طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

16358

رسائل لولي الأمر

المكان : المملكة العربية السعودية / الدمام / حي الضباب / التركي /
التصنيف الرئيسي : التربية
تاريخ الخطبة : 1440/08/07
تاريخ النشر : 1440/08/26
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/تسلط الأمم على أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- 2/استهداف الأعداء لشباب المسلمين 3/مسؤولية الآباء تجاه الأبناء 4/بذل الوسع في تربية الأبناء 5/تربية الأبناء على التوحيد والصلاة 6/التربية بالقدوة
اقتباس

كُلُّ أُمَّةٍ قَوِيَّةٍ فِي الغالِبِ تُحَاوِلُ أَنْ تَفْرِضَ سُلْطَتَهَا وَثَقَافَتَهَا عَلَى الأُمَمِ التِي دُونَهَا فِي القُوَّةِ, ومِنْ عَادَةِ الأُمَمِ الَضَعِيْفَةِ أَنْ تَتَسَلَطَ عَلَيهَا الأُمَمٌ الأُخْرَى، وَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَمَ- أَنَّ الأُمَمَ سَتَتَسَلَّطُ عَلَى هَذِهِ الأُمَّةِ. كَمَا أَنَّ الله -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَخْبَرَ أَنَّ…

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله أحاط بكل شيء خبرا، وجعل لكل شيء قدرا، وأسبغ على الخلائق من حفظه سترا. أحمده سبحانه وأشكره وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، أرسله إلى الناس كافة عذرا ونذرا، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه، أخلد الله لهم ذكرا وأعظم لهم أجرا، وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَومِ الدِّينِ, وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

 

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ -عِبَادَ اللهِ-: (وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران: 102].

 

يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَمَ-: كُلُّ أُمَّةٍ قَوِيَّةٍ فِي الغالِبِ تُحَاوِلُ أَنْ تَفْرِضَ سُلْطَتَهَا وَثَقَافَتَهَا عَلَى الأُمَمِ التِي دُونَهَا فِي القُوَّةِ, ومِنْ عَادَةِ الأُمَمِ الَضَعِيْفَةِ أَنْ تَتَسَلَطَ عَلَيهَا الأُمَمٌ الأُخْرَى، وَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَمَ- أَنَّ الأُمَمَ سَتَتَسَلَّطُ عَلَى هَذِهِ الأُمَّةِ, أَخْرَجَ أَبو دَاوودَ وَغَيرُهُ وَصَحَّحَهُ الأَلبَانِيُّ عَنْ ثَوْبَانَ مَولَى رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَمَ- أَنَّهُ قَالَ: يُوشِكُ الأًمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيكُمْ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُم غُثَاءٌ كَغُثاءِ السَّيلِ، وَلَيَنْزِعَنَّ اللهُ مِنْ صُدُوْرِ عَدُوِّكُمُ الـمَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ اللهُ فِي قُلُوْبِكُمُ الوَهْنَ فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ! وَمَا الوَهْنُ؟ قَالَ: حُبُّ الدُّنيَا وَكَرَاهِيَةُ الـمَوتِ.

 

كَمَا أَنَّ الله -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَخْبَرَ أَنَّ الأُمَمَ الكَافِرَة سَتَظَلُّ إِلَى الأَبَدِ تُنَاكِفُ أُمَّةَ الإِسْلَامِ, تَارَةً بِالتَشْوِيهِ والأَذِيَةِ بِالقَولِ وَوَسَائِلِ الإِعْلَامِ: (وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا)[آل عمران: 186].

 

وَتَارَةً أُخْرَى تَمْتَدُ الأَذِيَّةُ حَتَى تَصِلَ إِلَى حَمْلِ السِّلَاحِ عَلَى المُسْلِمِينَ: (وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا)[البقرة: 217].

 

وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا يَتِمُّ اسْتِهْدَافُهُ لِلسَيْطَرَةِ عَلَى أَيِّ أُمَّة:ِ اسْتِهْدَافُ الجِيلِ النَّاشئِ، وَمُحَاوَلَةِ كَسْبِهِمْ وَاسْتِمَالَتِهِمْ بِالقُوَّةِ النَّاعِمَةِ؛ المُتَمَثِلَةِ بِتَمْرِيرِ الأَفْكَارِ عَنْ طَرِيْقِ الفَنِّ وَالرِّيَاضَةِ وَالإِعْلَامِ، وَلِذَلِكَ تَجِدُ لَدَى أَغْلَبِ الشَبَكَاتِ الإِخْبَارِيَةِ قَنَوَاتٍ مُتَخَصِصَةٍ لِلأطْفَالِ أَوِ الرِّيَاضَةِ، وَمَا ذَلِكَ فِي كَثِيْرٍ مِنَ الأَحْيَانِ إِلَّا لِتَمْرِيرِ الأَفْكَارِ إِلَى الجِيلِ الجَدِيْدِ عَنْ طَرِيقِ بَرَامِجِ الأَطْفَالِ كَمَا يَتِمُّ تَمْرِيرُهَا لِلكِبَارِ عَنْ طَرِيقِ صِيَاغَةِ الخَبَرِ أَوِ البَرَامِجِ الحِوارِيَّةِ.

 

لِذَلِكَ فَإِنَّ وَاجِبَ الآَبَاءِ والأُمَهَاتِ اليَوْمَ عَظِيْمٌ, والحِمْلَ عَلَيهِمْ كَبِيرٌ, فَإِنَّ التَرْبِيَةَ اليَوْمَ مِنْ أَصْعَبِ مَا تَكُونُ فِي ظِلِّ السِّهَامِ المُسَلَّطَةِ عَلَى الجِيلِ, وَتَنَافُسِ العَدِيْدِ لِتَرْبِيَةِ أَبْنَائِكَ بَدَلاً عَنْكَ، وَبَيْنَ يَدَيَّ اليَوْمَ -بِإِذْنِ اللهِ- مَجْمُوعَةٌ مِنَ الرَّسَائِلِ لِأَوْلِياْءِ الأُمُورِ:

 

الرِّسَالَةُ الأُولَى: أَخْرَجَ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَمَ- قَالَ: كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ راَعٍ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَهِيَ مَسْؤُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالخَادِمُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ راعٍ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ“.

 

نَعَمْ، هَؤُلَاءِ الأَبْنَاءُ وَالبَنَاتُ أَمَانَةٌ فِي أَعْنَاقِكُم، وَسَيَسْأَلُكُمُ اللهُ عَنْهُمْ شِئْتُمْ أَمْ أَبَيْتُمْ.

 

هَؤُلَاءِ الأَبْنَاءُ هُمْ مَنْ سَيَحْمِلُونَ اَسْمَكُمْ غَدًا، وَبِالتَّالِي هُمْ مَنْ يَرْفَعُونَ ذِكرَكمُ بَيْنَ النَّاسِ أَوْ يَخفِضُونَه، قَالَ بَعْضُ الحُكَمَاءِ: “الاِبْنُ مَعَ أَبِيهِ وَاحِدٌ مِنْ ثَلَاثَةِ رِجَالٍ: لَاحِقٌ، أَوْ مَاحِقٌ، أَوْ سَابِقٌ. فَالَلَّاحِقُ: هُوَ الذِيْ يَلحَقُ أَبَاهُ فِي شَرَفِهِ، وَالـمَاحِقُ: هُوَ الذِيْ يَمْحَقُ شَرَفَ أَبِيهِ بِسُوءِ فِعَالِهِ، وَالسَّابِقُ: هُوَ الذِي يَسْبِقُ أَبَاهُ وَيَفُوقُهُ فِي الشَّرفِ“.

 

مَا تَزْرَعُونَهُ اليَومَ فِي أَبْنَائِكُمْ تَحْصُدُونَهُ غَدًا, فَإِنْ تَعَاهَدْتُمُوهُمْ بِالرِّعَايَةِ وَالعِنَايةِ أَثْمَرَ زَرْعُكُم وَأَينَعَ, وحَمِدْتُمُوهُ وَقْتَ حَصَادِهِ, وَإِنْ أَهْمَلْتُمُوهُ نَدِمْتُمْ وَقْتَ الحَصَادِ، وَلَاتَ سَاعَةَ مَنْدَمٍ.

ليس اليتيمُ مَن انتهى أبوَاهُ مِن *** هَمِّ الحياةِ وَخَلَّفاهُ وَحِيدًا

فأصابَ بالدنيا الحَكيمةِ منهما *** وبحُسْنِ تربيةِ الزمان بَديلاً

إنَّ اليتيمَ هو الذي تَلْقَى له *** أُمّاً تخلَّتْ أو أباً مَشْغُولاً

 

الرِّسَالَةُ الثَّانِيَةُ: لَقَدْ أَوْصَاكَ اللهُ بِهَؤَلاءِ الأَبْنَاءِ والبَنَاتِ، وَسَيَسْأَلُكَ اللهُ عَنْهُمْ يَومَ القِيَامَةِ، وَأَهَمُّ مَا سَتُسْأَلُ عَنْهُ دِيْنُ هَؤُلَاءِ الأَبْنَاءِ، وَهَلْ بَذَلْتَ جُهْدَكَ فِي إِصْلَاحِهِم؟

 

قَالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: “كَانَ مَلِكٌ كَثِيرَ الـمَالِ، وَكَانَتْ لَهُ ابْنَةٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ غَيرَهَا، وَكَانَ يُحِبُّهَا حُبَّاً شَدِيدَاً، وَكَانَ يُلْهِيهَا بِصُنُوفِ الَّلهْوِ، فَمَكَثَ كَذَلِكَ زَمَانَاً، وَكَانَ إِلَى جَانِبِ الـمَلِكِ عَابِدٌ، فَبَيْنَا هُوَ ذَاتَ لَيْلَةٍ يَقْرَأُ إِذْ رَفَعَ صَوْتَهُ وَهُوَ يَقُولُ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ)[التحريم: 6] فَسَمِعَتِ الجَارِيَةُ قِرَاءَتَهُ، فَقَالَتْ لِجَوَارِيهَا: كُفُّوا، فَلَمْ يَكُفُّوا، وَجَعَلَ العَابِدُ يُرَدِّدُ الآَيَةَ وَالجَارِيَةُ تَقُولُ لَهُمْ: كُفُّوا، فَلَمْ يَكُفُّوا، فَوَضَعَتْ يَدَهَا فِي جَيْبِهَا فَشَقَّتْ ثِيَابَهَا، فَانْطَلَقُوا إِلَى أَبِيهَا فَأَخْبَرُوهُ بِالقِصَّةِ، فَأَقْبَلَ إِلَيهَا، فَقَالَ: يَا حَبِيبَتِي مَا حَالُكِ مُنْذُ اللَّيلَةِ؟ مَا يُبْكِيكِ؟ وَضَمَّهَا إِلَيهِ، فَقَالَتْ: أَسْأَلُكَ بِاللهِ يَا أَبَتِ، لِلّهِ عَزَّ وَجَلَّ دَارٌ فِيهَا نَارٌ وَقُودُهَا النَّاسُ وَالِحجَارَةُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَتْ: وَمَا يَمْنَعُكَ يَا أَبَتِ أَنْ تُخْبِرَنِي، وَاللهِ لَا أَكَلْتُ طَيِّباً، وَلَا نِمْتُ عَلَى ليِّنٍ حَتَّى أَعْلَمَ أَيْنَ مَنْزِلِي فِي الجَنَّةِ أَوِ النَّارِ.

 

أَيُّهَا المُرَبِي المُبَارَك: كَمَا أَنَّكَ تَهْتَمُّ بِلِبَاسِ أَبْنَائِكَ وَمَطْعَمِهِمْ، وَتَحْرِصُ عَلَى أَلَّا يَكُونُوا أَقَلَّ مِنْ أَقْرَانِهِمْ، فَاحْرِصْ بِدَرَجَةٍ أَكْبَرَ عَلَى تَغْذِيَتِهِمُ التَغْذِيَةَ الرُّوحِيَةَ والإِيمَانِيَّةَ، رَبِّهِمْ عَلَى الدِّينِ، وَسَيُرَبِيهُمُ الدِّينُ عَلَى كُلِّ شيءٍ.

 

لَمَّا أَرادَ مُحَمُّدُ بنُ الحُسَينُ السُّلَمِيُّ الحَجَّ قَالَ: اِسْتَأْذَنْتُ أُمِّي فِي الَحجِّ, فَقَالَتْ لِي: تَوَجَّهْتَ إِلَى بَيْتِ اللهِ فَلَا يَكْتِبَنَّ عَلَيْكَ حَافِظَاكَ شَيْئَاً تَسْتَحِيْ مِنْهُ غَدَاً.

 

حَرِّضْ بَنِيكَ عَلَى الآَدَابِ فِي الصِّغَرِ *** كَيْمَا تَقَرَّ بِهِمْ عَيْنَاكَ فِي الكِبَرِ

وَإِنَّمَا مَثَلُ الآَدَابِ تَجْمَعُهَا *** فِي عُنْفُوَانِ الصِّبَا كَالنَّقْشِ فِي الحَجَرِ

هِيَ الكُنُوزُ التِي تَنْمُو ذَخَائِرُهَا *** وَلَاَ يُخَافُ عَلَيهَا حَادِثُ الغِيَرِ

النَّاسُ اِثْنَانِ ذُوْ عِلْمٍ وَمُسْتَمِعٍ *** وَاعٍ وَسَائِرُهُمْ كاللَّغْوِ والعَكَرِ

 

بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ بِالقُرآن العَظِيمِ, وَنَفَعَنَا بِمَا فِيهِ مِنَ اليَاتِ وَالذِّكْرِ الحَكِيمِ, قَدْ قُلْتُ مَا سَمِعْتُمْ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الْحَمْدُ لِلَّـهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

 

أَمَّا بَعْدُ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب: 70-71] .

 

يا أمة محمد -صلى الله عليه وسلم-: فَمَا زِلْنَا مَعَ رَسَائِلَ لِأَوْلِيَاءِ الأُمُورِ، وَالرِّسَالَةُ الثَالثَةُ: إِنَّ أَوْلَى مَا تُرَبِّي عَلَيهِ أَبْنَاءَكَ بَعْدَ تَوْحِيدِ اللهِ تَعَالَى هُوَ الاِهْتِمَامُ بِشَأْنِ الصَّلَاةِ: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا)[طه: 132] .

 

كُلُّنَا نَحْفَظُ حَدِيثَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَمَ- الذِي رَواهُ عَمْرُو بنُ شُعَيبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ قَالَ: مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينٍ, وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ, وَفَرِّقُوا بَينَهُمْ فِي الـمَضَاجِعِ نَحْفَظُ هَذَا الحَدِيثَ وَنَسْتَدِلُ بِهِ عِنْدَ أَمْرِ الأَبْنَاءِ بِالصَّلاةِ، وَهَذَا حَقٌ، لَكِنَّ مِمَّا يَغْفَلُ عَنْهُ الكَثِيرُ أَنَّ هَذَا الحَدِيثَ لَيسَ مُوَجَّهَاً لِلصِّغَارِ, وإِنَّمَا الأَمْرُ فِيهِ للآبَاءِ: مُرُوا أَوْلَادَكُمْ فَمَنْ قَصَّرَ فِيهِ فَقَدْ خَالَفَ أَمْرَ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَمَ- وَاسْتَحَقَّ العُقُوبَةَ.

 

تَفَقَّدَ هِشَامُ بنُ عَبدِ المَلِكِ -رَحِمَهُ اللهُ- بَعْضَ وَلَدِهِ لَمْ يَحْضُرِ الجُمُعَةَ, فَقَالَ لَهُ: مَا مَنَعَك؟ قَالَ: نَفَقَتْ دَابَّتِي. قَالَ: وَعَجَزْتَ عَنِ المَشْيِ فَتَرَكْتَ الجُمُعَةَ؟ فَمَنَعَهُ الدَّابَّةَ سَنَةً.

 

وَبَعَثَ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مَرْوَانَ ابْنَهُ عُمَرَ -رَحِمَهُمُ اللهُ- إِلَى المَدِينَةِ يَتَأَدَّبُ بِهَا، وَكَتَبَ إِلَى صَالِحِ بنِ كَيْسَانَ يَتَعَاهَدُهُ، وَكَانَ يُلْزِمُهُ الصَّلَوَاتِ، فَأَبْطَأَ يَومًا عَنِ الصَّلَاةِ، فَقَالَ لَهُ: مَا حَبَسَكَ؟ قَالَ: كَانَتْ مُرَجِّلَتِي تُسْكِنُ شَعْرِي. فَقَالَ: بَلَغَ مِنْ تَسْكِينِ شَعْرِكَ أَنْ تُؤْثِرَهُ عَلَى الصَّلَاةِ! وَكَتَبَ بِذَلِكَ إِلَى وَالِدِهِ, فَبَعَثَ عَبْدُ العَزيزِ بنِ مَرْوَانَ رَسُولَاً إِلَيْهِ فَمَا كَلَّمَهُ حَتَّى حَلَقَ شَعْرَهُ.

 

الرِّسَالَةُ الرَّابِعَةُ: أَيُّهَا المُرَبِي: القُدْوَةَ القُدْوَةَ، فَإِنَّكَ تُعَلِّمُ وَلَدكَ بِأَفْعَالِكَ أَعْظَمَ مِمَّا تُعَلِّمُهُ بِأَقْوَالِك، رَأَى مَالِكُ بنُ دِينَارٍ -رَحِمَهُ اللهُ- رَجُلاً يُسِيءُ صَلَاتَهُ, فَقَالَ: مَا أَرْحَمَنِي لِعيَالِهِ، فَقِيلَ لَهُ: يُسيءُ هَذَا صَلَاتَهُ وَتَرْحَمُ عِيَالَهُ؟ قَالَ: إِنَّهُ كَبِيرُهُم وَمِنْهُ يَتَعَلَّمُونَ.

 

لَوْ نَصَحْتَ وَلَدَكَ مِائَةَ مَرَّةٍ أَلَّا يَكْذِبَ، وَشَاهَدَكَ مَرَّةً وَاحِدَةً تَكْذِبً كَانَتْ هَذِهِ المَرَّةُ أَقْوَى مِنْ تِلْكَ المِائَة.

 

قَالَ الشَاطِبِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: “إِذَا وَقَعَ القَولُ بَيَانًا فَالفِعْلُ شَاهِدٌ لَهُ وَمُصَدِّقٌ“.

مَشَى الطَاوُوُسُ يَوْمَاً بِاعْوِجَاجٍ *** فَقَلَّدَ شَكْلَ مِشْيَتِهِ بَنُوهُ

فَقَالَ: عَلَامَ تَخْتَالُونَ؟ قَالُوْا: *** بَدَأْتَ بِهِ، وَنَحْنُ مُقَلِّدُوهُ

فَخَالِفْ سَيْرَكَ الـمُعْوَجَّ وَاعْدِلْ *** فَإِنَّا إِنْ عَدَلْتَ مُعَدِّلوهُ

أَمَا تَدْرِي أَبَانَا: كُلُّ فرع *** يُجَارِي بِالخَطَى مَنْ أَدَّبوُهُ؟

وَيَنْشَأُ نَاشئُ الفِتْيَانِ مِنَّا *** عَلَى مَا كَانَ عَوَّدَهُ أَبُوهُ

 

قَالَ عُتْبَةُ بنُ أَبِي سُفْيَانٍ لِمُؤَدِبِ وَلَدِهِ: “لِيَكُنْ أَوَّلَ إِصْلَاحِكَ لِوَلَدِي إِصْلَاحُكَ لِنَفْسِكَ؛ فَإِنَّ عُيُونَهُمْ مَعْقُودَةٌ بِكَ؛ فَالحَسَنُ عِنْدَهُمْ مَا صَنَعْتَ، وَالقَبِيحُ عِنْدَهُمْ مَا تَرَكْتَ“.

 

رَبِّ أَبْنَاءَكَ بِالقُدْوَةِ، اُنْظُرْ كَيفَ كَانَتْ أَفْضَلُ صَلَاةِ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا المَكْتُوبَةَ، لَقَدْ شُرِعَ ذَلِكَ لِحَكَمٍ مِنْ بَيْنِهَا اِقْتِدَاءُ أَهْلِ دَارِهِ بِهِ: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا)[الأحزاب: 21].

 

أَيُّهَا الإِخْوَةُ: كَانَتْ هَذِهِ أَرْبَعُ رَسَائِلَ لِأَوْلِياءِ الأُمُورِ، وَالرَّسَائِلُ كَثِيْرَةٌ، وَلَعَلَّ اللهَ أَنْ يُيَسِرَ لَهَا تَتِمَّةً -بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى-.

 

يا أمة محمد -صلى الله عليه وسلم-: اعلموا أن الله -تعالى- قد أمرنا بالصلاة على نبيه محمد -صلى الله عليه وسلم-، وجعل للصلاة عليه في هذا اليوم والإكثار منها مزية على غيره من الأيام, فللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

عباد الله: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)[النحل: 90]، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم, واشكروه على نعمه يزدكم: (وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ)[العنكبوت: 45].

 

الملفات المرفقة
رسائل لولي الأمر
عدد التحميل 16
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات