طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

17131

الانتحار

المكان : المملكة العربية السعودية / الرياض / بدون / بدون /
التصنيف الرئيسي : حكم التشريع قضايا اجتماعية
تاريخ النشر : 1441/01/18
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/تفشي ظاهرة الانتحار 2/الانتحار من أعظم الذنوب وأشنعها 3/أسباب الانتحار 4/علاج ظاهرة الانتحار ووسائل الحد منها
اقتباس

هذه الظاهرة الخطيرة التي انتشرت في بلاد العالم، تحتاج منا إلى وقفات وتأملات للاطلاع على الأسباب، والعلاج، والحكم الشرعي فيها. لقد دَلَّتِ النصوص الشرعية من كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلـم- أن الانتحار من أعظم الذنوب عند الله. والمنتحر مصيره إلى النار والجنة عليه حرام. وبعد التأمل والاطلاع على الإحصائيات العالمية وأحوال الناس يتبين أن من…

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأَشهد أن لا إِله إلا الله وحده لا شريك له، وأَشهد أن محمدًا عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين من ربه، فصلوات الله وسلامه عليه ما تعاقب الليل والنهار إلى يوم الدين.

 

أما بعد: أيها المسلمون: في كل عام يموت الآلاف من الناس منتحرين بعمليات مختلفة، إما بالحرق، أو الشنق، أو الرمي من مكان شاهق، أو تناول السم والمواد الضارة، أو إطلاق النار، أو غير ذلك.

 

وهذه الظاهرة الخطيرة التي انتشرت في بلاد العالم، تحتاج منا إلى وقفات وتأملات للاطلاع على الأسباب، والعلاج، والحكم الشرعي فيها.

 

أيها المسلمون: لقد دَلَّتِ النصوص الشرعية من كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلـم- أن الانتحار من أعظم الذنوب عند الله، قال تعالى: (وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا)[الفرقان: 68-69]، وقال تعالى: (وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا)[النساء: 29].

 

وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي -صلى الله عليه وسلـم- قال: مَن تَرَدَّى مِن جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفسَهُ، فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فِيهِ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَحَسَّى سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَجَأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا.

 

وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلـم-: الَّذِي يَخْنُقُ نَفْسَهُ يَخْنُقُهَا فِي النَّارِ، وَالَّذِي يَطْعُنُهَا يَطْعُنُهَا فِي النَّارِ.

 

وفي الصحيحين من حديث ثابت بن الضحاك أن النبي -صلى الله عليه وسلـم- قال: مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ فِي الدُّنْيَا، عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

 

والمنتحر مصيره إلى النار والجنة عليه حرام، روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث جندب -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلـم-: كَانَ بِرَجُلٍ جِرَاحٌ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَقَالَ اللَّهُ: بَدَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ، حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ.

 

وبعد التأمل والاطلاع على الإحصائيات العالمية وأحوال الناس يتبين أن من أسباب الانتحار: الهم والقلق النفسي والضيق الذي يشعر به الإنسان المُقْدم على الانتحار، حيث تصبح الحياة لا قيمة لها عنده، ويريد التخلص مما يعانيه، والغالب ذلك في الكفار، وقد يحصل من بعض المسلمين عند ضعف الإيمان، وصدق الله إذ يقول: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى)[طه: 126-124].

 

ومنها:  تراكم الديون والحقوق ومطالبة أصحابها بها والخوف من عواقب ذلك، وفقدان الوظيفة أو عدم الحصول عليها بعد البحث والانتظار لسنوات عديدة، والبقاء عاطلًا بلا عمل.

 

ومنها:  الخسارة المالية الكبيرة التي تسبب الصدمة العنيفة لصاحبها على سبيل المثال (خسارة الأسهم المشهورة في السنوات الماضية).

 

ومنها:  الأمراض النفسية المزمنة، كحالات الاكتئاب الشديدة، أو انفصام الشخصية، وأثبتت الدراسات أن (90%) من حالات الانتحار كانت بسبب الاكتئاب.

 

ومنها:  استعمال المخدرات والمسكرات، فإنها تسبب تلف خلايا المخ، وبالتالي يصبح المدمن عرضة للانتحار في أي وقت.

 

ومنها:  المشاكل الأسرية والتي تؤدي إلى الطلاق، وتشتت الأسر، والعزلة عن الناس.

 

ومنها:  السجن لسنوات طويلة مع شعور السجين بالظلم، والإهمال لحقوقه.

 

ومنها:  تسجيل بعض المواقف السياسية، أو الاحتجاج على بعض الأوضاع المعيشية الصعبة، كحالات الفقر الشديدة، أو البطالة، أو غيرها، ويكون هذا أمام المقرات الرسمية المهمة في الدول.

 

ومنها:  أنه سجلت حالات انتحار لأطفال لم يبلغوا الحلم، إما بسبب تقليد الأفلام الكرتونية، أو لعدم احتواء مشاكلهم، واضطراباتهم السلوكية، أو لغير ذلك.

 

أيها المسلمون: ويلحق بهذه الأسباب قيادة السيارات بطريقة غير صحيحة، كمن يسرع سرعة شديدة تؤدي إلى عدم السيطرة على السيارة تحت أي ظرف يتعرض له، أو القيادة بشكل معاكس للطريق، أو التفحيط أو المسابقة بالسيارات، أو غير ذلك مما يفعله السفهاء.

 

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فتوبوا إليه واستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده رسوله.

 

وبعد: أيها المسلمون : لعل من الحلول المناسبة لهذه الجريمة الخطيرة: تقوية الوازع الديني لدى الناس وتذكيرهم بالتوكل على الله وتفويض الأمر إليه سبحانه، قال تعالى: (وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُير)[الأنعام: 17]، والصبر على البلاء، وأن يسعوا في الرزق، فليس مرتبطًا بالوظيفة، أو الشهادة الدراسية، فكم من أُمِّيٍّ لا يقرأ ولا يكتب، ومع ذلك يملك الأموال الطائلة؟! قال تعالى: (وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُون)[الذاريات: 22].

 

ومنها: الاقتصاد في المعيشة، والبعد عن الإسراف، وأن يقتصر الدين على الحالات الضرورية القصوى، قال تعالى: (وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِين)[الأعراف: 31].

 

ومنها: التداوي بالقرآن، فإن فيه الشفاء لكل الأمراض النفسية والعضوية، قال تعالى: (قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء)[فصلت: 44]، وقال تعالى: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ)[الإسراء: 82]، واستعمال العقاقير الطبية الموصوفة من الأطباء المتخصصين الموثوق بهم.

 

ومنها:  بث الوعي الديني بخطورة العجلة في قيادة السيارات، والالتزام بأنظمة المرور، قال تعالى: (وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)[البقرة: 195]، وبيان فوائد الالتزام بآداب القيادة، وما فيها من المصالح وما يدرأ بها من المفاسد، وإحالة المخالفين إلى المحاكم الشرعية لمعاقبتهم بما يقتضيه الحكم الشرعي.

 

ومنها:  إبعاد الأفلام، والمسلسلات الكرتونية، أو التلفزيونية التي تحتوي على العنف، أو الانتحار عن الأطفال، واستبدالها بما ينفعهم في دينهم ودنياهم.

 

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، واحم حوزة الدين، وألف بين قلوب المسلمين، ووحد صفوفهم، واجمع كلمتهم على الحق يا رب العالمين.

 

اللهم آمنا في أوطاننا وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك يا أرحم الراحمين.

 

وصلوا وسلموا على أكرم خلق الله الرسول الأمين محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56].

 

وارض اللهم عن خلفائه الأربعة؛ أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن الآل والصحب الكرام وعن التابعين لهم بإحسان وعنا معهم بعفوك وكرمك يا ذا الجلال والكرام.

 

عباد الله: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)[النحل: 90].

 

فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم (وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ)[العنكبوت: 45].