طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

16332

الوصايا العشر (3)

المكان : المملكة العربية السعودية / القصيم - بريدة / حي الريان / جامع الحبلين /
التصنيف الرئيسي : هدايات القرآن الكر يم
تاريخ النشر : 1440/08/23
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/التحذير من أكل مال اليتيم 2/الأمر بالوفاء في الكيل والميزان 3/العدل في الكلام على الناس 4/الوفاء بالعهد وفضله 5/الأمر بالاستقامة على الحق.
اقتباس

إن شربة ماء من أموال اليتامى بغير حق، إنما هي نار تغلي في البطون، وإن لقمة خبز من أموال اليتامى بغير حق، إنما هي نار تتأجج في البطون, وإن درهماً يدخل من ماله بغير حقه لوبالٌ وخسار, فإن عملت بماله فاعمل لتنميته, وكن على حذر من أكله وجحده, أو التقصيرِ في حفظه, فإن من وراءه مطالباً, وهو الله…

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله الذي نوّر بالقرآن القلوب، وأنزله في أوجزِ لفظ وأعجزِ أسلوب، فأعيت بلاغته البلغاء، وأعجزت حكمته الحكماء, أحمده -سبحانه- وهو أهل الحمد والثناء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله المصطفى، ونبيه المرتضى، معلم الحكمة، وهادي الأمة، صلى الله عليه وعلى آله الأبرار، وصحبه الأخيار، ما تعاقب الليل والنهار، وسلم تسليما كثيرا.

 

عباد الله: ما زال الحديث عن الوصايا النبوية والقرآنية, التي قررها رب العزة وابتدأها بقوله: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ)[الأنعام: 151], وحديث اليوم عن بعض هذه الوصايا حيث ابتدأ ربنا التوجيه فيها فقال مقرراً سادس الوصايا (وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ)[الأنعام: 152]؛ اليتيم: هو مَن مات أبوه وهو دون البلوغ، وبعد البلوغ لا يسمى يتيمًا؛ وفي الحديث: “لا يُتْمَ بعد احتِلام“.

 

اليتيم -يا كرام- ذلك الذي فقد والده وسنده, لم يضيعه ربك, بل جعل حقه من أعظم الحقوق, فمن دعَّ اليتيم توعده, ومن أكل ماله تهدده بأنه سيصلى سعيراً, ومن أحسن إليه, وكفله, وعده, وبرفقة النبي -عليه السلام- في الجنة أكرمه.

 

كل هذا لأن الإسلام دين تكافل, يموت أبٌ فيجد اليتيم من حوله آباءً, أهل حنو عليه, ورفق به, كل هذه العناية باليتيم؛ لأنه لما فقد أباه صار عُرضةً لأكْل ماله، ولإهماله، وللعُدْوان عليه، فجاءت الشريعة بحقوق عظمى، ووصايا كبرى، في حق اليتيم, التقصير فيها من الكبائر والعظائم، والتفريط فيها من الموبقات والجرائم.

 

لقد كانت عادة العرب أن يأخذوا من اليتيم ماله، ويظلموه في حقه، وكذا المرأة، ويقولون:  إن الذي يستحق المال هو من يحمي الذمار، ويدافع عن الحريم، وهم الرجال الذين يستعينون بالمال على الدفاع، أما اليتيم والمرأة فإعطاء المال لهما ضياع له, فجاء الإسلام ليحفظ لهم الحق, وفي الحديث: “اللهم إني أُحَرِّجُ حق الضعيفين؛ اليتيم والمرأة“.

 

ومن لطيف الاستنباط أن يقال: إن أعظم احتياجاتٍ لليتيم هي المسكنُ الذي يأوي إليه, والتربيةُ الصالحة، والمال الذي يُنفق عليه منه, ويمكن أن تؤخذ هذه من قول ربنا لنبينا: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى)[الضحى: 6 – 8].

 

لذا فإن أكرمك الله بالقيام على يتيم فلتكن العناية به بماله, وبترتبيه واستصلاحه, واحتسب في ذلك؛ فأنت تتعامل مع باب من الأجر عظيم, وإن من أعظم الحقوق أن تعنى بماله كل العناية, ففي أعظم الوصايا  (وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)[الأنعام: 152]؛ أي: لا تقربوا ماله إلا بما فيه صلاحه وتثميره.

 

إن شربة ماء من أموال اليتامى بغير حق، إنما هي نار تغلي في البطون، وإن لقمة خبز من أموال اليتامى بغير حق، إنما هي نار تتأجج في البطون, وإن درهماً يدخل من ماله بغير حقه لوبالٌ وخسار.

 

فإن عملت بماله فاعمل لتنميته, وكن على حذر من أكله وجحده, أو التقصيرِ في حفظه, فإن من وراءه مطالباً, وهو الله, ولِحقّه مُحَرِّجاً وهو رسول الله.

 

وربنا يا كرام نهى عن قربان ماله, وذاك أبلغُ في التحذيرِ من أكله, فهو نهيٌ وسدٌّ للذريعة, فإذا بلغ اليتيم أشده, وبلغ مبلغ الرجال, وأحسن التصرف, فادفع إليه ماله, فالمهمة انتهت (فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا)[النساء: 6], وما أشرفها من مهمة إن أحسنت فيها, فإن جزاءها أن تكون رفيقاً لمحمد -عليه السلام- في الجنة, القائل: “كافل اليتيم أنا وهو في الجنة كهاتين“.

 

عباد الله: والوصية السابعة: (وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ)[الأنعام: 152], إنها أوامرُ اجتماعية عظيمة، تدل على كمال تشريع الإسلام، ورعايته لمصالح البشر، كبيرها وصغيرها، جليلها وحقيرها.

 

والمكيال والميزان: هما الآلتان اللتان جعلهما الله لتضبط بهما المبيعات, قال الطبري: “أي: لا تبخسوا الناس الكيل إذا كلتموهم والوزن إذا وزنتموهم, ولكن أوفوهم حقوقهم، وإيفاؤهم ذلك إعطاؤهم حقوقهم تامة بالقسط يعني بالعدل“.

 

الناس لا غنى لهم عن البيع والشراء, عن الاستيفاء والقضاء, إما بائع وإما مبتاع, والنفس قد تضعف أمام حب المال, فقد يُخسِرُ إذا كال لغيره, ويستوفي إذا كال لنفسه, وذلك ضرب من العصيان خفي, قد يخفى على الطرف الآخر, ولذا توعد عليه ربنا بقوله: (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ)[المطففين: 1 – 5], فإن خدعت أخاك فلا تنس أنك تحت نظر مولاك.

 

إنها رسالةٌ لكل من غشّ في البيع وخادع, ولمن أخفى عيب سلعته وكتم, ولمن كذب إذ ادعى أن سلعته تطلب بأكثر من ثمنها, ولمن غبن من باعه ودلّس, وليعلم هؤلاء أنهم إلى ربهم مبعوثون في يوم عظيم, سينتهي المال خلال أيام, سيذهب ربحك المحرم سريعاً, ويبقى عليك حسرات غشك, ومغبّة خداعك لمن بعت منه أو اشتريت, لذا فامتثل قول ربك ووصيتَه: (وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ)[الأنعام: 152].

 

يا كرام: وثامن الوصايا (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى)[الأنعام: 152], وما أشرفها وأجلها من وصية, إنه أمر بالعدل في كل قول, وأن لا يحيد الإنسان لغير العدل لأجل أي مسوغ, من قرابة وغيرها.

 

العدل أقرب للتقوى حتى مع العدو؛ كما قال المولى,: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى)[المائدة: 8].

 

وأهل العدل هم عن يمين الرحمن يوم القيامة: “إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن, الذين يعدلون في حكمهم وأهلهم وما ولوا“.

 

المؤمن يعدل مع نفسه فلا يظلمها بالمعاصي, المؤمن يعدل مع العباد أهلاً كانوا أو أجراء أو غيرهم ممن له عليهم يد, وإذا تكلم لم يقل إلا العدل, ولم يجُر أو يظلم لأي غرض من الأغراض, إن كان قاضياً بين اثنين فإذا قال وحكم تحرّى العدل ولم يمل لقرابة، أو لغرض، أو رشوة, وبالجملة فالعدل رائده, والمصطفى قدوته, ورضا الله طلبته, فليبشر بوعد ربه وثوابه.

 

اللهم وفقنا للعدل واهدنا له, بَارك اللهُ لي ولكم في القرآنِ العظيم، ونفَعني وإيَّاكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقولُ ما سمعْتُم، وأَستغفِرُ اللهَ العظيمَ لي ولَكُم ولِسائر المسلمين مِن كُلِّ ذنبٍ وخطيئةٍ، فاسْتغفِرُوه وتُوبوا إليْهِ؛ إنَّه هو الغفور الرَّحيمُ.

 

الخطبة الثانية:

 

الحمدُ للهِ على إحسانِه، والشُّكر له على توفيقِه وامتنانِه، وأشهَدُ ألا إله إلا اللهُ؛ تعظيمًا لشانِه، وأشهدُ أنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه الدَّاعي إلى جنَّته ورِضوانِه، صلى اللهُ عليهِ وعلى آلِه وأصحابِه وأعوانه، أَمَّا بعْدُ:

 

عباد الله: وتاسع الوصايا (وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا)[الأنعام: 152], الوفاء بالعهد سنة من سنن الأنبياء, والمؤمنون الكمّل (الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ)[الرعد: 20], الوفاء صفة من صفات الله (وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ)[التوبة: 111], (فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ)[البقرة: 80], وربنا يحب من اتصف بصفاته.

 

لأجل الوفاء بالعهد أثنى الله على نبيه إبراهيم فقال: (وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى)[النجم: 37], لأجل الوفاء بالعهد أرسل محمد -عليه الصلاة والسلام- علياً وعرّضه للخطر؛ ليردّ أموال الأكفار المودعة لديه بعد الهجرة.

 

لأجل الوفاء بالعهد منع النبي -عليه الصلاة والسلام- حذيفة بن اليمان ووالده من المشاركة في غزوة بدر, بعدما أعطيا الكفار العهد أن لا يقاتلا, فَأَخَذُوا مِنّهم عَهْدَ اللهِ وَمِيثَاقَهُ لَينْصَرِفُنَّ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَلَا يقَاتِلُون مَعَهُ، فقال: “انْصَرِفَا؛ نَفِي لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، وَنَسْتَعِينُ اللهَ عَلَيْهِمْ“.

 

بالوفاء ينال المرء الثواب (وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا)[الفتح: 10], فبأي شي  يكون الوفاء؟

 

الوفاء بالعهد صدق اللّسان والفعل معا، والغدر كذب بهما, المؤمن لا ينقض العهود, حتى مع الكفار, فدين الإسلام وفاء لا غدر (فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ)[التوبة: 7],  المؤمن يفي بالوعود, ولا يكذب ولا يحتال ولا يخادع؛ لأنه يفي بالعهد, إذا عاهد ربه أن يترك الذنب أو يفعل الأمر وفّى وامتثل, إذا حلف حفظ يمينه وإذا نذر أوفى بنذره.

 

المؤمن يفي لولاة أمره ويسمع ويطيع, امتثالاً لقول نبيه: “فُوا ببيعة الأوّل فالأوّل وأعطوهم حقّهم, فإنّ الله سائلهم عمّا استرعاهم“.

 

عباد الله: وخاتمة الوصايا العشر قول الله: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)[الأنعام: 153], الاستقامة أن تلزم ما ثبت عن الله وعن رسوله, وتنأى بنفسك عن السبل المعوجة, والجوادّ المنحرفة, وما أكثرها اليوم, في الحديث عن ابن مسعود: خطّ لنا رسول الله خطّا ثمّ قال: “هذا سبيل الله“، ثمّ خطّ خطوطا عن يمينه وعن شماله ثمّ قال: “هذه سبل متفرّقة على كلّ سبيل منها شيطان يدعو إليه ثمّ قرأ: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ)[الأنعام: 153]”.

 

كل يدعي أنه صاحب الطريق السليم, والصراط المستقيم, والحق أن هذا يكون لمن كان على مثل ما كان عليه النبي وأصحابه, ودعك ممن يروجون لضلالات وانحرافات, فالحق واحد لا يتعدد, والجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك.

 

وبعد: فهذه وقفات مع أعظم الوصايا القرآنية, فطوبى لمن بهدي القرآن اهتدى, ولمن لوصايا الوحيين ارتسم واقتفى.

الملفات المرفقة
الوصايا العشر (3)
عدد التحميل 25
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات