طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

16138

أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم

المكان : المملكة العربية السعودية / الرياض / بدون / بدون /
تاريخ الخطبة : 1438/01/05
تاريخ النشر : 1440/07/17
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/ عظيم أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم 2/ صور من السمو الأخلاقي للنبي صلى الله عليه وسلم مع الله ومع الناس 3/ المشاكل ليست مبررة لسوء الأخلاق
اقتباس

لاقَى من المِحن والشدائد أشقَّها؛ نشأ يتيمًا، وأُخرِج من بلده، وحُوصِر في الشِّعبِ ثلاث سنين، واختفَى في الغارٍ، ومات له ستة من الولد، وتبِعَه قومُه في مُهاجَره وقاتلوه، ومكرَ به أهلُ النفاق، وسُقِي السمُّ، وعُمِل له…

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًّا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُ الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين وتابعيهم وسلم تسليمًا كثيرًا.

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران:102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب:70-71].

 

أما بعد: فإنَّ خير الحديث كتابُ الله، وخير الهدي هديُ محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

 

أيها المسلمون: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- أسوة حسنة وقدوة صالحة للمسلمين في كل شيء، وكان منارة عالية وقمة سامقة وطودًا شامخًا في أخلاقه العظيمة، ولذا وصفه ربه أحسن توصيف فقال: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)[القلم:4].

 

وكان حُسن خُلق النبي -صلى الله عليه وسلم- شاملاً لكل شيء، للصغير والكبير، الذكر والأنثى، الحي والميت، المسلم والمشرك، مع الحيوان والجماد، فصلوات ربي وسلامه عليه.

 

كان النبي -صلى الله عليه وسلم- حَسَن الخلق مع ربه -جل وعلا-، معظِّم لربه، عارفًا بمقامه العظيم، ولذا قضى قريبًا من شطر زمن رسالته يدعو لتوحيد الله -جل شأنه- وإفراده بالعبادة والطاعة والمحبة.

 

وكان -صلوات ربي وسلامه عليه- كثير التعبُّد لله، قام بالطاعة والعبادة خيرَ قيام، قدَماه تتشقَّقُ من طول القيام، خاشعٌ لله يُصلِّي وفي صدره أزيزٌ كأزيز المِرجَل من البكاء، ولسانُه لا يفتُر عن ذكر الله، قالت عائشةُ -رضي الله عنها-: “كان يذكر الله على كل أحيانه“(رواه مسلم).

 

وقال ابن عمر -رضي الله عنه-: “إن كنَّا لنعُدُّ لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- في المجلس الواحد مائةَ مرةٍ: ربِّ اغفر لي وتُب عليَّ، إنك أنت التواب الرحيم“.

 

يقينُه بالله عظيم، يحب ما يحبه ربه، فكان يُحبُّ الصلاة ويُوصِي بها؛ قال أنس -رضي الله عنه-: كانت عامةُ وصية النبي -صلى الله عليه وسلم- حين موته: “الصلاةَ، وما ملكَت أيمانُكم“، قال: حتى جعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يُغرغِرُ بها صدرُه وما يكادُ يُفيضُ بها لسانُه -أي: يُوصِي بها حتى فاضَت روحُه- (رواه أحمد).

 

وكان -صلى الله عليه وسلم- مُعظِّمًا للرسل من قبله؛ قال له رجل: يا خير البرية، فقال: “ذاك إبراهيم“(رواه مسلم).

 

ونهى عن إطرائه وتعظيمه؛ فقال -صلى الله عليه وسلم-: “لا تُطروني كما أطرَت النصارَى ابنَ مريم، فإنما أنا عبدٌ، فقولوا: عبدُ الله ورسوله“(رواه البخاري).

 

عباد الله: وكان -صلى الله عليه وسلم- حَسَن الخلق مع الناس، يدعو كلَّ أحدٍ إلى هذا الدين ولو كان المدعو صغيرًا، زار غلامًا يهوديًّا فقعدَ عند رأسه وقال له: “أسلِم“، فأسلَم الغلام (رواه البخاري).

 

كان يتواضَعُ للصغير ويغرِسُ في قلبه العقيدة؛ قال لابن عباس: “يا غلام: إني أُعلِّمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجِده تُجاهَك، إذا سألتَ فاسأل الله، وإذا استعنتَ فاستعِن بالله“(رواه الترمذي).

 

يتلطّفُ في تعليم صحابته ويُظهِر ما في قلبه من حبِّه لهم؛ أخذ بيدِ مُعاذ وقال له: “والله إني لأُحبُّك، أُوصيك -يا معاذ- لا تدعنَّ في دُبُر كل صلاةٍ أن تقول: اللهم أعنِّي على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك“(رواه النسائي).

 

لا يُعنِّفُ ولا يتكبَّر؛ بل صدره مُنشرحٌ لكل أحد؛ دخل رجلٌ -وهو يخطُب-، فقال: يا رسول الله: رجلٌ غريبٌ جاء يسأل عن دينه لا يدري ما دينُه، قال: فأقبَل عليَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وترك خطبتَه حتى انتهَى إليَّ، فأُتِي بكرسيٍّ حسبتُ قوائمَه حديدًا، قال: فقعد عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وجعل يُعلِّمني مما علَّمه الله، ثم أتى خطبتَه فأتمَّ آخرها (رواه مسلم).

 

وكان -صلى الله عليه وسلم- رفيقًا بالشباب مُشفقًا عليهم، قال مالك بن الحويرث: أتينا النبي -صلى الله عليه وسلم- ونحن شَبَبةٌ مُتقاربون، فأقَمنا عنده عشرين ليلة، فظنَّ أنَّا اشتقنَا أهلَنا، وسألَنا عمن تركنا في أهلنا، فأخبرناه، قال: وكان رفيقًا رحيمًا، قال: “ارجعوا إلى أهليكم، فعلِّموهم ومُروهم، وصلُّوا كما رأيتموني أُصلِّي“(متفق عليه).

 

أيها المسلمون: لقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- نموذجًا فذًّا في حسن أخلاقه، فليس بفاحشٍ ولا مُتفحِّشٍ في الألفاظ، وحياؤه أشد من العذارء في خدرها، عفُّ اليد لم يضرب أحدًا في حياته؛ قالت عائشة -رضي الله عنها-: “ما ضربَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شيئًا قطُّ بيده، ولا امرأةً ولا خادمًا، إلا أن يُجاهد في سبيل الله، ولم ينتقم لنفسه؛ بل يعفو ويصفَح، وإذا خُيِّر بين أمرين أخذ أيسَرهما ما لم يكن إثمًا“.

 

كل هذا وهو طلْقُ الوجه؛ قال جرير بن عبد الله: “ما رآني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قطُّ إلا تبسَّم“.

 

واصلٌ لرحمه، صادقٌ في حديثه، قاضٍ لحوائج المكروبين؛ قالت له خديجة: “إنك لتصِلُ الرَّحِمَ، وتصدُق الحديث، وتحمِلُ الكلَّ، وتكسِبُ المعدوم، وتَقري الضيفَ، وتُعينُ على نوائب الحق“.

 

بارٌّ بوالدته؛ زار قبرها فبكى وأبكى من حوله، وقال: “استأذنتُ ربي في أن أستغفر لها فلم يُؤذَن لي، واستأذنتُه في أن أزور قبرَها فأذِن لي“(رواه مسلم).

 

يُوصِي بالجار ويحُثُّ على حُسن جواره وإكرامه، قال لأبي ذرٍّ: “إذا طبختَ مرقةً فأكثِر ماءَها وتعاهَد جيرانك“(رواه مسلم).

 

رقيقُ القلب رفيقٌ بمن تحته؛ خدَمه أنسٌ عشر سنين، فما قال له أفٍّ قط، ولا قال لشيءٍ صنعَه: لم صنعتَ؟! ولا ألا صنعتَ!!

 

رحيمٌ بالضعفاء والمرضى؛ أمر من يُصلِّي بهم أن يُخفِّف صلاتَه من أجلهم.

 

رءوفٌ بالناس شديد الحِلم؛ بالَ أعرابيٌّ جهلاً منه في مسجده، فتناولَه الناس، فقال لهم: “دَعوه حتى يقضِي بولَه، وهَريقوا على بوله سجلاً من ماءٍ أو ذنوبًا من ماء؛ فإنما بُعِثتُم مُيسِّرين ولم تُبعَثوا مُعسِّرين“(رواه البخاري).

 

كثيرُ البذل والعطاء، لا يردُّ سائلاً ولا مُحتاجًا، قال حكيمُ بن حزامٍ -رضي الله عنه-: “سألتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأعطاني، ثم سألتُه فأعطاني، ثم سألتُه فأعطاني“(متفق عليه).

 

كريمُ اليد واسعُ الجُود؛ جاءه رجلٌ فأعطاه غنمًا بين جبلَين، ورأى رجلٌ عليه بُردةً فقال: اكسنيها ما أحسنها، فأعطاه إياها (رواه البخاري).

 

طيبٌ لا يأكل إلا طيبًا، يتوارى عن أي شُبهةٍ في المطعَم أو المشرَب، قال: “إني لأنقلبُ إلى أهلي فأجِدُ التمرةَ ساقطةً على فراشي فأرفعها لآكلَها، ثم أخشى أن تكون صدقةً فأُلقيها“(متفق عليه).

 

يُجِلُّ صحابته ويُعظِم مكانتهم -وإن كانوا حديثي السن-، قال عن أسامة بن زيد -وهو لم يتجاوز حينذاك الثامنة عشرة من عمره-: “أُوصيكم به فإنه من صالحيكم“(رواه مسلم).

 

فأين نحن -عباد الله- من هذا السمو والرقي الأخلاقي، لنبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-؟!

 

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله؛ وبعد:

 

أيها المسلمون: ومن صور حسن خُلقه -صلى الله عليه وسلم- أنه كان إذا مرِضَ أحد أصحابه عادَه وحزنَ لمُصابه، فقد زار سعد بن عبادة فوجدَ مرضَه شديدًا فبكى.

 

وفيٌّ مع صحابته، لم ينسَ فضلَهم وإيثارهم، آخر يومٍ صعد فيه المنبر قال: “أُوصيكم بالأنصار؛ فإنهم كرِشي -أي: جماعتي وموضع ثقتي-، وعَيبتي، وقد قضوا الذي عليهم وبقِيَ الذي لهم، فاقبَلوا من مُحسِنهم وتجاوزوا عن مُسيئهم“(رواه البخاري).

 

وحفظَ لخديجةَ مواقفها العظيمة وبذلَها السخيّ وعقلَها الراجِح، فكان يذكرها بالخير بعد وفاتها ويصِل أقرباءها ويُحسِن إلى صديقاتها.

 

وأمر بسدِّ كل خَوخةٍ -أي: باب- من البيت يُفتَح على المسجد النبوي سوى باب أبي بكرٍ -رضي الله عنه- وفاءً له.

 

عباد الله: ومع عِظَم أعباء ما أُوكِل إليه من الرسالة كان جميلَ المعشَر مع أهله مُتلطِّفًا معهم، فإذا دخل بيتَه يكون في مهنتهم، وإذا حضرَت الصلاة خرج إلى الصلاة.

 

رقيقٌ مع أولاده وأحفاده مُكرمٌ لهم، إذا دخلت ابنتُه فاطمةُ يقوم لها ويأخذ بيدها ويُجلِسُها في مكانه الذي كان يجلسُ فيه.

 

وكان يضعُ الحسنَ على عاتقه فيقول: “اللهم إني أُحبُّه فأحِبَّه“(متفق عليه).

 

وخرج على صحابته وبنتُ ابنته أمامةُ على عاتقه، فصلَّى بها فإذا ركع وضعها، وإذا رفع رفعها (متفق عليه).

 

وصف عثمانُ -رضي الله عنه- معاملتَه لصحابته فقال: صحِبنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في السفر والحضَر، وكان يعودُ مرضانا، ويتبَعُ جنائزنَا، ويغزو معنا، ويُواسينا بالقليل والكثير (رواه أحمد).

 

عباد الله: ليس الفقر والمرض والضعف وكثرة المشاكل مبررًا لسوء الأخلاق، فلقد ذاقَ النبي -صلى الله عليه وسلم- من الحياةِ مُرَّها ولأواءها؛ وربطَ على بطنه الحجرَ من الجوع؛ قال عمر -رضي الله عنه-: لقد رأيتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يظلُّ اليومَ يتلوَّى، ما يجدُ من الدَّقَل -أي: التمر الرديء- ما يملأ به بطنَه (رواه مسلم).

 

لاقَى من المِحن والشدائد أشقَّها؛ نشأ يتيمًا، وأُخرِج من بلده، وحُوصِر في الشِّعبِ ثلاث سنين، واختفَى في الغارٍ، ومات له ستة من الولد فلم يجزع، وتبِعَه قومُه في مُهاجَره وقاتلوه، ومكرَ به أهلُ النفاق، وسُقِي السمُّ، وعُمِل له السحر، وكان يقول: “أُخِفتُ في الله وما يُخافُ أحد، وأُوذيتُ في الله وما يُؤذَى أحد“.

 

ومع ما لاقاه من تلك المصائب وغيرها كان مُتفائلاً في حياته ويقول: “يُعجِبني الفألُ والكلمةُ الحسنة“(متفق عليه).

 

أعرضَ عن الدنيا ورجا ما عند الله؛ فكان يقول: “ما لي وللدنيا، ما أنا في الدنيا إلا كراكبٍ استظلَّ تحت شجرةٍ ثم راحَ وتركها“. ففارقَ الحياةَ ولم يُخلِّف شيئًا من حُطامها؛ قالت عائشة -رضي الله عنها-: “تُوفِّي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وما ترك دينارًا ولا درهمًا ولا شاةً ولا بعيرًا، ولا أوصى بشيء“.

 

وصفَه عليٌّ -رضي الله عنه- بقوله: “لم أرَ قبله ولا بعده مثلَه“.

 

فاقتدوا بالنبي -صلى الله عليه وسلم- في حسن أخلاقه، وقد أمركم الله بهذا فقال: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا)[الأحزاب:21].

 

هذا؛ وصلوا وسلموا على رسول الله ..

 

 

الملفات المرفقة
أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم
عدد التحميل 23
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات