طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

16373

زكاة الفطر

المكان : المملكة العربية السعودية / الرياض / بدون / بدون /
التصنيف الرئيسي : الخطب التعليمية الزكاة
تاريخ الخطبة : 1438/04/01
تاريخ النشر : 1440/08/27
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/مراحل التدرج في تشريع الزكاة 2/حكمة مشروعية زكاة الفطر 3/وقت إخراجها وعلى من تلزم 4/نوعية المخرج هو الطعام والحكمة من تعيينه 5/المستحقون لزكاة الفطر
اقتباس

إن القول بجواز إخراج قيمة زكاة الفطر بدلاً عن الطعام قولٌ بيّن الخطأ، مخالفٌ للسنة ولفعل الصحابة رضي الله عنهم، وفيه تعطيلٌ مقاصد الشارع الحكيم في فرض زكاة الفطر من الطعام؛ فزكاة الفطر فُرضت مع رمضان في السنة الثانية للهجرة، وزكَّى…

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًّا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُ الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين وتابعيهم وسلم تسليمًا كثيرًا.

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران:102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب:70-71].

 

أما بعد: فإنَّ خير الحديث كتابُ الله، وخير الهدي هديُ محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

 

عباد الله: اتقوا الله -تعالى- وأطيعوه، وأحسنوا ختام هذا الشهر العظيم؛ فإن الأعمال بالخواتيم (وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا)[النحل:92] وخذوا العبرة والعظة من سرعة انتهاء شهركم في استثمار أوقاتكم؛ فإن أعماركم تمضي عليكم كما مضى، ولا يبقى لكم إلا ما قدمتم فيها.

 

أيها الناس: من حكمة الله -تعالى- ورحمته بعباده أنه -سبحانه- يأخذهم في أوامره بالتدرج؛ ليكون أدعى لامتثالهم، ولئلا يثقل العمل عليهم، وكثير من التشريعات كانت كذلك كالصلاة والزكاة والصيام.

 

والزكاة -وهي الركن الثالث من أركان الإسلام- جاء التشريع متدرجاً بها على مراحل ثلاث؛ ففي العهد المكي من الإسلام أُمر المسلمون بها مع الصلاة (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ)[المزمل:20]، لكن لم تُعين أنصبتها ومقاديرها وأهلها، وإنما يزكي المسلم بما يختار قليلاً أو كثيراً.

 

ثم في المرحلة الثانية شُرعت زكاة الفطر من رمضان قبل أن تفرض الزكاة في الأموال؛ وذلك بعد فرض الصيام في السنة الثانية من الهجرة كما دل على ذلك حديث قَيْسِ بنِ سَعْدٍ -رضي الله عنهما- قَال: أَمَرَنَا رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بِصَدَقَةِ الفِطْرِ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الزَّكَاة، فَلَما نَزَلَتِ الزَّكَاةُ لَم يَأْمُرْنَا وَلم يَنْهَنَا وَنَحْنُ نَفْعَلُه“(رَوَاهُ النَّسَائِي).

 

ثم في المرحلة الثالثة فُرضت الزكاة في الأموال بأنصبتها ومقاديرها ومصارفها التي بينها الله -تعالى- في كتابه، وبينها رسوله -صلى الله عليه وسلم- في سنته، وبقيت زكاة الفطر على الأمر الأول، فأخرجها النبي -صلى الله عليه وسلم- ، وصحابته رضي الله عنهم، ومن بعدهم من المسلمين إلى يومنا هذا، حتى صارت زكاة الفطر من الشعائر الظاهرة المشهورة في كل بلاد المسلمين.

 

وسميت بهذا الاسم؛ لأنها للفطر بعد انقضاء الصيام.

 

عباد الله: إن زكاة الفطر عبادة عظيمة بين شعيرتين كبيرتين هما: الصيام والعيد؛ فلها تعلق بالصيام من جهة أن فيها شكراً لله -تعالى- على الإمهال لإدراك رمضان، وتلك نعمة عظيمة، كما أن فيها شكراً لله -تعالى- على الهداية والإعانة على إتمام شهر رمضان صياماً وقياماً، وقد أمرنا الله -تعالى- بشكره على ذلك (وَلِتُكْمِلُوا العِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)[البقرة:185]، وجاء عن ابن عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- أنه خَطَبَ في آخِرِ رَمَضَانَ على مِنْبَرِ الْبَصْرَةِ فقال: “أَخْرِجُوا صَدَقَةَ صَوْمِكُمْ“(رواه أبو داود).

 

ولها تعلق بشعيرة العيد من جهة أن يومَ العيد يومُ فرح وحبور لعموم المسلمين، فلا ينبغي أن يَستأثر الأغنياء بهذه الفرحة دون الفقراء، فيكون في إطعامهم فراغاً لهم للعيد؛ ليفرحوا به مع أسرهم بدل الكدح وطلب القوت، وإغناءً لهم في ذلك اليوم العظيم، وهذا المعنى منصوص عليه في حديث ابْنِ عَبَاسٍ -رضي الله عنهما- قَال: “فَرَضَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- زَكَاةَ الفِطْرِ طُهْرَةً لِلْصَائِمِ مِنَ الَّلغْوِ والرَّفَثِ وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِين“.

 

فهي ترقيع لما تخرق من صيام العبد؛ ذلك أن العبد محل الخطأ والسهو والجهل، وهذا المعنى جاء في حديث ابْنِ عَبَاسٍ -رضي الله عنهما- قَال: فَرَضَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- زَكَاةَ الفِطْرِ طُهْرَةً لِلْصَائِمِ مِنَ الَّلغْوِ والرَّفَثِ؛ (رَوَاهُ أَبو دَاوُدَ).

 

والصوم يربي الصائمين على البذل والإنفاق؛ لأنهم إذا جاعوا وعطشوا تذكروا إخوانهم الفقراء فأشركوهم في طعامهم إفطاراً وسحوراً، أو بذلوا لهم من المال ما يسد حاجتهم، وزكاةُ الفطر تَصِل هذا الإحسان والبذل إلى ما بعد الفطر؛ ليبقى الصائم على بذله وكرمه بعد انقضاء رمضان.

 

أيها المسلمون: إن وقت وجوبها هو غروب شمس آخر يوم من رمضان، ويجوز تقديمها قبل العيد بيوم أو يومين كما كان الصحابة -رضي الله عنهم- يفعلون، ووقتها الفاضل عقب صلاة الفجر وقبل صلاة العيد؛ لما فيه من إظهار شعائر العيد، وهي من شعائره، يخرجها الرجل عن نفسه وعمن تلزمه نفقته من زوجة وولد، ومن كان منهم مكتسباً فالأفضل أن يخرجها هو عن نفسه، والعمال والخدم لا يَلزم من استخدمهم أن يخرجها عنهم إلا أن يتبرع بذلك فيجوز، ولا يجب إخراجُها عن الحمل إلا إذا وُلد قبل غروب شمس آخر يوم من رمضان، والأولى أن يخرجها عنه؛ لأنه فعل الصحابة رضي الله عنهم.

 

ومن نسي إخراجها حتى صلى العيد فيخرجها عقب ذلك ولا شيء عليه؛ لأنه معذور بالنسيان، ويجوز أن يعطي الجماعة فطرتهم لمسكين واحد، كما يجوز أن تفرق فطرة الواحد على عدة مساكين، ولو وكَّل أحداً في إيصالها للمساكين فيجب أن تصلهم قبل صلاة العيد إلا إذا وكلوه هم بحفظها عنده.

 

عباد الله: لقد حدد الشارع الحكيم أن تكون زكاة الفطر من أنواع الطعام، لا المال؛ فإن كلَّ الأحاديث الواردة فيها لم يرد في واحد منها ذكرُ المال، وذُكِر في جميعها أصنافٌ من الطعام، ومن ذلك حديث ابْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما- قَال: فَرَضَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعَاً مِنْ تَمرٍ أَوْ صَاعاً مِنْ شَعِيرٍ؛ (رَوَاهُ الشَّيْخَان).

 

وفي حديث أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -رضي الله عنه- قَال: “كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعَاً مِنْ طَعَامٍ أَوْ صَاعَاً مِنْ شَعِيرٍ أَوْ صَاعَاً مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعَاً مِنْ أَقِطٍ أَوْ صَاعَاً مِنْ زَبِيبٍ“(رَوَاهُ الشَّيْخَان).

 

إن القول بجواز إخراج قيمة زكاة الفطر بدلاً عن الطعام قولٌ بيّن الخطأ، مخالفٌ للسنة ولفعل الصحابة رضي الله عنهم، وفيه تعطيلٌ مقاصد الشارع الحكيم في فرض زكاة الفطر من الطعام؛ فزكاة الفطر فُرضت مع رمضان في السنة الثانية للهجرة، وزكَّى النبيُ -صلى الله عليه وسلم- والصحابة معه -رضي الله عنهم- تسع سنوات، ولم يَرِد في هذه السنوات التسع أن أحداً منهم أخرج قيمتها مع أن الناس آنذاك محتاجون للمال، وفي الصحابة -رضي الله عنهم- أغنياء مثل أبي بكر وعثمان وابن عوف وغيرهم.. يستطيعون إخراج القيمة، ولا تفسير لإطباقهم على عدم إخراج قيمتها خلال تسعة أعوام مع وجود المقتضي وهو حاجة الناس للمال، إلا أن الشارع الحكيم قَصَدَ منع القيمة، وخصها بالطعام دون المال؛ ولذا نص الفقهاء على أن الزكاة عبادة ولا بد من التوقيف فيها على النص، وإخراجُ القيمة عدول عن النص.

 

ثم إن الأصل فيها هو إخراجُ الطعام بالإجماع، والذين قالوا بجواز إخراج القيمة جعلوها بدلاً عن الطعام، ومعلوم فقهاً أنه لا يُصار إلى البدل إلا عند عدم المبدل عنه، والطعام لم يُعدم حتى يصار للقيمة، ثم إن الفرع وهو القيمة إذا أدى إلى تعطل الأصل وهو الطعام بطل الفرع، وقد رأينا تعطل هذا الأصل في البلاد التي اعتمد مفتوها جواز إخراج القيمة.

 

إن زكاة الفطر شعيرة من الشعائر الدالة على الفطر، ومظهر من مظاهر العيد، وفي ليلة العيد وفجره يرى الناس الطعام يُكال ويُوزن ويُشترى وينقل ويعطى ويؤخذ، واعتماد القيمة يبطل هذه الشعيرة، ويلغي هذا المظهر الذي قصده الشارع الحكيم في عيد الفطر، فتصبح زكاةَ الفطر كأي صدقة أخرى لا تدل على عيد الفطر.

 

وفي إخراج الطعام منفعة لجميع أفراد الأسرة الفقيرة بخلاف القيمة التي قد يتمونها رب الأسرة ويحرم أسرته منها، وقد ثبت أن أسراً فقيرة تقتات طوال العام على ما تجمعه في زكاة الفطر من الطعام؛ فالخير كل الخير في هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- ، والشر في مخالفته (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)[النور:63] (وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ)[الحشر:7].

 

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله؛ وبعد:

 

أيها المسلمون: إن مصرف زكاة الفطر للمساكين خاصة وليست للأصناف الثمانية المذكورة في القرآن؛ لما جاء في الحديث: “وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِين“. ولذا قال العلماء: لا يجوز دفع زكاة الفطر إلا لمن يستحق الكفارة وهو من يأخذ لحاجته.

 

قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: “وكان من هديه -صلى الله عليه وسلم- تخصيص المساكين بهذه الصدقة ولم يكن يقسمها على الأصناف الثمانية قبضةً قبضةً، ولا فعله أحد من أصحابه ولا من بعدهم“.

 

ويتعامل بعض الناس مع زكاة الفطر كما يتعاملون مع الأضاحي فيدفعونها لجيرانهم أو قرابتهم وليسوا من أهلها فلا تبرأ ذمتهم بذلك، ولا يحل لغني أن يقبلها؛ لأنها طعمة للمساكين.

 

واعلم -عبد الله- أنه يستحب لك أن تباشر إخراجها بنفسك، وتتلمس أهلها المستحقين لها في بيوتهم؛ تقرباً لله -تعالى-، وشكراً له على نعمه، وتعظيماً لشعائره (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ الله فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى القُلُوبِ)[الحج:32].

 

ألا فاتقوا الله ربكم -أيها المسلمون- وأكثروا من ذكره وشكره في ختام هذا الشهر الكريم (وَلِتُكْمِلُوا العِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)[البقرة:185]. واحذروا المنكرات في العيد؛ فإنها من كفر النعمة، وكفر النعمة يعرضها للزوال، كما أن شكرها يزيدها (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ)[إبراهيم:7].

 

هذا؛ وصلوا وسلموا على رسول الله ..

 

المصدر: زكاة الفطر فرضها، وحكمتها، وأحكامها للشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل

الملفات المرفقة
زكاة الفطر
عدد التحميل 40
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات