طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

17033

حقيقة التوبة وحكمها وشروطها

المكان : المملكة العربية السعودية / الرياض / بدون / بدون /
التصنيف الرئيسي : خطب التجديد أحوال القلوب
تاريخ الخطبة : 1438/06/03
تاريخ النشر : 1440/12/19
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/أهمية التوبة ومكانتها 2/مفهوم التوبة وحكمها والحث عليها 3/التوبة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم 4/شروط التوبة 5/ثمار التوبة
اقتباس

التوبة! فتَحٌ لباب الرجاء والأمل أمام الخطائين؛ حتى يتوب مسيئُهم، ويؤوب إلى رُشْده شاردُهم، فيَغفِر الله لهم ما اقترفوا من إثم، ويتجاوز عما ارتكبوه من معصية. وهي ملاذٌ مكينٌ، وملجأ حصينٌ، يَلِجهُ…

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران:102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً)[النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً)[الأحزاب:70-71]، أما بعد:

 

أيها المسلمون: لا يزال عدو الإنسان الأول (الشيطان الرجيم) يسعى جاهدا لإغواء العباد عن ما خلقهم لأجله الكريم الهاد؛ ويبذل وسعه في إيقاعهم في الذنوب والآثام، ومن ينظر إلى حال الناس مع هذه العود اللدود يجد أنه حقق بغيته في بعض الخلق حتى أخرجهم عن فطرة الله التي فطر الناس عليها -عياذا بالله-، كما أوقع البعض في الصغائر وآخرون في الكبائر، ولا سبيل لمريد أن النجاة إلا أن يسلك باب النجاة مما وقع فيه، ألا وهو بالتوبة إلى الله -تعالى-؛ التي يتذوق بها العبد حلاوة اللقاء بربه من جديد، بعد إيغاله في البعد عنه: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)[الزمر:53].

 

ولا شك أن التوبة نافذة رجاء للعاصين، وباب رحمة للمفرطين؛ فمنه يغفر الله لما اقترفوه من إثم، ويتجاوز عما ارتكبوه من معصية: (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا * يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا)[النساء:27-28].

 

والله -عز وجل- “يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل“(رواه مسلم)، ويبشر المقصرين اليائسين فيقول: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا)[النساء:110]، ويقول كما في الحديث القدسي: “يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ“(رواه مسلم).

 

وأخبر -سبحانه- عن نفسه أنه يقبل التوبة ويعفو عن السيئة مع علمه بما يقترفه عباده، فقال: (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ)[الشورى:25].

 

عباد الله: فما هي التوبة؟ وما حكمها؟ ما هو حال رسول الله معها وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ ما ثمارها؟ تساؤلات عدة سيتم الجواب عليها في هذه الوقفة القصيرة!

 

أما معنى التوبة فهو: الرجوع عن معصية الله إلى طاعته، وندم العبد على ما سلف منه في الماضي، وإقلاعه عنه، وعزمه على ألا يعاوده، وترك الذنب لقبحه، وحَلّ عُقْدَةِ الإصرار عن القلب، والقيام بكل حقوق الرب، والعدول عن الأفعال المذمومة إلى الممدوحة.

 

وهذا هو معنى التوبة عمومًا، وهناك معنى آخر أخص منه وأَدَقّ، وهو التوبة النصوح: وهو كما قال عمر -رضي الله عنه-: “أَنْ يَتُوبَ الْعَبْدُ مِنَ الْعَمَلِ السَّيِّئِ، ثُمَّ لَا يَعُودُ إِلَيْهِ أَبَدًا“(رواه ابن أبي شيبة)، وقيل: هي: الندم بالقلب، والاستغفار باللسان، والإقلاع بالبدن، والإضمار على ألا يعود.

 

والتوبة من المعصية واجبة شرعًا، لازمة عقلًا؛ لأنها من أصول الإسلام، وقواعد الدين، وأول منازل السالكين، وقد دعا الله عباده إليها، ودلهم عليها، وأمرهم بها؛ فقال مخاطباً لهم متوددًا إليهم: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)[النور:31]، وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ)[التحريم:8].

 

وكان أنبياء الله يأمرون قومهم بالتوبة؛ لما يعلمون من ضرورتها وأهميتها؛ فهذا نبي الله هود -عليه السلام- يقول لقومه: (وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ)[هود:52]، ونبي الله صالح -عليه السلام- يقول لقومه: (فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ)[هود:61]، وكذلك نبي الله شعيب -عليه السلام- يقول لقومه: (وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ)[هود:90].

 

فالواجب على كل مسلم أن يسعى في خلاص نفسه من جرائمها وغوائلها قبل حلول الأجل، وانقطاع العمل؛ فإن التوبة تَجُبُّ ما قبلها؛ ولهذا كان عدو الله إبليس حريصًا على صد العباد عنها، وأمرهم بالتسويف فيها.

 

أيها المسلمون: لقد كان نبينا -عليه الصلاة والسلام- أعظم المستغفرين، وأشد التائبين؛ فقد أخرج أبو داود عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: كَانَ تُعَدُّ لِرَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي الْمَجْلِسِ الوَاحِدِ مِائَةُ مَرَّةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَقُومَ: “رَبِّ اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيَّ، إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الغَفُورُ“.

 

وأخرج البخاري عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “وَاللَّهِ إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي اليَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً“، وفي صحيح مسلم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ“.

 

وورد عند البخاري من حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: “مَا صَلَّى النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- صَلاَةً بَعْدَ أَنْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالفَتْحُ)[النصر:1] إِلَّا يَقُولُ فِيهَا: “سُبْحَانَكَ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي“.

 

هكذا كان دأبه -عليه الصلاة والسلام-؛ فتأسوا به، وسيروا على طريقته: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ)[الأحزاب:21].

 

عباد الله: إنه ما من عبد إلا وله ذنب؛ فكلنا ذلك المذنب، وكلنا ذلك المقصر، وكلنا ذلك المفرط، ولكن أين التوابون الرجاعون؟! أين النادمون الأوابون؟! إن لنا ربًّا غفورًا رحيمًا يتعرض لعباده بعظيم النفحات، وجزيل الأعطيات، ويحب التوابين؛ فلنبادر الأنفاس بالتوبة.

 

يا رب إن عظُمت ذنوبي كثرةً *** فلقد علِمتُ بأنَ عفوكَ أعظمُ
إن كانَ لا يرجوكَ إلا مُحسنٌ *** فبمن يلوذُ و يستجيرُ الْمُجرمُ

إني دعوتُكَ ما أمرتَ تضرعًا *** فإذا رددتَ يدي فمن ذا يرحمُ
مالي إليكَ وسيلةٌ إلا الرجا *** وجميلُ عفوكَ ثم إني مُسلمُ

 

اللهم وفقنا للتوبة النصوح، واغفرنا لنا ذنوبنا، واستر عيوبنا، وتوفنا وأنت راض عنا.

 

قلت قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم..

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسّلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أمّا بعد:

 

عباد الله: اعلموا أن للتوبة شروطًا لا بد منها، ولا تُقبل بدونها:

أولها: الإخلاص لله -تعالى-، فيقصد العبد بها وجه الله وثوابه، والنجاة من عذابه.

 

ثانيها: الندم على ما فات من الذنوب، والحزن على فعلها.

 

ثالثها: الإقلاع عن الذنب والمعصية فوراً؛ فإن كانت في حق الله: تركها إن كانت فعل محرم، وبادر بفعلها إن كانت ترك واجب، وإن كانت في حق المخلوق: بادر بالتخلص منها: بردها إليه أو طلب السماح له.

 

رابعها: العزم الصادق على عدم العودة إليها في المستقبل.

 

خامسها: ألا تكون قبل فوات قبولها؛ إما بحضور الأجل أو بطلوع الشمس من مغربها، قال -تعالى-: (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآْنَ)[النساء:18]، وقال -صلى الله عليه وسلم-: “مَنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا تَابَ اللهُ عَلَيْهِ“(رواه مسلم).

 

وكان بشر بن الحارث في زمن لهوه في داره، وعنده رفقاؤه يشربون ويطربون، فاجتاز بهم رجل من الصالحين، فدقّ الباب، فخرجت إليه جارية، فقال لها: صاحب هذه الدار حر أو عبد؟، فقالت: بل حر، فقال: صدقتِ؛ لو كان عبداً لاستعمل أدب العبودية، وترك اللهو والطرب.

 

فسمع بشر محاورتهما، فسارع إلى الباب حافياً حاسراً، وقد ولّى الرجل، فقال للجارية: ويحك، من كلمك على الباب؟، فأخبرته بما جرى، فقال: أي ناحية أخذ هذا الرجل؟، فقالت: كذا، فتبعه بشر حتى لحقه، فقال له: أنت يا سيدي وقفت بالباب وخاطبت الجارية؟، قال: نعم، قال: أعد عليَّ الكلام، فأعاده، فمرّغ بشر خدّه على الأرض، وقال: بل عبد! عبد!!، ثم هام على وجهه حافياً حاسراً، حتى عُرف بالحفَّاء، فقيل له: لم لا تلبس نعالاً؟، قال: لأني ما صالحني مولاي إلا وأنا حافٍ؛ فلا أزول عن هذه الحالة حتى الممات.

 

أيها الناس: إن التائب يجني من توبته ثمرات كثيرة، ويكفيه من ذلك:

أن ينال محبة الله له، قال -تعالى-: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ)[البقرة:222].

 

ومن ثمراتها أيضًا: أنها سبب للفلاح، وحصول المطلوب، والنجاة من المرهوب، قال -تعالى-: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)[النور:31].

 

ومنها: أنها تزكي نفس التائب وتطهر فؤاده، فيصبح نقيًا من الذنوب والخطايا؛ كما أخرج الترمذي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “إِنَّ العَبْدَ إِذَا أَخْطَأَ خَطِيئَةً نُكِتَتْ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، فَإِذَا هُوَ نَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ وَتَابَ سُقِلَ قَلْبُهُ، وَإِنْ عَادَ زِيدَ فِيهَا حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ، وَهُوَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ: (كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)[المطففين:14]”.

 

ومن الثمرات أيضًا: أن التائب إذا أحدثَ لكل ذنبٍ توبةً يبدل الله سيئاته حسنات، وهفواته درجات، قال -تعالى-: (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا)[الفرقان:70].

 

معشر المؤمنين: إن علينا جميعًا المبادرة بالتوبة، وترك طول الأمل، وعدم الإيغال في الغفلة؛ فقد أخرج الترمذي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى السَّبْعِينَ، وَأَقَلُّهُمْ مَنْ يَجُوزُ ذَلِكَ“.

 

فيا من جاوز الستين: أنت إلى الموت تتقدم، وقد أوشكتَ على الرحيل؛ فاجتهد في عبادة ربك، واجعل أكبر همك الدار الآخرة؛ إذ من العجب أن يبلغ الإنسان السبعين وهو في لهو وغفلة وكأنه عن الموت هارب، إن ما مضى من العمر -وإن طالت أوقاته- ذهبت لذاته، وبقيت تبعاته، وكأنه لم يكن إذا جاء الموت وميقاته.

 

فاتقوا الله -أيها المؤمنون-، واعلموا أن من الناس من يخدعه طولُ الأمل والعافية؛ أو نضرةُ الشباب والصحة؛ وزهرةُ النعيم؛ فيُقدِم على الخطيئة؛ ويُسوِّف في التوبة، ولا يفكر في العاقبة، ولا يخشى سوء الخاتمة، وهو بهذا ما خدع إلا نفسه؛ لأن الموت يأتي بغتة.

 

ومن الناس من إذا أحدث ذنبًا سارع بالتوبة، فيجعل من نفسه رقيباً على نفسه؛ فهو يبادرُ بغسل الخطايا بالإنابة والاستغفار وعمل الصالحات، وهذا حريٌ أن يكون من المتقين الموعودين بجنة عرضها السموات والأرض، قال الله: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ)[آل عمران:135].

 

فبادروا -رحمكم الله- أعماركم بالتوبة، واعلموا أننا في دارٍ غرّارة مكارة، تتزين للعبد ليفجأه الموت وهو في سُكْرِهِ من الغافلين.

 

اللهم اغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا، واجعلنا من المتقين المنيبين المستغفرين.

 

الملفات المرفقة
حقيقة التوبة وحكمها وشروطها
عدد التحميل 56
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات