طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    خطبة الجمعة بين الواقع والمأمول    ||    نافذتك الخاصة لرؤية الكون    ||    الجمعة.. قرة عين الأتقياء    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

16577

الزهد في الدنيا

المكان : المملكة العربية السعودية / الرياض / بدون / بدون /
التصنيف الرئيسي : خطب التجديد أحوال القلوب
تاريخ الخطبة : 1438/07/13
تاريخ النشر : 1440/10/02
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/قيمة الدنيا في ميزان الله تعالى 2/حقيقة الزهد 3/بعض نصوص الذم في الدنيا والحث على الزهد 4/الزهد في حياة النبي عليه الصلاة والسلام والصالحين 5/موقف المسلم من إقبال الدنيا عليه وإدبارها عنه.
اقتباس

إن امتلَكتَ فاشكُر، وأَخرج الدنيا من قلبك، وإن افتَقَرتَ فاصبر؛ فقد طويت عمّن هم أفضل منك؛ ولم يكن ذلك لهوانهم على الله؛ بل لهوان الدنيا عليه -سبحانه وتعالى-، فهي لا تزن عنده جناح بعوضه، وإن مَن…

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران:102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً)[النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً)[الأحزاب:70-71]، أما بعد:

 

عباد الله: إن الدنيا دارُ اختبارٍ وابتلاء، وما هي إلا مزرعة للآخرة، قال تعالى: (الَّذِى خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً)[الملك:22]، وهي زائلة لا شك، مهما تمتع الإنسان فيها بالملذات، قال تعالى: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ)[الرحمن:26].

 

أيها الناس: لو تأمل الإنسان في الدنيا لوجدها لا تساوي مقابل الآخرة شيئًا، قال الله: (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مَتَـاعٌ)[الرعد:26]، وروى الترمذي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “مَا الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعَهُ فِي اليَمِّ فَلْيَنْظُرْ بِمَاذَا يَرْجِعُ“، وكان -صلى الله عليه وسلم- يوجه أصحابه ويحثهم على الزهد في الدنيا، ويقلل من شأنها؛ فيقول -كما روى مسلم-: “رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا“، ويقول -كما روى مسلم أيضًا-: “لَأَنْ أَقُولَ: سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ“، وهذا إعلام بأن الدنيا لا تساوي شيئًا، وأنه ينبغي الزهد فيها والجهد للأخرى.

 

والزهد -يا عباد الله- كلمة قد يخفى معناها الحقيقي على بعض الناس؛ فيستخدمونه في غير موضعه، ومن هنا فلا بد من بيان معناه الحقيقي؛ فحقيقة الزهد: هو انصراف الرغبة عن الشيء لطلب ما هو خير منه، وترك راحة الدنيا طلبًا لراحة الآخرة، وخلو قلب العبد مما خلت منه يداه، وترك الحلال مخافة الحساب، وترك الحرام مخافة العقاب.

 

وهو أيضًا: عدم اهتمام القلب بالدنيا والأموال وإن كانت في اليد؛ وليس المقصود بالزهد ترك الدنيا ورفضها؛ فقد يكون الإنسان غنيًا وهو زاهد، وقد يكون فقيرًا وهو غير زاهدٍ، وكان سليمان وداود -عليهما السلام- من أزهد أهل زمانهما ولهما من المال والملك ما لم يؤته أحد من العالمين، وكان عبد الرحمن بن عوف والزبير وعثمان وغيرهم من الزهاد مع ما كان لهم من الأموال الطائلة.

 

ولذلك لما سئل الإمام أحمد -رحمه الله-: “أيكون الإنسان ذا مال وهو زاهد؟! قال: نعم، إن كان لا يفرح بزيادته ولا يحزن بنقصانه“، وبناء على هذا فقد يكون العبد أغنى الناس لكنه من أزهدهم؛ لأنه لم يتعلق قلبه بالدنيا، وقد يكون عبد آخر أفقر الناس وليس له في الزهد نصيب؛ لأن قلبه يتقطع على الدنيا حسرة وندامة.

 

عباد الله: لقد مدح الله الزهد في الدنيا وذم الرغبة فيها في غير موضع من كتابه، فقال: (وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ)[الرعد:26]، وقال: (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)[يونس:24]، وقال سبحانه: (لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ)[الحديد:23]، وقال على لسان مؤمن آل فرعون: (يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ)[غافر:39].

 

وعن سهل بن سعد -رضي الله عنه- قال: “جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فقال: يا رسول الله! دُلَّني على عَملٍ إذا عمِلْتُهُ أحَبَّني اللهُ، وَأحَبَّني النَّاسُ؟ فقال: ازْهَدْ في الدُّنْيا يُحِبَّك اللهُ، وازْهَدْ فيْمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ يُحِبَّكَ النَّاسُ“(رواه ابن ماجه)، وعن سهل بن سعد -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “لَوْ كانَتِ الدنْيا تَعدِلُ عندَ الله جَناحَ بَعوضَةٍ، ما سَقى كافِراً مِنْها شُرْبَةَ ماءٍ“(رواه الترمذي وصححه).

 

أيها المؤمنون: كان الأنبياء والصالحون أزهد الناس وقدوتهم في ترك الدنيا والرغبة في الآخرة: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ)[الأنعام:90].

 

وكان على رأس هؤلاء الزهاد نبينا -عليه الصلاة والسلام-، ومَنْ تأمل حياته علم زهده؛ حيث كان يرقع ثوبه، ويخصف نعله، وما شبع من خبز الشعير يومين متتابعين حتى قبض، ولربما ظل اليوم يتلوى لا يجد من الدقل -وهو رديء التمر- ما يملأ بطنه، وربط في غزوة الأحزاب الحجر على بطنه من شدة الجوع.

 

وكان يمر على أهله الهلال ثم الهلال ثم الهلال لا يوقد في بيتهم نار، وكان ينام على الحصير حتى يؤثر في جنبه، ومات وفي رف أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- حفنة من الشعير تأكل منها، وكان الصبيان إذا دخلوا بيوته نالوا السقف بأيديهم، ولم يسكن القصور العالية.

وكان -صلى الله عليه وسلم كما روى الشيخان- يقول: “اللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الْآخِرَةْ؛ فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ والمهاجرة“، وروى الشيخان أيضًا أن عائشة -رضي الله عنها- قالت: “كَانَ فِرَاشُ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الَّذِي يَنَامُ عَلَيْهِ أَدَمًا حَشْوُهُ لِيف“، وأَخْرَجَتْ عَائِشَةُ -رضي الله عنها- كِسَاءً مُلَبَّدًا وَإِزَارًا غَلِيظًا فَقَالَتْ: “قُبِضَ رُوحُ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي هذَيْن“(متفق عليه).

 

وروى الإمام أحمد والترمذي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: “مَا لِي وَلِلدُّنْيا، ما مَثَلي وَمَثْلُ الدُّنيَا إلا كَراكبٍ سَافَر في يومٍ صائفٍ -شديد الحر-، فاسْتَظلَّ تحتَ شجَرةٍ ساعةً، ثُمَّ رَاحَ وتركَها“، وفي لفظ: “مَا لِي وَلِلدُّنْيَا؟ وَمَا أَنَا وَالدُّنْيَا إِلَّا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا“.

 

أيها المسلمون: وهكذا كان الصحابة والتابعون يسيرون على درب الأنبياء الزاهدين ويحثون عليه؛ فعن علي -رضي الله عنه- قال: “طُوبَى لِلزَّاهِدِينَ فِي الدُّنْيَا، الرَّاغِبِينَ فِي الْآخِرَةِ، أُولَئِكَ قَوْمٌ اتَّخَذُوا الْأَرْضَ بِسَاطًا، وَتُرَابَهَا فِرَاشًا، وَمَاءَهَا طِيبًا، وَالْقُرْآنَ وَالدُّعَاءَ دِثَارًا وَشِعَارًا، فرَفضُوا الدُّنْيَا“(رواه أبو نعيم).

 

وكتب أبو الدرداء -رضي الله عنه- إلى بعض إخوانه يقول: “أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللهِ، وَالزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا، وَالرَّغْبَةِ فِيمَا عِنْدَ اللهِ، فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ أَحَبَّكَ اللهُ لِرَغْبَتِكَ فِيمَا عِنْدَهُ، وَأَحَبَّكَ النَّاسُ لِتَرْكِكَ لَهُمْ دُنْيَاهُمْ، وَالسَّلَامُ“(رواه البيهقي).

 

ودَخَلَ رَجُلٌ عَلَى أَبِي ذَرٍّ -رضي الله عنه- فَجَعَلَ يُقَلِّبُ بَصَرَهُ فِي بَيْتِهِ، فَقَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ! أَيْنَ مَتَاعُكُمْ؟ قَالَ: “إِنَّ لَنَا بَيْتًا نُوَجِّهُ إِلَيْهِ صَالِحَ مَتَاعِنَا، قَالَ: إِنَّهُ لَا بُدَّ لَكَ مِنْ مَتَاعٍ مَا دُمْتَ هَا هُنَا، قَالَ: إِنَّ صَاحِبَ الْمَنْزِلِ لَا يَدَعُنَا فِيهِ“(رواه البيهقي).

 

وكان عمرو بن العاص -رضي الله عنه- يخطب ويقول: “مَا أَبْعَدَ هَدْيَكُمْ مِنْ هَدْيِ نَبِيِّكُمْ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، أَمَّا هُوَ فَكَانَ أَزْهَدَ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَأَرْغَبُ النَّاسِ فِيهَا“(رواه أحمد).

وقال علي -رضي الله عنه-: “تَزَوَّجْتُ ابْنَةَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَمَا لَنَا فِرَاشٌ نَنَامُ عَلَيْهِ إِلَّا جِلْدُ شَاةٍ؛ نَنَامُ عَلَيْهِ بِاللَّيْلِ، وَنَعْلِفُ عَلَيْهِ النَّاضِحَ -أي: البعير- بِالنَّهَارِ“.

 

قال مالك بن دينار -رحمه الله-: “الناس يقولون عنِّي: زاهد، وإنما الزاهد عمر بن عبدالعزيز الذي أتته الدنيا فتركها“.

 

عاد عمر بن عبدالعزيز -رضي الله عنه- يومًا إلى داره بعد صلاة العِشاء، ولمح بناته الصغار، فسلَّم عليهنَّ كعادته، وبدلاً من أن يسارعْنَ نحوه بالتحيَّة كعادتهنَّ، رُحْنَ يتبادَرْنَ البابَ ويُغَطِّينَ أفْوَاهَهُنَّ بأَكُفِّهِنَّ، فسأل: ما شأنهُنَّ؟ فأُجِيب بأنه لم يكن لديهِنَّ ما يَتَعَشَّيْنَ به سوى عدس وبصل، فَكَرِهْنَ أن يُشَمَّ مِن أفَوَاهِهِنَّ ريحُ البصل، فتحاشَيْنَه لهذا، فبكى أمير المؤمنين، وقال يخاطِبُهُنَّ: يا بناتي، ما ينفعُكُنَّ أن تَعِشْنَ الألوان والأطايب، ثم يُذهَبُ بأبيكُنَّ إلى النار.

 

فإذا ذكر الزهد فليكن هكذا، وإذا تحدث الناس عن التخلي عن الدنيا فليكن هذا هو النموذج.

 

بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم..

 

أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي فاستغفروه ثم توبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسّلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أمّا بعد:

 

أيها العبد: إن امتلَكتَ فاشكُر، وأَخرج الدنيا من قلبك، وإن افتَقَرتَ فاصبر؛ فقد طويت عمّن هم أفضل منك، ولم يكن ذلك لهوانهم على الله؛ بل لهوان الدنيا عليه -سبحانه وتعالى-، فهي لا تزن عنده جناح بعوضه، وقد جاء في الأثر: “إِنَّ اللهَ لَيَحْمِي عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ مِنَ الدُّنْيَا وَهُوَ يُحِبُّهُ كَمَا تَحْمُونَ مَرِيضَكُمْ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ تَخَافُونَهُ عَلَيْهِ“(رواه أحمد).

 

وإن مَن يرى الناس اليوم وهم يتصارعون ويتكالبون على هذه الدنيا يرى عجبًا، ويدرك لماذا يفقد البعض دينه، ويضيّع الكثيرُ أهلَه وأولاده، وتنتشر الأحقاد وتُزرع الضغائن وتعمّ البغضاء في دنيا الناس؛ إنه حب الدنيا وعدم الزهد فيها، وهذا مصداق ما قاله النبي -صلى الله عليه وسلم-: “مَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلاَّ مَا قُدِّرَ لَهُ“(رواه الترمذي).

 

فيا عباد الله: لا تأسوا على ما فاتكم من الدنيا، ولا تفرحوا بما أتاكم منها؛ فالمؤمن لا يجزع من ذلها، ولا يتنافس في عزها؛ فله شأن وللناس شأن آخر، وهو عبدٌ لله في عسره ويسره ومنشطه ومكرهه أَقْبَلَتِ الدنيا أم أدبرت.

 

فإذا تحقق ذلك في العبد أقبل على عبادة ربه بقلب غير متعلق بهذه الدنيا الفانية ولا بشيء من حطامها فأفلح ونجح، وإذا سار خلف الدنيا، ومشى في مناكبها باحثاً عن كل ملذاتها وشهواتها، هلك وخاب وخسر، ولن يأته منها إلا ما كتب له منها.

 

فالزهد الزهد عن الدنيا، واعتبارها مطية نحو الدار الباقية، ومحاولة استغلالها في الزرع ليكون الحصاد غداً.

 

اللهم وفقنا للعمل في هذه الدار بما يرضيك، وتب علينا واعف عنا، واغفر لنا وارحمنا، وتوفنا وأنت راض عنا، يا ذا الجلال والإكرام.

 

ألا وصلوا وسلموا على خير الخلق محمد بن عبد الله، عليه من ربه أفضل الصلاة وأتم التسليم: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب:56].

 

 

المصدر: خطبة الزهد في الدنيا؛ للشيخ حسين بن حسن أحمد الفيفي

 

الملفات المرفقة
الزهد في الدنيا
عدد التحميل 26
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات