طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

17130

وليس الذكر كالأنثى

المكان : المملكة العربية السعودية / الدمام / حي أحد / جامع الحمادي /
تاريخ الخطبة : 1441/01/07
تاريخ النشر : 1441/01/16
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/"لَيْسَ الذَكَرُ كَالأُنْثَى" قاعدة قيلت وأثبتت في القرآن 2/بعض جوانب الاختلاف بين الذكر والأنثى في التكوين والخلقة 3/بعض جوانب الاختلاف بين الذكر والأنثى في الأحكام الشرعية 4/حيف وجور المناداة بالمساواة بين الذكر والأنثى 5/فضل الصيام في شهر محرم وخاصة يوم عاشوراء
اقتباس

“لَيْسَ الذَكَرُ كَالأُنْثَى” لَا فِي التَكْوِينِ الجَسَدِيِّ، وَلَا فِيْ التَرْكِيْبِ النَّفْسِي، وَلَا فِيْ طَرِيقَةِ الحَدِيْثِ والكَلَامِ، وَلَا فِي العَاطِفَةِ وَالاِهتِمَامِ. “لَيْسَ الذَكَرُ كَالأُنْثَى” فَتَكْوِينُ جَسَدِ الرَّجُلِ مُخْتَلِفٌ عَن جَسَدِ المَرْأَةِ، فَفِي الهَيْكَلِ العَظْمِيِّ، فَالإِنَاثُ…

الخطبة الأولى:

 

الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.

الحَمْدُ للهِ أَقْصَى مَبلَغِ الـحَمدِ *** وَالشُّكْرُ للهِ مِنْ قَبـلٍ وَمِنْ بَعْــدِ الحَمدُ

للهِ عَنْ سَـمْعٍ وَعَنْ بَصَـرٍ *** الحَمدُ لله عَنْ عَقْـلٍ وَعَنْ جَسَدِ

الحَمْدُ للهِ عَنْ سَاقٍ وَعَنْ قَدَمٍ *** الحَمْدُ للهِ عَنْ كَتِفِي وَعَنْكِ يَدِي

الحَمْدُ للهِ عَنْ قَلْبِي وَعَنْ رِئَتِي *** الـحَمْدُ للهِ عَنْ كِلَتِي وَعَنْ كَبِدِي

 

وَأَشْهَدُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ.

يَا مَنْ لَهُ الخَلْقُ ثُمَّ الأَمْرُ يَا صَمَدُ *** لَوْلَاكَ لَمْ تَخْرُجِ الدُّنْيَا مِنَ العَدَمِ

يَا وَاحِدَاً لَيْسَ لِي رَبٌّ سِوَاهُ وَلَا *** نِدٌ لَهُ يُدْعَى كَالجِنِّ وَالصَّنَمِ

 

وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ.

 

‏إِنَّ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ *** كَالرُّوْحِ بَيْنَ الجِسْمِ لِلإِنْسَانِ

‏صَلُّوا عَلَيهِ فَإِنَّهَا مَعْدُودَةٌ ***‏ عَشْرَاً مُضَاعَفَةً مِنَ الرَّحْمَنِ

 

فَاللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّم عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آَلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعيِنَ، وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

 

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ -عِبَادَ اللهِ- (وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)[آل عمران: 102].

 

يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-: هَا هِيَ حَنَّة؛ زَوْجَةُ عِمْرَانَ وَاُمُّ مَرْيَمَ -عَلَيْهَا السَّلَامُ- يَتَبَيَّنُ لَهَا الحَمْلُ فِيْ بَطْنِهَا.

 

كَانَتْ هَذِهِ المَرْأَةُ الصَّالِحَةُ قَدْ تَأَخَّرَ عَنْهَا الحَمْلُ، وَتَشَوَّفَتْ نَفْسُهَا لِلْوَلَدْ، فَلَمَّا ظَهَرَ لَهَا الحَمْلُ شَكَرَتِ اللهَ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-، وَبَحَثَتْ عَنْ أَعْظَمِ شُكْرٍ واِمْتِنَانٍ تُقَدِّمُهُ لِرَبِّهَا: (إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)[آل عمران: 35].

 

نَعَمْ، وَهَبَتْ هَذَا الوَلَدَ للهِ -تَعَالَى- خَالِصًا لَهُ، يَقُومُ بِخِدْمَةِ بُيُوتِهِ.

 

فَلَمَّا حَانَتْ سَاعَةُ الوِلَادَةِ، وَاسْتَهَلَّ المَوْلُودُ تَبَيَّنَ أَنَّ المَولُودَ أُنْثَى، وَكَانَتْ خِدْمَةُ بُيُوتِ اللهِ -تَعَالَى- خَاصَّةً بِالذُكُورِ.

 

هُنَا تَغَيَّرَ وَجْهُ تِلْكَ المَرْأَةِ الصَّالِحَةِ، وَضَاقَ صَدْرُهَا، وَوَقَعَتْ فِيْ مُشْكِلَةٍ: (قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى)[آل عمران: 36].

 

“لَيْسَ الذَكَرُ كَالأُنْثَى” فِي قُدْرَتِهِ عَلَى خِدْمَةِ بُيُوتِ رَبِّهِ، وَ “لَيْسَ الذَكَرُ كَالأُنْثَى” فِيْ قُوَّتِهِ وَطَبِيْعَةِ تَحَمُّلِهِ لِلأَعْمَالِ الشَّاقَّةِ التِّي يَخْدِمُ بِهَا دِينَهُ وَالتِي نَوَتْهَا أُمُّ مَرْيَمَ.

 

نَعَمْ، “لَيْسَ الذَكَرُ كَالأُنْثَى” قَاعِدَةٌ قِيْلَتْ، وَأُثْبِتَتْ فِي كِتَابِ اللهِ -تَعَالَى-، لِتَبْقَى حَتَّى يَرِثَ اللهُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا.

 

وَلَيْسَ مَعْنَى أَنَّ الذَّكَرَ مُخْتَلِفٌ عَنِ الأُنْثَى أَنَّ أَحَدَهُمْ أَفْضَلُ مِنَ الآَخَرِ، لَا، بَلْ لِكُلٍّ مِيْزَةٌ، وَكُلُّ جِنْسٍ يُكْمِلُ نَقْصَ الآخَرِ.

 

فَمَا التَّأْنِيثُ لِاسْمِ الشَّمْسِ عَيْبٌ *** وَلَا التَّذْكِيرُ فَخْرٌ لِلْهِلَالِ

 

(وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُواْ اللّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا)[النساء: 32]. قَالَ السُّدِّيُّ: قَوْلُهُ فِي الْآيَةِ: (وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ) فَإِنَّ الرِّجَالَ قَالُوا: نُرِيدُ أَنْ يَكُونَ لَنَا مِنَ الْأَجْرِ الضِّعْفَ عَلَى أَجْرِ النِّسَاءِ، كَمَا لَنَا فِي السِّهَامِ سَهْمَانِ. وَقَالَتِ النِّسَاءُ: نُرِيدُ أَنْ يَكُونَ لَنَا أَجْرٌ مِثْلُ أَجْرِ الرِّجَالِ الشُّهَدَاءِ، فَإِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نُقَاتِلَ، وَلَوْ كُتِبَ عَلَيْنَا الْقِتَالُ لَقَاتَلْنَا فَأَبَى اللَّهُ ذَلِكَ، وَلَكِنْ قَالَ لَهُمْ: سَلُونِي مِنْ فَضْلِي.

 

اللهُ أَكْبَرُ! كُلٌّ مِنْهُمْ كَانَ يَتَمَنَّى مَا لَدَى الآخَرِ لِيُقَرِبَهُ إِلَى اللهِ -تَعَالَى-، فَأَيْنَ طُلَّابُ المُسَاوَاةِ اليَوْمَ عَنْ ذَلِكَ؟

 

هَذَا هُوَ حُكْمُ اللهِ القَدَرِيِّ: أَنَّ الذَّكَرَ لَيْسَ كَالأُنْثَى، وَهَذَا حُكْمُ الأَعْلَمِ بِالحِكَمِ وَالمَصَالِحِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، هَذَا كَلَامُ الَّذِي خَلَقَ الخَلْقَ، وَعَلِمَ مَا بَيْنَهُمْ مِنَ التَّفَاوُتِ وَالاِخْتِلَافِ: (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)[الملك: 14].

 

“لَيْسَ الذَكَرُ كَالأُنْثَى” لَا فِي التَكْوِينِ الجَسَدِيِّ، وَلَا فِيْ التَرْكِيْبِ النَّفْسِي، وَلَا فِيْ طَرِيقَةِ الحَدِيْثِ والكَلَامِ، وَلَا فِي العَاطِفَةِ وَالاِهتِمَامِ.

 

“لَيْسَ الذَكَرُ كَالأُنْثَى” فَتَكْوِينُ جَسَدِ الرَّجُلِ مُخْتَلِفٌ عَن جَسَدِ المَرْأَةِ، فَفِي الهَيْكَلِ العَظْمِيِّ، فَالإِنَاثُ لَهُنَّ حَوْضٌ أَكْبَرُ، مَعَ سَاقَينِ أَقْصَرُ وَوَرْكَيْنِ أَوْسَعُ، أَمَّا عَنِ الطُّولِ فَيَزِيدُ طُولُ الرَّجُلِ عَنِ المَرْأَةِ بِمَا لَا يَقِلُّ عَنْ ١٢ سم، وَمِنْ نَاحِيَةِ كَثَافَةِ العَظْمِ، فَالرِّجَالُ عِظَامُهُم أَكْثَرُ سُمْكَاً وَكَثاَفَةً.

 

أَمَّا الدِّمَاغُ فَإِنَّ دِمَاغَ المَرْأَةِ يَعْمَلُ بِطَرِيقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ تَمَامًا عَنْ دِمَاغِ الرَّجُلِ، كَمَّا أَنَّ دِمَاغَ الرَّجُلِ أَكْبَرُ بِنَسْبَةِ ١٠ إِلَى ٢٠٪ مِنْ دِمَاغِ المَرْأَةِ، وَحَسْبَ دِرَاسَاتٍ حَدِيثَةٍ بَيَّنَتْ أَنَّ الرَّجُلَ يَسْتَخْدِمُ القِسْمَ الأَيْمَنَ مِنْ الدِّمَاغِ بِصُورَةٍ أَكْبَرَ مِنَ الإِنَاثِ، وَهَذَا يَجْعَلُ لَدَى الرِّجَالِ مَهَارَاتٍ عَالِيَةً فِي الرِّيَاضِيَاتِ، عَلَى العَكْسِ مِنَ الإِنَاثِ فَهُنَّ يَتَفَوَّقْنَّ فِي المَهَارَاتِ الُّلغَويِّةِ.

 

وَمِنْ نَاحِيَةِ الأَحْكَامِ الشَرْعِيَةِ فَإِنَّ هُنَاكَ اِخْتِلَافًا فِيْ بَعْضِ أَحْكَامِ الصَّوْمِ والصَّلَاةِ وَالحَجِّ وَغَيْرِها، وَهَذَا الاِخْتِلَافُ رَاجِعٌ إِلَى مُرَاعَاةِ طَبِيعَةِ المَرْأَةِ مِنْ حَيْثُ خِلْقَتِهَا، وَتَركِيبِهَا العَقْلِيِّ وَالنَّفْسِيِّ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ صُوَرِ الاِخْتِلَافِ التِي لَا يُنْكِرُهَا العُقَلَاءُ وَالمُنْصِفُونَ مِنْ أَيِّ دِينٍ.

 

لِهَذَا الاِخْتِلَافِ الفِطْرِيِّ نَهَى النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنْ يَتَشَبَّهَ أَيُّ جِنْسٍ مِنْهُمَا بِالآخَرِ، وَأَعْظَمَ النَّهْيَ فِيْ ذَلِكَ حَتَّى لَعَنَهُ، وَمَا ذَاكَ إِلّا لِأنَّ مَنْ يَتَصَرَّفُ هَذَا التَصَرُّفَ يَخَالِفُ الفِطْرَةَ الصَحِيْحَةَ، وَالذَوْقَ السَلِيمَ، والعَقْلَ الرَّاجِحَ، رَوَى البُخَارِيُّ فِيْ صَحِيْحِهِ عَنِ اِبْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: “لَعَنَ رَسولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- المُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بالنِّسَاءِ، والمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بالرِّجَالِ”.

 

وَكُلُّ جِنْسٍ لَهُ نَقْصٌ بِمُفْرَدِهِ *** أَمَّا الحَيَاةُ فِبِالجِنْسَيْنِ تَكْتَمِلُ

 

أَيُّهَا الإِخْوَةُ: إِذَا كَثُرَ الاِخْتِلَاطُ بَيْنَ الجِنْسَيْنِ تَطَبَّعَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِطِبَاعِ الآخَرِ، وَإِذَا تَرَبَّى الذُّكُورُ مَعَ الإِنَاثِ تَطَبَّعُوا بِطِبَاعِهِم، وَهَذَا مُشَاهَدٌ وَاضِحٌ، وَلِذَلِكَ كَانَتِ العَرَبُ تَحْرِصُ عَلَى حَضُورِ أَبْنَائِهَا مَجَالِسَ الرِّجالِ.

 

ومَنْ أَرَادَ مُسَاوَاةَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ فَقَدْ ظَلَمَ الاِثْنَيْنِ، وَالصَّحِيحُ العَدْلُ بَيْنَهُمَا، وَالحَيَاةُ بَيْنَ الجِنْسَيْنِ قَائِمَةٌ عَلَى التَّكَامُلِ لَا عَلَى الصِّرَاعِ، وَمَنْ أَرَادَ مِنَ الرِّجَالَ المُسَاوَاةَ بِالمَرْأَةِ فَقَدَ رُجُوْلَتَهُ، وَمَنْ أَرَادَتْ مِنَ النِّسَاءِ المُسَاوَاةَ بِالرَّجُلِ فَقَدَتْ أُنُوثَتَهَا.

 

بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ بِالقُرآَنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنَا بِمَا فِيهِ مِنَ الآَيَاتِ وَالذِّكْرِ الحَكِيمِ، قَدْ قُلْتُ مَا سَمِعْتُمْ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدَاً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِيْ إِلَى رِضْوَانِهِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيهِ وَعَلَى آَلِهِ وَإِخْوَانِهِ وَخِلَّانِهِ، وَمَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِ وَاقْتَفَى أَثَرَهُ وَاِسْتَنَّ بِسُنَّتِهِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

 

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ -عِبَادَ اللهِ- (وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)[آل عمران: 102].

 

يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-: اِسْتَفْتَحْنَا قَبْلَ عِدَّةِ اَيَّامٍ عَامَاً هِجْرِيَّاً جَدِيْدًا، وَأَوَّلُ شُهُورِ العَامِ شَهْرُ اللهِ المُحَرَّمِ، ومِنْ أَفضلِ الأَعمالِ الفَاضلةِ في هَذَا الشَّهرِ الفَاضِلِ: الصِّيامُ؛ لِمَّا رَوَى مُسْلمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللهِ الْمُحَرَّمُ، وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ.

 

قالَ ابنُ رجبٍ -رحمهُ الله-: “هذا الحديثُ صَريحٌ في أَنَّ أَفضَلَ ما تُطُوِّعَ بِهِ مِنَ الصِيامِ بعدَ رَمضانَ صومُ شَهرِ اللهِ المُحرَّم“.

 

شَهرُ الحَرَامِ مُباركٌ مَيمُونُ *** والصَّومُ فِيهِ مُضاعَفٌ مَسْنُونُ

وَثَوابُ صَائِمِهِ لِوَجهِ إِلَهِهِ *** فِي الخُلْدِ عِنْدَ مَلِيكِهِ مَخزُونُ

 

وَمِن أعظمِ الأيامِ التي جاءِ الحَثُّ على صِيامِها: يومُ العَاشِرِ مِن مُحَرَّم، رَوَى البُخَاريُ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيهِمَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: “قَدِمَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْمَدِينَةَ، فَرَأَى الْيَهُودَ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟” قَالُوا: هَذَا يَوْمٌ صَالِحٌ، هَذَا يَوْمٌ نَجَّى اللهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عَدُوِّهِمْ، فَصَامَهُ مُوسَى، قَالَ: فَأَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ، فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ.

 

نعم، إنَّه يومٌ صَامَهُ النبيُ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- وَأَمَرَ الناسَ بِصِيَامِهِ، وكَفَى بِهذِهِ الجُملَةِ حَثًا على صيامِه، اقتداءً بنبيِّ اللهِ وامتثالاً لأمرِهِ صلواتُ الله وسلامُه عليه. فكيفَ إذا كان لصيامِ يومِ عاشوراءَ فَضلٌ عظيمٌ، فَاسمعْ لِمَا رَوَى مُسلمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ -رَضِيَ الله ُعَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- قالَ: صِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ.

 

اللهُ أَكْبَرُ! صِيَامُ يَومٍ وَاحِدٍ -إذا قُبِلَ- يُغفَرُ بِهِ لِلإنسَانِ مَا اَرْتَكَبَهُ طِوالَ سَنَةٍ كاملةٍ من معاصٍ وسيئاتٍ، فكيف يُفَرِّطُ الإنسانُ في هذا الأجر العَظيمِ والفَضْلِ الكَبير، بِأَنْ يُؤْثِرَ لَذَةً مُؤقَتةً على مَغفِرةِ ذنوبِ سَنَةٍ كاملة.

 

فَلْنَحْرِصْ عَلَى صِيَامِ يَوْمِ عَاشُوْرَاءَ، وَلْنَحْرِصْ عَلَى صِيَامِ التَّاسِعِ مَعَهُ لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- أنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ يَعْنِي: مَعَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، تَقَبَّلَ اللهُ مِنَ الجَمِيْعِ، وَأَعَانَنَا أَجْمَعِيْنَ عَلَى ذِكْرِهِ وَشُكْرِهِ وَحُسْنِ عِبَادَتِهِ.

 

إِلَى هُنَا اِنْتَهَى نِظَامِي وَكَفَى *** طُوبَى لِمَنْ صَلَّى عَلَيْهِ وَاقْتَفَى

فَصَلِّ يَا رَبِّ عَلَى النَّبِيِّ *** مُحَمَّدٍ بِفَضْلِكَ الجَلِيِّ

وَآَلِهِ الكِرَامِ وَالصَّحَابَةْ *** وَالتَّابِعِينَ ثُمَّ مَنْ أَجَابَهْ

 

يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-: اِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ -تَعَالَى- قَدْ أَمَرَنَا بِالصَّلَاةِ عَلَى نَبَيِهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-، وَجَعَلَ لِلصَّلَاةِ عَلَيهِ فِي هَذَا اليَوْمِ وَالإِكْثَارِ مِنْهَا مَزِيَّةً عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الأَيَّامِ.

 

فَاللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آَلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

 

عِبَادَ اللهِ: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)[النحل: 90]، فَاْذْكُرُوا اللهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُم (وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ)[العنكبوت: 45].

 

الملفات المرفقة
وليس الذكر كالأنثى
عدد التحميل 19
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات