طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان: مقتل ألف مدنى فى سوريا خلال 4 شهور    ||    العراق: سنتوجه للأمم المتحدة إذا ثبث تورط إسرائيل في استهداف مقراتنا    ||    تقرير أممي: مليشيا الحوثي ارتكبت «جرائم حرب»    ||    الطبيب التاجر!    ||    السعادة في الرضا    ||    المتنمِّرون!    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

17047

طفولة العلماء -2

المكان : المملكة العربية السعودية / الرياض / بدون / بدون /
التصنيف الرئيسي : خطب الطفولة التربية
تاريخ النشر : 1440/12/21
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/طفولة الإمام البخاري 2/البداءة المحرقة والنهاية المشرقة 3/دعاء الأم 4/طفولة الإمام النووي 5/أمارات الصلاح في الصغر 6/التربية على العلم النافع.
اقتباس

لَقَدْ أُلْهِمَ هَذَا الْفَنَّ صَغِيرًا، وَانْكَبَّ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ انْكِبَابًا كَبِيرًا، وَرَزَقَهُ اللهُ فِي ذَلِكَ ذَكَاءً خَارِقًا، وَحِفْظًا نَادِرًا، وَفَهْمًا ثَاقِبًا مُنْذُ طُفُولَتِهِ…هَذَا الصَّبِيُّ يُرْجَى أَنْ يَكُونَ أَعْلَمَ أَهْلِ زَمَانِهِ وَأَزْهَدَهُمْ، وَيَنْتَفِعُ النَّاسُ بِهِ، فَقَالَ لِي: أَمُنَجِّمٌ أَنْتَ؟!…

الخُطْبَةُ الأُولَى:

 

إِنَّ الْحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران:102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً)[النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً)[الأحزاب:70-71]، أَمَّا بَعْدُ:

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: “صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ” “الْأَرْبَعُونَ النَّوَوِيَّةُ” “رِيَاضُ الصَّالِحِينَ” كُتُبٌ ثَلَاثَةٌ ذَاعَتْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَانْتَشَرَتْ فِي أَوْسَاطِهِمُ انْتِشَارًا وَاسِعًا فِي كُلِّ زَمَانٍ، مِنْ حَيَاةِ مَنْ كَتَبَهَا إِلَى الْيَوْمِ إِلَى أَنْ يَشَاءَ اللهُ -تَعَالَى-، وَقَلَّ أَنْ يُوجَدَ أَحَدٌ لَهُ حَظٌّ مِنَ الْعِلْمِ وَالْحِرْصِ عَلَى مَعْرِفَةِ الدِّينِ أَنْ يَخْلُوَ بَيْتُهُ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْأَسْفَارِ الْخَالِدَةِ، الَّتِي تَغَيَّرَتِ الْأَزْمِنَةُ وَالْأَنَامُ، وَأُحْرِقَتِ الْمَكْتَبَاتُ، وَحَاوَلَ أَعْدَاءُ الْإِسْلَامِ مَحْوَ الْعِلْمِ وَكُتُبِهِ مِنْ بَيْنِ الْمُسْلِمِينَ، وَهِيَ لَمْ تَزَلْ عَلَى وَجْهِ الزَّمَانِ بَاقِيَةً، وَكَأَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الدَّهْرِ عَهْدًا بِالْعَيْشِ وَالذَّهَابِ مَعًا بِلَا افْتِرَاقٍ.

 

فَحَدِيثُنَا إِلَيْكُمُ الْيَوْمَ عَنْ مُؤَلِّفَيْ هَذِهِ الْكُتُبِ الثَّلَاثَةِ، غَيْرَ أَنَّنَا لَنْ نَتَنَاوَلَ مِنْ حَيَاتِهِمُ الْعَامِرَةِ بِالنُّورِ وَالْهُدَى إِلَّا جَانِبَ حَيَاةِ الطُّفُولَةِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ مَنَارَ هُدًى لِلْأَطْفَالِ، وَلِلْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ؛ لِكَيْ يَجْعَلُوا مِنْ مِثْلِ هَؤُلَاءِ الْعُظَمَاءِ قُدْوَتَهُمُ الَّتِي بِهَا يَقْتَدُونَ.

 

عِبَادَ اللهِ: الْعَلَمُ الْأَوَّلُ هُوَ: الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- صَاحِبُ كِتَابِ “الْجَامِعُ الْمُسْنَدُ الصَّحِيحُ الْمُخْتَصَرُ مِنْ أُمُورِ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَسُنَنِهِ وَأَيَّامِهِ”، وَالْمَشْهُورُ بِـ” صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ”.

 

وُلِدَ هَذَا الْإِمَامُ بِمِنْطَقَةِ بُخَارى -وَهِيَ وِلَايَةٌ مِنْ وِلَايَاتِ أُوزْبَكِسْتَانَ الْيَوْمَ- فِي “شَوَّالٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ”(سير أعلام النبلاء (12/  392)  ).

 

إِنَّ طُفُولَةَ الْإِنْسَانِ وَإِقْبَالَهُ بِالْعِنَايَةِ عَلَى شَيْءٍ مَا قَدْ تَكُونُ صُورَةً مُصَغَّرَةً لِمَا يَكُونُ عَلَيْهِ فِي حَالِ كِبَرِهِ، خُصُوصًا إِذَا لَقِيَ الْحَفَاوَةَ وَالتَّشْجِيعَ، وَبَقِيَ مُسْتَمِرًّا عَلَى تِلْكَ السَّبِيلِ، وَهَذَا يَدْعُو الْوَالِدَيْنِ وَالْمُرَبِّينَ إِلَى إِحْسَانِ تَوْجِيهِ الْأَطْفَالِ إِلَى الْأَشْيَاءِ النَّافِعَةِ وَتَحْبِيبِهَا إِلَيْهِمْ؛ حَتَّى يَشِبُّوا وَيَشِيبُوا عَلَيْهَا.

 

وَإِمَامُنَا الْبُخَارِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- كَأَنَّ اللهَ -تَعَالَى- لَمْ يَخْلُقْهُ إِلَّا لِعِلْمِ الْحَدِيثِ، فَقَدْ أُلْهِمَ هَذَا الْفَنَّ صَغِيرًا، وَانْكَبَّ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ انْكِبَابًا كَبِيرًا، وَرَزَقَهُ اللهُ فِي ذَلِكَ ذَكَاءً خَارِقًا، وَحِفْظًا نَادِرًا، وَفَهْمًا ثَاقِبًا مُنْذُ طُفُولَتِهِ، فَكَانَ ذَلِكَ حِفْظًا مِنَ اللهِ لِحَدِيثِ نَبِيِّهِ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-، حَتَّى إِنَّ شُيُوخَهُ تَعَجَّبُوا مِنْ حِفْظِ هَذَا الطِّفْلِ وَدِقَّةِ فَهْمِهِ.

 

عَنْ “مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَاتِمٍ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللهِ: كَيْفَ كَانَ بَدْءُ أَمْرِكَ؟ قَالَ: أُلْهِمْتُ حِفْظَ الْحَدِيثِ وَأَنَا فِي الْكُتَّابِ. فَقُلْتُ: كَمْ كَانَ سِنُّكَ؟ فَقَالَ: عَشْرُ سِنِينَ، أَوْ أَقَلُّ. ثُمَّ خَرَجْتُ مِنَ الْكُتَّابِ بَعْدَ الْعَشْرِ، فَجَعَلْتُ أَخْتَلِفُ إِلَى الدَّاخِلِيِّ وَغَيْرِهِ. فَقَالَ يَوْمًا فِيمَا كَانَ يَقْرَأُ لِلنَّاسِ: سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ أَبَا الزُّبَيْرِ لَمْ يَرْوِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ.

 

فَانْتَهَرَنِي، فَقُلْتُ لَهُ: ارْجِعْ إِلَى الْأَصْلِ. فَدَخَلَ فَنَظَرَ فِيهِ، ثُمَّ خَرَجَ، فَقَالَ لِي: كَيْفَ هُوَ يَا غُلَامُ؟ قُلْتُ: هُوَ الزُّبَيْرُ بْنُ عَدِيٍّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، فَأَخَذَ الْقَلَمَ مِنِّي، وَأَحْكَمَ كِتَابَهُ، وَقَالَ: صَدَقْتَ. فَقِيلَ لِلْبُخَارِيِّ: ابْنُ كَمْ كُنْتَ حِينَ رَدَدْتَ عَلَيْهِ؟ قَالَ: ابْنُ إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً.

 

فَلَمَّا طَعَنْتُ فِي سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً كُنْتُ قَدْ حَفِظْتُ كُتُبَ ابْنِ الْمُبَارَكِ وَوَكِيعٍ، وَعَرَفْتُ كَلَامَ هَؤُلَاءِ، ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَ أُمِّي وَأَخِي أَحْمَدَ إِلَى مَكَّةَ؛ فَلَمَّا حَجَجْتُ رَجَعَ أَخِي بِهَا، وَتَخَلَّفْتُ فِي طَلَبِ الْحَدِيثِ”(سير أعلام النبلاء (12/  393) ).

 

فَتَأَمَّلُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- إِلَى هَذَا الْحِفْظِ الْعَجِيبِ وَالْحِرْصِ الْكَبِيرِ وَهُوَ فِي هَذِهِ السِّنِّ الْمُبَكِّرَةِ الَّتِي تُعَدُّ فِي عَصْرِنَا عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الْأَطْفَالِ وَقْتَ لَعِبٍ وَعَبَثٍ وَضَيَاعِ وَقْتٍ!

 

لَكِنْ بِمِثْلِ أُولَئِكَ الْعُظَمَاءِ الَّذِينَ رَضَعُوا الْعَظَمَةَ مُنْذُ نُعُومَةِ أَظْفَارِهِمْ حَفِظَ اللهُ الشَّرِيعَةَ وَالْعُلُومَ، وَأُسِّسَتْ قَوَاعِدُ الْمَعَارِفِ وَالْفُهُومِ.

 

أُولَئِكَ آبَائِي فَجِئْنِي بِمِثْلِهِمْ ** إِذَا جَمَعَتْنَا يَا جَرِيرُ الْمَجَامِعُ

 

أَيُّهَا الْفُضَلَاءُ: لَقَدْ رَزَقَ اللهُ -تَعَالَى- الْإِمَامَ الْبُخَارِيَّ أُمًّا رَؤُومًا عُنِيَتْ بِهِ، وَقَامَتْ لَهُ مَقَامَ الْوَالِدَيْنِ كِلَيْهِمَا؛ فَكَانَتْ لَهُ عَوْنًا كَبِيرًا عَلَى مَيْلِهِ وَلُزُومِهِ مَجَالِسَ الْحَدِيثِ، وَالنُّقْلَةِ إِلَى مَظَانِّ أَهْلِهِ، وَالتَّفَرُّغِ لِلِاشْتِغَالِ بِهِ، وَأَرْدَفَتْ ذَلِكَ بِدَعَوَاتِهَا الْمُتَوَاصِلَةِ؛ بَلْ إِنَّ اللهَ أَكْرَمَهَا وَأَكْرَمَ طِفْلَهَا الْإِمَامَ بِاسْتِجَابَةِ دَعْوَتِهَا حِينَمَا أُصِيبَ وَلَدُهَا بِالْعَمَى، فَكَانَتْ دَعَوَاتُهَا وَسَيْلُ دَمَعَاتِهَا سَبَبًا فِي رَدِّ اللهِ الْبَصَرَ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللهِ. فَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْفَضْلِ الْبَلْخِيِّ، سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: “ذَهَبَتْ عَيْنَا مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ فِي صِغَرِهِ، فَرَأَتْ وَالِدَتُهُ فِي الْمَنَامِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- فَقَالَ لَهَا: يَا هَذِهِ، قَدْ رَدَّ اللهُ عَلَى ابْنِكِ بَصَرَهُ؛ لِكَثْرَةِ بُكَائِكِ، أَوْ كَثْرَةِ دُعَائِكِ، فَأَصْبَحْنَا وَقَدْ رَدَّ اللهُ عَلَيْهِ بَصَرَهُ”(سير أعلام النبلاء (12/  393) ).

 

فَالْحَمْدُ للهِ عَلَى هَذِهِ النِّعْمَةِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ عَلَى الْبُخَارِيِّ وَأُمِّهِ فَحَسْبُ، بَلْ كَانَتْ نِعْمَةً عَلَى الْأُمَّةِ كُلِّهَا؛ فَقَدْ أَقْبَلَ الْبُخَارِيُّ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى عِلْمِ الْحَدِيثِ، وَحُبِّبَ إِلَيْهِ؛ حَتَّى تَوَّجَ ذَلِكَ بِرُؤْيَا رَآهَا، فَكَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ مِفْتَاحَ تَأْلِيفِ كِتَابِهِ الصَّحِيحِ.

وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: ” رَأَيْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَأَنِّي وَاقِفٌ بَيْنَ يَدَيْهِ وَبِيَدِي مِرْوَحَةٌ أَذُبُّ عَنْهُ، فَسَأَلْتُ بَعْضَ الْمُعَبِّرينَ، فَقَالَ: إِنَّكَ تَذُبُّ عَنْهُ الْكَذِبَ؛ فَهُوَ الَّذِي حَمَلَنِي عَلَى إِخْرَاجِ الصَّحِيحِ“(شذرات الذهب – ابن العماد (2/  133) ).

 

بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ بِالْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ، قُلْتُ مَا سَمِعْتُمْ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ؛ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

 

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:

 

الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَلِيُّ الصَّالِحينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا وَعَظِيمَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الصَّادِقُ الْوَعْدِ الْأَمِينُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ، وَصَحَابَتِهِ الْأَكْرَمِينَ، وَزَوْجَاتِهِ الطَّاهِرَاتِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا، أَمَّا بَعْدُ:

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: وَمِنَ الْقَرْنِ الثَّالِثِ نَنْتَقِلُ بِكُمْ إِلَى الْقَرْنِ السَّابِعِ مِنْ هِجْرَةِ الْمُصْطَفَى -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَمَعَ عَلَمٍ شَامِخٍ مِنْ أَعْلَامِ الْإِسْلَامِ الْعِظَامِ الَّذِينَ كَانُوا فِي طُفُولَتِهِمْ مَنَارَاتِ هِدَايَةٍ فِي طَرِيقِ الْعَظَمَةِ، هَذَا الْعَلَمُ هُوَ صَاحِبُ كِتَابَيْ: “الْأَرْبَعِينَ النَّوَوَيَّةِ”، و”رِيَاضِ الصَّالِحِينَ” وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْكُتُبِ النَّافِعَةِ الَّتِي أَفَادَ مِنْهَا الْمُسْلِمُونَ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ بَعْدَ تَأْلِيفِهَا.

 

وَهَذَا الْإِمَامُ هُوَ: أَبُو زَكَرِيَّا، مُحْيِي الدِّينِ يَحْيَى بْنُ شَرَفٍ النَّوَوِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-. وُلِدَ فِي نَوَى (قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى حُورَانَ، بِسُورِيَّةَ) فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَسِتِّمِائَةٍ. وَقَدْ أَنْشَأَهُ أَبُوهُ -رَحِمَهُ اللهُ- عَلَى حُبِّ الْعِلْمِ، وَمَا انْتَقَلَ إِلَى دِمْشَقَ إِلَّا بَعْدَ أَنْ حَفِظَ الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ، لِيَشْرَعَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي تَلَقِّي الْعُلُومِ الْأُخْرَى.

 

وَالْمُتَأَمِّلُ فِي حَيَاةِ الْإِمَامِ النَّوَوِيِّ فِي صِبَاهُ يُلَاحِظُ أَمَارَاتِ الصَّلَاحِ وَالْمُسْتَقْبَلِ الْعِلْمِيِّ الْمُشْرِقِ عَلَيْهِ بَادِيَةً. فَلَمْ تَكُنْ طُفُولَتُهُ كَطُفُولَةِ غَيْرِهِ، بَلْ كَانَ وَقْتُهُ مَصْرُوفًا فِيهَا إِلَى الْحِفْظِ وَالدَّرْسِ حَتَّى أَدْرَكَ الْبُلُوغَ وَهُوَ عَلَى ذَلِكَ التَّمَيُّزِ وَالتَّفَوُّقِ.

 

فَقَدْ حَفِظَ الْقُرْآنَ وَبَعْضَ مَبَادِئِ الْعُلُومِ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ. وَمِمَّا يُحْكَى عَنْهُ -رَحِمَهُ اللهُ-: “أَنَّهُ كَانَ نَائِمًا إِلَى جَنْبِ وَالِدِهِ وَقَدْ بَلَغَ مِنَ الْعُمْرِ سَبْعَ سِنِينَ لَيْلَةَ السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَانْتَبَهَ نَحْوَ نِصْفِ اللَّيْلِ وَقَالَ: يَا أَبَتِ، مَا هَذَا الضَّوْءُ الَّذِي مَلَأَ الدَّارَ؟! فَاسْتَيْقَظَ الْأَهْلُ جَمِيعًا، قَالَ: فَلَمْ نَرَ كُلُّنَا شَيْئًا، قَالَ وَالِدُهُ: فَعَرَفْتُ أَنَّهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ“(طبقات الشافعية الكبرى (8/  396) ).

 

وَحِينَمَا رَآهُ بَعْضُ الْمَشَايِخِ عَلَى ذَلِكَ الِانْصِرَافِ الْكَبِيرِ عَنْ لَهْوِ الْأَطْفَالِ وَعَبَثِهِمْ، وَإِقْبَالِهِ الْكَبِيرِ عَلَى الْعِنَايَةِ بِالْقُرْآنِ وَعِمَارَةِ وَقْتِهِ بِهِ؛ تَفَرَّسَ فِيهِ أَنَّهُ سَيَصِيرُ لَهُ فِي مُسْتَقْبَلِ حَيَاتِهِ مَكَانَةٌ عَظِيمَةٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ زُهْدًا وَعِلْمًا وَنَفْعًا.

 

فَقَدْ قَالَ شَيْخُهُ “الشَّيْخُ يَاسينُ بْنُ يُوسُفَ الزَّرْكَشِيُّ: رَأَيْتُ الشَّيْخَ مُحْيِي الدِّينِ وَهُوَ ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ بِنَوى وَالصِّبْيَانُ يُكْرِهُونَهُ عَلَى اللَّعِبِ مَعَهُمْ وَهُوَ يَهْرُبُ مِنْهُمْ وَيَبْكِي؛ لإِكْرَاهِهِمْ، وَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ فِي تِلْكَ الْحَالِ، فَوَقَعَ فِي قَلْبِي حُبُّهُ، وَجَعَلَهُ أَبُوهُ فِي دُكَّانٍ؛ فَجَعَلَ لَا يَشْتَغِلُ بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ عَنِ الْقُرْآنِ، قَالَ: فَأَتَيْتُ الَّذِي يُقْرِئُهُ الْقُرْآنَ فَوَصَّيْتُهُ بِهِ، وَقُلْتُ لَهُ: هَذَا الصَّبِيُّ يُرْجَى أَنْ يَكُونَ أَعْلَمَ أَهْلِ زَمَانِهِ وَأَزْهَدَهُمْ وَيَنْتَفِعُ النَّاسُ بِهِ، فَقَالَ لِي: أَمُنَجِّمٌ أَنْتَ؟! فَقُلْتُ: لَا، وَإِنَّمَا أَنْطَقَنِي اللهُ بِذَلِكَ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِوَالِدِهِ؛ فَحَرَصَ عَلَيْهِ إِلَى أَنْ خَتَمَ الْقُرْآنَ وَقَدْ نَاهَزَ الِاحْتِلَامَ“(طبقات الشافعية الكبرى ـ 8/  396).

 

لَقَدِ اسْتَمَرَّ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- عَلَى جِدِّهِ الَّذِي بَدَأَ بِهِ فِي طُفُولَتِهِ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ وَهُوَ عَلَى ذَلِكَ، فَلَمْ يَكِلَّ وَلَمْ يَمَلَّ، وَلَمْ يُعَمِّرْ طَوِيلاً، بَلْ وَافَاهُ الْأَجَلُ سَنَةَ سِتٍّ وَسَبْعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ لِلْهِجْرَةِ، لَمْ يُعَمِّرْ طَوِيلًا سِوَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، لَكِنْ عَمَّرَتْ بَعْدَهُ آثَارُهُ، وَبَقِيَتْ خَالِدَةً حَتَّى الْيَوْمِ -عَلَيْهِ رَحْمَةُ اللهِ وَرِضْوَانُهُ-.

 

عِبَادَ اللهِ: وَإِلَى هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ الْعِظَامِ، وَالصَّالِحِينَ الْكِرَامِ، يَنْبَغِي أَنْ نُوَجِّهَ أَبْنَاءَنَا لِلِاقْتِدَاءِ بِهِمْ، وَالسَّيْرِ عَلَى مِنْوَالِهِمْ.

 

وَنَقُولُ لِلْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ: احْرِصُوا عَلَى تَوْجِيهِ أَطْفَالِكُمْ إِلَى الْعِلْمِ بِشَرْعِ اللهِ -تَعَالَى- مُنْذُ نُعُومَةِ أَظْفَارِهِمْ، هَذَا الْعِلْمُ الَّذِي قَلَّ فِي هَذَا الْعَصْرِ مَنْ يَتَّجِهُ إِلَيْهِ، مُقَارَنَةً بِالْإِقْبَالِ الْكَبِيرِ عَلَى عُلُومِ الدُّنْيَا، وَرُبَّمَا مَا لَا يَنْفَعُ فِي دِينٍ وَلَا دُنْيَا.

 

وَتَذَكَّرُوا عَظَمَةَ الْعَوَائِدِ الطَّيِّبَةِ لِذَلِكَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، فَعَنْ بُرَيْدَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَتَعَلَّمَ وَعَمِلَ بِهِ أُلْبِسَ وَالِدَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَاجًا مِنْ نُورٍ، ضَوْؤُهُ مِثْلُ ضَوْءِ الشَّمْسِ، وَيُكْسَى وَالِدَاهُ حُلَّتَيْنِ لَا يَقُومُ لَهُمَا الدُّنْيَا، فَيَقُولَانِ: بِمَ كُسِينَا هَذَا؟! فَيُقَالُ: بِأَخْذِ وَلَدِكُمَا الْقُرْآنَ(رواه الحاكم وقال صحيح على شرط مسلم).

 

وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللهُ لَهُ طَرِيقًا إلِىَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَصْنَعُ، وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ؛ حَتَّى الْحِيتَانِ فِي الْمَاءِ، وَفَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ(رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه والبيهقي).

 

وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى خَيْرِ الْبَرِيَّةِ؛ (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب:56].

 

الملفات المرفقة
طفولة العلماء -2
عدد التحميل 15
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات