طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

16999

خطبة عيد الأضحى 1440هـ

المكان : المملكة العربية السعودية / الرياض / بدون / بدون /
تاريخ الخطبة : 1440/12/10
تاريخ النشر : 1440/12/07
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/مكانة يوم عيد الأضحى 2/الدنيا دار امتحان وابتلاء 3/وجوب التمسك بأحكام شريعة الإسلام 4/آداب يوم العيد 5/رسائل مهمة لنساء الأمة.
اقتباس

اعلَمُوا أَنَّكُم في أَيَّامِ عِيدٍ وَبِرٍّ وَتَوَاصُلٍ وَتَرَاحُمٍ، فَبَرُّوا وَالِدِيكُم وَصِلُوا الأَرحَامَ، وَأَفشُوا السَّلامَ وَأَطعِمُوا الطَّعَامَ، وَأَحسِنُوا إِلى جِيرَانِكُم وَإِخوَانِكُم، جَمِّلُوا عِيدَكُم بِالتَّصَافُحِ وَتَصَالَحُوا، وَاقضُوا حُقُوقَ بَعضِكُمُ اليَومَ وَتَسَامَحُوا، قَبلَ أَن تَقضُوهَا غَدًا مِن حَسَنَاتِكُم رُغمًا عَنكُم

الخطبة الأولى:

 

اللهُ أَكبرُ اللهُ أَكبرُ، لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَاللهُ أَكبرُ، اللهُ أَكبرُ وَللهِ الحَمدُ …

 

أَمَّا بَعدُ: فَأُوصِيكُم -أَيُّها النَّاسُ- وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعبُدُوا رَبَّكمُ الَّذِي خَلَقَكُم وَالَّذِينَ مِن قَبلِكُم لَعَلَّكُم تَتَّقُونَ)[البقرة:21].

 

أَيُّهَا المُسلِمُونَ: إِنَّنَا في يَومٍ عَظِيمٍ وَعِيدٍ كَريمٍ، جَعَلَهُ اللهُ أَعظَمَ الأَيَّامِ عِندَهُ، وَخَتَمَ بِهِ عَشرًا مَعلُومَاتٍ، هِيَ أَفضَلُ أَيَّامِ العَامِ، وَبَدَأَ بِهِ أَيَّامَ العِيدِ الأَربَعَةَ، الَّتي جَعَلَ فِيهَا شَعَائِرَ وَحَثَّ عَلَى تَعظِيمِهَا، وَجَعَلَهُ عَلامَةً عَلَى تَقوَى القُلُوبِ، قَالَ -سُبحَانَهُ-: (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِن تَقوَى القُلُوبِ)[الحج:32]، وَقَالَ -عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ-: “أَيَّامُ التَّشرِيقِ أَيَّامُ أَكلٍ وَشُربٍ وَذِكرٍ للهِ“(رَوَاهُ مُسلِمٌ). وَقَالَ -صلى الله عليه وسلم-: “أَعظَمُ الأَيَّامِ عِندَ اللهِ يَومُ النَّحرِ، ثُمَّ يَومُ القَرِّ“(رَوَاهُ أَبُودَاوُدَ وَصَحَّحَهُ الألبانيُّ).

اللهُ أَكبرُ اللهُ أَكبرُ، لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَاللهُ أَكبرُ، اللهُ أَكبرُ وَللهِ الحَمدُ.

 

أَيُّهَا المُسلِمُونَ: إِنَّنَا في دَارِ امتِحَانٍ وَاختِبَارٍ، أَوجَدَنَا اللهُ -تَعَالى- فِيهَا لِغَايَةٍ شَرِيفَةٍ، أَرسَلَ إِلَينَا مِن أَجلِهَا الرُّسُلَ، وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الكُتُبَ، وَقَامَ مِن أَجلِهَا سُوقُ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَانقَسَمَ النَّاسُ بها إِلى مُتَّقِينَ وَفُجَّارٍ، قَالَ -سُبحَانَهُ-: (وَمَا خَلَقتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعبُدُونَ)[الذاريات:56]، وَقَالَ -تَعَالى-: (وَلَقَد بَعَثنَا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعبُدُوا اللهَ وَاجتَنِبُوا الطَّاغُوتَ)[النحل:36].

 

أَجَل، أَيُّهَا المُسلِمُونَ: مَا خَلَقَ اللهُ الخَلقَ إِلاَّ لِعِبَادَتِهِ، وَمَا أَوجَدَهُم عَلَى هَذِهِ الأَرضِ إِلاَّ لِتَوحِيدِهِ (أَلا لَهُ الخَلقُ وَالأَمرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ العَالَمِينَ)[الأعراف:54]، وَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ الأَمرُ كَذَلِكَ، كَانَ المُوَفَّقُ مِنَ الخَلقِ مَن سَلَّمَ الأَمرَ لِلخَالِقِ، وَقَصَرَ نَفسَهُ عَلَى عِبَادَتِهِ وَحدَهُ مُخلِصًا لَهُ الدِّينَ، وَجَعَلَ ذَلِكَ نُصبَ عَينَيهِ في كُلِّ حَرَكَةٍ وَسُكُونٍ، وَدَامَ عَلَيهِ حَتى يَلقَى رَبَّهُ الَّذِي إِلَيهِ يُرجَعُونَ (قُلْ إِنَّ صَلاتي وَنُسُكِي وَمَحيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ العَالَمِينَ. لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرتُ وَأَنَا أَوَّلُ المُسلِمِينَ)[الأنعام:162-163].

 

وَلَكِنَّ الشَّيطَانَ الرَّجِيمَ قَد أَخَذَ عَلَى نَفسِهِ عَهدًا أَن يُضِلَّ بَنِي آدَمَ وَيَصرِفَهُم عَمَّا خُلِقُوا لَهُ، وَأَن يُوقِعَهُم في أَلوَانٍ مِنَ المَيلِ وَالانحِرَافِ (قَالَ فَبِمَا أَغوَيتَنِي لأَقعُدَنَّ لَهُم صِرَاطَكَ المُستَقِيمَ. ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِن بَينِ أَيدِيهِم وَمِن خَلفِهِم وَعَن أَيمَانِهِم وَعَن شَمَائِلِهِم وَلا تَجِدُ أَكثَرَهُم شَاكِرِينَ)[الأعراف:16-17].

 

وَإِنَّ مِن كَيدِهِ أَن يَتَّخِذَ لَهُ في كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ أَعوَانًا مِنَ المُجرِمِينَ، يَتَآمَرُونَ لإِخرَاجِ النَّاسِ مِن عُبُودِيَّتِهِم لِرَبِّ العَالَمِينَ، وَيَتَعَاوَنُونَ على إِيقَاعِهِم في عُبُودِيَّاتٍ شَيطَانِيَّةٍ مُختَلِفَةٍ، تَكتَنِفُهَا الشُّبُهَاتُ، وَتَجُرُّ إِلَيهَا الشَّهَوَاتُ، وَتُغرِقُ النَّاسَ فِيهَا المُلهِيَاتُ، فَيَنصَرِفُونَ عَنِ الصِّرَاطِ المُستَقِيمِ، وَيَأخُذُونَ عَنهُ يَمِينًا وَشِمَالاً مُتَفَرِّقِينَ، مَاضِينَ في بُنَيَّاتِ الطَّرِيقِ المُختَلِفَةِ، آخِذِينَ بِمَسَالِكِ الضَّلالِ المُلتَوِيَةِ.

 

وَأَنتُم تَرَونَ هَذَا -أَيُّهَا المُسلِمُونَ- وَتَلحَظُونَ تَرَاجُعَ النَّاسِ وَتَقصِيرَهُم حِينًا بَعدَ حِينٍ، وَفُتُورَهُم وَضَعفَ تَمَسُّكِهِم بِالدِّينِ، يُقَلِّدُ بَعضُهُم بَعضًا في التَّفَلُّتِ مِمَّا يُرِيدُهُ اللهُ، وَيَتَتَابَعُونَ في التَّسَاقُطِ فِيمَا يُرِيدُهُ الشَّيطَانُ وَأَعوَانُهُ، غَافِلِينَ أَو مُتَغَافِلِينَ عَن كَونِ كُلِّ نَفسٍ بِمَا كَسَبَت رَهِينَةٌ، وَأَنَّ كُلَّ مُسلِمٍ مُلزَمٌ بَأَن يَأتِيَ بِمَا أَمَرَهُ اللهُ بِهِ وَأَن يَكُفَّ عَمَّا نَهَاهُ عَنهُ، وَأَنَّ مَن أَحسَنَ فَلِنَفسِهِ وَمَن أَسَاءَ فَعَلَيهَا، وَأَنَّ تَفرِيطَ الآخَرِينَ وَغَفلَتَهُم مَهمَا طَالَت أَو كَثُرَت، وَجَهلَهُم بِرَبِّهِم وَمُخَالَفَتَهُم لِلحَقِّ مَهمَا عَظُمَت وَاشتَدَّت، فَلَيسَ ذَلِكَ عُذرًا لأَحَدٍ في أَن يُفَرِّطَ في وَاجِبٍ أَو يَقَعَ في مَنهِيٍّ عَنهُ استِئنَاسًا بِهِم، وَلا مُسَوِّغًا لَهُ لِيَحِيدَ عَنِ الصِّرَاطِ المُستَقِيمِ تَشَبُّهًا بِهِم، فَكُلٌّ سَيُوضَعُ في قَبرِهِ وَحدَهُ، وَلَن يَجِدَ أَمَامَهُ إِلاَّ مَا عَمِلَتهُ يَدُهُ، وَكُلٌّ سَيُبعَثُ وَحِيدًا فَرِيدًا، وَسَيُحَاسَبُ عَمَّا اكتَسَبَ وَاقتَرَفَ، وَمَهمَا كَثُرَتِ الشُّبُهَاتُ، أَو غَلَبَتِ الانحِرَافَاتُ، أَو رُوِّجَ لِلفَتَاوَى البَاطِلَةِ وَأُبرِزَتِ الآرَاءُ السَّاقِطَةُ، أَو حُرِّضَ عَلَى التَّمَرُّدِ عَلَى أَحكَامِ الشَّرعِ، وَمُكِّنَ مَن لا يَعلَمُ مِنَ الحَدِيثِ في الدِّينِ، فَإِنَّ الحَقَّ وَاضِحٌ لِلمُوَفَّقِينَ، وَأَهلُ الذِّكرِ مَا زَالُوا مَوجُودِينَ مَعرُوفِينَ، وَاللهُ قَد أَمَرَ أَن يُسأَلُوا وَتُؤخَذَ عَنهُم أَحكَامُ الدِّينِ، فَيَتَبَيَّنُ مَا يَجِبُ لِيُفعَلَ، وَمَا يَجُوزُ لِيُؤتَى، وَمَا يَحرُمُ لِيُجتَنَبَ، وَتَستَبِينُ سَبِيلُ المُجرِمِينَ وَالمُضِلِّينَ لِتُحذَرَ.

 

أَجَل -أَيُّهَا المُسلِمُونَ- لَيسَتِ العِبرَةُ بِانتِشَارِ البَاطِلِ وَشُيُوعِهِ وَكَثرَةِ ارتِكَابِ النَّاسِ لَهُ، وَلَكِنَّ العِبرَةَ بِالحَقِّ في ذَاتِهِ وَبِمَا دَلَّ عَلَيهِ الدَّلِيلِ، قَالَ -سُبحَانَهُ-: (وَمَا أَكثَرُ النَّاسِ وَلَو حَرَصتَ بِمُؤمِنِينَ)[يوسف:103]، وَقَالَ –تَعَالى-: (وَإِن تُطِعْ أَكثَرَ مَن في الأَرضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللهِ)[الأنعام:116]، ثم إِنَّ إِيمَانَ العَبدِ بِرَبِّهِ وَعُبُودِيَّتَهُ لِخَالِقِهِ، لَيسَت لُعبَةً يُجَرِّبُ فِيهَا الرِّبحَ أَوِ الخَسَارَةَ، وَلَكِنَّهَا نِعمَةٌ مِنَ اللهِ وَهِبَةٌ وَمِنَّةٌ (بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيكُم أَن هَدَاكُم لِلإِيمَانِ إِن كُنتُم صَادِقِينَ)[الحجرات:17].

 

وَمِن ثَمَّ كَانَ الوَاجِبُ شُكرَ هَذِهِ النِّعمَةِ، وَبَذلَ مَا يُثَبِّتُهَا وَيُقَوِّيهَا مِن عِلمٍ نَافِعٍ وَعَمَلٍ صَالِحٍ وَتَقوَى للهِ، وَلَيسَ البَحثَ عَمَّا يُزِيلُهَا أَو يُضعِفُهَا مِن شُبُهَاتٍ يَبُثُّهَا المُنحَرِفُونَ وَالمُنَافِقُونَ، أَو شَهَوَاتٍ يُسَهِّلُ الوُصُولَ إِلَيهَا الفُسَّاقُ وَالمُنحَلُّونَ؛ فَإِنَّ أَعظَمَ الخَسَارَةِ خَسَارَةُ الدِّينِ (فَمَن يُرِدِ اللهُ أَن يَهدِيَهُ يَشرَحْ صَدرَهُ لِلإِسلامِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجعَلْ صَدرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ في السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجعَلُ اللهُ الرِّجسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤمِنُونَ)[الأنعام:125].

 

أَلا فَلْنَتَّقِ اللهَ -عِبَادَ اللهِ- وَالحَذَرَ الحَذَرَ مِن مُجَانَبَةِ الصِّرَاطِ المُستَقِيمِ أَو تَركِ شَيءٍ مِنَ الدِّينِ، اغتِرَارًا بِتَميِيعٍ يَفرِضُهُ طَوَاغِيتُ العَالَمِ بِدَعوَى العَولَمَةِ أَوِ الانفِتَاحِ عَلَى الآخَرِ، أَو رَدَّةَ فِعلٍ مُعَاكِسَةً لِغُلُوِّ مَن تَشَدَّدَ، أَوِ اتِّبَاعًا لِهَوَى النَّفسِ وَمُجَارَاةً لِلمُتَسَاهِلِينَ وَالمُفَرِّطِينَ.

 

إِنَّ التَّوَسُّطَ مَطلُوبٌ، وَنَحنُ أُمَّةٌ وَسَطٌ (وَكَذَلِكَ جَعَلنَاكُم أُمَةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ)[البقرة:143]، وَلَكِنَّ الوَسَطِيَّةَ لَيسَت خِيَارًا يَأخُذُ بِهِ المَرءُ مِن تِلقَاءِ نَفسِهِ تَشَهِّيًّا، أَو طَرِيقَةً يَختَارُهَا لَهُ أَقزَامُ الإِعلامِ وَمُهَرِّجُو وَسَائِلِ التَّوَاصُلِ، أَو سَبِيلاً يُحَدِّدُ مَعَالِمَهُ مَن بَاعُوا دِينَهُم طَمَعًا في حَفنَةٍ مِنَ الدُّنيَا أو رضًا بِشُهرَةٍ، وَلَكِنَّهَا في اتِّبَاعِ الشَّرعِ المُبِينِ، القَائِمِ عَلَى الدَّلِيلِ مِن الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِفَهمِ الرَّاسِخِينَ، الَّذِينَ تَعَلَّمُوا العِلمَ لِلعَمَلِ، وَعَرَفُوا الخِلافَ لِلأَخذِ بِالرَّاجِحِ وَمَا دَلَّ عَلَيهِ الدَّلِيلُ، وَعُرِفُوا في أَنفُسِهِم بِخَشيَةِ اللهِ وَالخَوفِ مِنهُ.

 

وَأَمَّا المُتَسَلِّقُونَ عَلَى الإِفتَاءِ، الَّذِينَ يَعرِضُونَ الخِلافَاتِ لِيُضَيِّعُوا الأَحكَامَ الشَّرعِيَّةَ، فَلا يَحِلُّ لِمُسلِمٍ يَخشَى اللهَ وَاليَومَ الآخِرَ أَن يَأخُذَ عَنهُم، كَيفَ وَقَد أَخبَرَنَا بِهِم وَحَذَّرَنَا مِنهُمُ الصَّادِقُ المَصدُوقُ – عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ – حَيثُ قَالَ: “سَيَكُونُ في آخِرِ أُمَّتِي أُنَاسٌ يُحَدِّثُونَكُم بمَا لم تَسمَعُوا أَنتُم وَلا آبَاؤُكُم، فَإِيَّاكُم وَإِيَّاهُم“(رَوَاهُ مُسلِمٌ).

 

أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ: (ثم جَعَلنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهوَاءَ الَّذِينَ لا يَعلَمُونَ. إِنَّهُم لَن يُغنُوا عَنكَ مِنَ اللهِ شَيئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعضُهُم أَولِيَاءُ بَعضٍ وَاللهُ وَليُّ المُتَّقِينَ)[الجاثية:18-19].

 

اللهُ أَكبرُ اللهُ أَكبرُ، لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَاللهُ أَكبرُ، اللهُ أَكبرُ وَللهِ الحَمدُ.

 

 

الخطبة الثانية:

 

اللهُ أَكبرُ كَبِيرًا، وَالحَمدُ للهِ كَثِيرًا، وَسُبحَانَ اللهِ بُكرَةً وَأَصِيلاً.

أَمَّا بَعدُ، فَاتَّقُوا اللهَ – عِبَادَ اللهِ – وَأَطِيعُوهُ وَلا تَعصُوهُ، واعلَمُوا أَنَّكُم في أَيَّامِ عِيدٍ وَبِرٍّ وَتَوَاصُلٍ وَتَرَاحُمٍ، فَبَرُّوا وَالِدِيكُم وَصِلُوا الأَرحَامَ، وَأَفشُوا السَّلامَ وَأَطعِمُوا الطَّعَامَ، وَأَحسِنُوا إِلى جِيرَانِكُم وَإِخوَانِكُم، جَمِّلُوا عِيدَكُم بِالتَّصَافُحِ وَتَصَالَحُوا، وَاقضُوا حُقُوقَ بَعضِكُمُ اليَومَ وَتَسَامَحُوا، قَبلَ أَن تَقضُوهَا غَدًا مِن حَسَنَاتِكُم رُغمًا عَنكُم (يَومَ لا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعذِرَتُهُم)[غافر:52].

 

ثم تَذَكَّروا -رِجَالاً وَنِسَاءً – أَنَّ مِن أَجَلِّ غَايَاتِ الإِسلامِ أَن يُقِيمَ مُجتَمَعًا طَاهِرًا، لا تُهَاجُ فِيهِ الشَّهَوَاتُ وَلا تُستَثَارُ الغَرَائِزُ ؛ وَمِن ثَمَّ جَاءَ بِتَنظِيمِ عِلاقَةِ الرَّجُلِ بِالمَرأَةِ، وَاعتَنى بِشَأنِ زِينَتِهَا، وَحَرَّمَ عَلَيهَا التَّبَرُّجَ وَالسُّفُورَ، وَنَهَاهَا عَن بُرُوزِ رَائِحَةِ الطِّيبِ المُؤَثِّرَةِ، وَحَذَّرَهَا مِنَ الخُضُوعِ بِالقَولِ وَمِنَ المِشيَةِ المُتَكَسِّرَةِ ؛ لأَنَّهُ مَتى استُثِيرَتِ الغَرَائِزُ وَهُيِّجَتِ الشَّهَوَاتُ، فَلَن تَنتَهِيَ إِلاَّ إِلى سُعَارٍ شَهوَانيٍّ لا يَرتَوِي وَلا يَنطَفِئُ.

 

وَمَيلُ الرُّجُلِ إِلى المَرأَةِ وَمَيلُهَا إِلَيهِ أَمرٌ فِطرِيٌّ، وَالجَذبُ بَينَهُمَا مُستَمِرٌّ لا يَنقَطِعُ وَلا يَنتَهِي، وَلِذَا فَإِنَّ مِن أَكذَبِ الكَذِبِ وَأَكبَرِ المَكرِ وَالخِدَاعِ، أَن يُدَّعَى أَنَّ خُرُوجَ المَرأَةِ مِن بَيتِهَا، وَاختِلاطَهَا بِالرَّجُلِ في السُّوقِ وَالعَمَلِ، وَالمُسَاوَاةَ بَينَ الجِنسَينِ وَإِزَالَةَ الفَوَارِقِ بَينَهُمَا، يُزِيلُ هَذَا التَّعَلُّقَ مِنَ القُلُوبِ، أَو يُبَرِّدُ حَرَارَةَ الشَّوقِ في الصُّدُورِ، فَانتَبِهُوا لِهَذِهِ الخَدعَةِ الصَّلْعاءِ.

 

وَاعلَمُوا أَنَّ الإِسلامَ لم يُعَاكِسْ فِطرَةَ المَرأَةِ في حُبِّهَا التَّزَيُّنَ، وَلم يَقِفْ دُونَ خُرُوجِهَا إِلى مَا تَحتَاجُ إِلَيهِ، وَلَكِنَّهُ حَدَّدَ مَا يُبدَى مِنَ الزِّينَةِ وَلِمَن يَكُونُ التَّزَيُّنُ، وَوَضَعَ لِخُرُوجِهَا مِن بَيتِهَا شُرُوطًا وَقُيُودًا، فَإِذَا تَفَلَّتَت مِن هَذِهِ الشُّرُوطِ وَالقُيُودِ، وَتَعَدَّتِ الأَحكَامَ الشَّرعِيَّةَ وَالحُدُودَ، وَخَرَجَت سَافِرَةً مُتَبَرِّجَةً مُتَعَطِّرَةً، وَخَالَطَتِ الرِّجَالَ وَتَمَرَّدَت عَلَى وَلِيِّهَا، وَسَافَرَت بِلا مَحرَمٍ، كَانَ ذَلِكَ مِن أَعظَمِ أَسبَابِ الفِتنَةِ لها وَبها.

 

وَقَد عَلِمَ أَعدَاؤُنَا أَنَّ صِيَانَةَ المَرأَةِ مِن أَعظَمِ أَسبَابِ قُوَّةِ المُجتَمَعِ، وَأَنَّ فَسَادَهَا مِن أَخطَرِ وَسَائِلِ هَدمِهِ وَتَدمِيرِهِ، فَرَاحُوا يُخَطِّطُونَ لإِفسَادِهَا وَتَدمِيرِ أَخلاقِهَا، وَنَزعِ الحَيَاءِ عَن وَجهِهَا لِتَتَمَرَّدَ عَلَى مُجتَمَعِهَا، وَاستَغَلُّوا لِذَلِكَ مُختَلِفَ الوَسَائِلِ وَالمَحَافِلِ، تَحتَ شِعَارَاتٍ خَدَّاعَةٍ، بِاسمِ الدِّفَاعِ عَن حُقُوقِ المَرأَةِ، وَالدَّعوَةِ إِلى حُرِّيَّتِهَا وَمُسَاوَاتِهَا بِالرَّجُلِ، وَنَصرِهَا أَوِ الانتِصَارِ لها، وَيَا للهِ! مَا أَعظَمَ كَذِبَهُم وَتَلبِيسَهُم وَخِدَاعَهُم!

 

وَهَل ذَاقَتِ المَرأةُ الحُرِّيَّةَ في غَيرِ الإِسلامِ؟! فَالإِسلامُ هُوَ الَّذِي جَعَلَ النِّسَاءَ شَقَائِقَ الرِّجَالِ، وَقَدَّرَ المَرأَةَ صَغِيرَةً وَكَبِيرَةً، وَأُمًّا وَزَوجَةً وَبِنتًا، وَقَدَّمَ بِرَّ الأُمَّهَاتِ عَلَى بِرِّ الآبَاءِ، وَجَعَلَ عَائِلَ البَنَاتِ رَفِيقًا لِلنَّبيِّ في الجَنَّةِ، قَالَ -صلى الله عليه وسلم-: اِستَوصُوا بِالنِّسَاءِ خَيرًا“(رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِم). وَقَالَ -صلى الله عليه وسلم-: “أَكمَلُ المُؤمِنِينَ إِيمَانًا أَحسَنُهُم خُلُقًا، وَخِيَارُكُم خَيَارُكُم لِنِسَائِهِم“(رَوَاهُ أَحمَدُ وَغَيرُهُ وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ). وَقَالَ -صلى الله عليه وسلم-: مَن عَالَ جَارِيَتَينِ حَتى تَبلُغَا، جَاءَ يَومَ القِيَامَةِ أَنَا وَهُوَ كَهَاتَينِ، وَقَرَنَ بَينَ أَصبُعَيهِ السَّبَابَةِ وَالوُسطَى“(رَوَاهُ مُسلِمٌ).

 

فَيَا أَهلَ الإِسلامِ، وَاللهِ مَا أَرَادَ الإِسلامُ لِلمَرأَةِ إِلاَّ العِفَّةَ وَالسِّترَ وَالحَيَاءَ، وَلا حَرَّمَ عَلَيهَا التَّبَرُّجَ وَالسُّفُورَ، وَفَرَضَ عَلَيهَا الحِجَابَ وَالقَرَارَ في البَيتِ، إِلاَّ لِصِيَانَتِهَا وَحِمَايَتِهَا وَحِفظِهَا، وَلِئَلاَّ تَتَطَلَّعَ إِلَيهَا الأَعيُنُ الخَائِنَةُ، وَلا تُدَنِّسَ عِرضَهَا الأَيدِي النَّجِسَةُ، إِنَّهَا لُؤلُؤَةٌ مَكنُونَةٌ وَدُرَّةٌ مَصُونَةٌ، أَفَيَلِيقُ بها أَن تُلقَي في الطُّرُقَاتِ وَالشَّوَارِعِ عَامِلَةً كَادِحَةً، أَو تُخَالِطَ العُمَّالَ في المَتَاجِرِ مُبتَذَلَةً مُهَانَةً، تَبِيعُ حَيَاءَهَا وَهِيَ العَفِيفَةُ، وَتُزَاحِمُ الرِّجَالَ وَهِيَ الضَّعِيفَةُ، وَتَترُكُ حِفظَ بَيتِهَا وَهُوَ لها أَعظَمُ وَظِيفَةٍ؟!

 

إِنَّ قَرَارَ المَرأَةِ في بَيتِهَا هُوَ صَلاحُهَا، وَإِنَّ صَلاحَهَا هُوَ صَلاحُ المُجتَمَعِ، وَأَمَّا التَّبَرُّجُ وَإِبرَازُ المَفَاتِنِ وَالتَّمَرُّدُ، فَهُوَ عَلامَةُ غَضَبٍ وَسَخَطٍ مِنَ اللهِ، وَلَمَّا عَصَى آدَمُ وَزَوجُهُ رَبَّهُمَا عَاقَبَهُما بِأَنْ بَدَت لَهُمَا سَوءَاتُهُمَا، وَإِبلِيسُ هُوَ دَاعِيَةُ السُّفُورِ الأَوَّلُ، وَاللهُ قَد حَذَّرَنَا مِنهُ فَقَالَ: (يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيطَانُ كَمَا أَخرَجَ أَبَوَيكُم مِنَ الجَنَّةِ يَنزِعُ عَنهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوآتِهِمَا)[الأعراف:27].

 

وَمَا أَشَدَّ خَسَارَةَ المُجتَمَعِ إِذْ تَخرُجُ نِسَاؤُهُ مِنَ البُيُوتِ، وَيُزَاحِمنَ الرِّجَالَ في الأَسوَاقِ وَأَمَاكِنِ العَمَلِ، فَيُضِعْنَ الأَبنَاءَ، وَيُقَلِّلْنَ فُرَصَ العَمَلِ عَلَى الشَّبَابِ، وَتَحتَاجُ البُيُوتُ إِلى الخَدَمِ، وَتَنقَطِعُ عُرَى التَّوَاصُلِ بَينَ أَفرَادِ الأُسرَةِ، وَيَعِيشُ كُلٌّ لِنَفسِهِ عَبدًا لِدُنيَاهُ. وَمُجتَمَعَاتُ الغَربِ وَالشَّرقِ شَاهِدَةٌ بِالآثَارِ السَّيِّئَةِ لِخُرُوجِ النِّسَاءِ مِن بُيُوتِهِنَّ، وَالسَّعِيدُ مَن وُعِظَ بِغَيرِهِ، فَلْنَتَّقِ اللهَ وَلْنَتَّعِظْ قَبلَ أَن يَحِلَّ بِنَا مَا حَلَّ بِالقَومِ فَنَندَمَ، وَلاتَ سَاعَةَ مَندَمٌ.

 

اللهُ أَكبرُ اللهُ أَكبرُ، لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَاللهُ أَكبرُ، اللهُ أَكبرُ وَللهِ الحَمدُ.

 

الملفات المرفقة
خطبة عيد الأضحى 1440هـ
عدد التحميل 328
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات