طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

16706

جمال الرب سبحانه وتعالى

المكان : المملكة العربية السعودية / الرياض / بدون / بدون /
التصنيف الرئيسي : خطب التجديد الإيمان
تاريخ الخطبة : 1438/10/26
تاريخ النشر : 1440/10/22
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/مفهوم الجمال واتصاف الله به 2/مظاهر جمال الله سبحانه وتعالى 3/حقيقة الجمال الذي يتصف به العبد 4/صور الجمال في خلق الله تعالى 5/الجمال بين البقاء والزوال.
اقتباس

إن الجمال سر ساحر في الوجود، وضعه الخالق ليكون دالاً عليه، ومنبئاً عنه، وليكون ظاهرة من ظواهر إبداعه في صنع الكون. وإن جَمال الله منشور في كونه، موجود في خلقه، منتشر في كلّ الجزئيات فضلاً عن…

الخطبة الأولى:

 

إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران:102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً)[النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً)[الأحزاب:70-71]، أما بعد:

 

عباد الله: إن الله -عز وجل- قد فطر النفس البشرية على حب الجمال، والتعلق بالحُسنِ، كما جبلها على بغض القُبح، والنفور من كل قبيح وشنيع، فالجمال محبوب للنفوس، مقبول لدى الأفئدة، مزروع في القلوب، يستلفت انتباهَ البصر والبصيرة، ويستجلب المدح والثناء والإشادة.

 

والجميل في اللغة مأخوذ من الجمال، وهو الحسن في الخِلقة والخُلق، وقد نعتَ الله -سبحانه- نفسَه بالجمال؛ ليكون أبلغ في بيان سرِّه، وإظهار جلاله، فعن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنه قَالَ: “إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ“(رواه مسلم)، وعن أبي سعيد -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: “إن الله -تعالى- جميل يحب الجمال، ويحب أن يرى أثر نعمته على عبده“(صحيح الجامع).

 

واسم الجميل يدل على ذات الله؛ فهو المتصف بالجمال، وجماله لا يحيط به وصف، كما أن كماله لا يتطرق إليه نقص.

 

والجمال أحد أركان الجلال، والجلال منتهى الحسن والعظمة، وهو قائم على ركنين اثنين: الكمال والجمال، فالكمال بلوغ الوصف أعلاه، والجمال بلوغ الحسن منتهاه، يقول الله -تعالى-: (تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكرام)[الرحمن:78].

 

وفي حديث النعمان بن بشير -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: “إِنَّ مِمَّا تَذْكُرُونَ مِنْ جَلاَلِ الله: التَّسْبِيحَ وَالتَّهْلِيلَ وَالتَّحْمِيدَ يَنْعَطِفْنَ حَوْلَ العَرْشِ، لَهُنَّ دَوِي كَدَوِي النَّحْلِ تُذَكِّرُ بِصَاحِبِهَا“(رواه أحمد وابن ماجه)؛ فلا جمال أرفع وأعلى من جمال مَن خلَق الجمال؛ فكلُّ جمالٍ يقبُح مع جماله -سبحانه-، وكلُّ حسن يتلاشى مع حُسنه -تعالى-؛ فهو الذي جمَع الجمالَ كله، وهو منه وإليه؛ وجماله لا تُحِيطه العقول، ولا تُدرِكه الفهوم، ولا يمكن أنْ يصفه الواصفون، أو أنْ يبلغ كنهه الناعتون، له المثل الأعلى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)[الشورى: 11].

 

ويكفي في جمال الله -سبحانه- ما أخرجه مسلم عن أبي موسى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال في وصف ربه: “حِجَابُهُ النُّورُ، لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ“. فيا له من جميل! ويا لعظمته من جليل!

 

وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يلتجئ إلى الله ويسأله بجماله؛ فيقول: “أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظُّلُمَاتُ، وَصَلَحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ“(رواه الطبراني)؛ فإذا كان نور وجهه قد استنارت به الظلمات، وصلحت عليه كل الأمور والحاجات، فما هو الظن بصاحب النور؟!

 

أيها الناس: إن للجمال الإلهي مظاهر كثيرة يتجلى فيها، ويسطع في سمائها، منها:

أنه جميل في ذاته -سبحانه-، وانظُر إلى حال أهل الجنَّة، مع ما هم فيه من جمال، ومع ما يَعِيشونه من جمال، ينسَوْن ذلك كلَّه إذا رأوا جمال ربِّهم وتمتَّعوا به، ويفرَحُون بيوم المزيد فرحًا تَكاد تطير له القلوب من أضلاعها.

 

وكما أن الله جميل في ذاته فهو جميلٌ في صفاته؛ لأنها صفاتُ مدْح وحمْد وثَناء، صفات تأخُذ الأرواح، وتأسِر القلوب، وتتعلَّق بها النفوس، ومَن عرف ربَّه بصفة الجمال ازداد إيمانه، ورسخت تقواه، وطابَت له العبوديَّة، واشتاقَ لربِّه، وسأله التلذُّذ برؤيته؛ كما قال أعبَدُ الخلق وأعرَفُ الخلق بالله: “وأسألك لذَّة النظَر إلى وَجهِك الكريم، والشوقَ إلى لقائك“.

 

ومن مظاهر جمال الله -تعالى- جمال أسمائه وأفعاله؛ فأسماؤه تتصف بالحسن والبهاء، وكذا أفعاله -سبحانه-؛ لأنَّها دائرة بين البرِّ والفضل، والإحسان والعدل، التي يُحمَد عليها، ويُشكَر عليها، ويُثنى بها عليه.

 

ومن المظاهر -أيضا- أن كل جمال ظاهر وباطن في الدنيا والآخرة من آثار صنعه وخلقه وإبداعه، فما الظن بمن صدر عنه هذا الجمال، وهذا الحسن، وهذه الزينة؟ وكل ما وجد من الحسن والجمال فهو من صنعه وخلقه وفضله؛ فسبحان: (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ)[السجدة: 7].

 

ومن مظاهر جماله -سبحانه-: خلق الإنسان وتصويره، بأحسن تقويم، وصوره في أجمل تصوير: (الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ* فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ)[الانفطار: 7 – 8]، فاختيار الصورة الجميلة للإنسان منبثق من كرم الله وفضله، وحبه للجمال، سبحانه أحسن الخالقين.

 

ومن مظاهر جمال الجميل -سبحانه- خلقه للكون بمنتهى الإبداع والجمال: (أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ* وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ)[ق: 6-7]، فليتأملوا في السماء كيف بنيانها هذا البناء العجيب، ورفعناها فوقهم بدون عمد، وزيناها بالكواكب فازدادت جمالاً، وحفظناها من أي تصدع وتشقق فازدادت قوة وصلابة. ولينظروا إلى الأرض كيف بسطناها ومددناها، وجعلناها مترامية الأطراف، فيها ما يبهج النفس، ويشرح الصدر، ويسعد العين.

 

ومنها -أيضا- أنه -سبحانه- نور السموات والأرض، ولنور وجهه أشرقت الظلمات، وبنوره تشرق الأرض والسموات: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)[النور: 35]؛ فهو –سبحانه- نور بذاته، ونور بأسمائه وصفاته، بنوره استنار العرش، والكرسي، والشمس، والقمر، وبه استنارت الجنة.

 

عباد الله: إن الجمال الحقيقي أن يفهم العبد حقيقة الحياة، فيستعين بالله في كمال العبودية، ويرضى بما قسمه له في باب الربوبية، ويعلم أن الجلال المطلق إنما هو لله وحده، والجمال في أسمائه وصفاته وأفعاله، وبهذا سيجد أن الله -عز وجل- إن أعطى أحداً من عباده كمالا ابتلاه بالجمال، وإن أعطاه جمالا ابتلاه بالكمال، وإن أعطاه كمالا وجمالا ابتلاه في دوام الحال، فهو -سبحانه- الملك الجميل، له في ملكه الكمال والجمال، ملكه دائم، وجماله شامل، له مطلق الخلق والتدبير والعظمة والجلال.

 

أما الجمال في الْمُلك فقيامه عروشه على الحق، وارتكازها على العدل، فلا يُظلم عنده أحد، ولا يُشرك في حكمه أحد، ولا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، يقبل التوبة عن عباده وهو قادر على إهلاكهم، بينما ملوك الدنيا إن استتب لهم كمال الملك وأحكموا قبضتهم على الخلق، ضيعوا جمال الْمُلك بظلم الخلق، وضياع الحق، وإن جمعوا بين الكمال والجمال سلبهم دوام الحال، فدوامه من المحال.

 

ومهما تقلبت الأسباب بالمسلم فإن جماله في عبوديته لربه، كما ورد عند مسلم أن رسول اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قال: “عَجَبًا لأَمْرِ المُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلهُ خَيْرٌ وَليْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلاَّ للمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا له“.

 

عباد الله: إن جَمال الله منشور في كونه، موجود في خلقه، منتشر في كلّ الجزئيات فضلاً عن الكليات، ليس له حد ينتهي إليه؛ ولا غاية يأوي إليها، بل هو سلسلة جمال لا تنتهي.

 

اللهم جمِّل أخلاقنا، وطهر سرنا وعلانيتنا، واجعلنا من أهل الجنة المنعمين.

 

أقول ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه..

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسّلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أمّا بعد:

 

أيها المسلمون: فكما أن الجميل -سبحانه- يحب الجمال في الأقوال والأفعال، والهيئة واللباس، فإنه يبغض القبيح من الأقوال والأفعال، والهيئة واللباس.

 

فالإنسان حينما يجهل حقيقة الله في أسمائه الحسنى، وصفاته العلى، فإن جمال بعض المخلوقات يغويه، ويرى الجمال الزائف فيستهويه، فيعصي الله من أجل جمال امرأة، أو جمال مركبة، أو جمال أرض، فيظلم نفسه، ويستحق بذلك الغضب من الله -عز وجل-، فالذين عصوا ربهم، وخسروا آخرتهم لأجل جمال مخلوق، لو أنهم عرفوا أن هذا الجمال الذي لأجله يسعون إنما هو مسحة من جمال الله -عز وجل- لما انجرفوا وراء أي جمال زائف، ولاقتنعوا بجمال الله عن كل جمال زائل.

 

فجمال الدنيا إلى وزوال، وحسنها إلى تباب، لا تمد بسعادة دائمة لأنها لا تدوم، فقد يشتري الإنسان بيتاً يلفت نظر الآخرين جماله، ويستهوي قلوب الضعفاء بهاؤه، وبعد أيام يصبح كأي بيت من البيوت، ويظهر في عالم التشييد ما هو أحسن منه، وقد يقتني مركبة فارهة حديثة الصنع تسر الناظرين، وبعد حين تصبح شيئاً عادياً، وأمرًا اعتيادياً، وقد يتزوج حسناء جميلة ركب لأجل الحصول عليها كل المراكب، ثم تأتي الأيام على حسنها فتمحيه، وعلى جمالها فتنهيه، ولا يبقى له إلا جمال ما قدم لدار النعيم والجمال، وما عمله في رضا الجميل من عمل جميل.

 

فهل يستيقظ القلب فيتتبع مواضع الجمال الدائم، ويتصل بواهب الحسن الكامل، فيؤمن بربه، ويعرف جلاله وجماله، ويدين له بالعبودية والطاعة.

 

عباد الله: اعلموا أن لكل شيء من الجمال ما يزينه، فجمال القلب الخوف، وجمال العقل الفكر، وجمال الروح الشكر، وجمال اللسان الصمت، وجمال الوجه العبادة، وجمال الفؤاد ترك الحسد، وجمال النفس مخالفة هواها، وأخيراً جمال ذلك كله توفيق الله ورضاه.

 

 

هذا وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه…

 

 

المصدر: إن الله جميل يحب الجمال؛ للشيخ إبراهيم بن صالح العجلان

 

الملفات المرفقة
جمال الرب سبحانه وتعالى
عدد التحميل 28
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات