِيُّ: 2449).

 

وَلِلْعِلْمِ أَنَّ لِصَاحِبِ الْمَالِ الْحَقَّ فِي الْعَفْوِ فِيمَا أُخِذَ مِنْهُ بِغَيْرِ وَجْهِ حَقٍّ، وَإِذَا عَفَا عَلَى الْجَانِي أَوِ اسْتَرْجَعَ مِنْهُ فَإِنَّ عُقُوبَتَهُ الْمُقَرَّرَةَ لَا تَسْقُطُ إِذَا رُفِعَتِ الدَّعْوَى لِلْقَاضِي.

 

وَيَلْحَقُ بِمُصْطَلَحِ السَّرِقَةِ -يَا مُسْلِمُونَ- سَرِقَةُ الْأَنْظَارِ: كَالْمَرْأَةِ تَسْرِقُ أَنْظَارَ النَّاسِ إِلَيْهَا بِزِينَتِهَا الْمُلْفِتَةِ، أَوْ بِالْخُضُوعِ فِي صَوْتِهَا، أَوْ بِضَرْبِ رِجْلَيْهَا؛ لِتُرِيَهُمْ خَلَاخِلَهَا؛ قَالَ اللَّهُ: (وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ)[النُّورِ: 31].

 

وَكَذَا الرَّجُلُ يَلْبَسُ الزِّينَةَ غَيْرَ الْمَأْلُوفَةِ بِقَصْدِ لَفْتِ أَنْظَارِ مَنْ حَوْلَهُ إِلَيْهِ؛ قَالَ اللَّهُ: (فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ)[الْقَصَصِ: 79].

 

وَمِنْهَا السَّرِقَةُ فِي الصَّلَاةِ: وَهِيَ أَدَاؤُهَا عَلَى غَيْرِ وَجْهِهَا الشَّرْعِيِّ مَسْلُوبَةَ الطُّمَأْنِينَةِ فِي أَرْكَانِهَا وَالْخُشُوعِ فِي أَذْكَارِهَا؛ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: “أَسْوَأُ النَّاسِ سَرِقَةً الَّذِي يَسْرِقُ مِنْ صَلَاتِهِ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يَسْرِقُ مِنْ صَلَاتِهِ؟ قَالَ: لَا يُتِمُّ رُكُوعَهَا وَلَا سُجُودَهَا أَوْ قَالَ: لَا يُقِيمُ صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ“(أَبُو قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ، الْأَلْبَانِيُّ، صَحِيحُ التَّرْغِيبِ: 524).

 

أَلَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى السِّرَاجِ الْمُنِيرِ، وَالْهَادِي الْبَشِيرِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الْأَحْزَابِ: 56].

 

الدُّعَاءُ…

 

وَأَقِمِ الصَّلَاةَ.

 

الملفات المرفقة
التعدي على مال الغير السرقة وما يلحق بها
عدد التحميل 29
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات