طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

17079

سدِّدوا وقارِبوا

المكان : المملكة العربية السعودية / مكة المكرمة / المسجد الحرام / المسجد الحرام /
التصنيف الرئيسي : هدايات السنة النبوية
تاريخ الخطبة : 1440/12/29
تاريخ النشر : 1441/01/01
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/العمل بمجرده لا يؤهل لدخول الجنة 2/على المسلم أن يجتهد في العمل ولا يعجب بعمله 3/العمل الذي يحبه الله ما كان على وجه السداد 4/العلاقة الصحيحة بين المشقة والأجر 5/الطريق إلى الله هو سلوك طريقه المستقيم
اقتباس

وَلْنَعْلَمْ عبادَ اللهِ أن الفضائل ليس بكثرة الأعمال البدنية، لكِنْ بكونها خالصةً لله -عز وجل-، صوابًا مُواِفقةً للسُّنَّة، فالصحابة -رضوان الله عليهم- لم يَسْبِقُوا مَنْ بعدَهم بكثرةِ صومٍ ولا صلاةٍ، ولكِنْ بسلامةِ صُدُورِهم والنصيحةِ للأمة، وصِدْق نياتِهم، وشدة تعلُّق قلوبهم بالآخرة…

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آلِ عِمْرَانَ: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النِّسَاءِ: 1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الْأَحْزَابِ: 70-71].

 

أما بعد: فقد أخرج البخاريُّ في صحيحه من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “لن يُنجِيَ أحدًا منكم عملُه، قالوا: ولا أنتَ يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلَّا أن يتغمدني اللهُ برحمته، سدِّدوا وقارِبُوا واغْدُوا ورُوحُوا، وشيء من الدُّلْجَة، والقصدَ القصدَ تبلُغُوا“، وفي لفظ: “إن هذا الدِّينَ يُسْرٌ، ولن يشادَّ الدينَ أحدٌ إلا غلَبَه، فسَدِّدُوا وقارِبُوا وأبشِرُوا واستعِينُوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة“، وخرَّجه أيضا من حديث عائشة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: “سدِّدُوا وقارِبُوا، واعلموا أنه لن يدخل أحدَكم عملُه الجنةَ، وإن أحبَّ الأعمال إلى الله أدومُها وإن قل“.

 

هذا الحديثُ أصلٌ عظيمٌ وقاعدةٌ جليلةٌ، فعملُ الإنسانِ مهما بلَغ ومهما كان في الحُسْن والإتقان لا يؤهِّلُه بمجرَّدِه لدخولِ الجنةِ، ولا ينجيه من النار، وإنَّما ذلك كلُّه يحصُل بمغفرة الله ورحمته، والجمع بين قوله -صلى الله عليه وسلم-: “لن يَدخل الجنةَ أحدٌ بعمله“، وقوله -عز وجل-: (ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)[النَّحْلِ: 32]، أن دخول الجنة يكون برحمته -تعالى-، وأمَّا انقسام منازلها وتفاوُت درجاتها فيكون بحسب الأعمال، فمن كانت أعماله أكثر وأحسن كانت منزلته في الجنة أعلى، كما لا بد أن يُعلَم أن العمل وإن كان سببًا لدخول الجنة فإنما هو فضل من الله، فإنما هو من فضل الله ورحمته أيضا، فتحصَّل من ذلك أن الجنة والعمل من فضل الله ورحمته على عباده المؤمنين، ولهذا يقول أهل الجنة عند دخولها: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ)[الْأَعْرَافِ: 43]، فلمَّا اعترفوا لله بنعمته عليهم بالجنة وبأسبابها من الهداية وحَمِدُوا اللهَ على ذلك كله جُوزُوا بأن نُودُوا: (أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)[الْأَعْرَافِ: 43]، فأُضِيفَ العملُ إليهم وشكروا عليه.

 

عباد الله: وممَّا يجدُر ذِكْرُه أن مضاعفة الحسنات إنما هي من فضل الله -عز وجل- وإحسانه؛ حيث جازَى بالحسنة عشرًا، ثم ضاعَفَها إلى سبعمائة ضِعْف، إلى أضعاف كثيرة، والعباد لا يزالون مقصرينَ، محتاجينَ إلى عفو ربهم ومغفرته، وما من أحد إلا وله ذنوب يحتاج إلى أن يغفرها اللهُ له، حتى يُكْرِمَه بالجنة التي دعاه إليها، قال تعالى: (وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ)[الْبَقَرَةِ: 221].

 

ويترتَّب على ما تقدَّم عبادَ اللهِ أن يقطع المؤمنُ نظرَه عن عمله بالكلية، ولا يعوِّل عليه وإن كَثُرَ وحَسُنَ، وألَّا يتكلَ على الطاعات والعبادات التي يعملها وعلى قبولها، فهذا ممَّا لا يعلمه إلا اللهُ -عز وجل-، وألَّا ينظر إلا إلى فضل الله ومِنَّتِه عليه، ولهذا كان الصحابة الكرام -رضوان الله عليهم-، مع فضلهم وسبقهم ومسارعتهم في الخيرات لا يرون لأنفسهم فضلًا، بل دائما ما يذكرون ربَّهم المنعِمَ المتفضِّلَ عليهم الذي مَنَّ عليهم بالعمل الصالح، ووفَّقَهم للتزوُّد من القُرُبات، فينسبون له الفضلَ والمنةَ، وقد بلَغ بهم الأمرُ مداه بأن جمعوا بين الاجتهاد في العمل والخوف من عدم القبول، فعن عائشة -رضي الله عنها- أنها قال: “يا رسول الله، في هذه الآية: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ)[الْمُؤْمِنَونَ: 60]، يا رسول الله، هو الذي يسرق ويزني ويشرب الخمرَ وهو يخاف الله، قال: لا، يا بنتَ الصِّدِّيقِ، ولكنه الذي يصلِّي ويصوم ويتصدَّق وهو يخاف الله عز وجل”(رواه أحمد).

 

ويُستفاد من هذا الحثُّ على الإسراع في عمل الطاعات والازدياد منها، مع الخوف والشفقة من الله -تعالى-، فهؤلاء الصحابة الأخيار البررة الأطهار، كان الخوف من سوء الخاتمة يقضُّ مضاجِعَهم، والوَجَلُ من العقاب يملأ قلوبَهم، والفزع من عدم القبول يُزعِج نفوسَهم، جاء في الأثر أن رجلا كان عند ابن مسعود فقال: “ما أُحِبُّ أن أكون من أصحاب اليمين، أُحِبُّ أن أكون من الْمُقَرَّبِينَ، فقال عبد الله: لكن ها هنا رَجُلٌ وَدَّ لو مات أنه لم يُبعث“؛ يعني نفسَه، فالمؤمن الصادق عبادَ اللهِ يبذل الجهدَ في العمل ويكدح في الصالحات ويتفانَى في الطاعات، ومع هذا فلا يعجَب بنفسه، يُدلي بعمله، ولا يمنُّ بما قدَّم؛ لعلمه أن الله -تعالى- هو الذي تفضَّل عليه بالتوفيق والإعانة، وصرَف الموانعَ والعوائقَ، ولسان حاله: “واللهِ لولا اللهُ ما اهتدينا، ولا تصدقنا ولا صلينا“.

 

كما أن عليه أن يسعى في تحصيل كلِّ عملٍ صالحٍ مشروعٍ يستطيعه، وألَّا يحتقرَ شيئًا من المعروف، فلا يدريه لعل عملا يسيرا يُخلِص فيه لله يكون سببًا في مغفرة الله له ودخوله الجنةَ، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: “بينما رجلٌ يمشي في طريق اشتدَّ عليه العطشُ فوجَد بئرًا فنزَل فيها فَشَرِبَ، ثم خرَج فإذا كلبٌ يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلَغ هذا الكلبُ من العطش مثلَ الذي كان بلَغ منِّي، فنزل البئرَ فملأ خُفَّه ماءً، ثم أمسَكَه بفيه حتى رقي فسقى الكلبَ، فشكر اللهُ له فغفَر له، قالوا: يا رسول الله، إنَّ لنا في البهائم أَجْرًا؟ قال: في كلِّ كبدٍ رطبةٍ أجرٌ” (متفق عليه)، وفي رواية للبخاري: “فشَكَر اللهُ له فغَفَر له فأدخله الجنةَ“.

 

فهذا الرجلُ غفَر اللهُ له وشكَر له هذا العملَ، وكان من أسباب دخوله الجنةَ، كما أن على المؤمن الطالب للنجاة من النار والدخول للجنة أن يطلب ذلك بالأسباب الْمُوصِلة إلى رحمة الله وعفوه ومغفرته ورضاه ومحبته، فمن الأعمال التي يُحِبُّها اللهُ -سبحانه وتعالى- ما داوَم عليه وإن كان قليلا، فكان النبي -صلى الله عليه وسلم- ينهى عن قطع العمل، كما قال لعبد الله بن عمرو بن العاص: “لا تَكُنْ مثلَ فلانٍ، كان يقوم الليلَ فترَكَ قيامَ الليلِ“.

 

ومن الأعمال التي يحبها اللهُ ما كان على وجه السداد والاقتصاد والتيسير، دون ما كان على وجه التكلُّف والتعسير، (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)[الْبَقَرَةِ: 185]، وقد أنكَر النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- على مَنْ عزَم على التبتُّل والاختصاء وقيام الليل وصيام النهار، وقراءة القرآن كلَّ ليلة، وأرشَد الثلاثةَ الذين أرادوا أن يتخذوا لهم منهجًا يخالف هديَه بأن ردَّهُم إلى السداد والاعتدال فقال: “ولكني أصوم وأُفطر وأقوم وأنام، وأتزوَّج النساءَ، فمن رَغِبَ عن سُنَّتي فليس مِنِّي“، وهذا هو معنى قوله -صلى الله عليه وسلم-: “سَدِّدُوا وقَارِبُوا”؛ أي اطلبوا السدادَ واعملوا به، وهو القصد في العبادة، دون التفريط ودون الإفراط، فلا تقصيرَ ولا غُلُوَّ.

 

وأمَّا قوله -صلى الله عليه وسلم-: “وقارِبُوا: أي: لا تُفَرِّطوا فتُجهدوا أنفسَكم في العبادة؛ لئلا يُفضي بكم ذلك إلى الملال، فتتركوا العملَ، فتُفَرِّطوا، قال ابن تيمية -رحمه الله-: “ومما ينبغي أن يُعرَف أن الله ليس رضاه أو محبته في مجرَّد عذاب النفس، وحملها على المشاقِّ، حتى يكون العمل كلما كان أشقَّ كان أفضلَ، كما يَحْسَب كثيرٌ من الجُهَّال، أن الأجر على قدر المشقة في كل شيء، لا، ولكنَّ الأجرَ على قدر منفعة العمل ومصلحته وفائدته، وعلى قدر طاعة أمر الله ورسوله، فأيُّ العملينِ كان أحسنَ وصاحِبُه أطوعَ وأتبع كان أفضل، فإن الأعمال لا تتفاضَل بالكثرة، وإنما تتفاضَل بما يحصُل في القلوبِ حالَ العملِ“.

 

وقول النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذا الحديث: “وَأَبْشِرُوا” يعني إذا سددتُم أصبتُم أو قاربتُم الصوابَ واقتصدتُم في العبادة بلا إسرافٍ أو تفريطٍ فَأَبْشِرُوا بالثواب الجزيل والخير، ويُلحَظ أن البشارة هنا مطلقة؛ لتتناول كلَّ خير عميم، وفضل عظيم، وعطاء جزيل في الدنيا والآخرة.

 

وَلْنَعْلَمْ عبادَ اللهِ أن الفضائل ليس بكثرة الأعمال البدنية، لكِنْ بكونها خالصةً لله -عز وجل-، صوابًا مُواِفقةً للسُّنَّة، فالصحابة -رضوان الله عليهم- لم يَسْبِقُوا مَنْ بعدَهم بكثرةِ صومٍ ولا صلاةٍ، ولكِنْ بسلامةِ صُدُورِهم والنصيحةِ للأمة، وصِدْق نياتِهم، وشدة تعلُّق قلوبهم بالآخرة، ورغبتهم فيها وإعراضهم عن الدنيا، فقد حصَل لهم بصحبتهم للرسول مؤمنينَ به مجاهدينَ معه إيمانٌ ويقينٌ لم يشركهم فيه أحدٌ ممن جاء بعدهم.

 

أيها المسلمون: أفضلُ الناسِ مَنْ سَلَكَ طريقَ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- وخواصِّ أصحابه، في الاقتصاد في العبادة الدينية، والاجتهاد في الأحوال القلبية، فإن سَفَرَ الآخرةِ يقطَع بسفر القلوب لا بسير الأبدان، وقد جاء في هذا الحديث أوقات السير إلى الله -تعالى-، وهي آخِرُ الليلِ وأولُ النهارِ وآخِرُه، وهو معنى قوله -صلى الله عليه وسلم-: “استَعِينوا بالغدوة والروحة، وشيء من الدلجة”، وقد ذكرها الله -عز وجل- في كتابه: (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا * وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا)[الْإِنْسَانِ: 25-26]، فوقتانِ أول النهار وآخره، يجتمع فيهما عملٌ واجبٌ وآخَرُ تطوُّع، فأمَّا العمل الواجب فصلاة الصبح وصلاة العصر، وهما البَرْدَانِ اللذانِ مَنْ حافَظ عليهما دخَل الجنةَ، وأمَّا عملُ التطوعِ فهو ذكرُ اللهِ بعد صلاة الصبح حتى تطلُع الشمسُ، وبعد العصر حتى تغرُب الشمسُ، والوقتُ الثالثُ هو وقت الدلجة، والإدلاج هو سيرُ آخرِ الليلِ، والمراد في الحديث هو عملُ آخرِ الليلِ، وهو وقتُ الاستغفارِ، كما قال تعالى: (وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ)[آلِ عِمْرَانَ: 17].

 

أيها الإخوة في الله: لن يَدخل الجنةَ أحدٌ بعمله، لا يُفهم منه أن العمل لا فائدة فيه، أو أن يترك المرءُ العبادةَ، لا، بل لا بد من العمل، وله فائدة عظيمة؛ وهي أن العمل علامة على وجود الرحمة التي تُدخل العاملَ الجنةَ فيكون المراد: “اعمَلُوا واقصدوا بعملكم الصوابَ“؛ أي اتباع السُّنَّة من الإخلاص وغيره؛ ليُقبل عملُكم، فينزل عليكم الرحمة، ومع أن العمل مطلوب لا ينقطع العبدُ عنه ما دام حَيًّا، بل كلما ازداد العبدُ من طاعة الله ازداد خيرُه وكمالُه ودرجتُه عند الله، إلا أنه مع ذلك كله لا يتَّكِل على عمله في دخول الجنة، والحديثُ يفيد أن مجرد السبب لا يُوجِب حصولَ المسبب، فإن المطر إذا نزل وبذر الحَبُّ لم يكن ذلك كافيًا في حصول النبات، بل لا بد من الهواء والتراب، ولا بد من صرف الآفات المفسِدة له، فلا بد من تمام الشروط وزوال الموانع، وكلُّ ذلك بقضاء الله وقَدَرِه، وكذلك أمرُ الآخرةِ، ليس بمجرد العمل يَنال الإنسانُ السعادةَ، بل هو سبب، وإنما يحتاج العبدُ مع عمله إلى رحمة الله وفضله، ليدخل الجنة، فالعمل وإن عظم فإنه لا يستقلُّ بنجاة العبد، ولا يستحقُّ به دخولَ الجنة، ولا النجاة من النار، والتكرار في قوله -صلى الله عليه وسلم-: “القصدَ القصدَ، تَبْلُغوا” فيه إشارة إلى المداوَمة على العمل، فإن شدة السير والاجتهاد مظنة السآمة والانقطاع، والقصدُ أقربُ إلى الدوام.

 

أقول هذا القولَ، وأستغفر الله لي ولكم، إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله الذي هدانا للإسلام، وجعَلَنا من أمة سيد الأنام، عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، وأشهد ألَّا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، بلَّغ الرسالةَ، وأدَّى الأمانةَ ونصَح الأمةَ، وتركَها على مثل البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالكٌ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

 

أما بعدُ: فيا أيها المسلمون: الطريق إلى الله هو سلوك صراطه المستقيم، الذي بعَث اللهُ به رسولَه، وأنزَل به كتابَه، وأمَر الخلقَ كلَّهم بسلوكه والسير فيه، وغاية هذا السير يوصل المؤمنَ إلى ربه، ومن لا يعرف الطريقَ إلى ربِّه ضلَّ وحادَ عن الجادَّة، والوصول إلى الله نوعان، أحدهما في الدنيا، والثاني في الآخرة، فأمَّا الوصول الدنيوي فالمراد به أن القلوب تصل إلى معرفته -جل وعلا-، فإذا عَرَفَتْه أحَبَّتْه وأَنِسَتْ به، فوجدَتْه منها قريبًا، ولدعائها مجيبًا، وأمَّا الوصول الأخروي فالدخول إلى الجنة التي هي دارُ كرامةِ اللهِ لأوليائه على تفاوُت في الدرجات، وفي سير العباد إلى ربهم، لَزِمَ التنبيهُ على ما يُضِيعُ العملَ، فيصير هباءً منثورًا؛ كأن يكون للإنسان أعمالٌ يرجو بها الخيرَ فتذهب عليه سُدًى، قال تعالى: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا)[الْفُرْقَانِ: 23]، أو أن يعمل المرءُ ذنبًا يحتقره ويستهين به، فيكون هو سببَ هلاكه، قال تعالى: (وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ)[النُّورِ: 15]، وأصعبُ من هذا مَنْ زُيِّنَ له سوءُ عملِه فرآه حَسَنًا، قال تعالى: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا)[الْكَهْفِ: 103-104].

 

أو تكون له أعمال صالحة لكن كانت عليه مظالم فيقتسم الغرماءُ أعمالَه كلَّها، ثم يفضل لهم فضلٌ فيُطرح من سيئاتهم عليه، ثم يُطرَح في النار.

 

ومن المسائل المهمة في السير إلى الله أن العبرة في الأعمال بخواتيمها وعواقبها، فما أجدرَ المؤمنَ أن يسأل ربَّه حُسْن الختام، ويستعيذ به من سوء الخاتمة، ويدعوه بأن يثبِّته على الدين حتى الممات، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آلِ عِمْرَانَ: 102]، قال ابن كثير -رحمه الله-: “أي: حافِظُوا على الإسلام في حال صحتكم وسلامتكم؛ لتموتوا عليه، فإن الكريم قد أجرى عادتَه بكرمه، أنه مَنْ عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بُعِثَ عليه“، فعياذًا بالله من خلاف ذلك.

 

معاشرَ المسلمين: لا بد أن نتأهب لِمَا أمامَنا وننظر كم مضى من أعمارنا، ونعمل على محاسَبة أنفسنا من الآن، قبل أن يفجأنا الموتُ، قال الفُضَيْل بن عِيَاض لرجل: “كم أَتَتْ عليكَ؟ قال: ستون سنةً، قال الفُضَيْل: فأنتَ منذ ستينَ سنةً تسير إلى ربِّكَ تُوشِكُ أن تبلُغَ، فقال الرجل: يا أبا عليِّ، إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، قال له الفضيل: تعلم ما تقول؟ قال الرجل: قلتُ: إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، قال الفضيل: تعلم ما تفسيرُه؟ قال الرجل: فَسِّرْه لنا يا أبا علي، قال: قولك: إنَّا لله، تقول: أنَا للهِ عبدٌ، وأنا إلى الله راجعٌ، فَمَنْ عَلِمَ أنه عبدُ الله، وأنَّه إليه راجعٌ فليعلم بأنه موقوفٌ، وَمَنْ عَلِمَ بأنه موقوف فليعلم بأنه مسئولٌ، وَمَنْ عَلِمَ أن مسئولٌ فليُعِدَّ للسؤال جوابًا، فقال الرجل: فما الحيلةُ؟ قال: يسيرةٌ، قال: فما هي؟ قال: تُحسِن فيما بقي، يغفر لكَ ما مضى وما بقي، فإنكَ إن أسأتَ فيما بقي أُخِذْتَ بما مضى وما بقي“.

 

قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: “صِدْقُ التأهبِ للقاء هو مفتاح جميع الأعمال الصالحة والأحوال الإيمانية ومقامات السالكين إلى الله، ومنازل السائرين إليه، من اليقظة والتوبة والإنابة، والمحبة والرجاء والخشية، والتفويض والتسليم، وسائر أعمال القلوب والجوارح”.

 

ألَا وصلُّوا وسلِّموا -رحمكم الله- على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة الذي بُعِثَ بالحنفية السمحاء، (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الْأَحْزَابِ: 56].

 

اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، وعلى أزواجه وذريته، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى أزواجه وذريته، كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد.

 

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الكفر والكافرين، وانصر عبادك الموحدين، ودمر أعداءك أعداء الدين، اللهم من أرادنا وأرد بلاد المسلمين بسوء فأشغله بنفسه، ورُدَّ كيدَه في نحره، واجعل تدبيرَه تدميرَه يا سميع الدعاء.

 

اللهم احفظ بلاد الحرمين، ومقدَّسات المسلمين من شر الأشرار وكيد الفجار، ومن عبث العابثين وكيد الكائدين وعدوان المعتدين، اللهم اجعل بلدنا هذا آمِنًا مطمئنا سخاءً رخاءً وسائرَ بلاد المسلمين، اللهم آمِنَّا في الأوطان والدُّور، وأصلح الأئمةَ وولاةَ الأمور، واجعل ولايَتَنا فيمن خافَكَ واتَّقَاكَ، واتبع رضاكَ يا ربَّ العالمينَ.

 

اللهم وفِّق وليَّ أمرنا لما تحبه وترضاه من الأقوال والأعمال يا حي يا قيوم، وخذ بناصيته للبر والتقوى، اللهم كن لإخواننا المستضعفين والمجاهدين في سبيلك، والمرابطين على الثغور وحماة الحدود، اللهم كن لهم معينا ونصيرا، ومؤيدا وظهيرا يا رب العالمين، والحمد لله رب العالمين.

 

الملفات المرفقة
سدِّدوا وقارِبوا
عدد التحميل 67
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات