طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

16945

العمل الجماعي وروح الجماعة غزوة الأحزاب أنموذجا

المكان : مصر / الإسكندرية / بدون / بدون /
التصنيف الرئيسي : بناء المجتمع السيرة النبوية
تاريخ النشر : 1440/11/25
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/فضل العمل الجماعي 2/مجالات التعاون بين المسلمين 3/من مشاهد روح الجماعة في غزوة الأحزاب.
اقتباس

ومن أروع ملاحم العمل الجماعي في تاريخ الأمة الإسلامية غزوة الأحزاب, التي تكالب فيها الأعداء على الدولة الإسلامية ورسولها, وجاءوا من كل حدب وصوب؛ ليستأصلوا الأمة الإسلامية, وليقتلوا خير البرية -صلى الله عليه وسلم- فجاء العمل الجماعي وجاءت روح الجماعة؛ لتصد هذا العدوان, ولترد له صفعة قوية ترده على أدباره خائبا…

الخطبة الأولى:

 

إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ ونَسْتَغْفِرُهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ, وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإحْسَانٍ إلى يوم الدين.

 

أما بعد:

 

إخوة الإيمان, أتباع النبي العدنان -صلى الله عليه وسلم-: حديثنا في هذا اليوم الطيب الميمون الأغر عن (العمل الجماعي وروح الجماعة غزوة الأحزاب أنموذجا)؛ لنتعرف على أهمية ومكانة العمل الجماعي, وأثره في نهضة الأمم, ورد عدوان الأعداء

 

اعلموا -عباد الله- أن العمل الجماعي قوة ومنعة وبركة, يقول الله -تعالى-: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ)[الأنفال: 60]؛ فالاجتماعُ قوة، والنزاع والفُرقة ضعف.

 

واعلموا -رحمكم- الله أن الله -تعالى- مع الجماعة, يمدها بمعونته وتأييده -جل جلاله-, عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: “يد الله مع الجماعة“(أخرجه الترمذي).

 

إنَّ تأييدَ الله للفئة المؤمنة المجتمعة حقٌّ لا شك فيه؛ عَنْ ثَوْبَانَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: “لَا يزالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ مَنْصُورِينَ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ“(سنن ابن ماجه), لذا سُمِّيت الفرقة الناجية (أهل السنَّة والجماعة)؛ لاجتماعهم على الحق، وعلى العقيدة الصحيحة، وعلى الإمام العَدْل, الله -عز وجل- يقول: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا)[آل عمران: 103]؛ فأمَرنا بالجماعة، ونهانا عن الفُرقة, قال ابن مسعود -رضي الله عنه-: “وإن ما تكرهون في الجماعة والطاعة خيرٌ مما تستحِبُّون من الفُرقة“(ابن أبى شيبة)

 

إنَّ الكِيان الدعوي هو أقوى وسيلة لتحقيق غاية شريفة، ألا وهي خدمة الدِّين ونشره؛ قال -تعالى-: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى)[المائدة: 2]، نتعاون على دعوة الناس إلى التوحيد والإيمان، وإلى تحرِّي الحلال والبُعد عن الحرام، إلى اتباع السنَّة واجتناب البدعة، نحذِّر الناس من الشرك وندعوهم إلى محاسن الأخلاق والأعمال، نتعاون في إقامة فروض الكفايات التي خاطَبَ اللهُ بها أُمَّتَنا، وتحقيق الأهداف العليا، ابتداءً مِن طلب العلم الشرعي النافع، ومرورًا بالدعوة إلى الله -عز وجل-, وإدخال الناس في دين الله أفواجًا، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجمع الزكوات والصدقات وتوزيعها على المستحقين لها، والسعي في مصالح المسلمين وخدمتهم، وانتهاءً بذروة سَنام الإسلام: الجهاد في سبيل الله.

 

إخوة الإسلام: ومن أروع ملاحم العمل الجماعي في تاريخ الأمة الإسلامية غزوة الأحزاب, التي تكالب فيها الأعداء على الدولة الإسلامية ورسولها, وجاءوا من كل حدب وصوب؛ ليستأصلوا الأمة الإسلامية, وليقتلوا خير البرية -صلى الله عليه وسلم- فجاء العمل الجماعي وجاءت روح الجماعة؛ لتصد هذا العدوان, ولترد له صفعة قوية ترده على أدباره خائبا وهو حسير كسير ذليل.

 

لقدْ ذكر الله -تعالى- الشورى في موضعين من كتابه العزيز، لكلِّ موضع منهما دلالتُه القوية على وجوب هذا المبدأِ الهامِّ من مبادئ الإسلام؛ أمَّا الموضع الأوَّل من هذيْن الموضعين، فهو قول الله -تعالى- مُخاطبًا رسولَه -صلَّى الله عليه وسلَّم-: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ)[آل عمران: 159].

 

وأمَّا الموضع الثَّاني: فهو قول الله -تعالى-: (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ)[الشورى: 38]، والذي يتأمَّل في هذه الآية المباركة، وينظُر في تركيبها, يجد أنَّ الله قد ذكر الشورى -كصفة من صفات عباده- بين ركنيْن أساسيَّين من أركان الإسلام، هما: الصَّلاة، والزَّكاة، وهذا يدلُّ على أهميَّة الشورى، وأنَّها واجبةُ التنفيذ مثل الصَّلاة والزكاة.

 

عن أبي هُريرة-رضي الله عنه -قال: “ما رأيتُ أحدًا قطُّ كان أكثرَ مشورةً لأصحابِه من رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم-“(مسند أحمد), فالعمل الجماعي مبني على ذلك الأساس المتين ألا وهو الشورى, فيستشعر الجميع بأن له دورا في حياة الجماعة التي ينتمي إليها.

 

عندما أخبرت جهات الاستخبارات للدولة الإسلامية قائد الأمة ورسول الإنسانية -صلى الله عليه وسلم-, من علمه ربه من علمه شديد القوى, لم يستأثر برأيه -صلى الله عليه وسلم- بل عقد مجلسا حربيا للتشاور فيما يجب على الأمة فعله؛ لرد ذلك العدوان, وقرروا بعد الشورى: فأشار عليه سلمان الفارسي -رضى الله تعالى عنه- بالخندق، حيث قال: “يا رسول الله! إنّا كنا بأرض فارس إذا تخوّفنا الخيل، خندقنا عليهم“، فأمر -صلّى الله عليه وسلّم- بحفر الخندق حول المدينة، وعند ذلك ركب رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- فرسا له ومعه عدة من المهاجرين والأنصار، وأمرهم بالجدّ، ووعدهم النصر إن هم صبروا, فعمل الخندق من مكايد الفرس، لا من مكايد العرب، ولما نظر المشركون إلى الخندق، قالوا: والله إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها.(نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز)

 

ومن روائع العمل بروح الجماعة: تعاون المسلمين وعلى رأسهم رسول الإنسانية -صلى الله عليه وسلم- في حفر الخندق, فلم يجلس النبي -صلى الله عليه وسلم- في غرفة العمليات تحت المكيفات والمرطبات, ويترك أصحابه تحت حر العمل وحر الجو وحر الخوف, بل كان -صلى الله عليه وسلم- في المقدمة يبدا بيد؛ عن سهل بن سعد -رضي الله عنه- قال: “كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي الْخَنْدَقِ وَهُمْ يَحْفِرُونَ، وَنَحْنُ نَنْقُلُ التُّرَابَ عَلَى أَكْتَادِنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “اللَّهُمَّ لا عَيْشَ إلا عَيْشُ الآخرة, فَاغْفِرْ لِلْمُهَاجِرِينَ والأنصار“(البخاري), وعن أنس قال: “خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِلَى الْخَنْدَقِ، فَإِذَا الْمُهَاجِرُونَ وَالأنْصَارُ يَحْفِرُونَ فِي غَدَاةٍ بَارِدَةٍ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَبِيدٌ يَعْمَلُونَ ذَلِكَ لَهُمْ، فَلَمَّا رَأَى مَا بِهِمْ مِنْ النَّصَبِ وَالْجُوعِ قَالَ: “اللَّهُمَّ إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَة, فَاغْفِرْ للأنصار وَالْمُهَاجِرَة“, فَقَالُوا مُجِيبِينَ لَهُ: نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدَا, عَلَى الْجِهَادِ مَا بَقِينَا أَبَدَا, فكَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-يَنْقُلُ التُّرَابَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ حَتَّى أَغْمَرَ بَطْنَهُ أَوْ اغْبَرَّ بَطْنُهُ”(البخاري).

 

وفي الصحيحين عن الْبَرَاءَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَوْمَ الأحْزَابِ يَنْقُلُ مَعَنَا التُّرَابَ, وَلَقَدْ وَارَى التُّرَابُ بَيَاضَ بَطْنِهِ, وَهُوَ يَقُولُ:

وَاللَّهِ لَوْلا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا *** وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا

فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا *** إِنَّ الْأُلَى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا

إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا *** وَرَفَعَ بِهَا صَوْتَهُ أَبَيْنَا أَبَيْنَا

 

إذا أردتَ أن تهدم شَعبًا فسلط عليه الأدب الرقيع، والشعر الرخيص، وقصص الجنس، وروايات العهر، وقصائد الخمر؛ فالأدب الخليع لا يقل ضرواة في الهدم من الصواريخ!.

 

وإذا أردنا أن نؤسس جيشًا، ونبني أُمةً، -وقد قال الله -تعالى-: (وَأَعِدُّوا)[الأنفال: 60]؛ فإن من تمام الإعدادِ تربيةَ الجنود على الأدب الإسلامي الجهادي، والشعر العربي الحماسي، وأناشيد الشجاعة، ومقالات الإباء، وقصص البطولة (وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ)[النساء: 84].

 

ومن مشاهد روح الجماعة: قناعة وإيمان الجماعة بصدق وعد قائدها, وأنهم على الحق, وفي سبيل الحق يهون كل غال ونفيس, قال الله -تعالى- مصورا روح الجماعة المؤمنة المصدقة الموقنة, قال -عَزَّ وَجَلَّ- مخبرًا عن عباده المؤمنين المصدقين بموعود الله لهم، وجعله العاقبة حاصلة لهم في الدنيا والآخرة: (وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا)[الأحزاب: 22]؛ أي: هذا ما وعدنا الله ورسوله من الابتلاء والاختبار والامتحان الذي يعقبه النصر القريب، والمراد كما قال ابن عباس -رضي الله عنهما- وقتادة: قوله -تعالى- في سورة البقرة: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ)[البقرة: 214].

 

فالآية الآمرة بالتأسي بالرسول – صلى الله عليه وسلم – نزلت بمناسبة غزوة الأحزاب حين رمى أهل الشرك والكفر المسلمين عن قوس واحدة وتحزبوا عليهم، حيث زلزلت النفوس وبلغت القلوب الحناجر، وكاد أن يهتز الاقتداء لتأخر النصر، فجاءت لتؤكد أن الاقتداء يكون في مواطن الشدة والصبر، والبأس والضيق، ومؤشرات فوت الحياة الدنيا كما يكون في اليسر، وتبين أن الارتباط بالآخرة هو سبيل الصمود والحماية من السقوط، فالاقتداء يكون في اليسر والعسر وعلى كل الأحوال.

 

وإِن قيمة الاقتداء وفائدته وعطاءه، وعظيم ثوابه إِنما يكون في العزائم والقضايا الكبيرة التي قد يُمتحن صاحبها في صدق إِيمانه وقوة يقينه، فتفوته بعض النتائج في الدنيا ويخسر المعركة، لكن الاقتداء يحميه ويحول بينه وبين السقوط، ويرتفع به من الوقوف عند النتائج القريبة إِلى إِبصار العواقب والمآلات؛ ذلك أن نقطة الارتكاز في الاقتداء هي رجاء اليوم الآخر، واستمرار ذكر الله الذي يُجَلِّي هذه الحقيقة, ويؤكد حضورها واستمرارها(صحيح الأثر وجميل العبر من سيرة خير البشر).

 

ومن روائع روح العمل الجماعي: ذلك المشهد الذي يفيض بالإيثار والمشاركة في السراء والضراء, قال جابر -رضي الله عنه -: “إِنَّا يَوْمَ الْخَنْدَقِ نَحْفِرُ فَعَرَضَتْ كُدْيَةٌ -أي صخرة- شَدِيدَةٌ فَجَاءُوا النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-فَقَالُوا: هَذِهِ كُدْيَةٌ عَرَضَتْ فِي الْخَنْدَقِ فَقَالَ: “أَنَا نَازِلٌ“, ثُمَّ قَامَ وَبَطْنُهُ مَعْصُوبٌ بِحَجَرٍ -وَلَبِثْنَا ثلاثة أَيَّامٍ لا نَذُوقُ ذَوَاقًا- فَأَخَذَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْمِعْوَلَ فَضَرَبَ فَعَادَ كَثِيبًا أَهْيَلَ -أَوْ أَهْيَمَ-، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي إِلَى الْبَيْتِ, فَقُلْتُ لامْرَأَتِي: رَأَيْتُ بِالنَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- شَيْئًا مَا كَانَ فِي ذَلِكَ صَبْرٌ! فَعِنْدَكِ شَيْءٌ؟ قَالَتْ: عِنْدِي شَعِيرٌ وَعَنَاقٌ -أي أنثى المعز-, فَذَبَحَتْ الْعَنَاقَ، وَطَحَنَتْ الشَّعِيرَ، حَتَّى جَعَلْنَا اللَّحْمَ فِي الْبُرْمَةِ، ثُمَّ جِئْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَالْعَجِينُ قَدْ انْكَسَرَ وَالْبُرْمَةُ بَيْنَ الأثَافِيِّ -أي الـحَجر الذي تُوضَعُ عليه القِدْرُ-, قَدْ كَادَتْ أَنْ تَنْضَجَ، فَقُلْتُ: طُعَيِّمٌ لِي، فَقُمْ أَنْتَ -يَا رَسُولَ اللَّهِ- وَرَجُلٌ أَوْ رَجُلانِ, قَالَ: “كَمْ هُوَ؟“, فَذَكَرْتُ لَهُ, قَالَ: “كَثِيرٌ طَيِّبٌ“, قَالَ: “قُلْ لَهَا: لا تَنْزِعْ الْبُرْمَةَ ولا الْخُبْزَ مِنْ التَّنُّورِ حَتَّى آتِيَ“, فَقَالَ: “قُومُوا“, فَقَامَ الْمُهَاجِرُونَ وَالأنْصَارُ! فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى امْرَأَتِهِ قَالَ: وَيْحَكِ! جَاءَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِالْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ وَمَنْ مَعَهُمْ, قَالَتْ: هَلْ سَأَلَكَ؟ قال: نَعَمْ.

 

فلما أقبل رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بأهل الخندق قَالَ: “ادْخُلُوا وَلا تَضَاغَطُوا“, قَالَ جابر: فَجَلَسَ وَأَخْرَجْنَاهَا -يعني الشويهة- إلَيْهِ, قَالَ: فَبَرّك وَسَمّى اللّهَ, فَجَعَلَ يَكْسِرُ الْخُبْزَ، وَيَجْعَلُ عَلَيْهِ اللَّحْمَ وَيُخَمِّرُ الْبُرْمَةَ وَالتَّنُّورَ إِذَا أَخَذَ مِنْهُ وَيُقَرِّبُ إِلَى أَصْحَابِهِ، ثُمَّ يَنْزِعُ، فَلَمْ يَزَلْ يَكْسِرُ الْخُبْزَ وَيَغْرِفُ حَتَّى شَبِعُوا وَبَقِيَ بَقِيَّةٌ قَالَ: “كُلِي هَذَا وَأَهْدِي؛ فَإِنَّ النَّاسَ أَصَابَتْهُمْ مَجَاعَةٌ“(البخاري).

 

نفعني الله وإيَّاكم بالقرآن الكريم وبهدي سيد المرسلين، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية:

 

الحمدُ للهِ وَلِيُّ الصّالِحِينَ, والعاقبةُ للمتّقِينَ, ولَا عُدْوَانَ إِلّا عَلَى الظّالِمِينَ, وَأَشْهَدُ أنْ لَا إِلَهَ إِلّا اللهُ الحقُّ المُبِينُ, وَأَشْهَدُ أَنّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ, إِمَامَ الْمُتّقِينَ, ورسُولُ ربِّ الْعَالَمِينَ, صلّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تسلِميًا كَثِيرًا.

 

المشهد الخامس: مشهد الجندية والطاعة المثالية؛ ويتجلى في هذا المشهد روح العمل الجماعي والإحساس بالمسؤولية الملقاة على كواهل كل فرد من أفراد الجماعة, ولنضرب على ذلك مثالين:

فقد أتى نعيم بن مسعود رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله! إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت, فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “إنما أنت فينا رجل واحد، فخذل عنا إن استطعت؛ فإن الحرب خدعة“.

 

فخرج نعيم فأتى بني قريظة، وكان ينادمهم في الجاهلية، فقال: “يا بني قريظة، قد عرفتم ودي إياكم، وخاصة ما بيننا وبينكم“، قالوا: صدقت، فقال: “إن قريشا وغطفان ليسوا مثلكم، البلد بلدكم ولا تقدرون عن التحول عنه، وقريش وغطفان ليسوا كذلك ولا مثلكم، إن رأوا ما يسرهم، وإلا لحقوا ببلادهم وتركوكم، ولا طاقة لكم بمحمد، إن تركتم معه فلا تقاتلوا معهم حتى تأخذوا منهم رهنا“، فقالوا: لقد أشرت بالرأي.

 

ثم نهضن إلى قريش، فقال لأبي سفيان: “قد عرفتم صداقتي لكم، وبلغني أمر لزمني أن أعرفتموه، فاكتموا عني“، قالوا: وما هو؟ قال: “اعلموا أن اليهود قد ندموا على ما فسخوا من عهد محمد -صلى الله عليه وسلم-، وقد أرسلوا إليه أن يأخذوا منكم رهنا يدفعون إلى محمد، ويرجعون معه عليكم“، فشكرته قريش على ذلك.

 

ثم نهض حتى أتى عطفان، فقال لهم مثلما قال لقريش، فلما كانت ليلة السبت من شوال سنة أربع أرسل أبو سفيان وغطفان إلى بني قريظة: إنا لسنا بدار مقام، فاغدوا للقتال فأرسل اليهود إليهم: إن اليوم يوم سبت، ومع ذلك لا نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا، فردوا إليهم الرسول، والله لا نعطيكم فاخرجوا معنا، فقال بنو قريظة: صدق والله نعيم، فلما رجع الرسل إليهم بذلك قالوا: صدقنا والله نعيم، فأبوا من القتال معهم، وأرسل الله -تعالى- عليهم ريحا عظيمة كفأت قدورهم وآنيتهم(غزوات النبي صلى الله عليه وآله وسلم).

 

المشهد الثاني: الطاعة المثالية؛ ومن مشاهد العمل الجماعي الطاعة المثالية للقائد, وذلك في سبيل الحافظ على الجماعة والمكيدة للعدو, عن حذيفة قال: لقد رأيتُنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليلة الأحزاب، وأخذتنا ريح شديدة وقُر, فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “ألا رجل يأتيني بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة“، فسكتنا فلم يجبه منا أحد, ردّد ذلك رسول الله ثلاثا, ثم قال: “قم يا حذيفة فأتنا بخبر القوم“، فلم أجد بداً إذ دعاني باسمي أن أقوم، قال: “اذهب فأتني بخبر القوم ولا تذعَرهم علي“, فلما وليتُ من عنده جعلت كأنما أمشي في حمام، حتى أتيتهم فرأيت أبا سفيان يَصْلي ظهره بالنار، فوضعت سهما في كبد القوس فأردت أن أرميَه، فذكرت قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “ولا تذعَرهم علي”, ولو رميته لأصبتُه، فرجعت وأنا أمشي في مثل الحمام، فلما أتيته فأخبرته بخبر القوم وفرغت قرَرْتُ؛ فألبسني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من فضل عَباءة كانت عليه يُصلي فيها، فلم أزل نائما حتى أصبحت، قال: قم يا نومان“( صحيح مسلم).

 

ومن هنا جاء الانتصار وأرسل عليهم العزيز القهار ريحا شديدة, فرقت جمعهم وشتت شملهم؛ يقول الله -تعالى- عن ذلك المشهد: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا)[الأحزاب: 9]

 

أيها الأحباب: اجتماع السواعد يبني الأمم, واجتماع القلوب يخفف المحن.

إني رأيــت نـمـلـــة *** في حـيــرة بين الـجـبــــال

لم تستطع حمل الطعام *** وحـدهــــا فـــوق الـرمــــال

نــادت علـى أخـت لهـا *** تـعـيـنـهــا فـالـحـمـل مــــال

لــم تـستـطـيـعــا حـمله *** تــذكـــرا قـــــولاً يــقــــــال

تــعــاونــوا جـمـيـعـكـم *** فـالـخـيــر يأتي بـالوصال

نـادت عـلـى إخـوانـهـا *** جـــاءوا جـمـيـعــاً بـالـحبال

جــروا معــاً طـعـامـهـم *** لـــم يـعــرفــوا شيئــاً محال

 

هَذا وصَلُّوا وسَلّمُوا على الحبيبِ المُصْطَفى فقدْ أمركُمُ اللهُ بذلِكَ فقالَ جلَّ مِنْ قَائِلٍ عَلِيمًا: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56]، وَقَالَ ‏-صلى اللهُ عليهِ وسلَّم-: “مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاةً وَاحِدَةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا“(رَوَاهُ مُسْلِمٌ).

 

 

الملفات المرفقة
العمل الجماعي وروح الجماعة غزوة الأحزاب أنموذجا
عدد التحميل 32
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات