طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

16441

معاذ بن جبل

المكان : المملكة العربية السعودية / الرياض / بدون / بدون /
التصنيف الرئيسي : شخصيات مؤثرة
تاريخ النشر : 1440/09/08
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/إسلام معاذ وبعض من مناقبه 2/شهادة الرسول لمعاذ 3/فقهه وعلمه وإرساله إلى اليمن 4/وفاته رضي الله عنه 5/وجوب الاقتداء بالصحابة الكرام.
اقتباس

رَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: “نِعْمَ الرَّجُلُ أَبُو بَكْرٍ، نِعْمَ الرَّجُلُ عُمَرُ، نِعْمَ الرَّجُلُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ” وَذَكَرَ غَيْرَهُمْ؛ وَلَيْسَتْ هَذِهِ الأَفْضَلِيَّةُ مِنْ فَرَاغٍ، وَلا مِنَ التَّسَكُّعِ فِي الشَّوَارِعِ واتِّبَاعِ الشَّهَوَاتِ، بَلْ سَعَى مُعَاذٌ إِلَى الأَعْمَالِ حَتَّى أَخَذَ بِأَفْضَلِهَا…

الخطبة الأولى:

 

إِنَّ الْحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ, صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ, وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

 

(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران: 102]، (يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء: 1]، (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب: 70، 71].

 

أمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كَلاَمُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: لَقَدْ بُعِثَ مُحَمَّدٌ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- رَحْمَةً وَهِدَايَةً لِلْأُمَّةِ جَمْعَاءَ، وَقَدْ قَيَّضَ اللهُ لَهُ مَنْ يَحْمِلُ هَمَّ هَذَا الدِّينِ وَيَقُومُ بِعِبْءِ الْبَلاغِ وَالتَّبْيِينِ، سَواءٌ مِنْهُمْ الْكَبِيرُ أَوْ الصَّغِيرُ، وَنَحْنُ الْيَوْمَ مَعَ شَابٍّ مِنْ شَبَابِ الصَّحَابَةِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمُ-، شَابٌّ أَسْلَمَ فِي الثَّامِنَةِ عَشْرَةَ مِنْ عُمُرِهِ، وَتُوفِّيَ فِي الثَّالِثَةِ والثَّلاثِينَ، خَمْسَةَ عَشَرَ عَامًا هِي عُمُرُهُ فِي الْإِسْلامِ، لَكِنَّهَا تُسَاوِي قُرُونًا.

 

قِصَّةُ حَيَاةٍ عَجِيبةٌ، وَسِيرَةُ كِفَاحٍ رَهِيبَةٌ فِي هَذِهِ السَّنَوَاتِ الْقِصَارِ الطِّوَالِ, ذَلِكُمُ الرَّجُلُ الَّذِي عَاشَ حَيَاةً حَافِلَةً بِالْعِلْمِ والدَّعْوَةِ والْجِهَادِ؛ إِنَّهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلِ بنِ عَمْرِو بنِ أَوْسٍ الأَنْصَارِيُّ، السَّيِّدُ الإِمَامُ، أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَنْصَارِيُّ، الخَزْرَجِيُّ المَدَنِيُّ، البَدْرِيُّ، شَهِدَ العَقَبَةَ شَابًّا، وأُمُّهُ هِيَ هِنْدُ بِنْتُ سَهْلٍ، مِنْ بَنِي رِفَاعَةَ ثُمَّ مِنْ جُهَيْنَةَ، وَكَانَ طَوِيْلاً، حَسَناً جَمِيْلاً.

 

شَهِدَ بَيْعَةَ الْعَقَبَةِ مَعَ السَّبْعِينَ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَشَهِدَ بَدْرًا وَهُوَ ابْنُ عِشْرِينَ أَوْ إِحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَشَهِدَ أَيْضًا أُحُدًا، وَالْخَنْدَقَ، وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.

 

ابْنُ الْعِشْرِينَ هذَا كَانَ أُمَّةً وَحْدَهُ، يَكْفِيهِ شَرَفًا أَنَّهُ كَانَ رَدِيفَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-, فأَخَذَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِيَدِهِ وَقَالَ له: “يَا مُعَاذُ! وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ“، فَقَالَ: “أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ! لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ“(أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ).

 

ابْنُ الْعِشْرِينَ هذَا كَانَ أُمَّةً وَحْدَهُ، كَانَ يُعَلِّمُ النَّاسَ الخيرَ، وكَانَ مُطِيعًا للهِ وَرَسُولِهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؛ فَعَنْ فَروَةَ بنِ نَوفَلٍ الأَشجَعيِّ قَالَ: قالَ ابنُ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: “إِنَّ مُعاذَ بنَ جَبَلٍ كَانَ أُمَّةً قانِتًا للهِ حَنيفًا ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَقُلتُ: غَلَطَ أَبُو عَبدِالرَّحمَنِ، إِنَّمَا قَالَ اللهُ: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)[النحل: 120], فَأَعَادَهَا عَلَيَّ، فَقالَ: إِنَّ مُعاذَ بنَ جَبَلٍ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ حَنيفًا ولَم يَكُ مِنَ المُشرِكينَ، فَعَرَفتُ أَنَّهُ تَعَمَّدَ الأَمرَ تَعَمُّدًا، فَسَكَتُّ، فَقالَ: أَتَدري ما الأُمَّةُ، وما القَانِتُ؟ فَقُلتُ: اللهُ أَعْلَمُ، فَقالَ: الأُمَّةُ الَّذِي يُعَلِّمُ النَّاسَ الخَيْرَ، والقَانِتُ الْمُطِيعُ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ، وكَذَلِكَ كانَ مُعاذٌ، كانَ يُعَلِّمُ النَّاسَ الخَيرَ، وكَانَ مُطيعًا لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ”.

 

ابْنُ الْعِشْرِينَ هذَا كَانَ أُمَّةً وَحْدَهُ، فَقَدْ قَالَ عَنهُ فَارُوقُ الأُمَّةِ عُمَرُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: “مَنْ أَرَادَ الْفِقْهَ فَلْيَأْتِ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ”(أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ), بَلْ قَالَ عَنْهُ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “خُذُوا القُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ: مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ“(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).

 

عِبَادَ اللهِ: لَقَدْ كَانَ مُعَاذٌ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- مِنْ خِيرَةِ الرِّجَالِ والشَّبَابِ بِشَهَادَةِ خَيْرِ الْبَشَرِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؛ إِذْ قَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: “نِعْمَ الرَّجُلُ أَبُو بَكْرٍ، نِعْمَ الرَّجُلُ عُمَرُ، نِعْمَ الرَّجُلُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ” وَذَكَرَ غَيْرَهُمْ؛ وَلَيْسَتْ هَذِهِ الأَفْضَلِيَّةُ مِنْ فَرَاغٍ، وَلا مِنَ التَّسَكُّعِ فِي الشَّوَارِعِ واتِّبَاعِ الشَّهَوَاتِ، بَلْ سَعَى مُعَاذٌ إِلَى الأَعْمَالِ حَتَّى أَخَذَ بِأَفْضَلِهَا.

 

وَلَمْ يَكْتَفِ مُعَاذٌ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- بِالْعِبَادَةِ فَحَسْبُ؛ وإِنَّمَا نَشَرَ الْعِلْمَ بَينَ الْعَالَمِينَ، ودَعَا إِلى تَوحِيدِ اللهِ وعِبَادَتِهِ بَينَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ؛ فَأَرْسَلَهُ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مُعَلِّمًا إِلى الْيَمَنِ؛ لِعِلْمِهِ وفِقْهِهِ, فَقَدْ جَاءَ عَنْهُ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ: “أَعْلَمُ أُمَّتِي بِالْحَلاَلِ والْحَرامِ مُعاذُ بنُ جَبَلٍ“، وَلَمَّا أَرْسَلَهُ قَالَ لَهُ مُعَاذٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَوْصِنِي, قَالَ: “اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، أَوْ أَيْنَمَا كُنْتَ” قَالَ: زِدْنِي قَالَ: “أَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا” قَالَ: زِدْنِي. قَالَ: “خَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ“(أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ).

 

وَرَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى اليَمَنِ: “إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ، فَإِذَا جِئْتَهُمْ، فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ، فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ“.

 

وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى حُبِّهِ الشَّدِيدِ للنَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَا أَخْرَجَهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ أَنَّ الْحَبِيبَ الْمُصْطَفَى -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ خَرَجَ مَعَهُ يُوصِيهِ، وَمُعَاذٌ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- رَاكِبٌ وَرَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَمْشِي تَحْتَ رَاحِلَتِهِ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: “يَا مُعَاذُ! إِنَّكَ عَسَى أَنْ لَا تَلْقَانِي بَعْدَ عَامِي هَذَا, وَلَعَلَّكَ أنَ تَمُرَّ بِمَسْجِدِي هَذَا، وَقَبْرِي“، فَبَكَى مُعَاذٌ جَزعًا لِفِرَاقِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ثُمَّ الْتَفَتَ فَأَقْبَلَ بِوَجْهِهِ نَحْوَ الْمَدِينَةِ فَقَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِي الْمُتَّقُونَ، مَنْ كَانُوا وَحَيْثُ كَانُوا“.

 

واسْتَمَرَّتِ الْحَيَاةُ بِهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وَأَرْضَاهُ، يُعَلِّمُ النَّاسَ بِلُطْفٍ وَأَنَاةٍ وَوَقَارٍ، وَكَانَ يَتَذَكَّرُ فِي يَوْمِهِ وَلَيْلَتِهِ الْمَوْتَ، كُلَّمَا تَذَكَّرَ الْمَوْتَ نَسِيَ جُلاَّسَهُ الَّذِينَ حَوْلَهُ, وَيَقُولُ: “واللهِ إنِّي أَتَذَكَّرُ الْمَوْتَ فَيَمُوتُ كُلُّ عُضْوٍ مِنِّي مَكَانَهُ“.

 

نَامَ مُعَاذُ بنُ جَبَلٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، ذَلِكُمُ الشَّابُّ الْوَضِيءُ الْكَرِيمُ الْمُحَيَّا، الْبَرَّاقُ الثَّنَايَا، الفَقِيهُ الْعَالِمُ، نَامَ عَلَى فِرَاشِ الْمَوْتِ فِي الثَّالِثَةِ والثَّلاثِينَ مِنْ عُمُرِهِ، وَيَنْظُرُ إِلَى أَصْحَابِهِ مِنْ حَوْلِهِ وَيَقُولُ: انْظُرُوا أَصْبَحْنَا؟ فَأُتِيَ فَقِيلَ: لَمْ تُصْبِحْ، قَالَ: انْظُرُوا أَصْبَحْنَا؟، فَأُتِيَ فَقِيلَ: لَمْ تُصْبِحْ, حَتَّى أُتِيَ فَقِيلَ لَهُ: قَدْ أَصْبَحْتَ، قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ لَيْلَةٍ صَبَاحُهَا إِلَى النَّارِ، مَرْحَبًا بِالْمَوْتِ مَرْحَبًا, زَائِرًا مُغَيَّبًا حَبِيبًا، جَاءَ عَلَى فَاقَةٍ، اللَّهُمَّ إِنِّي قَدْ كُنْتُ أَخَافُكَ، فَأَنَا الْيَوْمَ أَرْجُوكَ، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أُحِبُّ الدُّنْيَا وَطُولَ الْبَقَاءِ فِيهَا لِكَرْيِ الْأَنْهَارِ، وَلَا لِغَرْسِ الشَّجَرِ، وَلَكِنْ لِظَمَأِ الْهَوَاجِرِ، وَمُكَابَدَةِ السَّاعَاتِ، وَمُزَاحَمَةِ الْعُلَمَاءِ بِالرُّكَبِ عِنْدَ حِلَقِ الذِّكْرِ”(أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي الزُّهْدِ).

 

وَفَاضَتْ رُوحُهُ الطَّاهِرَةُ فِي سَنَةِ ثَمَانِي عَشْرَةَ مِنَ الْهِجْرَةِ, لِيَلْقَى الأَحِبَّةَ مُحَمَّداً وَصَحْبَهُ.

 

إِنَّ الْحَيَاةَ قَلِيلةٌ لَذَّاتُهَا *** والْمَوْتُ فَيِهَا هَادِمُ اللَّذَّاتِ

مَا أَقْصَرَ الأَعْمَارَ عِندَ رَحِيلِنَا *** فَكَأَنَّهَا وَمَضٌ مِنَ اللَّحَظَاتِ

 

رَضِيَ اللهُ عَنْ مُعَاذٍ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى أُسْتَاذِهِ وَمُعَلِّمِهِ، وَنُشْهِدُ اللهَ علَى مَحَبَّةِ مُعَاذٍ وَسَائِرِ الصَّحَابَةِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-، وأَسْأَلُ اللهَ -جَلَّ وَعَلا- أَنْ يَجْمَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِهِمْ فِي دَارِ كَرَامَتِهِ، وَمُسْتَقَرِّ رَحْمَتِهِ إِنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَمَوْلاَهُ, والحمدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

 

الخطبة الثانية:

 

الحمدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَهُ الْحَمْدُ الْحَسَنُ والثَّنَاءُ الْجَمِيلُ، وأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.

 

أَمَّا بَعْدُ: فاتَّقُوا اللهَ -عِبَادَ اللهِ- وَاعْمَلُوا، فَإِنَّمَا هِيَ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، خُلُوْدٌ فَلاَ مَوْتَ، وَإِقَامَةٌ فَلاَ ظَعْنَ، (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ)[آل عمران: 30].

 

أَيُّهَا المسلمونَ: إِنَّ سِيَرَ هَؤلاءِ الْجِبَالِ كَفِيلَةٌ بَأَنْ تَبْعَثَ فِينَا رُوحَ الْحَيَاةِ مِنْ جَدِيدٍ، وَتَبُثُّ فِينَا الإِيمانَ القَوِيمَ، فَكَمَا سَمِعْتُمْ عَنْ هَذَا الصَّحَابِيِّ الشَّابِّ الَّذِي حُقَّ لَنَا أَنْ نَحْتَذِيَ بِهِ، وَأَنْ نُدَرِّسَهُ لأَوْلاَدِنَا وَشَبَابِنَا.

 

هُوَ الشَّابُّ الَّذِي عَرَفَ الطَّرِيقَ الْمُسْتَقِيمَ فَسَأَلَ عَنِ الْخَيْرِ, لِيَسِيرَ عَلَيْهِ وَلِيَبْتَعِدَ عَنْ غَيْرِهِ, فَقَدْ جَاءَ عِنَدَ التَّرْمِذِيِّ أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي سَفَرٍ، فَأَصْبَحْتُ يَوْمًا قَرِيبًا مِنْهُ وَنَحْنُ نَسِيرُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الجَنَّةَ وَيُبَاعِدُنِي عَنِ النَّارِ، قَالَ: “لَقَدْ سَأَلْتَنِي عَنْ عَظِيمٍ، وَإِنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، تَعْبُدُ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ، وَتَحُجُّ البَيْتَ” ثُمَّ قَالَ: “أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابِ الخَيْرِ: الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ المَاءُ النَّارَ، وَصَلَاةُ الرَّجُلِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ“, قَالَ: ثُمَّ تَلَا (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)[السجدة: 16، 17], ثُمَّ قَالَ: “أَلَا أُخْبِرُكَ بِرَأْسِ الأَمْرِ كُلِّهِ وَعَمُودِهِ، وَذِرْوَةِ سَنَامِهِ؟” قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: “رَأْسُ الأَمْرِ الإِسْلَامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ، وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الجِهَادُ” ثُمَّ قَالَ: “أَلَا أُخْبِرُكَ بِمَلَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ؟” قُلْتُ: بَلَى يَا نَبِيَّ اللَّهِ! فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ قَالَ: “كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا“، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ فَقَالَ: “ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ! وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ، أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ، إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ“.

 

نَعَمْ -يَا عِبادَ اللهِ- تِلْكَ هِيَ أَسْبَابُ دُخُولِ الْجَنَّةِ، وَتِلْكَ هِيَ الطَّرِيقُ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْلُكَ؛ تِلْكُمْ هِيَ الأَعْمَالُ الَّتِي يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نُحَافِظَ عَلَيْهَا والَّتِي تَرْفَعُ الْعَبْدَ عِنْدَ اللهِ، وَتُعْلِي مِنْ مَنْزِلَتِهِ.

 

فَلْنَجْعَلْ هَذَا الشَّابَّ قُدْوَةً لأَبْنَائِنَا، وَمَثَلاً لَنَا فِي وَقْتٍ قُدِّمَ فِيهِ التَّافِهُونَ والْفَارِغُونَ والسَّاقِطُونَ لِيَكُونُوا الْقُدْوَةَ والْمَثَلَ، وإنَّهُ مِنَ الْوَاجِبِ عَلَى أَبْنَائِنَا وَهُمْ فِي هَذِهِ الْعُطْلَةِ أَنْ يُعَوِّدُوا أَنْفُسَهُمُ علَى الاقْتِدَاءِ بِأُولَئِكَ الْجِبَالِ؛ لِيَأْخُذُوا سِيَرةَ مُعَاذٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قُدْوَةً لَهُمْ، نُرِيدُ أَنْ نَرَى مِنْهُمُ الْعُبَّادَ، نُرِيدُ أَنْ نَرَى مِنْهُمُ الْمُعَلِّمِينَ، نُرِيدُ أَنْ نَرَى مِنْهُمُ الصَّوَّامِينَ القَوَّامِينَ، نُرِيدُ أَنْ نَرَى مِنْهُمْ نُفُوسًا أَبِيَّةً لاَ تَبْتَغِي إِلا شَرَفَ الدُّنْيَا وَنَعِيمَ الآخِرَةِ، شَرَفُ الدُّنْيَا بِطَاعَةِ اللهِ وَرَسُولِهِ، وَنَعِيمُ الآخِرَةِ بِدُخُولِ الْجِنَانِ وَرُؤْيَةِ الرَّحْمَنِ.

 

فَشَمِّرُوا -عِبَادَ اللهِ- وَتَحَمَّلُوا الأَمَانَةَ الَّتِي أُلْقِيَتْ عَلَى رِقَابِكُمْ تُجَاهَ أَوْلاَدِكُمْ؛ عَلِّمُوهُمْ سِيَرَ هَؤُلاءِ الرِّجَالِ لَعَلَّهُمْ يَقْتَدُونَ بِهِمْ، فَوَاللهِ وَتاللهِ وَبِاللهِ لَهِيَ خَيرٌ لَهُمْ مِنْ إِعْجَابِهِمْ بِالسَّفَلَةِ والْمُنْحَطِّينَ واللاَّعِبِينَ والْمُغَنِّينَ.

 

واعْلَمُوا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ رَاعٍ ومَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَاتَّقُوا اللهَ وَمُرُوا بِالْمَعْرُوفِ وانْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ، واعْلَمُوا أَنَّكُمْ مَوْقُوفُونَ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّكُمْ؛ فَاعِدُّوا للسُّؤَالِ جَوَابًا ولِلْجَوَابِ صَوَابًا.

 

اللَّهُمَّ اغْفِرْ لمُعَاذِ بنِ جَبَلٍ، اللَّهُمَّ لا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ، وَلا تَفْتِنَّا بَعْدَهُ، اللَّهُمَّ تَوَفَّنَا عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وأصْحَابُهُ، مُتَّبِعِينَ غَيْرَ مُبْتَدِعِينَ وَلا مُبَدِّلِينَ، واجْمَعْنَا بِهِمْ فِي الفِرْدَوْسِ الأَعْلَى وَوَالِدِينَا وأَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا.

 

اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا القَبُولَ عِنْدَكَ وَاجْعَلْنَا مِمَّنْ قَرَّتْ أَعْيُنُهُمْ بِكَ, اللَّهُمَّ اجْعَلْ أَعْمَالَنَا صَالِحَةً وَلِوَجْهِكَ خَالِصَةً. اللَّهُمَّ أَحْسِنْ عَاقِبَتَنَا فِي الأُمُورِ كُلِّهَا واجْعَلْ مَرَدَّنَا إِلَيْكَ غَيْرَ مُخْزٍ ولا فَاضَحٍ.

 

اللَّهُمَّ كَمَا سَتَرْتَ عُيُوبَنَا فِي الدُّنْيَا فَاسْتُرْنَا يَوْمَ العَرْضِ عَلَيْكَ.. اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الدَّرَجَاتِ العُلَى مِنَ الْجَنَّةِ وَنَسْتَجِيرُ بِكَ مِنَ النَّارِ. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لآبَائِنَا وأُمَّهَاتِنَا، اللَّهُمَّ إِنْ كُنَّا قَدْ قَصَّرْنَا فِي بِرِّهِمَا، أَوْ أَخْطَأْنَا فِي حَقِّهِمَا، اللَّهُمَّ فَاغْفِرْ لَنَا مَا قَدَّمْنَا وَمَا أَخَّرْنَا، وَمَا أَسْرَفْنَا وَمَا أَعْلَنَّا، وَامْلأْ أَلْسِنَتَا بِالدُّعَاءِ لَهُمْ، يَا ذَا الْجَلاَلِ والإِكْرَامِ.. اللَّهُمَّ وَإِنْ كَانَا مَيِّتَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا فَاغْفِرْ لَهُمَا وَارْحَمْهُمَا، وَأَعِنَّا عَلَى الإِحْسَانِ إِلَيْهِمَا بَعْدَ مَوْتِهِمَا، اللَّهُمَّ اجْزِهِمْ عَنَّا رِضَاكَ وَالْجَنَّةَ.

 

اللهُمَّ وَفِّقْ وَلِيَّ أَمْرِنَا لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَأَعِنْهُ عَلَى البِرِّ والتَّقْوَى، وَسَدِّدْهُ في أَقْوالِهِ وأَعْمَالِهِ.

 

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى الْحَبِيبِ الْمُصْطَفَى والنَّبِيِّ الْمُجْتَبَى مُحَمَّدٍ خَيْرِ الوَرَى, وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ.

 

الملفات المرفقة
معاذ بن جبل
عدد التحميل 39
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات