طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

16965

الأمانة في العمل والوظيفة

المكان : اليمن / صنعاء / بدون / ابن الأمير الصنعاني /
تاريخ الخطبة : 1433/04/09
تاريخ النشر : 1440/11/27
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/عظم شأن الأمانة في الإسلام وشموليتها 2/حث الإسلام على السعي في طلب الرزق 3/اختيار الموظفين والعمال الأقوياء الأمناء 4/تفشي ظاهرة الخيانة لدى الموظفين والعمال 5/بعض صور أداء الأمانة في الوظيفة والعمل 6/وظائف مهمة يجب مراعاة الأمانة فيها أكثر من غيرها
اقتباس

معشر المسلمين: هناك ظاهرة سيئة كان لها أثرها السلبي الواضح على بعض الموظفين، هذه الظاهرة هي: وجود الخيانة والضعف الوظيفي لدى كبار الموظفين، الذين لم يدخلوا تلك الوظائف ولم يترقوا فيها حسب المعايير التوظيفية الصحيحة، فنقلت خيانتهم وضعفهم إلى الموظفين الجدد، أو الذين لم يصلوا إلى…

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)[آل عمران: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً)[النساء: 1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً)[الأحزاب: 70-71].

 

أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

 

يقول الله -تعالى-: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً)[الأحزاب: 72].

 

أيها المسلمون: اعلموا -رحمني الله وإياكم- أن الأمانة أمر عظيم من أوامر الدين، وخلق كريم من أخلاق الصالحين، وهي جزء من السلوك الفاضل، وجانب مهم من جوانب الإسلام، بل هي الإسلام كله.

فهي أداء لحق الله بالقيام بالتكاليف الشرعية، ومراقبة الله في السر والعلانية، وهي أيضاً أداء لحقوق الخلق على وجه الحق، قال تعالى: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا)[النساء: 58].

 

عباد الله: إن الأمانة تنتظم مجالات متعددة في الحياة، ومن أعظم تلك المجالات: مجال العمل والوظيفة، الذي يتجه إليه كثير من الناس.

 

إن الله -تعالى- قد أمر الإنسان بالسعي في الأرض لطلب الرزق، وترك الكسل والخمول، فقال تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ)[الملك: 15]، وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده(رواه البخاري)، وليس المقصود بقوله: عمل يده قصر العمل المحمود على عمل اليد، بل يراد كل عمل مباح يقوم به الإنسان سواء كان العمل بيده أم بغيرها.

 

وهذه الحياة مجال رحب لاستفادة الإنسان من أخيه الإنسان واستعانته به، ولن يستطيع أن يعيش الإنسان حياة مستقرة متكاملة إلا بالاستفادة من غيره، ومن ذلك العمل والوظيفة، قال تعالى: (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ)[الزخرف: 32].

 

الناس بالناس من حضر وباديةٍ *** بعض لبعض وإن لم يشعروا خدمُ

 

أيها المسلمون: إن من أقوى أسباب نجاح الوظائف والأعمال: اختيار الموظفين والعمال الذين تجتمع فيهم الأمانة في العمل والقدرة عليه، وقد ذكر الله -تعالى- هذين المقومين لنجاح العمل في كتابه، فقال تعالى: (قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ)[القصص: 26] قال لها أبوها: “وما علمك بذلك؟ قالت له: إنه رفع الصخرة التي لا يطيق حملها إلا عشـرة رجال، وإني لما جئت معه تقدمت أمامه فقال لي: كوني من ورائي، فإذا اختلفت عليّ الطريق فاحذفي لي بحصاة أعلم بها كيف الطريق لأهتدي إليه“.

 

وقال تعالى: (قَالَ عِفْريتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ)[النمل: 39] فذكر هذا العفريت مؤهلاته لحمل عرش ملكة سبأ من مأرب إلى الشام، وهي كونه قادراً على المجيء به، وكونه أميناً على ما فيه.

 

فهذان الوصفان: القوة والأمانة يضمنان صلاح الأعمال والوظائف. فالقوة تضمن القدرة على القيام بالعمل المطلوب حصوله وتأديته من غير تقصير، والأمانة تضمن إتقانه وحفظ ما فيه من دون لا نقص.

 

إن القوة ليس المقصود بها قوة البدن فحسب، بل هناك أعمال ووظائف تحتاج قوة لسان ونطق، وأعمال تحتاج قوة تفكير وتدبر، وهناك أعمال تحتاج قوة بيان وكتابة، وهكذا..

فشرط القوة يكون حسب كل عمل. وقد قال الله -تعالى- عن يوسف -عليه السلام-: (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ)[يوسف: 55]. فقوة يوسف هنا بعلمه وحسن تدبيره وتصريفه ما في الخزائن.

وفي عهد أبي بكر -رضي الله عنه- تم اختيار زيد بن ثابت -رضي الله عنه- لمهمة جمع القرآن من الرقاع والعظام وكتابته في صحائف خوفاً عليه من الضياع بموت حفاظه، فقال له أبو بكر: “وإنك رجل شاب عاقل لا نتهمك“(متفق عليه)، فشباب زيد وعقله هي القوة لهذه المهمة، وعدم تهمته أمانة لذلك أيضاً.

 

عباد الله: إن القوة والأمانة وصفان قد يقل اجتماعها في كثير من العمال والموظفين، فقد يوجد موظف قوي لكنه خائن، وقد يوجد إنسان أمين لكنه ضعيف، وهذا هو الذي شكا منه عمر -رضي الله عنه- حيث قال: “أشكو إلى الله عجز الثقة وجلد الفاجر“.

 

فإذا لم يجتمع هذا الوصفان في موظف ووجد واحد منهما فيتخير للعمل ما يناسبه، فقد يحتاج في عمل ما قوة موظف أكثر من أمانته، وفي عمل آخر أمانته أكثر من قوته.

 

إن من أسباب نجاح الأعمال والوظائف وقيام الأمانة فيها: أن تراعي الشركات والمؤسسات موظفيها والعاملين فيها بأن تعطيهم الراتب الكافي -حسب العمل- الذي يضمن لهم حياة كريمة مستقرة؛ لأن قلة المرتبات مع التصاعد الشديد في الأسعار ومتطلبات الحياة المعاصرة قد يكون ذريعة لبعض الموظفين إلى الخيانة في أعمالهم.

 

ويبدو أن التشجيع من قبل الدولة أو الشركة لموظفيها يعد حافزاً مهماً في نجاح الأعمال واستقراره الموظفين.

 

معشر المسلمين: هناك ظاهرة سيئة كان لها أثرها السلبي الواضح على بعض الموظفين، هذه الظاهرة هي: وجود الخيانة والضعف الوظيفي لدى كبار الموظفين، الذين لم يدخلوا تلك الوظائف ولم يترقوا فيها حسب المعايير التوظيفية الصحيحة، فنقلت خيانتهم وضعفهم إلى الموظفين الجدد أو الذين لم يصلوا إلى مراتبهم.

 

فالموظف الصغير يرى مديره أو المسئول عنه يختلس ويرتشي ويخون ويقصر في عمله فيدعوه ذلك بقصد أو بغير قصد إلى أن يسلك مسلكه. وذلك الموظف الكبير الخائن لا يستطيع أن يقنع من وُليَ عليهم بأداء العمل بقوة وأمانة؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه، ولسان حال الموظف الصغير عند ذلك:

 

تلوم على الخيانة من أتاها *** وأنت سننتها للناس قبلي!

 

عباد الله: إن الموظف المراقب لله -تعالى- يؤدي عمله بقوة وأمانة ولو رأى خيانات الموظفين صغارهم وكبارهم، ويحفظ دينه من دنس المال الحرام، فلا يضعف دينه ليقوي دنياه، ولا يشبع بطنه لتجوع روحه وقلبه وأخلاقه السامية عند الله وعند الناس.

 

إنه يأكل اللقمة وهو يعرف من أين جاءت، فإن كانت من حرام رفضها ولفظها، قالت عائشة -رضي الله عنها-: “كان لأبي بكر غلام يخرج له الخراج، وكان أبوبكر يأكل من خراجه، فجاء يوماً بشيء فأكل منه أبوبكر فقال له الغلام: تدري ما هذا؟ فقال أبوبكر: وما هو؟ قال: كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية وما أحسن الكهانة إلا أني خدعته فأعطاني بذلك، فهذا منه، فأدخل أبوبكر يده فقاءَ كلَّ شيء في بطنه“(رواه البخاري).

 

والموظف المراقب لله حريص على أن يطعم أسرته من الحلال ولا يرضى لهم كسباً من خيانة، كان بعض السلف إذا خرج من منزله قالت له زوجته: “اتق الله فينا؛ فإنا نصبر على الجوع ولا نصبر على النار“. فسبحان الله! ما أحسن هذا المنطق أمام ما يُسمع من بعض النساء التي تطلب من زوجها توفير المال ولو من الحرام.

 

كان العلامة يحيى المليكي المتوفى سنة (678هـ) يدرّس في ذي جبلة في المدرسة الأشـرفية، ويبقى فيها العام الدراسي ما عدا شهرين منه يعود فيهما إلى بلده، فكان يُعطَى مستحقه من الأجر على تدريسه لعام كامل، ولكنه كان لا يأخذ إلا عن المدة التي كان يتصدر فيها للتدريس، ويعيد إلى الناظر مستحق الشهرين، ولما قيل له: “افعل كما يفعل المدرسون الآخرون؛ فإنهم يأخذون أجور السنة كاملة، مع أنهم يتخلفون عن التدريس أكثر من شهرين” فكان يجيب عليهم بقوله تعالى: (قُل لَّا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ)[سبأ: 25].

 

أيها المسلمون: هناك صور لأداء الأمانة في الوظيفة والعمل ينبغي للعامل والموظف أن يعتني بها: أولى تلك الصور: الجد والاجتهاد في العمل أو الوظيفة. فالإخلاص في العمل وإتقانه وترك التلاعب والكسل فيه أمر يحبه الله -تعالى-، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه(رواه البيهقي والطبراني، وهو حسن).

 

الثانية: تجنب تعاطي الرُّشى ومد اليد إلى الحرام، فما دام أن العامل أو الموظف يأخذ أجراً على ذلك العمل فلا يحل الأخذ بعد ذلك من الناس، عن أبي حميد الساعدي قال: استعمل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رجلاً من الأزد على صدقات بني سليم يدعى: ابن اللتبية، فلما جاء حاسبه وقال: هذا مالكم وهذا هدية، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: فهلا جلست في بيت أبيك وأمك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقا؟، ثم خطبنا فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإني أستعمل الرجل منكم على العمل مما ولاني الله فيأتي فيقول: هذا مالكم وهذا هدية أهديت لي، أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته، والله لا يأخذ أحد منكم شيئاً بغير حقه إلا لقي الله يحمله يوم القيامة، فلأعرفن أحداً منكم لقي الله يحمل بعيراً له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر، ثم رفع يده حتى رؤي بياض إبطيه يقول: اللهم هل بلغت ثلاثاً”(متفق عليه)، وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: من استعملناه على عمل فرزقناه رزقاً فما أخذ بعد ذلك فهو غلول(رواه أبو داود والحاكم، وهو صحيح).

 

الثالثة: الحفاظ على أدوات العمل وممتلكاته وحقوقه من العبث والإهمال والإتلاف والتصرف الخاص؛ فعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: “كنت أرعى غنماً لعقبة بن أبي معيط، فمر بي رسول الله فقال: يا غلام هل من لبن؟” قال: قلت: نعم، ولكني مؤتمن، قال: فهل من شاة لم ينز (يثب) عليها الفحل؟” فأتيته بشاة فمسح ضـرعها فنزل لبن فحلبه في إناء فشـرب وسقى أبا بكر، ثم قال للضـرع: “اقلص” فقلص (اجتمع) قال: ثم أتيته بعد هذا، فقلت: يا رسول الله علمني من هذا القول؟ قال: فمسح على رأسي، وقال: “يرحمك الله؛ فإنك غليم معلم(رواه أحمد والطبراني وابن حبان، وهو حسن).

 

الصورة الرابعة: أن يؤدي ما وجب عليه أداؤه في عمله إلى أهله من غير محاباة أو مماطلة أو خيانة. فتأخير أصحاب المعاملات والاحتياجات أو التقصير في حقوقهم -من غير سبب صحيح- لأجل رشوة لم تدفع أو لأجل تباين ديني أو فكري أو مناطقي أو عنصري- خيانة لا تجوز. فما وضع الموظف في ذلك العمل إلا ليقوم بعمله مع جميع الناس حسب النظام في ذلك العمل، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: الخازن الأمين الذي ينفق وربما قال: يعطي” ما أمر به كاملاً موفراً طيباً نفسه إلى الذي أُمر به أحد المتصدقين(متفق عليه).

 

فليتق الله الموظف في وظيفته والعامل في عمله؛ فإن الله سائله عن ذلك ومحاسبه عليه، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة عند ربه حتى يسأل عن خمس: عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وماذا عمل فيما علم(رواه الترمذي والطبراني، وهو حسن).

 

قلت ما سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

 

أما بعد: أيها المسلمون: هنالك بعض الوظائف المهمة التي يجب أن تراعى فيها الأمانة أكثر من غيرها؛ لأنها كالأعمدة لرفع بنيان الحياة؛ فمن تلك الوظائف العظيمة: وظيفة الولاية العامة على الناس، فيجب عليه أداء الأمانة في هذا العمل العظيم كما يجب، وذلك برعاية مصالح الناس الدينية والدنيوية، في جميع المجالات، وسيسأل عن هذه الوظيفة عند ربه -تعالى-، قال أبو مسلم الخولاني -رحمه الله- لمعاوية -رضي الله عنه-: “إنما أنت أجير استأجرك رب هذه الغنم لرعايتها، فإن أنت هنأت جرباها وداويت مرضاها وحبست أولاها على أخراها وفاك سيدها أجرها، وإن أنت لم تهنأ جرباها ولم تداو مرضاها، ولم تحبس أولاها على أخراها عاقبك سيدها“.

 

ومن تلك الوظائف: وظيفة القضاء والفصل بين الناس، وهي وظيفة مهمتها فض الخصومات وقطع المنازعات والحكم في الدماء والأموال والأعراض وغير ذلك بحكم الله -تعالى-؛ حتى يسود الاستقرار العام في المجتمع، ولا يتأتى ذلك إلا بالقيام بالأمانة الوظيفية في هذا العمل العظيم، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: القضاة ثلاثة: واحد في الجنة واثنان في النار، فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به، ورجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار(رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، وهو صحيح).

 

ومن تلك الوظائف المهمة: وظيفة تعليم الناس وإرشادهم وتربيتهم على الحق، وهذه الوظيفة يقوم عليها العلماء والدعاة والمصلحون والمربون، فالعلماء هم حراس الدين من العادين، وأدلّة الناس إلى رب العالمين فإذا أدوا الأمانة في عملهم هذا حُفظ الإسلام وأهله، وعلا الحق واتضح، فإن غابوا عن أمانتهم أُتي الإسلام من قبل تفريطهم، وخفي الحق عن كثير من الناس؛ لغياب النور الذي كان يرشدهم إلى الطريق الصحيح، قال تعالى: (وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ)[آل عمران: 187].

قال ابن كثير -رحمه الله-: “وفي هذا تحذير للعلماء أن يسلكوا مسلكهم؛ فيصيبهم ما أصابهم، ويسلك بهم مسالكهم، فعلى العلماء أن يبذلوا ما بأيديهم من العلم النافع، الدال على العمل الصالح ولا يكتموا منه شيئاً”.

 

وهكذا على المعلم والمربي والمصلح أن يقوم بإيصال رسالته إلى المجتمع بأمانة وإخلاص حتى ينشأ الناس على الخير ويسلكوا السبيل السوي.

 

عباد الله: ومن الوظائف المهمة كذلك: وظيفة الطب، فكما أن العلماء حراس الأديان فإن الأطباء حراس الأبدان، ولا قيام للدنيا إلا بسلامة هذه الحصون الثلاثة. فالطبيب الأمين هو الذي لا يمارس هذه المهنة إلا بعد تأهله الكافي لها؛ حتى يحافظ على حياة الناس من آثار جهله بها.

 

فالأمين من الأطباء من يحفظ مرضاه من الأدوية الفاسدة أو الضارة ويداوي المرض كما ينبغي، وإلا أحاله إلى من عنده الكفاءة العالية والأجهزة المناسبة لعلاج ذلك المرض.

 

والأمين من الأطباء من يتخذ هذه الوظيفة عبادة لله، وخدمة للناس، ولا يسعى للكسب فيها من خلال الخيانة فيها بالتجارة بأبدان الناس وغشهم.

 

أيها المسلمون: إن أمتنا الحبيبة بحاجة ماسة إلى الموظفين والعمال الأمناء؛ لأنهم من أسباب رقيها وتقدمها وصلاح أحوالها.

 

فاتقوا الله -أيها الموظفون والعمال- في أعمالكم ووظائفكم بأداء الأمانة فيها؛ لأنكم مسؤولون عما تعملون.

 

هذا وصلوا وسلموا على خير الورى…

 

الملفات المرفقة
الأمانة في العمل والوظيفة
عدد التحميل 33
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات