طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

16147

وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم

المكان : المملكة العربية السعودية / الرياض / بدون / بدون /
تاريخ الخطبة : 1438/03/25
تاريخ النشر : 1440/07/18
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/مرض النبي صلى الله عليه وسلم 2/تسلسل أيام مرضه وماذا عمل فيها 3/وصايا قبل الرحيل 4/حزن الصحابة على فراق الرسول
اقتباس

كَيْفَ لا يَبْكُونَ وَهُمْ يَرَوْنَ الْجَمَادَاتِ تَتَصَدَّعُ أَلَمًا عَلَى فِرَاقِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟! فَهَذَا جِذْعٌ كَانَ يَخْطُبُ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا اتّخذَ لَهُ الْمِنْبَرَ تَرَكَ الْجِذْعَ، فَصَاحَ الْجِذْعُ كَمَا…

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًّا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُ الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين وتابعيهم وسلم تسليمًا كثيرًا.

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران:102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب:70-71].

 

أما بعد: فإنَّ خير الحديث كتابُ الله، وخير الهدي هديُ محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

 

مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ: إِنَّها -وَإِنْ تَعَدَّدَتِ الْمَصَائِبُ، وَتَلَوَّنَتِ الْمِحَنُ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ الْمَكْلُومَةِ الْمَرْحُومَةِ- إِلَّا أَنَّهَا رَزِيَّةٌ كُبْرَى، وَرَزِيئَةٌ عُظْمَى، سَتَبْقَى مَحْفُورَةً فِي سِجِلِّ مَصَائِبِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، فَاجِعَةٌ لَا عَزَاءَ لَهَا، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَنْسَاهَا التَّارِيخُ، إِنَّها مُصِيبَةُ الْمُسْلِمِينَ بِفَقْدِهِمْ نَبِيّهِمْ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.

 

عِبَادَ اللهِ: لَقَدْ كَانَتْ وَفَاتُهُ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَعْظَمَ حَدَثٍ مَرَّ بِالْمُسْلِمِينَ فَأَذْهَلَ عُقُولَهُمْ، وَزَلْزَلَ أَرْكَانَهُمْ، وَحَيَّرَ أَفْهَامَهُمْ.

 

فَهَيَّا -عِبَادَ اللهِ- لِنَعِشْ تِلْكَ اللَّحَظَاتِ الَّتِي وَدَّعَ فِيهَا الْمُصْطَفَى -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- هَذِهِ الدُّنْيَا، الدَّارَ الدَّنِيَّةَ، لَعَلَّهَا تَنْفُضُ غُبَارَ الْغَفْلَةِ عَنِ الْقُلُوبِ، وَلَعَلَّهَا تَكُونُ تَسْلِيَةً لأَهْلِ الْمَصَائِبِ الَّذِينَ فَقَدُوا أَحِبَّاءَهُمْ.

 

فَفِي يَوْمِ الْخَمِيسِ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْخَمِيسِ!! يَوْمٌ زَارَ فِيهِ الْمَرَضُ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَهَا هُوَ رَسُولُ اللهِ يُهَوِّدُ مِنَ الْبَقِيعِ بَعْدَمَا شَهِدَ جِنَازَةً لِأَحَدِ أَصْحَابِهِ، وَبَيْنَمَا هُوَ فِي الطَّرِيقِ أَخَذَهُ صُدَاعٌ فِي رَأْسِهِ، وَاتَّقَدَتْ عَلَيْهِ الْحَرَارَةُ، وَبَدَتْ عَلَيْهِ مَعَالِمُ التَّعَبِ وَالْإِعْيَاءِ، وَاسْتَمَرَّتْ مَعَهُ تِلْكَ الْحُمَّى أَيَّامًا عِدَّةً.

 

وَكَانَ هَذَا الْمَرَضُ وَتِلْكَ الْحُمَّى مِنْ آثَارِ الشَّاةِ الْمَسْمُومَةِ الَّتِي أَكَلَ مِنْهَا يَوْمَ خَيْبَر عَلَى يَدِ الْمَرْأَةِ الْيَهُودِيَّةِ.

 

إِخْوَةَ الإِيمَانِ: وفِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ -أَيْ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِخَمْسَةِ أَيَّامٍ- زَادَتِ الْحُمَّى فِي بَدَنِهِ، وَاشْتَدَّ بِهِ الْوَجَعُ حَتَّى أُغْمِيَ عَلَيْهِ ثُمَّ أَفَاقَ، فَقَالَ: “هَرِيقُوا عَلَيَّ سَبْعَ قِرَبٍ مِنْ آبَارٍ شَتَّى حَتَّى أَخْرُجَ إِلَى النَّاسِ فَأَعْهَدَ إِلَيْهِمْ“. فَفَعَلُوا.

 

فَخَرَجَ إِلَى النَّاسِ وَهُوَ بَيْنَ عَلِيٍّ وَالْعَبَّاسِ عَاصِبًا رَأْسَهُ، تَخُطُّ قَدَمَاهُ فِي الْأَرْضِ، حَتَّى جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ الصَّحَابَةُ -رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ- يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ قَدْ هَدَّهُ الْإِعْيَاءُ وَالْمَرَضُ، يَنْظُرُونَ إِلَى رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؛ فَكَانَ أَوَّل مَا قَالَ: “لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ، لا تَتَّخِذُوا قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ“.

 

ثُمَّ عَرَضَ نَفْسَهُ لِلْقصَاصِ فَقَالَ: “مَنْ كُنْتُ جَلَدْتُ لَهُ ظَهْرًا فَهَذَا ظَهْرِي فَلْيَسْتَقِدْ مِنْهُ، وَمَنْ كُنْتُ شَتَمْتُ لَهُ عِرْضًا فَهَذَا عِرْضِي فَلْيَسْتَقِدْ مِنْهُ“.

 

ثُمَّ قَالَ: “إِنَّ عَبْدًا خَيَّرَهُ اللهُ أَنْ يُؤْتِيَهُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا مَا شَاءَ وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ فَاخْتَارَ مَا عِنْدَهُ“؛ فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وَقَالَ: “فَدَيْنَاكَ بِآباَئِنَا وَأُمَّهَاتِنَا!”، بَكَى الصِّدِّيقُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ أَعْلَمَ النَّاسِ بِمَقَاصِدِ كَلَامِ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَفَهِمَ الْمَقْصُودَ مِنْ هَذِهِ الْإِشَارَةِ.

 

وَفِي يَوْمِ الْخَمِيسِ: اشْتَدَّ بِهِ الْوَجَعُ، فَخَرَجَ إِلَى أَصْحَابِهِ وَالْحُمَّى قَدْ تَخَوَّنَتْ جِسْمَهُ، فَأَوْصَاهُمْ بِثَلَاثِ وَصَايَا:

الْوَصِيَّةُ الْأُولَى: إِخْرَاجُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ: “لَا يَجْتَمِعُ فِي الْجَزِيرَةِ دِينَانِ“.

 

الْوَصِيَّةُ الثَّانِيَةُ: إِجَازَةُ الْوُفُودِ بِنَحْوِ مَا كَانَ يُجْيزُهُمْ.

 

الْوَصِيَّةُ الثَّالِثَةُ: إِنْفَاذُ جَيْشِ أُسَامَةَ.

 

ثُمَّ جَاءَ وَقْتُ الْمَغْرِبِ فَصَلَّى بِالنَّاسِ فَقَرَأَ بِهِمْ: (وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا)[الْمُرْسَلَاتِ:1]، وَعِنْدَ الْعِشَاءِ ثَقُلَ عَلَيْهِ الْمَرَضُ فَلَمْ يَسْتَطِعِ الْخُرُوجَ إِلَى الْمَسْجِدِ فَقَالَ: “أَصَلَّى النَّاسُ؟!”، قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللهِ هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ، قَالَ: “ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ“، فَفَعَلُوا، فَاغْتَسَلَ، فَذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ.

 

ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ: “أَصَلَّى النَّاسُ؟!”، قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللهِ هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ، فَقَالَ: “ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ“، فَاغْتَسَلَ الثَّانِيَةَ ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ فَقَالَ: “أَصَلَّى النَّاسُ؟!”، قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللهِ هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ، ثُمَّ اغْتَسَلَ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ الثَّالِثَةَ، ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ: “مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ“؛ فَصَلَّى بِهِمْ أَبُو بَكْرٍ بَقِيَّةَ الْأَيَّامِ.

 

وَعَاشَ النَّاسُ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ فِي هَمٍّ وَحُزْنٍ خَوْفًا عَلَى رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، كَأَنِّي بِهِمْ -وَاللهِ- وَإِنَّ أَحَدَهُمْ يَتَمَنَّى أَنَّ هَذِهِ الْحُمَّى فِيهِ أَوْ فِي أَحَدِ بَنِيهِ وَلَيْسَتِ فِي رَسُولِ اللهِ.

 

وَفِي يَوْمِ السَّبْتِ: وَجَدَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- خِفّةً، فَخَرَجَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَصَلَّى مَعَ النَّاسِ صَلَاةَ الظُّهْرِ، فَاسْتَبْشَرَ الْمُسْلِمُونَ بِخُرُوجِهِ خَيْرًا، وَهَنَّأَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَرَحًا بِرَسُولِ اللهِ.

 

وَفِي يَوْمِ الْأَحَدِ: أَعْتَقَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- غِلْمَانَهُ، وَتَصَدَّقَ بِسَبْعَةِ دَنَانِيرَ كَانَتْ مَوْجُودَةً عِنْدَهُ، وَوَهَبَ أَسْلِحَتَهُ لِلْمُسْلِمِينَ.

 

إِخْوَةَ الْإِيمَانِ: وَبَزَغَ فَجْرُ يَوْمِ الاِثْنَيْنِ آخِرُ يَوْمٍ مِنْ حَيَاتِهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَبَيْنَمَا الصَّحْبُ الْكِرَامُ صُفُوفًا خَلْفَ الصِّدِّيقِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ، لَمْ يَفْجَأْهُمْ إِلَّا رَسُولُ اللهِ قَدْ كَشَفَ سِتْرَةَ حُجْرَتِهِ فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، ثُمَّ تَبَسَّمَ يَضْحَكُ كَأَنَّ وَجْهَهُ الْقَمَرُ إِذَا كَمُلَ بَدْرُهُ، فَلَمَّا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ هَمُّوا أَنْ يُفْتَنُوا فِي صَلَاتِهِمْ فَرَحًا بِرَسُولِ اللهِ، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ بِيَدِهِ أَنْ أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ، ثُمَّ دَخَلَ الْحُجْرَةَ وَأَرْخَى السِّتْرَ.

 

فَاطْمَأَنَّتْ نُفُوسُ الْمُؤْمِنِينَ، وَسَكَنَتْ قُلُوبُهُمْ، وَظَنُّوا أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَدْ عَادَ إِلَى صِحَّتِهِ وَتَشَافَى مِنْ مَرَضِهِ، وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ هَذِهِ النَّظَرَةَ هِيَ النَّظْرَةُ الْأَخِيرَةُ، نَظْرَةُ الْوَدَاعِ، وَأَنَّهُ لَنْ يَخْرُجَ مِنْ هَذِهِ الْحُجْرَةِ أَبَدًا.

 

وَلَمَّا ارْتَفَعَ الضُّحَى دَعَا رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ابْنَتَهُ فَاطِمَةَ فَسَارَّهَا بِشَيْءٍ فَبَكَتْ، ثُمَّ دَعَاهَا فَسَارَّهَا بِشَيْءٍ فَضَحِكَتْ.

 

تَقُولُ عَائِشَةُ: فَسَأَلْنَاهَا عَنْ ذَلِكَ -أَيْ: بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَتْ: “سَارَّنِي أَنَّهُ يُقْبَضُ فِي وَجَعِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ فَبَكَيْتُ، ثُمَّ سَارَّنِي فَأَخْبَرَنِي أَنِّي أَوَّلُ أَهْلِهِ يَتْبَعُهُ فَضَحِكْتُ“.

 

ثُمَّ دَعَا النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ، وَأَوْصَى بِهِمَا خَيْرًا، وَدَعَا أَزْوَاجَهُ فَوَعَظَهُنَّ وَذَكَّرَهُنَّ، ثُمَّ بَدَأَ الْوَجَعُ يَشْتَدُّ عَلَيْهِ وَيَزِيدُ، فَلَمَّا رَأَتْ فَاطِمَةُ الْكَرْبَ الشَّدِيدَ الَّذِي يَتَغَشَّى أَبَاهَا قَالَتْ: وَاكَرْبَ أَبَاهُ! فَقَالَ لَهَا: “لَيْسَ عَلَى أَبِيكِ كَرْبٌ بَعْدَ الْيَوْمِ“.

 

وَبَيْنَمَا النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُصَارِعُ وَيَتَجَرَّعُ هَذِهِ الْكُرَبَ أَرَادَ أَنْ يُوصِيَ أُمَّتَهُ بِأَهَمِّ وَصِيَّةٍ وَأَعْظَمِ أَمْرٍ فِي هَذَا الدِّينِ، فَأَخَذَ يُنَادِي بِصَوْتٍ مُنْكَسِرٍ قَدْ هَدَّهُ الْمَرَضُ: “الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ، وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ! الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ، وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ! الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ، وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ!”.

 

وَأَسْنَدَتْهُ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- فِي حِجْرِهَا، فَدَخَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ وَبِيَدِهِ سِوَاكٌ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، تَقُولُ عَائِشَةُ: فَعَرَفْتُ أَنَّهُ يُرِيدُ السِّوَاكَ، فَقُلْتُ: آخُذُ لَكَ؟! فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ أَنْ نَعَمْ، فَتَنَاوَلْتُهُ وَقُلْتُ: أُلَيِّنُهُ لَكَ؟! فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ أَنْ نَعَمْ، فَلَيَّنْتُهُ، فَاسْتَنَّ بِهَا كَأَحْسَنِ مَا كَانَ مُسْتَنًّا.

 

ثُمَّ بَدَأَ الِاحْتِضَارُ بِرَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَزِفَ الرَّحِيلُ، وَحَضَرَ الْأَجَلُ، وَحَانَ الْفِرَاقُ وَالْوَدَاعُ، فَجَعَلَ يُدْخِلُ يَدَهُ فِي ركْوَةٍ فِيهَا مَاءٌ فَيَمْسَحُ بِهَا وَجْهَهُ وَيَقُولُ: “لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ! إِنَّ لِلْمَوْتِ لَسَكَرَاتٍ! اللَّهُمَّ هَوِّنْ عَلَيَّ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ“.

 

ثُمَّ ارْتَفَعَتْ عَلَيْهِ سَكَرَاتُ الْمَوْتِ، وَاشْتَدَّ عَلَيْهِ النَّزْعُ فَعَرِقَ جَبِينُهُ، وَظَهَرَ أَنِينُهُ، وَتَغَيَّرَ لَوْنُهُ، وَحَشْرَجَ صَدْرُهُ، وَاقْشَعَرَّ جِلْدُهُ، وَتَشَنَّجَتْ أَصَابِعُهُ، حَتَّى بَكَى لِمَصْرَعِهِ مَنْ حَضَرَهُ، ثُمَّ رَفَعَ أَصْبُعَهُ السَّبَّابَةَ، وَشَخَصَ بَصَرُهُ نَحْوَ السَّقْفِ، وَتَحَرَّكَتْ شَفَتَاهُ، فَأَصْغَتْ إِلَيْهِ عَائِشَةُ فَسَمِعَتْهُ يَقُولُ: “(فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِين)[النِّسَاءِ:69]، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَأَلْحِقْنِي بِالرَّفِيقِ الْأَعْلَى، اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الْأَعْلَى“. ثُمَّ مَالَتْ يَدُهُ وَلَحِقَ بِالرَّفِيقِ الْأَعْلَى.

 

فَأَكَبَّتْ عَلَيْهِ ابْنَتُهُ فَاطِمَةُ وَأَخَذَتْ تُنَادِي بِحَسْرَةٍ وَأَلَمٍ: يَا أَبَتَاهُ! أَجَابَ رَبًّا دَعَاه، يَا أَبَتَاهُ! جَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ مَأْوَاه، يَا أَبَتَاهُ! إِلَى جِبْرِيلَ نَنْعَاهُ.

 

وَمَاتَ حَبِيبُ الرَّحْمَنِ، مَاتَ رَسُولُ الْهُدَى الشَّفِيقُ الرَّحِيمُ بِأُمَّتِهِ، وَتَسَرَّبَ هَذَا النَّبَأُ الْفَادِحُ إِلَى الْمَدِينَةِ بِسُرْعَةٍ مُذْهِلَةٍ، وَوَقَفَ الصَّحَابَةُ فِي مَوْقِفٍ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللهُ، وَفِي دَهْشَةٍ عَظِيمَةٍ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا الْحَيُّ الْقَيُّومُ، وَقَفُوا فِي دَهْشَةٍ وَحَيْرَةٍ وَهُمْ بَيْنَ مُصَدِّقٍ وَمُكَذِّبٍ.

 

فَمِنْهُمْ مَنِ انْعَقَدَ لِسَانُهُ فَلَمْ يُطِقِ الْكَلَامَ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَبِثَ مَكَانَهُ فَلَمْ يُطِقِ الْقِيَامَ، وَمِنْهُمْ مَنْ صَعِقَ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَادَ أَنْ يُوَسْوَسَ.

 

وقام عمر على المنبر، وهدد وأرعد وتوعد، وحذر الناس بأن تلك دعوى أطلقها المنافقون، فأصبح الناس في أمر مَريج، وفي فوضى مدلهمة.

 

وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- غَائِبًا فِي مَزْرَعَتِهِ، وَمَا أنْ سَمِعَ الْخَبَرَ حَتَّى جَاءَ عَلَى فَرَسِهِ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَرَأَى هَلَعَ النَّاسِ وَاضْطِرَابَهُمْ، فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا حَتَّى دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ، فَرَأَى رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مُغَطّى بِثَوْب حبرَةٍ، فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ ثُمَّ أَكَبَّ عَلَيْهِ وَقَبَّلَهُ وَبَكَى، ثُمَّ قَالَ: “بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي! وَاللهِ لَا يَجْمَعُ اللهُ عَلَيْكَ مَوْتَتَيْنِ أَبَدًا! أَمّا الْمَوْتَةُ الّتِي كُتِبَتْ عَلَيْكَ فَقَدْ مِتّهَا“.

 

ثُمَّ خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى النَّاسِ وَعُمَرُ قَائِمٌ يُهَدِّدُ وَيَتَوَعَّدُ، فَقَالَ: اجْلِسْ يَا عُمَرُ، فَأَبَى عُمَرُ أَنْ يَجْلِسَ، فَتَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ، فَأَقْبَلَ النَّاسُ إِلَيْهِ وَتَرَكُوا عُمَرَ.

 

فَتَكَلَّمَ الصِّدِّيقُ، تَكَلَّمَ رَجُلُ السَّاعَةِ، تَكَلَّمَ بَطَلُ الْمَوْقِفِ، فَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ: مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَعْبُدُ اللهَ فَإِنَّ اللهَ حَيٌّ لا يَمُوتُ، قَالَ -تَعَالَى-: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مّاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا)[آلعِمْرَانَ:144].

 

فَلَمَّا سَمِعَ عُمَرُ هَذِهِ الْآيَةَ سَقَطَ عَلَى الْأَرْضِ حَتَّى مَا حَمَلَتْهُ رِجْلُهُ، وَتَيَقَّنَ النَّاسُ الْخَبَرَ فَضَجُّوا بِالْبُكَاءِ وَارْتَفَعَتِ الأَصْوَاتُ.

 

وحق لها أن تبكي على رسول الله خير الورى، وإمام الأنبياء والمرسلين.

 

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله؛ وبعد:

 

عباد الله: وقد اشتد حزن أَصْحَابِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بَعْدَ وَفَاتِهِ، فَلا تَسْأَلْ عَنْ حَالِهِمْ، تَغَيَّرَتْ عَلَيْهِمُ الدُّنْيَا، وَأَظْلَمَتْ عَلَيْهِمُ الْمَدِينَةُ، وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ.

 

يَنْظُرُونَ إِلَى آثَارِهِ، إِلَى حُجُرَاتِهِ، إِلَى مِنْبَرِهِ، إِلَى مُصَلَّاهُ وَمَمْشَاهُ، إِلَى ذِكْرَيَاتِ كَلامِهِ، فَلَمْ يَرَوْا ذَلِكَ الْمُرَبِّيَ وَالْمُعَلِّمَ، وَلَمْ يَعُودُوا يَرَوْنَ ابْتِسَامَاتِ وَجْهِهِ الَّذِي كَانَ كَأَنَّهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ.

 

يَقُولُ أَبُو ذُؤَيْبٍ الْهُذَلِيُّ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ وَلأَهْلِهَا ضَجِيجٌ بِالْبُكَاءِ كَضَجِيجِ الْحَجِيجِ أَهَلُّوا جَمِيعًا بِالْإِحْرَامِ، فَقُلْتُ: مَهْ! قَالُوا: قُبِضَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.

 

كَيْفَ لا يَبْكُونَ وَهُمْ يَرَوْنَ الْجَمَادَاتِ تَتَصَدَّعُ أَلَمًا عَلَى فِرَاقِ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؟! فَهَذَا جِذْعٌ كَانَ يَخْطُبُ عَلَيْهِ النَّبِيُّ، فَلَمَّا اتّخذَ لَهُ الْمِنْبَرَ تَرَكَ الْجِذْعَ، فَصَاحَ الْجِذْعُ كَمَا يَصِيحُ الصَّبِيُّ، فَنَزَلَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ وَاعْتَنَقَهُ، فَجَعَلَ يَهْذِي كَمَا يَهْذِي الصَّبِيُّ الَّذِي يَسْكُنُ عِنْدَ بُكَائِهِ، فَقَالَ: “لَوْ لَمْ أَعْتَنِقْهُ لَحَنَّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ“.

 

فَيَا عِبَادَ اللهِ: إِنَّ فِي مَوْتِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لَعِبْرَةً لِمَنْ تَأَمَّلَ وَتَفَكَّرَ، وَعِظَةً لِمَنْ تَعَقَّلَ وَتَذَكَّرَ، فَمَا أَحْوَجَنَا أَنْ نَذْكُرَ وَنَتَذَكَّرَ هَذَا الْمَصِيرَ الْمَحْتُومَ، وَالنِّهَايَةَ الْمَكْتُوبَةَ!!

 

إِنَّهُ الْمَوْتُ! تِلْكَ الْكَلِمَةُ الَّتِي تَرْتَجُّ لَهَا الْقُلُوبُ، وَتَقْشَعِرُّ مِنْهَا الْجُلُودُ، وَتَفِيضُ مِنْ هَوْلِهَا الْعُيُونُ، كَيْفَ لَا وَقَدْ أَسْمَاهُ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- فِي كِتَابِهِ بِالْمُصِيبَةِ، قَالَ -تَعَالَى-: (فَأَصَابَتْكُم مُصِيبَةُ الْمَوْتِ)[الْمَائِدَةِ:106].

 

كَفَى بِالْمَوْتِ وَاعِظًا، وَعَنِ الْهَوَى زَاجِرًا! كَفَى بِهِ قَاطِعًا للأُمْنِيَاتِ، وَمُزَهِّدًا فِي الْمَلَذَّاتِ.

 

هذا؛ وصلوا وسلموا على رسول الله ..

 

الملفات المرفقة
وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم
عدد التحميل 33
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات