طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    سنة الله في تقدير الأرزاق    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

16038

فتح الأندلس

المكان : المملكة العربية السعودية / الرياض / بدون / بدون /
تاريخ الخطبة : 1438/05/13
تاريخ النشر : 1440/07/09
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/الفتوحات الإسلامية الكبرى في شهر رمضان 2/أهمية فتح الأندلس 3/وقائع فتح الأندلس 4/شهادة مؤرخي الغرب بأثر المسلمين في حضارة الأندلس 5/أسباب سقوط الأندلس
اقتباس

وكان من أنفس ما سدَّدهم الله -تعالى- إلى فتحه: جزيرة الأندلس الخضراء، الدُّرَّة الدهماء، والبقعة الجامعة بين الشموس والأوفياء، أَتَوْهَا مِنْ كُلّ فَجّ، جيش يتلو جيشًا، وبعثٌ يردف بعثًا؛ حتى ذلَّلوا أعرافها، وألانوا أعطافها، فخيَّم الإسلام بعُقرتها تخييم من جمع الاعتمار، وأمدتهم…

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًّا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُ الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين وتابعيهم وسلم تسليمًا كثيرًا.

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران:102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب:70-71].

 

أما بعد: فإنَّ خير الحديث كتابُ الله، وخير الهدي هديُ محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

 

أيها الناس: أمجاد للمسلمينَ مضت، وأحداث لهم دُونت، وعزًّا لهم حكاه المتأخر عن المتقدم.

 

عَزَّتْ نفوس أسلافنا بالإيمان والعبادة، فانتصرت على شياطينها وشهواتها، وعزّت بلادهم بالجهاد فأرهبت كفَّارها ومنافقيها، وخضعت الدنيا لحكم الإسلام، ودخل الناس في دين الله -تعالى- أفْواجًا.

 

وكان من أنفس ما سدَّدهم الله -تعالى- إلى فتحه: جزيرة الأندلس الخضراء، الدُّرَّة الدهماء، والبقعة الجامعة بين الشموس والأفياء، أَتَوْهَا مِنْ كُلّ فَجّ، جيش يتلو جيشًا، وبعثٌ يردف بعثًا؛ حتى ذلَّلوا أعرافها، وألانوا أعطافها، فخيَّم الإسلام بعُقرتها تخييم من جمع الاعتمار، وأمدتهم جزيرة العرب بأفلاذ أكبادها، ورمت أعداءهم بأنجاد أجنادها.

 

كانت أوربا في ذلك الوقت تعيش فترة من فترات الجهل والتخلُّف البالغ، فكان الظلم هو القانون السائد؛ فالحكَّام يمتلكون الأموال وخيرات البلاد، والشعوبُ تعيش في بؤسٍ شديد، واتخذ الحكَّام القصور والقلاع والحصون؛ بينما عامة الشعب لا يجدون المأوى ولا السكن، وإنما هم في فقر شديد، بل وصل بهم الحال إلى أن يُباعُوا ويُشتَرَوا مع الأرض.

 

وكانت الأخلاق متدنِّية، والحرمات منتهكة، وبَعُدَ حتى عن مقومات الحياة الطبيعية؛ وكان بعض أهل هذه البلاد يعتقدون بعض اعتقادات الهنود والمجوس من إحراق المتَوَفَّى عند موته، وحرق زوجته معه وهي حيَّة، أو حرق جاريته معه، أو مَنْ كان يُحِبُّه من الناس، والناس يعلمون ذلك ويُشاهدون هذا الأمر، فكانت أوربا بصفة عامَّة قبل الفتح الإسلامي يسودها التخلُّف والظلم والفقر الشديد، والبُعد التامُّ عن أي وجه من أوجه الحضارة أو المَدَنية .

 

أيها الإخوة: كانت إسبانيا قبل الفتح الإسلامي تشكو الاضطراب والفساد الاجتماعي، والتأخُّر الاقتصادي وعدم الاستقرار؛ نتيجة السياسة ونظام المجتمع السائد، والسلطة الفاسدة، لكن هذا لا يعني أن هذه السلطة لم تكن قادرة على الدفاع، كما لا يعني انعدام قوتها السياسية والعسكرية؛ بل كان بإمكانها أن تصدَّ جيشًا مهاجمًا وتُحاربه وتقف في وجهه؛ فقد أقام القوط في إسبانيا دولة اعْتُبِرَتْ أقوى الممالك الجرمانية حتى أوائل القرن السادس الجرماني، وبقيت بعد ذلك تتمتَّع بقوة عسكرية مُدَرَّبة وقوية، تقارع الأحداث وتقف للمواجهات.

 

فتح عقبة بن نافع -رحمه الله تعالى- إفريقية، فلما انتهى إلى الماء الذي يفصلها عن أوروبا دفع فرسه إلى الماء حتى بلغ نَحْرَهُ ثم قال: “اللهم إني أُشهدك أن لا مجاز، ولو وجدتُ مجازًا لجزت“.

 

وقف عقبة في إفريقية بعد أن فتحها وأقام فيها للإسلام دولة، وبَنَى القيروان، فأكمل المسيرة عَقِبَه رجال هاماتُهم تناطحُ السحاب، وهممهم تدك الجبال، وتتابعت الحروب بين المسلمين والبربر والقوط إلى عهد التابعي الجليل موسى بن نصير اللَّخمي -رحمه الله تعالى- الذي يُعتبر أوَّل رجل قدر أن يجوز الإسلام على يديه للمرة الأولى القارة الأوروبية، وأن يكتب فيه صفحة من أمجد صفحاته، فافتتح طنجة، وولى عليها طارق بن زياد الليثي -رحمه الله- الذي اهتمَّ اهتمامًا كبيرًا بنشر الإسلام بين قبائل البربر؛ فأقبلوا على اعتناقِه، ثم بنى موسى بن نصير مصنعًا لبناء السفن، وأنشأ أسطولاً ضخمًا لحماية الثغور، وأخذَتِ السفن المسلمة تُغير على جزائر القوط الأوروبية، وبسط المسلمون سلطانهم على شمالي إفريقية برًّا وبحرًا، ثم أكملوا فتح المغرب الأقصى، واستولوا على طنجة، وأشرفوا على شواطئ الأندلس من الضفة الأخرى من البحر.

 

عباد الله: فلمّا رأى موسى أنَّ الوقت قد حان لفتحها كتب إلى الوليد بن عبد الملك يستأذنه في العبور من المغرب إلى الأندلس، فأشار عليه أن يختبر بالسرايا قبل أن يخاطر بالمسلمين كلهم، فعمِل بمشورته، وسيّر أول سرية في رمضان عام إحدى وتسعين للهجرة، فغنمت هذه السرية، وجاست في ديار الأندلس الخصبة، ثم عادت تحمل الغنائم، وتزف البشائر بإمكانيَّة الفتح، فجهز موسى بن نصير جيشًا قِوامُه سبعة آلاف مقاتل تحت قيادة طارق بن زياد، فعَبَرَ بِهِمُ البَحْرَ من سبتة، ونزل بالبقعة الصخرية المقابلة التي سميت بعد ذلك (جبل طارق) وهزم القوط بها، واستولى عليها؛ فكتب حكام الولايات النصرانية إلى حكومتهم في طُلَيْطِلَة التي كانت عاصمة القوط، فجهز النصارى جيشًا قوامه مائة ألف مقاتل، فأمدَّ موسى طارقًا بخمسة آلاف مقاتل؛ ليكون جيش المسلمين اثني عشر ألْفًا مقابل مائة ألف من النصارى.

 

لقد كان النصارى أضعاف المسلمين، والمسلمون يقاتلونهم في أرضهم، في هضاب ومفاوز شاقَّة لا يعرفونها من قبل؛ لكنَّ الإيمان عمل عمله في القلوب، وذلل لهم الخطوب، فالتقى المسلمون والنصارى في الثامن والعشرين من رمضان عام ثنتين وتسعين للهجرة، واستمرَّ الاشتباك أربعة أيام كسر المسلمون فيها النصارى، وتنزّل نصر الله -تعالى- وأوغل طارق في المسير يفتح الحصون، ويملك المدن إلى أن وصل إلى عاصمة القوط فأخذها مِنْهُم، وواصل فتوحه.

 

وبعد عام عبر إليه موسى بن نصير في ثمانية عشر ألف مقاتل، وذلك في رمضان عام ثلاثة وتسعين، ومضى يفتح المدن والقلاع حتى فتح إشبيلية أعظم قواعد الأندلس في رمضان أيضًا سنة أربع وتسعين.

 

وكان موسى عازمًا على أن يفتح أوروبا كلها ويصل إلى الشام من طريق القسطنطينية، أي: ابتدأ غربًا وأراد أن ينتهي شرقًا، ويكون قد لفَّ القارتين الإفريقية والأوروبية، لكن الخلافة الإسلامية في الشام أمرتْهُ بالتَّوقُّف؛ لئلا يخاطر بالمسلمين، وأمره الوليد بن عبد الملك أن يعود إلى الشام، فنظَّم إدارة الأندلس، وجعل حاضرتها إشبيلية، وولَّى عليها، ثم عاد إلى الشام في ذي الحجة عام خمسة وتسعين ومعه من الغنائم والسبي ما لا يُحْصى، وذلك بعد أن سطر مع طارق بن زياد تاريخًا مجيدًا للإسلام في الجزيرة الخضراء، وكان رمضان المبارك موقعًا لكثير من فتوح بلاد الأندلس.

 

أيها المسلمون: لقد كان فتح الإسلام لإسبانيا وما حولها فاتحة عصر جديد بزغ فيه النور، وأقيم فيه العدل، ورفع الظلم، ونُشر العلم، وفُتحتِ المدارس، وهبت هبوب الحضارة والتقدم بشهادة المؤرخين الغربيين؛ إذ يقول أحدهم: “في أقلَّ من أربعةَ عشَرَ شهرًا قُضي على مملكة القوط قضاء تامًّا، وفي عامَيْن فقط وطِّدت سلطة المسلمين فيما بين البحر الأبيض المتوسط وجبال البرنيه، ولا يقدم لنا التاريخ مثلاً آخَرَ اجتمعتْ فيه السرعة والكمال والرسوخ بمثل ما اجتمَعَتْ في هذا الفتح“.

 

ويقول آخر: “أنشأ العرب حكومة قُرْطُبة التي كانت أعجوبة العُصُور الوسطى، بينما كانت أوروبا تتخبَّط في ظلمات الجهل فلم يكن سوى المسلمين من أقاموا بها منائر العلم والمدنية…”. ويواصل قائلاً: “ما كان المسلمون كالبرابرة من القوط أو الوندال، يتركون وراءهم الخراب والموت، حاشا؛ فإن الأندلس لم تشهد قط أعدل وأصلح من حكمهم“.

 

وكان هذا الفتح مُمَهِّدًا لنهضة أوروبا كما شهد على ذلك أحد المستشرقين الإسبان فقال: “لقد سطعت في إسبانيا أول شعلة لهذه المدنية التي نثرت ضوءها فيما بعد على جميع الأمم النصرانية، وإلى حكمة العرب وذكائهم ونشاطهم يرجع الفضل في كثير من أهم المخترعات الحديثة وأنفعها“.

 

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله؛ وبعد:

 

عباد الله: شيد المسلمون في الأندلس حضارة عظيمة، ونشروا الإسلام، واللغة العربية، وصارت الأندلس منارة العلم يقصدُها طلابُ العلم في جميع أرجاء المعمورة في جميع مناحي العلوم؛ العلوم الشرعية والطبيعية، وأنشأ المسلمون المصانع الحربية التي تخرج الآلات الثقيلة، وازدهرت حضارة الإسلام في الزراعة والتجارة التي كانت في أوج ازدهارها، وظهرت الأسواق العالمية في الوقت الذي كان العالم يغرق في سوداوية الجهل والظلام.

 

ومن العجيب -أيها الإخوة- أن أبناء أوربا لم يقفوا مكتوفي الأيدي أمام تلك الحضارة، ولكنهم نهلوا من معينها الصافي ومائها النمير، أخذوا يتوافدون إليها من كل حدب وصوب، يطلبون العلم والحضارة، وأساليب التطور والرقي، لم يقتنعوا بما هم عليه.

 

وتأكدَتْ قاعدةُ ابن خلدون النظرية “إن الأمم المغلوبة تسعى جاهدة إلى تقليد الأمم الغالبة”، ألا ما أشبهَ الليلةَ بالبارحة!

 

عباد الله: بعد العز والسلطان والغلبة ونشر الإسلام؛ ماذا حدث؟ إن سنن الله الكونية لا تتغير ولا تتبدل؛ ليأخذ الناس العظة والعبرة ممن سبقهم حتى ينجوا مع الناجين.

 

فإذا تقاعس المسلمون وتخاذلوا كانت النتيجة السقوط، مثل الدراسة في المدارس، وكذلك جميع جوانب الحياة؛ للنجاح أسباب وللإخفاق كذلك.

 

لقد كان تاريخُ الأندلس عبرة لمن يعتبر؛ ثمانمائة سنة من العلو والانخفاض والصعود والهبوط، تعاقب على الأندلس أمراء وولاة عهد وخلفاء وملوك طوائف، وكل هذا التراث الهائل من المنجزات والتطورات أصبح في أيدي النصارى الصليبيين.

 

إن أي مسلم حر يبكي على مجد أسلافه المسلمين الذي أراقوا دماءهم زكية على ثرى الأندلس؛ إن الأندلس لم تذهب من أيدينا بين يوم وليلة، إنها قرون حتى سقطت، وهذا يدل على طول نفس أولئك الأعداء الذين ما فتئوا يزعزعون كيان الدولة حتى تساوت مع التراب.

 

نتذكر الأندلس من الفتح إلى السقوط رثاء أبي البقاء الراندي للأندلس:

لكل شيءٍ إذا ما تم نقصانُ *** فلا يُغرُّ بطيب العيش إنسانُ

هي الأيامُ كما شاهدتها دُولٌ *** مَن سَرَّهُ زَمنٌ ساءَتهُ أزمانُ

وهذه الدار لا تُبقي على أحد *** ولا يدوم على حالٍ لها شان

فجائعُ الدهر أنواعٌ مُنوَّعة *** وللزمان مسرّاتٌ وأحزانُ

تبكي الحنيفيةَ البيضاءُ من! أسفٍ *** كما بكى لفراق الإلفِ هيمانُ

على ديار من الإسلام خالية *** قد أقفرت ولها بالكفر عُمرانُ

حيث المساجد قد صارت كنائسَ ما *** فيهنَّ إلا نواقيسٌ وصُلبانُ

حتى المحاريبُ تبكي وهي جامدةٌ *** حتى المنابرُ ترثي وهي عيدانُ

يا غافلاً وله في الدهرِ موعظةٌ *** إن كنت في سِنَةٍ فالدهرُ يقظانُ

 

نسأل الله أن يعز دينه وكتابه وينصر عباده الصالحين.

 

هذا؛ وصلوا وسلموا على رسول الله…

 

الملفات المرفقة
فتح الأندلس
عدد التحميل 25
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات