طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

17098

أوليات أبي بكر الصديق -رضي الله عنه-

المكان : المملكة العربية السعودية / الرياض / بدون / بدون /
التصنيف الرئيسي : شخصيات مؤثرة
تاريخ النشر : 1441/01/04
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/مرتبة الصدِّيقية وحيازة أبي بكر الصديق لها 2/أبو بكر الصديق الأول إيمانًا وتصديقًا 3/أبو بكر الصديق الأول في المحبة 4/أبو بكر الصديق الأول في العبادة 5/أبو بكر الصديق الأول في النفقة 6/أبو بكر الصديق الأول علمًا وفهمًا 7/أبو بكر الصديق الأول في السباق إلى الجنة
اقتباس

مرتبة الصديقية هي كمال الانقياد للرسول مع كمال الإخلاص للمرسل… وأن التسليم هو مَحض الصديقية التي هي بعد درجة النبوة، وأن أكمل الناس تسليمًا أكملهم صديقية. والصديق أكملُ من المحدث؛ لأنه استغنى بكمال صديقيَّته ومتابعته عن التحديث والإلهام والكشف، فإنه قد سلَّم قلبَه كلَّه وسرَّه وظاهره وباطنه للرسول، فاستغنى به. وما ذُكر الصديقون إلا…

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله، أعظمَ للمتقين العاملين أجورهم، وشرح بالهدى والخيرات صدورهم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وَفق عباده للطاعات وأعان، وجعل في الأمة الصديقة منحة المنان، وأشهد أن نبينا محمدًا عبد الله ورسوله خير مَن علَّم أحكام الدين وأبان، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أهل الهدى والإيمان، وعلى التابعين لهم بإيمان وإحسان ما تعاقب الزمان، وسلم تسليمًا مزيدًا.

 

أما بعد: فما الصدِّيقية؟

إن الله جعل لعباده مراتب ودرجات، وحظوة ومقامات، واصطفى من عباده الأخيار، وجعل الأنبياء تاجًا على رؤوس الأولياء، وثنى بالصديقية وجعلها قرينة عند الفصل والجزاء، فقال تعالى: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ)[النساء: 69]؛ قال ابن القيم: “فأعلى مراتب الصدق: مرتبة الصديقية وهي كمال الانقياد للرسول مع كمال الإخلاص للمرسل… وأن التسليم هو مَحض الصديقية التي هي بعد درجة النبوة، وأن أكمل الناس تسليمًا أكملهم صديقية“.

 

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: “والصديق أكملُ من المحدث؛ لأنه استغنى بكمال صديقيَّته ومتابعته عن التحديث والإلهام والكشف، فإنه قد سلَّم قلبَه كلَّه وسرَّه وظاهره وباطنه للرسول، فاستغنى به“.

 

وما ذُكر الصديقون إلا انصرف الفكر أولًا إلى إمامهم أبي بكر الصديق الذي جعل من حياته عنوان التضحية والعطاء والاستقامة والتمسك بالإسلام، وقد شاركه في هذا خلق كثير، ولكن نريد أن نستشرف أوليَّات الصديق في هذه المقامات، والذي ما سابقه أحد في مضماره إلا كان ثانيًا، وما نافسه أحد إلا كان مخفقًا.

 

الأول: إيمانًا وتصديقًا: ليس بالهين أن يغير المرء ما يعتقد، وليس بالهيِّن أن يبدل المرء دينه بلا تردد أو تلعثم أو شيء من تفكير وتأمُّل، ولكنها المنح الربانية التي جعلت من الصديق أولًا في الإسلام وأولًا في التصديق بالرسالة، وما كان هذا الأمر لينسى من النبي -صلى الله عليه وسلم- حيث خذله الناس وعادوه، وفي أحد المواقف التي غضب فيها الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ردَّ عليهم بما يجعل الصديق أولًا بين أقرانه، فقال: هل أنتم تاركون لي صاحبي؟ هل أنتم تاركون لي صاحبي؟ إني قلت: يا أيها الناس، إني رسول الله إليكم جميعًا، فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدقت(البخاري).

 

وما سمي الصديق إلا بعد أن أسلم الأمر بكل جوارحه، فكان صادقًا في إيمانه صادقًا في منطقه، صادقًا في فعله، فتأتي حادثة الإسراء التي ما زادت أهل الكفر إلا كفرًا، وما زادت أهل الإيمان إلا إيمانًا وتصديقًا، فتقول عائشة -رضي الله عنها-: “وسعوا بذلك إلى أبي بكر، فقالوا: هل لك إلى صاحبك يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس؟ قال: أو قال ذلك؟ قالوا: نعم، قال: لئن كان قال ذلك لقد صدق، قالوا: أو تُصدقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح؟ قال: نعم، إني لأُصدقه فيما هو أبعد من ذلك، أُصدقه بخبر السماء في غدُوِّه أو رَوحه، فلذلك سُمي أبا بكر الصديق“(صححه الألباني).

 

الله أكبر، ما أقواها من عبارة تتفجر من قلب الصديق ليكون أولًا بحق في ميدان التسليم: “لئن كان قال ذلك لقد صدق“، ولتكون منهجًا لأهل الإيمان والتصديق.

 

الأول في المحبة: من أحبَّه الله وأحبه رسول الله فُتحت له أبواب الخير، وقد أعلنها النبي على رؤوس الناس جميعًا أن أعلى درجات الحب وهي الخلة لو كان سيصرفها لبشر، لكان أبو بكر صاحبها خاصة من دون المؤمنين جميعًا، تفرُّد عظيم جزاء تفرُّده ببذل نفسه وماله في سبيل الدعوة وصاحبها؛ قال عنه صلى الله عليه وسلم: إن أَمَنَّ الناسَّ عليَّ في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذًا خليلًا من أمتي لاتخذتُ أبا بكر، ولكن أخوة الإسلام ومودته(متفق عليه).

 

هذه الأسبقية في الخير كان ولا بد أن يكون لها أسبقية إلى قلب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فكان الأول حبًّا عند رسول الله، ففي الحديث: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعث عمرو بن العاص على جيش ذات السلاسل، قال: فأتيته فقلت: أي الناس أحبُّ إليك؟ قال: عائشة قلت: من الرجال؟ قال: أبوها قلت: ثم من؟ قال: عمر فعد رجالًا، فسكت مخافة أن يجعلني في آخرهم”(البخاري ومسلم).

 

كان قلب وقالب أبي بكر يتحرك من أجل الإسلام، فاستوت سريرته وعلانيته، بل ما يملك من الدنيا من مال وبنين وجاه قد أوقفها في سبيل الله عملًا صادقًا أدخل السرور إلى قلب النبي -صلى الله عليه وسلم-، فكان ولا بد أن يكون الأول حبًّا.

 

الأول في العبادة: المسابقة في الطاعات ميدان أولياء الله، والجمع بينها علامة القبول عند الله، وإن الصديق ليجري في مضمار الخير ليكون من أهله ولو لم يكن سابقهم، لكنهم لا يدركه أحد في المجموع، والأخذ بكل أطراف الخير، ففي حديث أبي هريرة قال صلى الله عليه وسلم: من أصبح منكم اليوم صائمًا؟” قال أبو بكر -رضي الله عنه-: أنا، قال: فمن تبع منكم اليوم جنازةً؟” قال أبو بكر -رضي الله عنه-: أنا، قال: فمن أطعم منكم اليوم مسكينًا؟” قال أبو بكر -رضي الله عنه-: أنا، قال: فمن عاد منكم اليوم مريضًا؟ قال أبو بكر -رضي الله عنه-: أنا، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ما اجتمعن في امرئ، إلا دخل الجنة(مسلم).

 

من غير سبق توصية ولا مبلغ علم بالأجر، كان الصديق في ذلك الصباح أولًا لتبقى له الصدارة وغيره لا يكون إلا ثانيًا، بهذا كان الصديق أقرب الناس إلى رسول الله وحق له مثل هذا الشرف.

 

الأول في النفقة: ومهما بلغ الإنسان في العطاء، إلا أنه لا يصل إلى درجة أنه لا يُبقي في يديه شيئًا ويضعها بين يدي الله، فهذا أمر خاص بالأنبياء، ومن قاربهم من الصديقين الأوفياء، وذلك لقوة اعتمادهم على الله والوثوق بما في يد الله أكثر من ثقتهم بما في أيديهم؛ يقول عمر بن الخطاب قال: “أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يومًا أن نتصدق، فوافق ذلك مالًا عندي، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يومًا، فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ما أبقيت لأهلك؟” قلت: مثله، قال: وأتى أبو بكر -رضي الله عنه- بكل ما عنده، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ما أبقيت لأهلك قال: أبقيت لهم الله ورسوله، قلت: “لا أسابقك إلى شيء أبدًا“(رواه أبو داود والترمذي وقال: “هذا حديث حسن صحيح”، وحسَّنه الألباني في صحيح سنن أبي داود).

 

ما عرف في تاريخ السيرة النبوية أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أخذ من أحد ماله كله في سبيل الله إلا من أبي بكر الصديق، لعلمه ما كان عليه من عظيم التوكل، وقدرته على الاكتساب من أوجه التجارات، وقد حطَّ الصحابة رحالهم في ميدان الإنفاق في ساحة الصديق؛ ليعلمهم كيف يكون الإنفاق، وكيف يكون التصديق؛ قال تعالى: (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ)[الزمر: 33]، عن علي -رضي الله عنه- في قوله: (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ) قال: “محمد -صلى الله عليه وسلم-، (وصدق به) قال: أبو بكر -رضي الله عنه-“(تفسير الطبري).

 

اللهم اجعلنا من الصادقين، واكتبنا في الصالحين برحمتك يا أرحم الراحمين.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله الذي خلق فسوَّى وقدر فهدى، وأسعد وأشقى، وأضلَّ بحكمته وهدى، ومنع وأعطى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له العلي الأعلى، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله النبي المصطفى، والرسول المجتبى، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى.

 

أما بعد: الأول علمًا وفهمًا: فلم يكن أحد من الرجال أقرب إلى النبي من أبي بكر حسًّا وقدرًا، بل كان يدرك من القضايا المتعلقة بالنبي التي قد تغيب عن الجميع، ففي حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- يقول: “جلس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على المنبر يومًا، فقال: إن عبدًا خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء، وبين ما عنده، فاختار ما عنده، فبكى أبو بكر وقال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا، فعجبنا له، فكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو المخير، وكان أبو بكر هو أعلمنا به”(متفق عليه).

 

الأول في السباق إلى الجنة: وكما كان أبو بكر في الدنيا أولًا بفضل من الله -عز وجل-، لم يكن هذا إلا مقدمة تكشف الستار عن أوليَّة له يوم الحساب، ففي حديث أبي هريرة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، قال: من أنفق زوجين في سبيل الله، نودي من أبواب الجنة: يا عبد الله، هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دُعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد، دُعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دُعي من باب الريَّان، ومن كان من أهل الصدقة، دُعي من باب الصدقة، فقال أبو بكر -رضي الله عنه-: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ما على مَن دُعي من تلك الأبواب من ضرورة، فهل يُدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟ قال: نعم، وأرجو أن تكون منهم(البخاري ومسلم).

 

هذه ثمرة الأولوية في الدنيا والمسابقة في ميادين الخير أن تدخل من الباب الذي كنت فيه أعظم عطاءً وبذلًا، وهذه الأبواب: (الصلاة – الجهاد – الصيام – الصدقة – الحج – الوالدين – الذكر – التوكل)، وأما أبو بكر لأنه في كل بذل أولًا، فقد استحقها جميعا دخولًا.

 

(رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ)[آل عمران: 8].

 

(رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ)[آل عمران: 53].

 

(رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا)[الكهف: 10].

 

اللهم إنا نسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك، والسلامة من كل إثم، والغنيمة من كل بر، والفوز بالجنة والنجاة من النار.

 

اللهم اقسِم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تُهون به علينا مصيبات الدنيا، ومتِّعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعَله الوارث منا، واجعَل ثأرنا على مَن ظلَمنا، وانصُرنا على مَن عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبرَ همِّنا، ولا مبلغ عِلمنا، ولا تسلِّط علينا من لا يرحمنا.

 

اللهم وحِّد كلمة المسلمين، واجمَع شملهم، واجْعَلهم يدًا واحدة على مَن سواهم، وانصُر اللهم المسلمين، واخذل الكفرة المشركين أعدائك أعداء الدين.

 

اللهم إنا نسألك لولاة أمورنا الصلاح والسداد، اللهم كنْ لهم عونًا وخُذْ بأيديهم إلى الحق والصواب والسداد والرشاد، ووفِّقهم للعمل لما فيه رضاك، وما فيه صالح العباد والبلاد.

 

(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)[البقرة: 201].

 

(سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)[الصافات: 180-182].

 

 

الملفات المرفقة
أوليات أبي بكر الصديق -رضي الله عنه-
عدد التحميل 13
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات