طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

17159

الجنة

المكان : المملكة العربية السعودية / الهفوف - الاحساء / بدون / جامع عبد الرحمن بن عوف /
التصنيف الرئيسي : الحياة الآخرة
تاريخ الخطبة : 1439/01/18
تاريخ النشر : 1441/01/24
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/الترغيب والترهيب أسلوب من أساليب القرآن 2/ربط القرآن والسنة أسلوب الترغيب والترهيب بالجنة والنار 3/بعض نصوص الكتاب والسنة الواردة في أوصاف نعيم الجنة 4/استحضار نعيم الجنة وسؤال الله ذلك 5/معرفة الإنسان لمصيره عند الاحتضار هل من أهل الجنة أم من أهل النار
اقتباس

عباد الله: إن الجنة وما فيها من النعيم، والسرور، والفرح، والحبور؛ ليعجز عن وصفها الواصفون، وهي والله جديرة لأن يعمل لها العاملون، وأن يتنافس فيها المتنافسون، وأن يفني الإنسان عمره كله في طلبها، زاهدا في الدون، ففيها من النعيم ما يعجز العقل البشري عن تصوره وتخيله…

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله الذي جعل جنات الفردوس لعباده المؤمنين نزلا، ونوع لهم الأعمال الصالحة ليتخذوا منها إلى تلك الجنات سبلا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، (خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا)[الملك: 2]، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، الذي شمر للحلاق بالرفيق الأعلى والوصول إلى جنات المأوى، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه، واتبع سنته إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا.

 

أما بعد: فاتقوا الله -أيها المسلمون-، اتقوا الله حق التقوى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)[آل عمران: 102].

 

عباد الله: إن المتدبر لكتاب الله -تعالى- يجد أن من أعظم الأساليب التي سلكها القرآن الكريم لدعوة الناس إلى تحقيق العبودية لله -تعالى-: أسلوب الترغيب والترهيب.

هذا الأسلوب العجيب الذي يحكم النفس البشرية إلى العمل والتشمير فيما رُغب فيه، ويبعدها عما حذرت منه.

 

وإن المتأمل لكتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- يجد أن القرآن الكريم والسنة المطهرة قد ربطا أسلوب الترغيب والترهيب، قد ربطا هذا الأسلوب كثيرا بدارين عظيمتين هما نهاية المطاف للبشرية، وكل البشر سائرون إليهما لا محالة ألا وهما: الجنة والنار.

 

الجنة لأهل الإيمان والتقوى -جعلنا الله تعالى منهم-، والنار لأهل الكفر -والعياذ بالله-.

 

وقد جاء ذكر الجنة والنار في القرآن الكريم في آيات كثيرة، وتكرر ذكرهما في القرآن مئات المرات، وما ذاك إلا لأن ربط النفس البشرية بهما دافع قوي جدا إلى التشمير والمسارعة في عمل الطاعات، والبعد والحذر عن المعاصي والموبقات.     

 

عباد الله: والكلام عن الجنة ووصفها وما أعد الله لأهلها، وعن النار ووصفها وما أعد الله لأهلها يطول، ولكن حسبنا أن نشير ببعض ما ورد في ذلك في الكتابة والسنة بإيجاز، ولعل الكلام في هذه الخطبة يكون عن الجنة، وسيكون الكلام عن أوصاف النار -أعاذنا الله منها- سيكون الكلام عن أوصافها في خطبة قادمة -إن شاء الله تعالى-.

 

عباد الله: إن الجنة وما فيها من النعيم، والسرور، والفرح، والحبور ليعجز عن وصفها الواصفون، وهي والله جديرة لأن يعمل لها العاملون، وأن يتنافس فيها المتنافسون، وأن يفني الإنسان عمره كله في طلبها، زاهدا في الدون، ففيها من النعيم ما يعجز العقل البشري عن تصوره وتخيله، يقول الله -عز وجل-: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)[السجدة: 17].

 

ويصف النبي -صلى الله عليه وسلم- هذا النعيم فيقول: قال الله -عز وجل-: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وأقرؤوا إن شئتم: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ)[السجدة: 17].

 

إن نعيم الجنة لا يخطر على عقل بشر فهو فوق مستوى تخيل العقل البشري، نعيم عظيم،  يقول الله -سبحانه- في وصف هذا النعيم: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَقَابِلِينَ * كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ * يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ * لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * فَضْلًا مِّن رَّبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)[الدخان: 51-57].

ويقول: (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ)[محمد: 15].

 

(يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ * ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ * يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِّنْهَا تَأْكُلُونَ)[الزخرف: 68-73].

 

(إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ * وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ * لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ)[الحجر: 45-48].

 

(إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ * وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ)[المطففين: 22-28].

(لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)[يونس: 26] فالحسنى: هي الجنة؛ لأنه لا دار أحسن منها، والزيادة: هي النظر إلى وجه الرب الكريم.

 

والآيات في وصف الجنة ونعيمها، وسرورها، وأنسها، وحبورها كثيرة جدا.

 

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قلنا يا رسول الله حدثنا عن الجنة ما بناؤها؟ قال: لبنة من ذهب، ولبنة من فضة، وملاطها المسك، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وترابها الزعفران، من يدخلها ينعم ولا يبأس، ويخلد ولا يموت، لا تبلى ثيابه، لا يفنى شبابه.

 

وأخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: إن أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة، لا يبولون، ولا يتغوطون، ولا يتفلون، ولا يتمخطون، أمشاطهم الذهب، ورشحهم المسك، ومجامرهم الألوة، وأزواجهم الحور العين، على خلق رجل واحد، على صورة أبيهم آدم ستون ذراعا في السماء، وفي رواية: لا خلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم قلب واحد، يسبحون الله بكرة وعشيا.

 

وعن جابر -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: إن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون ولا يبولون، ولا يتغوطون، ولا يتنخمون، إنما يكون ذلك جُشاء ورشحا كرشح المسك، ويلهمون التسبيح والتحميد، كما يلهمون النفس(رواه مسلم).

 

وعن زيد بن الأرقم -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: والذي نفس محمد بيده إن أحدهم (يعني أهل الجنة) ليعطى قوة مائة رجل في الأكل، والشرب، والجماع، والشهوة، تكون حاجة أحدهم رشحا يفيض من جلودهم كرشح المسك فيضمر بطنه.

 

وفي الصحيحين عن أبي موسى -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة طولها في السماء ستون ميلا، للمؤمن فيها أهلون، يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضهم بعضا.

 

وفي صحيح مسلم عن المغيرة بن شعبة -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: سأل موسى ربه فقال: يا ربي ما أدنى أهل الجنة منزلة؟ قال: هو رجل يجيء بعد ما دخل أهل الجنة الجنة، فيقال له: ادخل الجنة، فيقول: أي ربي، وكيف أدخل وقد نزل الناس منازلهم، وقد أخذوا أخاذاتهم، فيقال له: أترضى أن يكون لك مثل ما كان يكون لملك من ملوك الدنيا؟ فيقول: رضيت ربي، فيقول: لك مثل هذا ومثله ومثله ومثله، حتى عقد خمسا، فيقول: رضيت، فيقول: لك هذا وعشرة أمثاله، فيقول: رب رضيت، فيقال: لك هذا وما اشتهت نفسك ولذت عينك، قال: يا رب أخبرني بأعلاهم منزلة، قال: أولئك الذين أردت وسوف أخبرك؟ غرست كرامتهم بيدي وختمت عليها، فلم تر عين ولم تسمع أذن، ولم يخطر على قلب.

 

وفي صحيح البخاري عن أنس -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: لقاب قوس أحدكم (أي موضع قدم في الجنة) خير من الدنيا وما فيها، ولو أن امرأة من أهل الجنة اطلعت إلى أهل الأرض لأضاءت ما بينهما، ولملأت ما بينهما ريحا، ولنصيفها (أي خمارها على رأسها) خير من الدنيا وما فيها.

 

وفي صحيح مسلم عن أنس -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: إن في الجنة لسوقا يأتونها كل جمعة، فتهب ريح الشمال، فتحثو (أي المسك) في وجوههم وثيابهم فيزدادون حسنا وجمالا، فيرجعون إلى أهليهم وقد ازدادوا حسنا وجمالا، فيقول لهم أهلوهم: والله لقد ازددتم بعدنا حسنا وجمالا، فيقولون: وأنتم والله لقد ازددتم بعدنا حسنا وجمالا“.

 

وفي الصحيحين عن أبي سعيد -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: إن الله -تعالى- يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، والخير كله في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك؟ فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا رب، وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا.

 

وفي صحيح مسلم عن صهيب -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة، يقول الله -تعالى-: تريدون شيئا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا، ألم تدخلنا الجنة، وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم -عز وجل-.

 

عباد الله: إن نعيم الجنة نعيم عظيم، نعيم فوق مستوى التخيل، لا يخطر على قلب بشر، قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: “ليس في الجنة شيء مما في الدنيا إلا الاسم” فالاسم هو الاسم ولكن المسمى غير المسمى، ففي الجنة من كل فاكهة زوجان، فيها فاكهة ونخل ورمان ليست مثل فواكه ونخل ورمان الدنيا، هي فقط تشبهها في الاسم ولكنها مختلفة عنها في الحقيقة، قد ذللت قطوفها تذليلا إن قام تناولها بسهولة، وإن قعد تناولها بسهولة، وإن اضطجع تناولها بسهولة، كلما قطع منها شيء خلفه آخر: (كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا  قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ  وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا) أي: في اللون، والهيئة ولكنه مختلف في الطعم: (وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا) آمنين من الموت، آمنين من الهرم، آمنين من المرض، آمنين من كل خوف، ومن كل نقص في نعيمهم أو زواله: (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ).

 

(فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاءٍ غَيْرِ آسِنٍ) أي: لم يتغير ولا يتغير أبدا (وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ) بحموضة ولا فساد (وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ) لا تصدع الرؤوس، ولا تزيل العقول (وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى) تجري هذه الأنهار من غير حفر، ولا سواقي، ولا إقامة أخدود، يصرفونها كما يشاؤون.

 

(وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ) في جمالهم وانتشارهم في خدمة أسيادهم لؤلؤا منثورا (لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا * يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ * بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ)[الصافات: 45-46].

 

وفوق ذلك يحل الله عليهم رضوانه فلا يسخط أبدا، وفوق ذلك أن الله -تعالى- يكشف لهم الحجاب فما أعطوا نعيما أعظم من التذلل برؤية الرب -جل جلاله- ويسلم عليهم الرب سبحانه فينعمون بذلك نعيما عظيما، ويسرون بذلك سرورا كبيرا، وهم في هذا النعيم (لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا) أي: أنهم لا يملون ولا يسأمون.

 

نعيم الدنيا مهما كان فإن الإنسان مع مرور الوقت يمل منه ويسأم، وأما نعيم الجنة فلا يسأمون منه ولا يملون منه ولا يبغون عنه حولا.

 

ومن كمال نعيم الله -تعالى- على أهل الجنة: أن الله -تعالى- يجمع شتات أفراد العائلة إذا كانوا جميعا من أهل الجنة ودرجاتهم متفاوتة، فيجمع الله -تعالى- شتات هذه العائلة ويرفعهم إلى أرفعهم درجة؛ لكي يذوقون نعيمهم وأنسهم؛ كما قال سبحانه: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ)[الطور: 21] يلحق الله -تعالى- بعضهم ببعض إلى الدرجة الرفيعة من غير أن ينقص من في الدرجة الرفيعة شيئا، ولهذا قال: (وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍوإنما يرفعهم الله -تعالى- تفضلا منه، وكرما، وإحسانا وحتى يكمل أنسهم، ونعيمهم في دار النعيم.   

 

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله إمام المتقين، وقائد الغر المحجلين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا.

 

أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة.

 

عباد الله: قد سمعتم بعض أوصاف الجنة، وإنها والله ليعجز عن وصفها الواصفون مهما أوتوا من البلاغة والبيان، لكن حسبنا أن الله -تعالى- وصفها في آيات كثيرة، بل أكثر سور القرآن لا تخلو من ذكر الجنة وأوصافها.

 

إن نعيم الجنة نعيم دائم لا يفنى، ولا ينقطع، فأهل الجنة إذا دخلوا الجنة فهم مخلدون فيها أبد الآباد، ليس مقامهم فيها يقدر بآلاف السنين، ولا بملايين السنين، بل مخلدون فيها أبد الآباد إلى ما لا نهاية، قال ابن الجوزي -رحمه الله-: “من تأمل بعين الفكر دوام البقاء في الجنة في صفاء بلا كدر، ولذات بلا انقطاع، وبلوغ كل مطلوب للنفس، والزيادة مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، من غير تغيير ولا زوال، إذ لا يقال ألف ألف سنة، ولا مائة ألف ألف، بل ولو أن الإنسان عد ألوف السنين لا ينقضي عدده وكان له نهاية، وبقاء الآخرة لا نفاد له إلا أنه لا يحصل ذلك إلا بنقد هذا العمر“.

 

يا سلعة الرحمن لست رخيصة *** بل أنت غالية على الكسلان

يا سلعة الرحمن ماذا كفؤها *** إلا أولو التقوى مع الإيمان

يا سلعة الرحمن أين المشتري *** فلقد عرضت بأيسر الأثمان

يا سلعة الرحمن هل من خاطب *** فالمهر قبل الموت ذو إمكان

 

عباد الله: إذا استحضر الإنسان نعيم الجنة، نعيم عظيم، يتنعم فيه أبد الآباد، ليس فيه مرض، ولا هم، ولا غم، ولا تعب، ولا نصب، ولا موت، بل لذات متتابعة إلى ما لا نهاية، ينعم ولا يبأس، فيها ما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين.

 

هذا النعيم العظيم -أيها الإخوة- ينبغي أن يستحضره الإنسان، وألا يغيب عن باله؛ لأنه هو المصير الذي إليه صائر، فإن مصير الإنسان في النهاية فريق في الجنة، وفريق في السعير، فكيف يغفل الإنسان عن مصيره، فينبغي أن يستحضر هذه الدار، وأن يستحضر نعيمها، وأن يكثر من سؤال الله -تعالى- إياها، والاستعاذة بالله -تعالى- من النار، أخرج الترمذي بسند صحيح عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم – قال: إذا سأل العبد ربه الجنة ثلاث مرات، قالت الجنة: اللهم أدخله الجنة، وإذا استعاذ بالله من النار ثلاث مرات، قالت النار: اللهم أعذه من النار.

 

إن استحضار هذا النعيم، وعدم الغفلة عنه، ليحدو الإنسان مزيدا من الطاعة، والإحسان في العمل الصالح، خاصة إذا استحضر الإنسان بأن الجنة درجات، وأن ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، وأن أهل الجنة يتفاوتون فيها على مقدار العمل في هذه الدنيا، فيبذل الإنسان جهده في التزود بزاد التقوى، والعمل الصالح كي يفوز بهذه الدار العظيم: (فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ)[آل عمران: 185].

 

عباد الله: إن الإنسان يعرف مصيره هل هو من أهل الجنة أو من أهل النار عند ساعة الاحتضار، فإن كان من أهل الجنة أري مقعده من النار لو أساء ليزداد شكرا، وإن كان من أهل النار أري مقعده من الجنة ليكون عليه حسرة، جاء في صحيح البخاري عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: لا يدخل أحد الجنة إلا أوري مقعده من النار لو أساء ليزداد شكرا، ولا يدخل أحد النار إلا أري مقعده من الجنة لو أحسن ليكون عليه حسرة(هذا لفظ البخاري).

 

وجاء في سنن ابن ماجه بسند صحيح: أن ذلك يقع عند المسألة في القبر، وفيه فيفرج له فرجة قِبل النار فينظر إليها، فيقال له: انظر إلى ما قد وقاك الله من النار فيُسر حينئذ.

وفي حديث أنس: انظر إلى مقعدك من النار لكن الله قد عصمك ورحمك.

 

وأخرج ابن ماجه وأحمد بسند صحيح، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ما منكم من أحد إلا وله منزلان: منزل في الجنة، ومنزل في النار، فإذا مات ودخل النار ورث أهل الجنة منزله، وذلك قول الله -تعالى-: (أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ)[المؤمنون: 10].

 

قال جمهور المفسرين في قول الله -تعالى-: (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ)[الزمر: 74] قالوا المراد ب(الْأَرْضَ) أرض الجنة التي كانت لأهل النار لو دخلوا الجنة.

 

وقد دلت الأدلة على أن الله -عز وجل- خلق بعدد البشر، خلق لكل واحد منزلين: منزلا في الجنة، ومنزلا في النار، فإذا دخل الجنة أخذ منزله في الجنة، لكن من دخل النار فإن أهل الجنة يأخذون منزله، وهذا معنى قوله: (أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَومعنى قول أهل الجنة: (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ) أي: أرض الجنة، فأهل الجنة يورثهم الله منازل أهل النار.

 

اللهم إنا نسألك الجنة ونعوذ بك من النار، اللهم إنا نسألك الجنة ونعوذ بك من النار، اللهم إنا نسألك الجنة ونعوذ بك من النار.

 

اللهم إنا نسألك أن تدخلنا جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

 

اللهم إنا نسألك أن ترزقنا لذة النظر إلى وجهك الكريم، والشوق إلى لقائك من غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة.

 

اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا.

 

اللهم استعملنا في طاعتك، وأعنا على ذكرك، وعلى شكرك، وعلى حسن عبادتك.

 

اللهم وفقنا لأن نعبدك كما تحب وترضى، وأن نتقيك كما تحب وترضى.

 

اللهم وفقنا لأن نتزود بزاد التقوى، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.

 

اللهم وأعز الإسلام والمسلمين، وأذل الكفر والكافرين.

 

اللهم انصر من نصر دين الإسلام في كل مكان، واخذل من خذل دين الإسلام في كل مكان، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.

 

اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا أخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر.

 

اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان.

 

اللهم وفق ولاة أمور المسلمين لتحكيم شرعك والعمل بكتابك وسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، واجعلهم رحمة لرعاياهم.

 

اللهم وفق إمامنا وولي أمرنا لما تحب وترضى، وارزقه البطانة الصالحة الناصحة التي تعينه إذا ذكر وتذكره إذا نسي، ووفقه وإخوانه وأعوانه لما فيه صلاح البلاد والعباد، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.

 

(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)[البقرة: 201].

 

(رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)[الحشر: 10].

 

اللهم صل على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

الملفات المرفقة
الجنة
عدد التحميل 50
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات