طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

16951

الحج … حِكَم وأحكام

المكان : المملكة العربية السعودية / المدينة المنورة / حي المسجد النبوي / المسجد النبوي الشريف /
التصنيف الرئيسي : الحج
تاريخ الخطبة : 1440/11/23
تاريخ النشر : 1440/11/24
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/اختيار الله للبيت الحرام وتفضيله وتعظيمه 2/الحج ركن ركين وأساس متين 3/على من أراد الحج أن يتعفف وينفق من الحلال 4/وجوب تعظيم الأشهر الحرم 5/موسم الحج موسم خير وبر وطاعة 6/على الحُجَّاج أن يلتزموا السكينة والوقار
اقتباس

الحجُّ ركنٌ واجبٌ، وفرضٌ لازبٌ، دلَّ عليه القرآنُ الكريمُ، والنبأُ العظيمُ، الحج من أفضل العبادات، وأعظم القربات، وأجَلِّ الطاعات، يرفع الدرجات، ويمحو الخطايا ويكفِّر السيئاتِ، حتى الكبائر منها…

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله الذي آوى مَنْ إليه أوى، وأعدَّ لمن قصدَه جناتِ المأوى، أشهد ألا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له على العرش استوى، وقضى إنما لكل امرئ ما نوى، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، ما ضلَّ وما غوى، وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحيٌ يُوحَى، بلَّغ الرسالةَ وأدَّى الأمانةَ ونصَح الأمةَ وأمَر بالتقوى، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وَمَنْ تَبِعَهم بإحسان ونهى النفسَ عن الهوى.

 

أما بعدُ: فإن خير الحديث كلام الله المنزَّل، وخير الهدي هدي محمد بن عبد الله المفضَّل، وأصدق كلمة ألَا كلُّ شيءٍ ما خلا اللهَ باطلُ، وشر الأمور محدَثات مُبَتِدع يُؤَوِّل، وجاهل سفيه مضلِّل.

 

عبادَ اللهِ: أوصيكم ونفسي بتقوى الله، فهي وصية الله للأولينَ والآخِرينَ، (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ)[النِّسَاءِ: 131].

 

معاشرَ المسلمينَ: إن الله يخلق ما يشاء ويختار، فقد اصطفي من الملائكة رُسُلًا ومن الناس، وفضَّل رمضانَ على سائر شهور الزمان، واختار البيت الحرام وجعله أولَ بيت وُضِعَ للناس، وفضَّلَه وبوَّأَه، وجعَلَه مثابةً وأمنًا للناس، وبارَكَه وجعَلَه قبلة وهيأه، وحرَّمَه وعظَّمَه وجعَلَه المنسكَ الأساسَ، (جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ)[الْمَائِدَةِ: 97]، وحرَّم حماه، وجعَلَه البيت العتيق، ودعا إلى قَصْدِه، وقال لإبراهيم: (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ)[الْحَجِّ: 27]، فلَبُّوا -معاشرَ المسلمينَ- نداءَ الله، لَبَّيْكَ اللهم لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لا شريكَ لكَ لَبَّيْكَ، إنَّ الحمدَ والنعمةَ لكَ والملكَ، لا شريكَ لكَ.

 

عبادَ اللهِ: إن الإسلام عقيدة وعبادات، وسلوك ومعامَلات، بني على خمسة أركان هي الأمهات، فعن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “بني الإسلام على خمسة: على أن يوحَّد الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان والحج” (متَّفَق عليه).

 

أيها الناسُ: إن الله قد فرَض عليكم الحجَّ فحُجُّوا، قال تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا)[آلِ عِمْرَانَ: 97]، الحج عبادة العُمْر، وختام الأمر، وتمام أركان الإسلام، وفيه أنزل الله -عز وجل-: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)[الْمَائِدَةِ: 3]، وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: “قال الله -تعالى-: إنَّ عبدًا صححتُ له جسمَه، ووسعتُ عليه في المعيشة يَمضي عليه خمسةُ أعوام لا يَفِدُ إِلَيَّ لَمَحْرُومٌ” (أخرجه ابن حبان في صحيحه)، فأَدُّوا فرائضَ الله، وحُجُّوا بيتَ الله، (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ)[الْبَقَرَةِ: 196].

 

عباد الله: الحجُّ ركنٌ واجبٌ، وفرضٌ لازبٌ، دلَّ عليه القرآنُ الكريمُ، والنبأُ العظيمُ، الحج من أفضل العبادات، وأعظم القربات، وأجَلِّ الطاعات، يرفع الدرجات، ويمحو الخطايا ويكفِّر السيئاتِ، حتى الكبائر منها، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: “سمعتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: “مَنْ حجَّ لله فلم يرفُث ولم يفسُق رَجَعَ كيوم ولدته أُمُّهُ” (رواه البخاري)، و(روى الترمذي في سننه وصححه)، عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “تَابِعُوا بينَ الحجِّ والعمرةِ؛ فإنهما ينفيانِ الفقرَ والذنوبَ كما ينفي الكيرُ خبثَ الحديدِ والذهبِ والفضةِ، وليس للحَجَّةِ المبرورةِ ثوابٌ إلَّا الجنةُ“.

 

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: “سئل رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: أيُّ الأعمالِ أفضلُ؟ قال: إيمانٌ بالله، قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهادُ في سبيل الله، قيل: ثم ماذا؟ قال: حَجٌّ مبرورٌ” (رواه مسلم).

 

معاشرَ المسلمينَ: إن الله طيِّب لا يقبل إلا الطيبَ، فمن أراد الحجَّ فليتعفف عن الحرام، وليُنفق من ماله الحلال، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: “قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أيها الناس، إن اللهَ طيِّبٌ لا يقبل إلا طَيِّبًا، وإنَّ اللهَ أمَر المؤمنينَ بما أمَرَ به المرسلينَ فقال: (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُّوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ)[الْمُؤْمِنَونَ: 51]، وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُّوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ)[الْبَقَرَةِ: 172]، ثم ذكَر الرجلَ يُطِيلُ السفرَ أشعثَ أغبرَ، يمدُّ يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، ومطعمُه حرامٌ، ومَشْرَبُه حرامٌ، ومَلْبَسُه حرامٌ، وغُذِيَ بالحرامِ فأنَّى يُستجاب لذلك؟” (رواه مسلم).

 

جعلني الله وإياكم ممن يستمعون القولَ فيتَّبِعون أحسَنَه، (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ)[الزُّمَرِ: 18].

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله الذي أعطى وأنعم، وهدى إلى الرشد وألهم، وبيَّن السدادَ وأَفْهَمَ، وجعَل الحجَّ أفضلَ الأعمال وأعظمَ.

 

معاشرَ المسلمينَ: إنكم في الأشهر الحرم، التي شرَع الله حرمتَها، وعظَّم شأنَها، وزجَر عن الظلم فيها فقال: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ)[التَّوْبَةِ: 36]، وعن أبي بكرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- خطَب في حجته فقال: “إنَّ الزمانَ قد استدار كهيئته يومَ خلق اللهُ السمواتِ والأرضَ، السنةُ اثنا عشَر شهرًا، منها أربعةٌ حُرُمٌ، ثلاثٌ متوالياتٌ، ذو القعدة وذو الحجة والمحرَّم، ورجبُ مُضَرَ الذي بين جمادى وشعبان، ثم قال: أيُّ شهرٍ هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسَكَت حتى ظنَنَّا أنه سيسمِّيه بغير اسمه، قال: أليس ذا الحجة؟ قلنا: بلى، قال: أيُّ بلدٍ هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسَكَت حتى ظنَنَّا أنه سيسمِّيه بغير اسمه، قال: أليس البلدة الحرام؟ قلنا: بلى، قال: فأيُّ يوم هذا؟ قلنا: اللهُ ورسولُه أعلمُ، فسَكَت حتى ظنَنَّا أنه سيسمِّيه بغير اسمه، قال: أليس يوم النحر؟ قلنا: بلى، قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، وَسَتَلْقَوْنَ ربَّكم فيسألكم عن أعمالكم، ألَا فلا ترجعوا بعدي ضُلَّالًا، يضرب بعضُكم رقابَ بعض، ألَا فليبلغ الشاهدُ الغائبَ، فلعل بعضَ مَنْ يَبْلُغُه أن يكون أوعى له من بعض مَنْ سَمِعَه، ألَا هل بلغتُ، إلا هل بلغتُ؟” (متفق عليه).

 

إن شهر ذي القعدة أول الشهور الحُرُم المتوالية، وفيه كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يعتمر، فعن أنس -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- اعتَمَر أربعَ عُمَر، كلُّهن في ذي القعدة إلا التي مع حجته، عمرة الحديبية في ذي القعدة؛ حيث صدَّه المشركون، وعمرة من العام المقبِل في ذي القعدة؛ حيث صالَحَهم، وعمرة الجعرانة؛ إذ قسَم غنائمَ حُنَيْنٍ، وعمرة مع حجته” (متفق عليه).

 

عبادَ اللهِ: موسم الحج موسم بر وطاعة وسخاء، وفرصة بَذْل وجود وعطاء، فقد كانت سقاية الحاج وسدانة البيت من مآثِر ومفاخِر الجاهلية، يتنافسون فيها، وجاء الإسلام فَأَقَرَّهَا، أَذِنَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- للعباس أن يبيت بمكة لياليَ مِنًى من أجلها، وجاء إلى السقاية فاستسقى فشرب، ثم أتى زمزم وهم يَسْقُونَ ويعملون فيها، فقال: “اعْمَلُوا فإنَّكم على عملٍ صالحٍ” وقال: “لولا أن تُغْلَبُوا لنزلتُ حتى أضعَ الحبلَ على هذه” وأشار إلى عاتقه. (رواه البخاري).

 

ولقد مَنَّ اللهُ -تعالى- على المملكة العربية السعودية بخدمة الحرمين الشريفين وقاصديهما، مِنَ الحُجَّاجِ والعُمَّارِ والزُّوَّارِ، وتقديم الخدمات اللازمة، ومساعدتهم على أداء مناسكهم، ووضع لوازم السلامة والأمن لهم، فجزى الله خيرًا أئمتنا وولاة أمرنا خير الجزاء وأوفاه، وأتمه وأكمله وأحسنه وأزكاه.

 

عبادَ اللهِ: وأنتم في أحب البقاع إلى الله، كونوا يدًا وعونًا للقائمين على الرعاية والخدمة والتنظيم والترتيب، تقبَّل الله منا ومنكم، ووفقنا الله وإياكم.

 

حُجَّاجَ بيتِ اللهِ الحرامِ: لقد بذلتُم ووفقتُم لتلبية فريضة الحج، فاحرصوا على أدائها، وإتمامها وقبولها، وتعلموا من أحكامها، وإياكم والرفثَ والفسوقَ والجدالَ، (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ)[الْبَقَرَةِ: 197]، وعليكم بالسَّكِينة والوقار، تَرَاحَمُوا إذا تزاحمتُم، وإيَّاكُم والتدافعَ، وَارْأَفُوا بضعفائكم، فإنما تُرزَقون وتُنْصَرون بهم، عن جابر -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أَرْدَفَ أسامةَ خلفَه، ودفَع من عرفة، وقد شنَط للقصواءِ الزمامَ، حتى إن رأسها ليصيب موردَ رحله، ويقول بيده اليمنى: “أيُّها الناس، السكينةَ السكينةَ” (رواه مسلم).

 

اللهم تقبَّلْ من الحُجَّاجِ حَجَّهُمْ، اللهم تقبَّلْ من الحُجَّاجِ حَجَّهُمْ، واكتب عظيمَ الأجرِ والثوابِ لكلِّ مَنْ أَسْهَمَ في خدمتهم وسعى لراحتهم، اللهم هؤلاء عبيدُكَ وضيوفُكَ وحُجَّاجُ بيتِكَ، أَتَوْا من كل فج عميق، قد انقطعوا عن بلدانهم، وتركوا أموالَهم وأولادَهم، اللهم فارحم غربتَهم عندكَ، وانقطاعَهم إليكَ، ووقوفَهم بينَ يديكَ، اللهم تقبَّلْ مَسَاعِيَهُمْ وزَكِّهَا، وارفع درجاتهم وَأَعْلِهَا، اللهم اجعل حجَّهم مبرورًا، وسعيهم مشكورًا، وذنبَهم مغفورًا، اللهم أَمِّنْهُمْ من جميع الأخطار، اللهم أَمِّنْهُمْ من جميع الأخطار، وَأَعِدْهُمْ إلى أوطانهم وأهليهم سالمينَ غانمينَ، برحمتك يا أرحم الراحمين.

 

اللهم وفِّق وليَ أمرنا خادم الحرمين الشريفين بتوفيقِكَ، وَأَيِّدْهُ بتأييدِكَ، اللهم وفقه وولي عهده لما تحب وترضى، واجزهم خيرَ الجزاءِ، على ما يقومون به من خدمة الحرمين الشريفين وقاصديهما، اللهم احفظ هذه البلادَ بحفظِكَ، واكلأها برعايتك، اللهم احفظها من كل مكروه، واجعلها آمنةً مطمئنةً، وافضح مَنْ أرادها بسوء، واجعل كيدَه في نحره، اللهم احفظها وسائر بلاد المسلمين، يا رب العالمين.

 

عبادَ اللهِ: صَلُّوا وسَلِّمُوا على مَنْ أمرَكم اللهُ بالصلاة والسلام عليه فقال: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الْأَحْزَابِ: 56]، اللهم صلِّ على محمد، وعلى آل محمد، كما صليتَ على إبراهيم وآل إبراهيم إنكَ حميدٌ مجيدٌ، وبارِكْ على محمد وعلى آل محمد، كما باركتَ على إبراهيمَ وآلِ إبراهيمَ إنكَ حميدٌ مجيدٌ، وارضَ اللهم عن الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة أجمعين، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

 

الملفات المرفقة
الحج … حِكَم وأحكام
عدد التحميل 65
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات