طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

16264

سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- (87) وفاة الرسول

المكان : المملكة العربية السعودية / الرس / حي الملك خالد / جامع الملك عبد العزيز /
التصنيف الرئيسي : السيرة النبوية
تاريخ الخطبة : 1440/06/10
تاريخ النشر : 1440/08/09
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/وفاة الرسول من أعظم مصائب المسلمين 2/اشتداد مرضه وصلاة أبي بكر بالناس3/نظرة الوداع الأخيرة لأصحابه 4/اللحظات الأخيرة في حياة النبي 5/انتشار خبر الوفاة وحال الصحابة معه.
اقتباس

لما اشتد الضحى وحانت لحظة الاحتضار “أصابت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بحّة شديدة في مرضه فسمعته يقول: (مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً)[النساء: 69], ثُمَّ نَصَبَ يَدَهُ، فَجَعَلَ يَقُولُ: “في الرَّفِيقِ الأَعْلَى”, حَتَّى قُبِضَ وَمَالَتْ يَدُهُ”(البخاري: 4449)؛ مالت..

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين, نبينا محمد عليه وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين, أفضل صلاة وأزكى تسليم.

 

أما بعد:

 

عباد الله: أوصيكم ونفسي بتقوى الله؛ فالسعيد من راقب الله وأحسن تعامله مع ربه، واتبع هدي نبيه -صلى الله عليه وسلم-، المسلم العاقل يتحرى سلامة المنهج, والذي لن يكون إلا باتباع هدي القرآن والسنة، وما أحوجنا في واقعنا لتتبع سيرة حبيبنا ونبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-, والوقوف على دروسها وعبرها.

 

وهذه الخطبة السابعة والثمانون من سلسلة السيرة النبوية وواقعنا المعاصر، فبفضل الله -تعالى- وصلنا للفصل الأخير من هذه السيرة العطرة, مشاهد ثلاثة صعبة مرت على هذه الأمة المحمدية:  (مرضه وموته ودفنه -صلى الله عليه وسلم-)، تحدثنا في الخطبة الماضية عن مرضه -صلوات الله وسلامه عليه-, ونواصل الحديث عن المشهد الثاني, وهو المشهد الأصعب في تاريخ الأمة, وهو الحدث الأهم في السيرة النبوية, مشهد يهز النفوس, مشهد تتقطع له القلوب، مشهد تتناثر له الدموع, مشهد ترتجف له الأبدان, حدث عظيم وخطب جليل, تتصارع فيه الأشجان وتتداعى له الأحزان, وتنساب من ذكراه الدموع.

 

إي والله, ذِكرى وأي ذِكرى, سنتذكر هذه اللحظات, وأي موقف سنقف وهذه الكلمات؛ إنه مشهد اللحظات الأخيرة, مشهد الوداع, مشهد الفقد وأي فقد, أعظم رَجل في التاريخ, أعظم خُلق ومقام ووقار, أفضل الأنبياء والرسل, أتقى وأعبد نفس, أشجع وأحكم إنسان, أصدق وأرحم مخلوق, أرأف وأرق قلب, أكرم وألين كف, أجمل وأطيب رائحة، أبها الناس وأجملهم,  أحسن الناس وأروعهم, رحمة مهداة, عادل متواضع صبور, باسم وسيم قسيم, أحسن منه لم تسمع قط أذني ولم تقرأ عيني, ولم تلد النساء خير منه صلوات الله وسلامه عليه.

 

تالله ما حملت أنثى ولا وضعت *** مثل النبي رسول الأمة الهادي

 

فلا تلام نفوس نعتته, ولا قلوب فقدته, ولا عيون بكته, وفاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-, من أعظم المصائب التي مُني بها المسلمون من أشد الفقد والوجد والحزن, فوفاته ليست كوفاة سائر البشر, ووفاته ليست كوفاة سائر الأنبياء, أتدرون لماذا؟؛ لأن بموته -صلى الله عليه وسلم- انقطعت النبوات, وبموته-صلى الله عليه وسلم- انقطع خبر السماء, وبموته-صلى الله عليه وسلم- انقطع وحي الله على الأرض, مات -عليه الصلاة والسلام- وانقطع الخير والوحي والنبوة.

 

كان صمام أمان هذه الأمة, كان صمام أمان هذه الأرض, كما قال -عليه الصلاة والسلام-: “النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ, فَإِذَا ذَهَبَتْ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ, وَأَنَا أَمَنَةٌ لِأَصْحَابِي, فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ, وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي, فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ“؛ قال النووي -رحمه الله-: “قوله “وَأَنَا أَمَنَةٌ لِأَصْحَابِي فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ” أي: من الفتن والحروب, وارتداد من ارتد من الأعراب, واختلاف القلوب, ونحو ذلك مما أنذر به صريحا وقد وقع كل ذلك” انتهى كلام النووي, وهو من تُوفي في العام السابع الهجري, فماذا يقول إذا أبناء هذا القرن من فتن وحوادث وتفرق وتناحر واختلاف وضعف وتشريد للمسلمين؟ لهذا نبكي على وفاة صمام أمننا وإيماننا, نحزن لفقد ورحيل نور الأمة وسراجها, قدوتنا أسوتنا حبيبنا مهجة قلوبنا, إن وفاته مصيبة وأي مصيبة!.

 

أيها المسلمون: ما أقسى لحظات الوداع وأي وداع! فقد كانت كلماته-صلى الله عليه وسلم- في مرضه وصية مودع, ووالله لا أحتمل الحديث عن وفاته الآن بعد ألف وأربعمائة عام, فكيف احتمل الصحابة -رضوان الله عليهم- تلك اللحظات؟  كيف استطاعوا فراقه ؟كيف حالهم, كيف مشاعرهم, كيف وجْدهم وحزنهم؟! كيف استقبلوا خبر وفاته, كيف كان وقع المصيبة؟! آه لهم ولحالهم, فأنا أحمل الآن هم الحديث عنها في هذه الخطبة فكيف بمن عايشها, كيف بمن اكتحلت عيناه بعيني الحبيب بأبي هو وأمي رسول الله-صلى الله عليه وسلم-؟!.

 

فاللهم اجبر قلوبنا واجبر مصيبة أمتنا ومصيبة كل مسلم ومسلمة, فكل مصيبة بعده -صلى الله عليه وسلم- تهون, كما قال -عليه الصلاة والسلام- من حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: “فتح الرسول-صلى الله عليه وسلم- في مرضه بابا بينه وبين الناس, أو كشف سترا فإذا الناس يصلون وراء أبي بكر, فحمد الله على ما رأى من حُسن حالهم ورجاء أن يخلفه الله فيهم بالذي رآهم, فقال: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ! أَيُّمَا أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ, أَوْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أُصِيبَ بِمُصِيبَةٍ, فَلْيَتَعَزَّ بِمُصِيبَتِهِ بِي عَنِ الْمُصِيبَةِ الَّتِي تُصِيبُهُ بِغَيْرِي, فَإِنَّ أَحَدًا مِنْ أُمَّتِي لَنْ يُصَابَ بِمُصِيبَةٍ بَعْدِي أَشَدَّ عَلَيْهِ مِنْ مُصِيبَتِي“.

 

أو ما ترى أن المصائب جـمة *** وترى المنية للعباد بمرصد

وإذا أتتك مصيبة تشجى بها *** فاذكر مصابك بالنبي محمد

 

عزاؤنا وعزاء كل مسلم قول الحق -عَزَّ وَجَل-: (وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ * كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ)[الأنبياء: 34، 35].

 

بعد أن أوصى النبي -صلى الله عليه وسلم-  أصحابه بعدة وصايا في مرضه، عاد إلى بيته والمرض يشتد عليه شيئًا فشيئًا، يدخل عليه عبد الله بن مسعود  -رضي الله عنه-  فقال: “إِنَّكَ لَتُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا يا رسول الله”، قَالَ -صلى الله عليه وسلم-: “أَجَلْ إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلَانِ مِنْكُمْ” قَالَ: لَكَ أَجْرَانِ؟ قَالَ: “نَعَمْ، مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى، مَرَضٌ فَمَا سِوَاهُ، إِلَّا حَطَّ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِ، كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا“البخاري: 5648, ومسلم: 2571), فكان -صلى الله عليه وسلم-  يتثاقل على نفسه ويخرج ليصلي بأصحابه، فلما حضر وقت صلاة العشاء, ذهب بلال إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-  فأذنه بالصلاة، فقال لأهله: “ضَعُوا لِي فِي المِخْضَبِ -وعاء من خشب أو حجر- مَاءً“، ففعلوا فذهب لينوء؛ أي (ذهب ليقوم بجهد ومشقة)؛ فأغمي عليه ثم أفاق، قال: “ضَعُوا لِي فِي المِخْضَبِ مَاءً” ففعلوا، ثم ذهب لينوء فأُغمي عليه فأفاق, وقال: “أَصَلَّى النَّاسُ بَعْدُ؟” قالوا: لا يا رسول الله وهم ينتظرونك، والناس عكوف ينتظرون رسول الله -صلى الله عليه وسلم-  ليصلي بهم العشاء الآخرة”(السيرة النبوية وأخبار الخلفاء: 1/399).

 

فلمَّا لم يستطع -صلى الله عليه وسلم-  القيام وأداء الصلاة قَالَ: “مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ“، فقَالَتْ عائشة -رضي الله عنها-:  “قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ رَقِيقٌ، ضَعِيفُ الصَّوْتِ، كَثِيرُ الْبُكَاءِ إذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ”، قَالَ: “مُرُوهُ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ” تقول عائشة: فَعُدْتُ بِمِثْلِ قَوْلِي، فَقَالَ: “إنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ، فَمُرُوهُ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ“، قَالَت: “فو الله مَا أَقُولُ ذَلِكَ إلَّا أَنِّي كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ يُصْرَفَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعَرَفْتُ أَنَّ النَّاسَ لَا يُحِبُّونَ رَجُلًا قَامَ مَقَامَهُ أَبَدًا، وَأَنَّ النَّاسَ سَيَتَشَاءَمُونَ بِهِ فِي كُلِّ حَدَثٍ كَانَ، فَكُنْتُ أُحِبُّ أَنْ يُصْرَفَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ”(سيرة ابن هشام: 2/652).

 

يا الله! ما أصعب الموقف على الصحابة -رضوان الله تعالى عليهم!- كيف سيصلون دون أن يؤمهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟! وهم الذين اصطفوا خلفه منذ أن فرضت عليهم الصلاة, اكتحلت أعينهم برؤيته راكعا ساجداً كل يوم, وكل وقت أمام أعينهم علمهم صفتها, وأرشدهم لمكانتها وعظمتها, ثم آه لحال أبي بكر كيف سيصلي بالناس إمامًا دون رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ لكنه أمْر رسول الله “فَلَمْ يَزَلْ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ، حَتَّى كَانَتْ لَيْلَةُ الاثنين مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ“(دلائل النبوة للبيهقي: 7/199).

 

لما كان “يَوْمُ الِاثْنَيْنِ كَشَفَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-  سُتْرَةَ الْحُجْرَةِ، فَرَأَى أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ  -رضي الله عنه-  وَهُوَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ، يقول أبو بكر: “فَنَظَرْتُ إِلَى وَجْهِهِ كَأَنَّهُ وَرَقَةُ مُصْحَفٍ من شدة جماله -صلى الله عليه وسلم- وَهُوَ يَتَبَسَّمُ“، يقول أنس: “كِدْنَا أَنْ نَفْتَتِنَ فِي صَلَاتِنَا فَرَحًا بِرُؤْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-“، فَأَرَادَ أَبُو بَكْرٍ -رضي الله عنه- أَنْ يَنْكُصَ حِينَ رأى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-, فَأَشَارَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ-صلى الله عليه وسلم-: كَمَا أَنْتَ -أي اثبتوا- ثُمَّ أَرْخَى السِّتْرَ”(ابن حبان: 6875, وصححه الألباني)؛ إنها نظرة الوداع لأصحابه، نظرة أخيرة على المدرسة المحمدية, نظرة أخيرة على مدرسة التوحيد التي أقامها على عينيه.

 

ظن الصحابة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-  قد شفي من مرضه، ففرحوا غاية الفرح، ما علموا أنها صحوة تسبق الموت، فانصرف بعضهم إلى عمله، ودخل أبو بكر على ابنته عائشة وقال: “مَا أَرَى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-  أَلَا قد أقلع عنه الْوَجَعِ, وَهَذَا يَوْمُ بِنْتِ خَارِجَةَ -يَعْنِي إِحْدَى زَوْجَتَيْهِ- وَكَانَتْ سَاكِنَةً بِالسُّنْحِ -مكان خارج المدينة كان للصديق مال فيه وبيت-، فركب -رضي الله عنه- على فرسه وذهب إلى منزله“(انظر: البداية والنهاية: 5/265), لم يعلم أنها صحوة لحظات الوداع الأخيرة والتي عاودته فعلا -صلى الله عليه وسلم-.

 

فتأته فاطمة -رضي الله عنها- بعد صلاة الفجر  فتراه وهو لا يزال في كربه الشديد، فتقول: “وَاكَرْبَ أَبَتَاهْ، فيرد عليها ويقول: “لَيْسَ عَلَى أَبِيكِ كَرْبٌ بَعْدَ الْيَوْمِ“(السيرة النبوية لابن كثير: 5/543), نعم لا كرب على أبيك اليوم فقد انتهى التعب والعناء، ثم أدناها -صلى الله عليه وسلم- منه, “فَسَارَّهَا بِشَيْءٍ فَبَكَتْ، ثُمَّ دَعَاهَا فَسَارَّهَا بِشَيْءٍ فَضَحِكَتْ“(البخاري: 4433)، فلما سئلت عما قاله لها قالت: “لا أفشي سر رسول الله-صلى الله عليه وسلم-“(لطائف المعارف لابن رجب: 106), لكنها أخبرت بما قاله بعد وفاته فقالت: “سَارَّنِي النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-  أَنَّهُ يُقْبَضُ فِي وَجَعِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ فَبَكَيْتُ، ثُمَّ سَارَّنِي فَأَخْبَرَنِي أَنِّي أَوَّلُ أَهْلِهِ يَتْبَعُهُ فَضَحِكْتُ“(البخاري: 4433).

 

وتقترب اللحظات الأخيرة من النهاية فتقول عائشة -رضي الله عنها-: “دَخَلَ عَلَيَّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ -بن أبي بكر-، وَبِيَدِهِ السِّوَاكُ، وَأَنَا مُسْنِدَةٌ رَسُولَ اللَّهِ-صلى الله عليه وسلم-, فَرَأَيْتُهُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ“(البخاري), فَقُلْتُ: “يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَتُحِبُّ أَنْ أُعْطِيَكَ هَذَا السِّوَاكَ؟ قَالَ: “نَعَمْ“، قَالَتْ: “فَأَخَذْتُهُ فَمَضَغْتُهُ لَهُ حَتَّى لَيَّنْتُهُ، ثُمَّ أَعْطَيْتُهُ إيَّاهُ، فَاسْتَنَّ بِهِ كَأَشَدِّ مَا رَأَيْتُهُ يَسْتَنُّ بِسِوَاكٍ قَطُّ“(انظر: سيرة ابن هشام: 2/654).

 

تقول عائشة – تصف اللحظات الأخيرة-: وكان “بَيْنَ يَدَيْهِ رَكْوَةٌ فِيهَا مَاءٌ، فَجَعَلَ يُدْخِلُ يَدَيْهِ فِي المَاءِ فَيَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ، ويَقُولُ: “لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، إِنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ“, سبحان الله! حتى رسول الله لم يسلم من سكرات الموت, فاللهم ارحمنا اللهم هون علينا الموت وسكراته, اللهم هون علينا القبر وظلماته, فالموت أشد ما يحاول الإنسان أن يفر منه, ولكن أنى له ذلك؟! (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ)[ق: 19]؛ فمهما عمرنا في هذه الدار فلا بد من الرحيل, نسأل الله حسن الخاتمة لنا ولكم ولكل مسلم.

 

أما رسول الله-صلى الله عليه وسلم- لما اشتد الضحى وحانت لحظة الاحتضار “أصابت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-  بحّة شديدة في مرضه فسمعته يقول: (مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً)[النساء: 69], ثُمَّ نَصَبَ يَدَهُ، فَجَعَلَ يَقُولُ: “في الرَّفِيقِ الأَعْلَى“, حَتَّى قُبِضَ وَمَالَتْ يَدُهُ”(البخاري :4449)؛ مالت أطهر يد، وسكنت أطيب نفس، وفارقت الروح أزكى جسد، واستيقن الجميع من الوفاة, تقول عائشة -رضي الله عنها- “مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم بَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي، وَفِي بَيْتِي لَمْ أَظْلِمْ فِيهِ أَحَدًا“(سيرة ابن هشام: 2/655)، وأخذت فاطمة ابنته تردد حزنا على أبيها -صلى الله عليه وسلم-.

وآ أبتاه إلى جبريل أنعاه *** وآ أبتاه من ربه ما أدناه

وآ أبتاه جنة الفردوس مأواه *** وآ أبتاه أجاب ربا دعاه

 

فلا إله إلا الله, فاضت أطهر روح في هذه الدنيا، صعدت إلى بارئها راضية مرضية، (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي)[الفجر:27-30].

أفاطم وَقَوْلِي فِي أَبِيك وَلَا تملي *** وَهل يَجْزِي بِفعل أَبِيك قيل

فقبر أَبِيك سيد كل قبر *** وَفِيه سيد النَّاس الرَّسُول

 

لقد وقع خبر وفاته على الصحابة كالصاعقة, يا الله أظلمت المدينة على ساكنيها وحُق لها أن تظلم؛ فالخطب جسيم, والمصاب عظيم, فبعدما فارقت روحه الزكية جسده الطاهر انتشر خبر الوفاة في أرجاء المدينة فاضطرب المسلمون لذلك اضطرابا عظيما, فزعوا فزعا شديدا تساءلوا: أحقا مات رسول الله؟ أحقا أنهم لا يرونه مرة أخرى. أصبحوا ما بين مكذب ومصدق منهم من ضج بالبكاء, ومنهم من طاش عقله, ومنهم من صمت ذهولا؛ فأصبح لسانه معقودا عن الكلام، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: اقتحم الناس على النبي-صلى الله عليه وسلم- في بيت عائشة ينظرون إليه, فقالوا: كيف يموت وهو شهيد علينا ونحن شهداء على الناس فيموت ولم يظهر على الناس؟ لا والله ما مات, ولكنه رُفع كما رُفع عيسى ابن مريم وليرجعن, وتوعدوا من قال إنه مات, ونادوا في حجرة عائشة وعلى الباب لا تدفنوه؛ فإن رسول الله-صلى الله عليه وسلم- لم يمت”.

لا تعذلن المشتاق في أشواقه *** حتى يكون حشاك في أحشائه

 

من يلومهم؟؛ إنه رسول الله, إنه محمد -عليه الصلاة والسلام-, حتى الفاروق عمر الرجل الصنديد الرجل الحكيم خرج على الناس يقول: “إن رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول الله قد توفي, وإن رسول الله ما مات, ولكنه ذهب إلى ربه, كما ذهب موسى بن عمران, فقد غاب عن قومه أربعين ليلة, ثم رجع إليهم بعد أن قيل قد مات, ووالله ليرجعن رسول الله كما رجع موسى، فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم زعموا أن رسول الله-صلى الله عليه وسلم- مات“، يا لحال عمر -بأبي هو وأمي- الفاروق, يا لمصاب الصحابة مع فقد حبيبهم وقرة أعينهم, يا لحزن المسلمين وألمهم, يا لحنين المدينة ومكة والبقاع والجبال, كيف حالها! وقد انطفئ النور وارتفعت البركة وانقطع الخير وضجت الأصداء؟!.

 

ضجت الأصداء دهشة وصدمة وألما ووجعا فاجعة ومصيبة لكثير من الصحابة, حتى لكأنهم ظنوا أنه -صلى الله عليه وسلم-  لا يموت؛ وما ذلك إلا من شدة حبهم لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-, فعلى قدر الحب تكون الصدمة ويشتد الوجع, فكيف سيدفن رسول الله, كيف سيوارون الحبيب تحت التراب؟ بأي قلب يفعلون هذا, من يتحمل ويجرؤ على هذا؟ سأترك التفاصيل للمشهد الأخير المشهد الثالث من هذا الفصل الأخير والأليم في سيرته-صلى الله عليه وسلم- للخطبة القادمة بمشيئة الله.

 

اللهم إن رسولك محمد قام بالرسالة, وبلغ الأمانة, ونصح الأمة, وجاهد وصبر, فاللهم آته الوسيلة والفضيلة, وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته, اللهم واجمعنا معه بحبنا له, وبمجاهدة أنفسنا لاتباعه, بجنة الفردوس برحمتك يا أرحم الراحمين, اللهم اجمعنا بحبيبنا بجنات الفردوس, اللهم لا تحرمنا بذنوبنا وتقصيرنا مرافقته بجنات النعيم, اللهم اسقنا من يده الشريفة ماء الكوثر, شربة لا نظمأ بعدها أبدا.

 

اللهم اغفر لنا وارحمنا وأحسن ختامنا, اللهم أحسن خاتمتنا, اللهم أمتنا وأنت راض عنا، اللهم أمتنا ونحن على سنة حبيبنا وأسوتنا وقدوتنا محمد-صلى الله عليه وسلم-.

 

أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

الملفات المرفقة
سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- (87) وفاة الرسول
عدد التحميل 30
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات