طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    خطبة الجمعة بين الواقع والمأمول    ||    نافذتك الخاصة لرؤية الكون    ||    الجمعة.. قرة عين الأتقياء    ||    هادي: الحوثيون ينفذون أجندة إيران في اليمن والمنطقة    ||    "يونيسيف": أطفال المخيمات في سوريا يواجهون وضعا إنسانيا خطيرا    ||    أمين عام "التعاون الإسلامي" يدعو إلى خطط تنموية لدعم القدس    ||    العراق تعهد بمنح اللاجئين الفلسطينيين حقوقا مساوية لحقوق العراقيين    ||    الفيضانات المفاجئة تشرد أكثر من 21 ألف شخص في ميانمار    ||    السعودية : وصول 388 ألفا و521 حاجًا إلى المملكة    ||    الحر والسفر    ||    الصفح والتسامح وأثرهما الإيجابي على نفسية المؤمن    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

16746

مقام الشكر

المكان : المملكة العربية السعودية / مكة المكرمة / المسجد الحرام / المسجد الحرام /
التصنيف الرئيسي : أحوال القلوب
تاريخ الخطبة : 1440/10/25
تاريخ النشر : 1440/10/26
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/مقام الشكر مقام عظيم وخلق كريم 2/الشكر من صفات عباد الله الصالحين 3/معنى الشكر وفضائله 4/أركان الشكر ثلاثة 5/بعض وسائل الشكر وكيفية تحصيلها
اقتباس

فالذي سقَى الكلبَ شكَر اللهُ له فغَفَر له، فكيف بمن يُحسن للمسلمين ويتفقَّد المحتاجينَ ويتصدَّق على المعوزينَ ويرحم المستضعفينَ، والذي أخَّر غصنَ الشوكِ عن الطريق شكَر اللهُ له، وغفَر له، فكيف بمن يسعى في تيسير أمور المسلمين وتفريج هموهم وتنفيس كروبهم…

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله، الحمد لله جلَّت قدرتُه، وتعالَتْ حكمتُه، وتبارَكَ اسمُه، ولا إلهَ غيرُه، أحمده على نعمائه، وأشكرُه على آلائه، وأشهد ألا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، المتفرِّد في عليائه، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله، أفضل رُسُله وخاتم أنبيائه، صلى الله وسلم وبارَكَ عليه وعلى آله وأصحابه، ساداتِ أوليائه والتابعينَ ومن تَبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم لقائه.

 

أما بعدُ: فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله، فاتقوا الله -رحمكم الله-، واعلموا أن مَنْ عوَّد نفسَه العملَ لله شَقَّ عليه العملُ لغيره، وَمَنْ عَمِلَ لحظِّه وهواه شقَّ عليه الإخلاصُ لله، وعُلُوُّ الهمةِ عنوان الفَلَاح، ودنوُّ الهمة سبيلُ الحرمان، والنعيم لا يدرَك بالنعيم، ومن آثَر الراحةَ فاتته الراحةُ، ولا فرحةَ لِمَنْ لا همَّ له، ولا لذةَ لمن لا تعبَ له، والنفوس لها إقبالٌ وإدبارٌ، فإذا أقبلت فخُذُوها بالعزائم والعبادات، وإذا أدبرت فالزَمُوا الفرائضَ والواجباتِ، (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ)[فُصِّلَتْ: 30-32].

 

معاشرَ المسلمينَ: خُلُقٌ عظيمٌ، ومقامٌ من مقامات العبادة كريمٌ، أمَر اللهُ به، ونهى عن ضِدِّه، وأثنى على أهله، ووصَف به خواصَّ خَلْقِه، وجعَلَه غايةَ خَلْقِه وأمرِه، ووعَد أهلَه بأحسنِ جزائه، وجعَلَه سببًا للمزيدِ من فضله، وحارِسًا لنِعَمِه، وحافظًا لآلائه، أهلُه هم المنتفعون بآياته، اشتقَّ لهم اسمًا من أسمائه، هم القليلون من عباده، وحسبُكم بهذا كلِّه فضلًا وشرفًا، وعُلُوًّا؛ إنه مقام الشكر، وفضلُ الشاكرين -يا عباد الله- يقول عزَّ شأنُه: (وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ)[الْبَقَرَةِ: 172]، فلا يعبده حقَّ عبادته إلا الشاكرون، ويقول عزَّ شأنُه: (وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ)[الْبَقَرَةِ: 152]، وقال جلَّ وعلا: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ)[إِبْرَاهِيمَ: 7]، ويقول عزَّ شأنُه: (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ)[سَبَأٍ: 13].

 

عبادَ اللهِ: الشكرُ أمرٌ مستقِرٌّ في سلوك المتعبدينَ، ونهجٌ راسخٌ في نفوس الصالحينَ، تمتلئ به قلوبُهم، وتلهَجُ به ألسنتُهم ويظهر على جوارحهم، وأولُ أنبياءِ الله نوحٌ -عليه السلام- وصَفَه ربُّه بقوله: (إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا)[الْإِسْرَاءِ: 3]، والخليلُ إبراهيمُ صاحب الملة الحنيفية قال فيه ربُّه: (شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)[النَّحْلِ: 121]، أمَّا موسى -عليه السلام- فقد حكى اللهُ عنه في قوله -سبحانه-: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ * وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ)[إِبْرَاهِيمَ: 6-7]، ويقول سليمان -عليه السلام- وهو ينظر فيما خصَّه به ربُّه من نِعَمِه وسخَّر له من مخلوقاته: (فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ)[النَّمْلِ: 19].

 

أمَّا نبيُّنا محمدٌ -صلى الله عليه وسلم- وهو الذي قد غفَر اللهُ له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر فيقوم لربِّه من الليل حتى تتفطَّر قدماه ويقول: “أفَلَا أكونُ عبدًا شكورًا“.

 

معاشرَ الإخوةِ: الشكر اعتراف من العبد بِمِنَّةِ اللهِ عليه، وإقرار بنِعَمِه عليه، من خيرَيِ الدنيا والآخرة، في النفس والأهل والمال والأعمال، وفي شأن العبد كله، الشكرُ دليلٌ على أن العبد راضٍ عن ربه، فهو حياة القلب وحيويته، والشكر قيدُ النِّعم الموجودة، وصيد النِّعَم المفقودة، وأمرُ المؤمنِ كلُّه خيرٌ، إن أصابته سرَّاءُ شَكَرَ فكان خيرًا له، وإن أصابَتْه ضرَّاءُ صَبَرَ فكان خيرًا له، ولا يكون ذلك إلا لمؤمن.

 

الشكرُ دليلٌ على صفاء النفس وطهارة القلب، وسلامة الصدر، وكمال العقل، بل إنَّ الله -عزَّ وجلَّ- خلَق الناسَ من أجل أن يشكروه، فقال عزَّ شأنُه: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)[النَّحْلِ: 78].

 

الشكرُ أولُ وصيةٍ وصَّى اللهُ بها الإنسانَ: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ)[لُقْمَانَ: 14]، وأخبَر أن رضاه في شكره -سبحانه- فقال عزَّ شأنُه: (وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ)[الزُّمَرِ: 7]، كما جعَلَه سببًا من أسباب الأمن من عذابه، فقال جلَّ وعلا: (مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا)[النِّسَاءِ: 147]، بل لقد خصَّ اللهُ الشاكرينَ بِمِنَّتِه عليهم من بين سائرِ عبادِه فقال جلَّ وعلا: (وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ)[الْأَنْعَامِ: 53].

 

أيها الإخوةُ في الله: وللشكر أركانٌ ثلاثةٌ؛ الاعتراف بالنِّعَم، باطنًا مع محبَّة الْمُنعِم، والتحدُّث بها ظاهرًا مع الثناء على الله وصَرْفها في طاعة الله ومرضاته، واجتناب معاصيه، ورؤوسُ النِّعَم ثلاثةٌ: أولها وأَوْلَاها: نعمة الإسلام، التي لا تتمُّ نعمةٌ على الحقيقة إلا بها، ونعمة العافية التي لا تستقيم الحياةُ إلا بها، ونعمة الرضا التي لا يطيب العيشُ إلا بها، يقول الحسن البصري -رحمه الله-: “الخيرُ الذي لا شرَّ فيه العافيةُ مع الشكر“، فكَمْ مِنْ شاكرٍ وهو في بلاء، وكَمْ من مُنْعَم عليه وهو غيرُ شاكرٍ، فإذا سألتُم اللهَ -عز وجل- فاسألوه الشكرَ مع العافية.

 

وشكرُ اللهِ -أيها المسلمون- واجبٌ في جميع الأحوال؛ في الصحة والسَّقَم، والشباب والهرم والفقر والغنى، والفراغ والشغل، والسرَّاء والضرَّاء واليقظة والمنام، والسفر والإقامة، وفي حال الانفراد والاجتماع، قيامًا وقعودًا وعلى جنوبكم، يقول أبو الدرداء -رضي الله عنه-: “مَنْ لم يعرف نِعَمَ اللهِ عليه إلا في مطعمِه ومشربِه فقد قلَّ عِلْمُه“؛ لأنَّ نِعَمَ اللهِ دائمةٌ، وآلاءَه متتابعةٌ، (وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ)[إِبْرَاهِيمَ: 34]، وقال عزَّ شأنُه: (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً)[لُقْمَانَ: 20].

 

وبعدُ -رحمكم الله-: فإنَّ مِنْ فضلِ اللهِ ورحمتِه ولُطْفِه أنَّه -جلَّ في علاه- يشكر لعباده؛ فهو الغفور الشكور، فالذي سقَى الكلبَ شكَر اللهُ له فغَفَر له، فكيف بمن يُحسن للمسلمين ويتفقَّد المحتاجينَ ويتصدَّق على المعوزينَ ويرحم المستضعفينَ، والذي أخَّر غصنَ الشوكِ عن الطريق شكَر اللهُ له، وغفَر له، فكيف بمن يسعى في تيسير أمور المسلمين وتفريج هموهم وتنفيس كروبهم، وَمِنْ لُطْفِ اللهِ -عزَّ شأنُه- أن جعَل شكرَ الناس مِنْ شُكْرِ اللهِ، جاء في الحديث: “لَا يَشْكُرُ اللَّهَ مَنْ لَا يَشْكُرُ النَّاسَ“، ومِنْ لُطْفِه كذلك أن جعَل: (وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ)[النَّمْلِ: 40]، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُّونَ * وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ * لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ * سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ)[يس: 33-36]، نفعني اللهُ وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي محمد -صلى الله عليه وسلم-، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين، من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله، الحمد لله مُعْظِم الثوابِ، ومُجْزِل الأجرِ، يعلم خائنةَ العين وما يُخفي الصدرُ، وأشهد ألَّا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، له الخَلْقُ وله الأمرُ، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبدُ اللهِ ورسولُه، كريمُ الشمائل، وعظيمُ القَدْر، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه البدور السوافر، والنجوم الزُّهْر، والتابعينَ وَمَنْ تَبِعَهم بإحسان إلى آخِر الدهرِ.

 

أما بعدُ: فاعلموا -وفَّقَكم اللهُ- أنَّ وسائل الشكر لا تُحصى وميادينه لا تُحصى، اشكروا ربَّكم على ما أظهَر من جميل، وعلى ما ستَر من قبيح، قال رجلٌ لأبي تميمة: “كيف أصبحتَ؟ قال: أصبحتُ بينَ نعمتينِ، لا أدري أيهما أَفْضَلُ؛ ذنوب ستَرَها اللهُ -عزَّ وجلَّ- فلا يستطيع أحدٌ أن يُعَيِّرني بها، ومودة قذَفَها اللهُ في قلوب العباد لم يَبْلُغْها عَمَلِي“.

 

ويكون الشكر -عبادَ اللهِ- بالصلاة، فإن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- يصلي من الليل حتى تتفطَّر قدماه ويقول: أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا“.

 

ويكون بالصيام، فقد صام موسى -عليه السلام- يوم عاشوراء شكرًا لله؛ إذ نجَّاه وقومَه من فرعون وقومه، ثم صامَه نبيُّنا محمد -صلى الله عليه وسلم- وأمَر بصيامه وقال لليهود: “نحنُ أحقُّ بموسى منكم“، كما يكون الشكر بسجدة شكرٍ يسجدها المؤمنُ إذا جاءه خيرٌ من ربه، أو تَحْدُث له نعمةٌ من مولاه، وقد سجَد نبيُّكم محمد -صلى الله عليه وسلم- حين أخبَرَه جبريلُ -عليه السلام- أن الله يقول: “مَنْ صلَّى عليكَ صلاةً واحدةً صلَّى اللهُ عليكَ بها عشرًا“، وسجَد أبو بكر -رضي الله عنه- لَمَّا بلَغَه مقتلُ مسيلمةَ الكذَّابِ، وسجَد عليٌّ -رضي الله عنه- لَمَّا بلَغَه مقتلُ خارجي بن ثدية، وسجَد كعبُ بن مالك شكرًا لله لَمَّا تاب اللهُ عليه، يقول عبد الرحمن السُّلَمِيُّ: “الصلاةُ شكرٌ، والصيامُ شكرٌ، وكلُّ خير يعمَلُه لله -عزَّ وجلَّ- شكرٌ، وأفضلُ الشكرِ الحمدُ“.

 

ألَا فاتقوا اللهَ -رحمكم الله- واعلموا أن تعدادَ النِّعم من الشكر، والتحدُّث بالنعم من الشكر، وَمَنْ أثنَى فقد شَكَرَ، والقناعةُ شكرٌ، ومِنَ الشكرِ ألَّا يزال لسانُكَ رطبًا بذكرِ اللهِ، ومن قال إذا أصبح وإذا أمسى: “اللهم ما أصبَح بي من نعمةٍ أو بأحدٍ من خَلْقِكَ فمنكَ وحدَكَ لا شريكَ فلكَ الحمدُ ولكَ الشكرُ، فقد أدَّى شكرَ يومه“.

 

هذا وصلُّوا وسلِّموا على الرحمة المهداة والنعمة المسداة نبيكم محمد رسول الله؛ فقد أمركم بذلكم ربُّكم في مُحكَم تنزيله فقال -وهو الصادق في قيله- قولا كريما: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الْأَحْزَابِ: 56].

 

اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك نبينا محمد، الحبيب المصطفى، والنبي المجتَبَى، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنينَ، وارضَ اللهمَّ عن الخلفاء الأربعة الراشدينَ؛ أبي بكر وعمر وعثمان وعليٍّ، وعن الصحابة أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنَّا معَهم بعفوِكَ وجودك وإحسانك وإكرامك وكرمك يا أكرم الأكرمين.

 

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واخذل الطغاة والملاحدة وسائر أعداء الملة والدين، اللهم آمِنَّا في أوطاننا، اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل اللهم ولايتَنا فيمن خافَكَ واتقاك، واتَّبع رضاكَ يا ربَّ العالمينَ.

 

اللهم وفِّق إمامَنا ووليَّ أمرنا خادم الحرمين الشريفين، اللهم وفقه بتوفيقك، وأعزه بطاعتك، وَأَعْلِ به كلمتك، واجعله نصرةً للإسلام والمسلمين، ووفِّقْه ووليَّ عهده وإخوانَه وأعوانَه لِمَا تحبُّ وترضى، وخُذْ بنواصيهم للبرِّ والتقوى.

 

اللهم وفِّق ولاةَ أمور المسلمين للعمل بكتابك وبسُنَّة نبيِّكَ محمد -صلى الله عليه وسلم-، واجعلهم رحمةً لعبادك المؤمنين، واجمع كلمتَهم على الحق والهدى والسُّنَّة يا ربَّ العالمينَ.

 

اللهم أَصْلِحْ أحوالَ المسلمين، اللهم أَصْلِحْ أحوالَ المسلمين، اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان، اللهم احقن دماءهم، واجمع على الحق والهدى والسُّنَّة كلمتهم، وَوَلِّ عليهم خيارَهم، واكفهم أشرارَهم، وابسط الأمنَ والعدلَ والرخاءَ في ديارهم، وأَعِذْهُم من الشرور والفتن ما ظهَر منها وما بطَن.

 

اللهم انصر جنودنا، اللهم انصر جنودنا المرابطين على حدودنا، اللهم سدِّد رأيهم، وصوِّب رميهم، واشْدُدْ أزرَهم، وقوِّ عزائمَهم وثبِّت أقدامَهم، واربط على قلوبِهم، وانصرهم على مَنْ بغى عليهم، اللهم أيِّدْهُم بتأييدك، وانصرهم بنصرك، اللهم وارحم شهداءهم، اللهم احفظهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ومن فوقهم، ونعوذ بك اللهم أن يغتالوا من تحتهم، اللهم ارحم شهداءهم، واشف جرحاهم، واحفظهم في أهلهم وذرياتهم، إنك سميع الدعاء.

 

اللهم إن لنا إخوانا مستضعفين مظلومين في فلسطين وفي بورما وفي أفريقيا الوسطى وفي ليبيا وفي اليمن وفي سوريا قد مسهم الضر وحاق بهم الكرب واشتد عليهم الأمر، تعرضوا للظلم والطغيان والتشريد والحصار، اللهم فانتصر لهم، اللهم فانتصر لهم وتول أمرهم واكشف كربهم، وارفع ضرهم وعجل فرجهم وألف بين قلوبهم واجمع كلمتهم، اللهم مدهم بمددك وأيدهم بجندك وانصرهم بنصرك، اللهم إنا نسألك لهم نصرا مؤزرا، وفرجا ورحمة وثباتا، اللهم سدد رأيهم وصوب رأيهم، وقو عزائمهم، اللهم عليك بالطغاة، اللهم عليك بالطغاة الظالمين ومن شايعهم ومن أعانهم اللهم فرق جمعهم وشتت شملهم، اللهم اجعل تدميرهم في تدبيرهم يا رب العالمين، اللهم عليك باليهود الغاصبين المحتلين فإنهم لا يعجزونك، اللهم أنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم إنا ندرأ بك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم، اللهم اغفر ذنوبنا واستر عيوبنا، ونفس كروبنا وعاف مبتلانا، واشف مرضانا وارحم موتانا.

 

(رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)[الْأَعْرَافِ: 23]، (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)[الْبَقَرَةِ: 201]، (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)[الصَّافَّاتِ: 180-182].

 

 

الملفات المرفقة
مقام الشكر
عدد التحميل 79
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
صالح بن عبد الله بن حميد
سيرة الشيخ ومعلومات عن حياته : إمام وخطيب المسجد الحرام بمكة المكرمة ورئيس شئون الحرمين سابقا ورئيس مجلس الشورى السعودي .
مواد الكاتب
مواد في نفس المحور
التعليقات