طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

16355

تضميد الجراح بذم مزهقي الأرواح

المكان : المملكة العربية السعودية / الرياض / بدون / بدون /
تاريخ الخطبة : 1440/08/21
تاريخ النشر : 1440/08/26
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/قتل النفس من كبائر الذنوب 2/الحزن والضيق على قتل المسلم البريء 3/التحذير من أعمال مزهقي الأرواح 4/حادثة الهجوم الإرهابي 5/إقامة الحدود على المعتدين
اقتباس

يَا لَهُ مِن ضِيقٍ وَضَنكٍ مَا بَعدَهُ ضِيقٌ وَلا ضَنكٌ، لِمَن نَقَضَ عَهدَ اللهِ وَعَهدَ رَسُولِهِ، وَيَا لَهَا مِن وَرطَةٍ وَمُصِيبَةٍ لا مَخرَجَ مِنهَا وَلا خَلاصَ مِن شِبَاكِهَا لِمَنِ اعتَدَى عَلَى عِبَادِ اللهِ وَأَرخَصَ دِمَاءَهُم…

الخطبة الأولى:

 

أَمَّا بَعدُ، فَـ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم وَالَّذِينَ مِن قَبلِكُم لَعَلَّكُم تَتَّقُونَ)[البقرة:21].

 

أَيُّهَا المُسلِمُونَ: مِن أَكبَرِ الكَبَائِرِ وَأَعظَمِ المُوبِقَاتِ، وَأَشنَعِ المُهلِكَاتِ وَأَشَدِّ الوَرَطَاتِ، وَالَّتي مَا فَتِئَت تَظهَرُ في هَذِهِ الأُمَّةِ بَينَ حِينٍ وَحِينٍ، عَلَى إِثرِ ضَعفِ التَّدَيُّنِ وَاستِيلاءِ الشَّيَاطِينِ، وَخُلُوِّ القُلُوبِ مِن الإِيمَانِ وَتَقوَى رَبِّ العَالَمِينَ قَتلَ المُسلِمِ وَإِرَاقَةَ دَمِهِ، وَإِزهَاقَ رُوحِهِ وَإِهلاكَ نَفسِهِ، وَحِرمَانَهُ مِنَ الحَيَاةِ دُونَ حَقٍّ، قَالَ -تَعَالى-: (وَمَن يَقتُلْ مُؤمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا)[النساء:93]، وَقال -جل وعلا-: (وَلا تَقتُلُوا النَّفسَ الَّتي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالحَقِّ)[الفرقان: 67].

 

وَفي الحَدِيثِ المُتَّفَقِ عَليهِ أَنَّهُ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: “اجتَنِبُوا السَّبعَ المُوبِقَاتِ” قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: “الشِّركُ بِاللهِ، وَالسِّحرُ، وَقَتلُ النَّفسِ الَّتي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالحَقِّ، وَأَكلُ الرِّبَا، وَأَكلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَومَ الزَّحفِ، وَقَذفُ المُحصَنَاتِ المُؤمِنَاتِ الغَافِلاتِ“، وَفي البُخَارِيِّ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا- أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- خَطَبَ النَّاسَ يَومَ النَّحرِ فَقَالَ: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَيُّ يَومٍ هَذَا؟ “قَالُوا: يَومٌ حَرَامٌ! قَالَ: “فَأَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟” قَالُوا: بَلَدٌ حَرَامٌ! قَالَ: “فَأَيُّ شَهرٍ هَذَا؟” قَالُوا: شَهرٌ حَرَامٌ! قَالَ: “فَإِنَّ دِمَاءَكُم وَأَموَالَكُم وَأَعرَاضَكُم عَليكُم حَرَامٌ كَحُرمَةِ يَومِكُم هَذَا في بَلَدِكُم هَذَا في شَهرِكُم هَذَا“.

 

وَفي الحَدِيثِ المُتَّفَقِ عَلَيهِ عَن عَبدِاللهِ بنِ مَسعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-: “لا يَحِلُّ دَمُ امرِئٍ مُسلِمٍ يَشهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ إِلاَّ بِإِحدَى ثَلاثٍ: النَّفسُ بِالنَّفسِ، وَالثَّيِّبُ الزَّاني، وَالمُفارِقُ لِدِينِهِ التَّارِكُ لِلجَمَاعَةِ“.

 

وَرَوَى مُسلِمٌ عَن جُندَبِ بنِ عَبدِاللهِ البَجَلِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنهُ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّمَ- بَعَثَ بَعثًا مِنَ المُسلِمِينَ إِلى قَومٍ مِنَ المُشرِكِينَ، وَإِنَّهُم التَقَوا، فَكَانَ رَجُلٌ مِنَ المُشرِكِينَ إِذَا شَاءَ أَن يَقصِدَ إِلى رَجُلٍ مِنَ المُسلِمِينَ قَصَدَ لَهُ فَقَتَلَهُ، وَإِنَّ رَجُلاً مِنَ المُسلِمِينَ قَصَدَ غَفلَتَهُ -قَالَ: وَكُنَّا نُحَدَّثُ أَنَّهُ أُسَامَةُ بنُ زَيدٍ- فَلَمَّا رَفَعَ عَلَيهِ السَّيفَ قَالَ: لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، فَقَتَلَهُ! فَجَاءَ البَشِيرُ إِلى النَّبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- فَسَأَلَهُ فَأَخبَرَهُ، حَتَّى أَخبَرَهُ خَبَرَ الرَّجُلِ كَيفَ صَنَعَ! فَدَعَاهُ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: “لِمَ قَتَلتَهُ؟” قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَوجَعَ في المُسلِمِينَ، وَقَتَلَ فُلانًا وَفُلانًا، وَسَمَّى لَهُ نَفَرًا، وَإِنِّي حَمَلتُ عَليهِ فَلَمَّا رَأَى السَّيفَ قَالَ: لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ! قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-: “أَقَتَلتَهُ؟” قَالَ: نَعَم! قَالَ: “فَكَيفَ تَصنَعُ بِلا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ إِذَا جَاءَت يَومَ القِيَامَةِ” قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، اِستَغفِرْ لي! قَالَ: “وَكَيفَ تَصنَعُ بِلا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ إِذَا جَاءَت يَومَ القِيَامَةِ؟” قَالَ: فَجَعَلَ لا يَزِيدُهُ عَلَى أَن يَقُولَ: “كَيفَ تَصنَعُ بِلا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ إِذَا جَاءَت يَومَ القِيَامَةِ“.

 

يَا لَهَا مِن أَدِلَّةٍ بَيِّنَةٍ وَاضِحَةٍ، وَبَرَاهِينَ شَاهِدَةٍ قَاطِعَةٍ، وَأَنوَارٍ مُبِينَةٍ سَاطِعَةٍ، لا تَجرُؤُ نَفسٌ مُؤمِنَةٌ تَملِكُ مِن خَوفِ اللهِ مِثقَالَ ذَرَّةٍ أَن تُقدِمَ بِتَهَاوَنٍ وَتَسَاهُلٍ عَلَى تَجَاوُزِهَا أَو تَنَاسِيهَا أَو تَجَاهُلِهَا، ثم تَمَسَّ مُسلِمًا بِأَذًى أَيًّا كَانَ، نَاهِيكُم عَنِ الاعتِدَاءِ عَلَيهِ بِقَتلِهِ وَإِزهَاقِ نَفسِهِ وَإِرَاقَةِ دَمِهِ، بِلا خَوفٍ مِنَ اللهِ وَلا وَجَلٍ مِن عِقَابِهِ، وَلا انتِبَاهٍ لِمَا سَيُوَاجِهُ القَاتِلَ بَعدَ ذَلِكَ مِن ضِيقٍ وَضَنكٍ في الدُّنيَا، وَعَذَابٍ أَلِيمٍ في الآخِرَةِ.

 

أَجَل -أَيُّهَا الإِخوَةُ- إِنَّهُ لَمُحزِنٌ حَقًّا وَمُؤسِفٌ صِدقًا أَن يَكُونَ المُسلِمُ مَعصُومَ النَّفسِ وَالدَّمِ، عِصمَةً رَبَّانِيَّةً مِن لَدُنْ خَالِقِهِ وَخَالِقِ كُلِّ البَشَرِ وَمَالِكِ نُفُوسِهِم، ثم يَتَجَرَّأَ مُسلِمٌ آخَرُ في لَحظَةِ ضَعفِ إِيمَانٍ وَتَغَلُّبِ شَيطَانٍ، وَغِيَابِ عَقلٍ وَاستِيلاءِ غَضَبٍ وَجَهلٍ، عَلَى انتِهَاكِ عَهدِ اللهِ وَإِخفَارِهِ في ذِمَّتِهِ، وَنَقضِ عَهدِهِ وَعهدِ رَسُولِهِ، بِقَتلِ مُسلِمٍ يَشهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنَّ مُحمَدَّا رَسُولُ اللهِ، هَل بَعدَ هَذَا الجَهلِ وَالحُمقِ جَهلٌ وَحُمقٌ؟ أَوَبَعدَ هَذَا العَمَى وَالضَّلالِ عَمًى وَضَلالٌ؟! أَينَ الإِيمَانُ بِاللهِ؟! أَينَ تَقوَى اللهِ وَالخَوفُ مِنهُ؟! أَينَ تَعظِيمُ الحُرُمَاتِ؟!

 

وَيَا لَهُ مِن ضِيقٍ وَضَنكٍ مَا بَعدَهُ ضِيقٌ وَلا ضَنكٌ، لِمَن نَقَضَ عَهدَ اللهِ وَعَهدَ رَسُولِهِ، وَيَا لَهَا مِن وَرطَةٍ وَمُصِيبَةٍ لا مَخرَجَ مِنهَا وَلا خَلاصَ مِن شِبَاكِهَا لِمَنِ اعتَدَى عَلَى عِبَادِ اللهِ وَأَرخَصَ دِمَاءَهُم دُونَ خَوفٍ مِنهُ وَلا وَجَلٍ، قَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ-: “لَن يَزَالَ المُؤمِنُ في فُسحَةٍ مِن دِينِهِ مَا لم يُصِبْ دَمًا حَرَامًا“، وَقَالَ ابنُ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا-: “إِنَّ مِن وَرَطَاتِ الأُمُورِ الَّتي لا مَخرَجَ لِمَن أَوقَعَ نَفسَهُ فِيهَا سَفكَ الدَّمِ الحَرَامِ بِغَيرِ حِلِّهِ“(رَوَاهُ البُخَارِيُّ)، وَقَالَ – صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّمَ-: “يَجِيءُ القَاتِلُ وَالمَقتُولُ يَومَ القِيَامَةِ مُتَعَلِّقٌ بِرَأسِ صَاحِبِهِ، يَقُولُ: رَبِّ سَلْ هَذَا لِمَ قَتَلَني؟”(رَوَاهُ ابنُ مَاجَه وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ).

 

أَلا فَكَسَرَ اللهُ أَيدِيًا تَتَجَرَّأُ عَلَى حَملِ السِّلاحِ في دِيَارِ المُسلِمِينَ الآمِنَةِ، وَشَلَّ أَيمَانًا تَسفِكُ دِمَاءَ المَعصُومِينَ وَتُرَوِّعُ الآمِنِينَ، وَأَفشَلَ تَخطِيطَ عُقُولٍ زَائِغَةٍ لا تُخَطِّطُ إِلاَّ لِقَتلِ رِجَالِ الأَمنِ المُؤمِنِينَ وَالتَّمَرُّدِ عَلَى أَولِيَاءِ أُمُورِ المُسلِمِينَ، وَأَذَلَّ جَهَلَةً سُفَهَاءَ تُحَرِّكُهُم لِقَتلِ إِخوَانِهِم عَصَبِيَّاتٌ جَاهِلِيَّةٌ، وَتُوقِدُ غَضَبَهُم عَلَيهِم حَمِيَّاتٌ وَعُنصُرِيَّاتٌ؛ فَلا يَرعَونَ لِمُسلِمٍ حُرمَةً، وَلا يَحفَظُونَ لِمُؤمِنٍ حَقًّا، ظَنًّا مِنهُم أَنَّ مِنَ الرُّجُولَةِ أَوِ الشَّجَاعَةِ أَوِ القُوَّةِ، أَن يُصَوِّبَ الرُّجُلُ سِلاحَهُ لآخَرَ فَيَقتُلَهُ عَلَى حِينِ غِرَّةٍ مِنهُ وَغَفلَةٍ، وَعَلَى أَحقَرِ دَاعٍ وَأَتفَهِ سَبَبٍ، وَوَيلٌ لِمَن لَقِيَ اللهَ وَفي رَقَبَتِهِ دَمٌ حَرَامٌ ؛ فَإِنَّ أَوَّلَ قَضَاءٍ يُقضَى بِهِ بَينَ النَّاسِ يَومَ القِيَامَةِ يَكُونُ في الدِّمَاءِ، وَمَا أَعظَمَ حَظَّ مُؤمِنٍ أَدَّى حُقُوقَ رَبِّهِ، وَسَلِمَ مِن حُقُوقِ الخَلقِ، وَلَقِيَ اللهَ مَوفُورَ الحَسَنَاتِ خَفِيفَ الظَّهرِ مِنَ الأَوزَارِ وَالسَّيِّئَاتِ! كَتَبَ رَجُلٌ إِلى ابنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا-: أَنِ اكتُبْ إِلَيَّ بِالعِلمِ كُلِّهِ، فَكَتَبَ إِلَيهِ ابنُ عُمَرَ: “إِنَّ العِلمَ كَثِيرٌ، وَلَكِنْ إِنِ استَطَعتَ أَن تَلقَى اللهَ خَفِيفَ الظَّهرِ مِن دِمَاءِ النَّاسِ، خَمِيصَ البَطنِ مِن أَموَالِهِم، كَافًّا لِسَانَكَ عَن أَعرَاضِهِم، لازِمًا لأَمرِ جَمَاعَتِهِم فَافعَلْ، وَالسَّلَامُ“.

 

اللَّهُمَّ إِنَّا نَسأَلُكَ العَفوَ وَالعَافِيَةَ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الفِتَنَ مَا ظَهَرَ مِنهَا وَمَا بَطَنَ، وَأَقُولُ هَذَا القَولَ وَأَستَغفِرُ اللهَ العَظِيمَ لي وَلَكُم فَاستَغفِرُوهُ.

 

الخطبة الثانية:

 

أَمَّا بَعدُ: فَاتَّقُوا اللهَ -تَعَالى- وَأَطِيعُوهُ وَلا تَعصُوهُ، وَاشكُرُوهُ وَلا تَكفُرُوهُ، وَمَن هَدَاهُ اللهُ لِلحَقِّ وَعَافَاهُ مِن شَرِّ هَذِهِ الكَبِيرَةِ العَظِيمَةِ وَهِيَ الاستِخفَافُ بِدِمَاءِ المَعصُومِينَ؛ فَلْيَحمَدِ اللهَ عَلَى مَا مَلأَ قَلبَهُ مِنَ الإِيمَانِ وَتَعظِيمِ الحُرُمَاتِ وَتَعظِيمِ دِمَاءِ المُسلِمِينَ، وَتَجَنُّبِ أَذَاهُم أَوِ التَّرَبُّصِ بِهِم؛ فَإِنَّنَا مَا زِلنَا نَسمَعُ بَينَ الحِينِ وَالحِينِ بِأَعمَالٍ إِجرَامِيِّةٍ مِن فِئَةٍ ضَالَّةٍ مُغَرَّرٍ بِهَا، تَستَهدِفُ رِجَالَ الأَمنِ في هَذَا البَلَدِ الأَمِينِ، وَمِن ذَلِكَ مَا أَقدَمَ عَلَيهِ شَبَابٌ أَعمَتهُمُ الشُّبُهُاتُ عَن جَادَّةِ الصَّوَابِ، فَنَزَعُوا يَدَ الطَّاعَةِ وَفَارَقُوا الجَمَاعَةَ، وَحَاوَلُوا في أَوَّلِ هَذَا الأُسبُوعِ أَن يَقتَحِمُوا مَقَرَّ جِهَةٍ أَمنِيَّةٍ لِبَثِّ الفِتنَةِ وَإِحدَاثِ الفُرقَةِ، وَزَعزَعَةِ الأَمنِ وَتَروِيعِ النَّاسِ، وَلَكِنَّ اللهَ رَدَّ كَيدَهُم، وَأَحبَطَ خِطَّتَهُم، وَمَكَّنَ رِجَالَ الأَمنِ مِنهُم، وَإِنَّ مِثلَ هَذَا التَّصَرُّفِ الأَهوَجِ وَأَمثَالَهُ، مِمَّا حَدَثَ فِيمَا مَضَى وَتَكَرَّرَ مِن شَبَابٍ حُدَثَاءِ الأَسنَانِ سُفَهَاءِ الأَحلامِ، وَقَد يَحدُثُ فِيمَا يَأتي في خِضَمِّ هَذِهِ الفِتَنِ الَّتي يُوقِدُهَا أَعدَاءُ الإِسلامِ، إِنَّهُ لَيُوجِبُ عَلينَا التَّنَبُّهَ وَالحِرصَ عَلَى أَولادِنَا؛ لِئَلاَّ يَقَعُوا فَرِيسَةً لِهَذِهِ الفِتَنِ، أَو لُقمَةً سَائِغَةً لأَصحَابِ التَّوَجُّهَاتِ الضَّالَّةِ؛ فَكُلٌّ مِنَّا رَاعٍ، وَكُلُّ رَاعٍ مَسؤُولٌ عَن رَعِيَّتِهِ، وَأَمنُ البِلادِ مَسؤُولِيَّةُ الجَمِيعِ، وَسَفِينَةُ المُجتَمَعِ وَاحِدَةٌ وَكُلُّنَا فِيهَا رُكَّابٌ، وَأَيُّ خَرقٍ في جُزءٍ مِن أَجزَائِهَا؛ فَهُوَ مُؤذِنٌ بِغَرَقِ كُلِّ رُكَّابِهَا.

 

وَايمُ اللهِ -يَا عِبَادَ اللهِ-، لَيسَ الخَطَرُ عَلَى سَفِينَةِ المُجتَمَعِ مَقصُورًا عَلَى هَذِهِ الفِئَةِ الضَّالَّةِ فَحَسبُ، بَلْ إِنَّ كُلَّ مُخَالِفٍ لأَمرِ اللهِ وَأَمرِ رَسُولِهِ، مِن غَالٍ  مُتَشَدِّدٍ أَو جَافٍ مُتَسَاهِلٍ، وَكُلَّ مُجَاهِرٍ بِالمُنكَرِ مُعلِنٍ لِلمَعصِيَةِ، وَكُلَّ مُتَهَاوِنٍ بِأَحكَامِ الدِّينِ القَوِيمِ وَشَرَائِعِ الإِسلامِ الحَنِيفِ، وَكُلَّ مُعَادٍ لأَولِيَاءِ اللهِ وَمُحَارِبٍ لِلمُصلِحِينَ فَهُوَ مِن أَلَدِّ أَعدَاءِ المُجتَمَعِ وَإِن زَعَمَ أَنَّهُ يُرِيدُ الإِصلاحَ.

 

ومَا بَالُ أَقوَامٍ مِنَ المَفتُونِينَ وَالمُغرِضِينَ وَالمَرِيضَةِ قُلُوبُهُم، يَفرَحُونَ بِأَخطَاءِ هَذِهِ الفِئَةِ الضَّالَّةِ المَارِقَةِ مِن أَصحَابِ الفِكرِ المُنحَرِفِ، وَيَعمَلُون عَلَى تَعمِيمِهَا عَلَى جَمِيعِ المُستَقِيمِينَ عَلَى صِرَاطِ اللهِ كَمَا أُمِرُوا، وَالعَامِلِينَ في الدَّعوَةِ إِلى سَبِيلِهِ بِالحِكمَةِ وَالمَوعِظَةِ الحَسَنَةِ، وَالمُسَاهِمِينَ بِإِخلاصٍ في نَشرِ العِلمِ الشَّرعِيِّ وَتَحفِيظِ أَبنَاءِ المُسلِمِينَ كِتَابَ اللهِ، مَا بَالُهُم يَستَهزِئُونَ بِهِم وَيُضَيِّقُونَ عَلَيهِم، وَيَحسَبُونَ أَنَّ عِلاجَ مُنكَرِ هَذِهِ الفِئَةِ الضَّالَّةِ في نَشرِ ثَقَافَةِ اللَّهوِ وَاللَّعِبِ وَشَغلِ النَّاسِ عَن الجِدِّ بِالتَّرفِيهِ، وَإِقَامَةِ حَفَلاتِ الغِنَاءِ وَتَشجِيعِ المُغَنِّينَ، فَضلاً عَن ذَمِّ مَن كَانَ مُتَمَسِّكًا بِالسُّنَّةِ عَامِلاً عَلَى إِحيَاءِ الدِّينِ، حَرِيصًا عَلَى رَبطِ المُسلِمِينَ بِكِتَابِ رَبِّهِم وَسُنَّةِ نَبِيِّهِم وَسِيَرِ أَسلافِهِمُ الصَّالِحِينَ.

 

أَلا فَلْنَتَّقِ اللهَ -أَيُّهَا المُسلِمُونَ-، وَلْنَكُنْ عَلَى يَقِينٍ لا شَكَّ فِيهِ بِأَنَّ تَصحِيحَ كُلِّ خَطَأٍ وَانحِرَافٍ، وَعِلاجَ كُلِّ مُنكَرٍ وَضَلالٍ، لا يَكُونُ بِتَميِيعِ الدِّينِ بِاسمِ التَّسَامُحِ وَالوَسَطِيَّةِ، وَلا بِحَربِ المُستَقِيمِينَ الصَّادِقِينَ دُونَ تَميِيزٍ بَينَ مُرِيدِ الخَيرِ مِنهُم وَالسَّائِرِ في طَرِيقِ الفِتنَةِ، وَلَكِنَّهُ يَكُونُ بِنَشرِ التَّدَيُّنِ الصَّحِيحِ، وَتَعمِيقِ مَفهُومِ الوَسَطِيَّةِ الحَقَّةِ، الوَسَطِيَّةِ الَّتي تُعنَي بِأَخذِ أَحكَامِ الشَّرِيعَةِ كَافَّةً بِلا استِثنَاءٍ، وَالعَمَلِ بِهَا بِلا غُلُوٍّ وَلا جَفَاءٍ، وَبِتَحقِيقِ مَبدَأِ العَدلِ وَعَدَمِ الجَورِ وَالظُّلمِ أَوِ التَّعَدِّي عَلَى الأَبرِيَاءِ، وَأَخذِهِم بِجَرِيرَةِ المُجرِمِينَ الأَشقِيَاءِ؛ فَقَد قَالَ -تَعَالى- وَهُوَ أَصدَقُ القَائِلِينَ: (وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلزَمنَاهُ طَائِرَهُ في عُنُقِهِ)[الإسراء:13]، وَقَالَ -سُبحَانَهُ -: (مَنِ اهتَدَى فَإِنَّمَا يَهتَدِي لِنَفسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزرَ أُخرَى)[الإسراء:15]، وَقَالَ -جَلَّ وَعَلا-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ للهِ شُهَدَاءَ بِالقِسطِ وَلا يَجرِمَنَّكُم شَنَآنُ قَومٍ عَلَى أَلاَّ تَعدِلُوا اعدِلُوا هُوَ أَقرَبُ لِلتَّقوَى وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعمَلُونَ)[المائدة:8].

 

كَمَا أَنَّ مِن أَعظَمِ طَرَائِقِ التَّصحِيحِ وَرَدِّ المُنحَرِفِينَ إِلى جَادَّةِ الصَّوَابِ إِقَامَةَ الحُدُودِ عَلَى المُعتَدِينَ وَالمُجرِمِينَ وَالمُخَالِفِينَ لأَمرِ اللهِ، وَالخَارِجِينَ عَنِ نَهجِ الجَمَاعَةِ وَالنَّازِعِينَ يَدَ الطَّاعَةِ، وَهَذَا مَا حَدَثَ في هَذِهِ البِلادِ يَومَ الثُّلاثَاءِ المَاضِي، حَيثُ أَقِيمَ حَدُّ الحِرَابَةِ عَلَى مَجمُوعَةٍ مِنَ المُحَارِبِينَ للهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلمُؤمِنِينَ، مِنَ الرَّافِضَةِ وَالفِئَةِ الضَّالَّةِ؛ فَنَحمَدُ اللهَ عَلَى تَحكِيمِ الشَّرِيعَةِ وَإِقَامَةِ الحُدُودِ الشَّرعِيَّةِ، وَنَسأَلُهُ أَن يَرزُقَنَا الأَمنَ وَالأَمَانَ وَالاطمِئنَانَ في البُلدَانِ، وَأَن يَحفَظَنَا بِالإِسلامِ وَالتَّقوَى وَالأَعمَالِ الصَّالِحَةِ وَالإِيمَانِ.

الملفات المرفقة
تضميد الجراح بذم مزهقي الأرواح
عدد التحميل 9
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات