طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    خمس خطوات لتمنع نفسك من مشاهدة المحرمات    ||    عاداتك ترسم معالم مستقبلك!!    ||    عشرون خطأ تربويًا نرتكبها مع أبنائنا    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

16007

الصدق: منزلته ومراتبه وفضائله

المكان : المملكة العربية السعودية / الرياض / بدون / بدون /
التصنيف الرئيسي : الأخلاق المحمودة
تاريخ الخطبة : 1440/06/24
تاريخ النشر : 1440/06/23
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/للأخلاق الفاضلة مكانة عظمى ومنزلة فضلى 2/الصدق من أفضل الأخلاق وأساس ركائزها منزلة 3/تعريف الصدق وبيان أهميته 4/مراتب وأنواع الصدق 5/من فضائل الصدق وثمراته
اقتباس

وَالصِّدْقُ -أَيُّهَا الْإِخْوَةُ- مِنْ أَهَمِّ أُمَّهَاتِ الْأَخْلَاقِ وَأَفْضَلِ رَكَائِزِهَا، فَهُوَ الْحَبْلُ الْمَتِينُ لِصَلَاحِ الْأَعْمَالِ، وَشِرْيَانُهَا الْقَوِيمُ لِنَجَاحِهَا، وَالْمِيزَانُ الْقِسْطُ لِقَبُولِهَا، كَمَا أَنَّهُ مِنْ أَهَمِّ الْمُقَوِّمَاتِ الْفَاعِلَةِ وَالدَّعَائِمِ الْأَسَاسِيَّةِ فِي خَلْقِ حَيَاةٍ…

الخطبة الأولى:

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ تَعَالَى وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَسْتَهْدِيهِ، وَنَعُوذُ بِهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ؛ ثُمَّ أَمَّا بَعْدُ:

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ التَّقْوَى؛ فَهِيَ أَفْضَلُ السُّبُلِ إِلَى اللَّهِ وَأَحَبُّهَا، وَأَقْصَرُ الطُّرُقِ إِلَى مَرْضَاتِهِ وَجَنَّتِهِ وَأَيْسَرِهَا؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آلِ عِمْرَانَ: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ)[الْحَجِّ: 1-2].

 

عِبَادَ اللَّهِ: مَنْظُومَةُ الْأَخْلَاقِ الْفَاضِلَةِ، وَمَجْمُوعَةُ الْآدَابِ النَّبِيلَةِ هِيَ أَسَاسُ التَّعَامُلِ بَيْنَ الْخَلْقِ مَعَ الْخَالِقِ، وَأَعْظَمُ قَوَاعِدِ التَّعَايُشِ بَيْنَ الْمَخْلُوقِينَ فِيمَا بَيْنَهُمْ؛ وَعَلَيْهِ فَمَنْ سَاءَتْ مُعَامَلَتُهُ مَعَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ تَعَرَّضَ لِسَخَطِ اللَّهِ وَعِقَابِهِ، وَمَنْ سَاءَتْ عِشْرَتُهُ مَعَ الْبَشَرِ تَعَرَّضَ لِعُقُوبَةِ اللَّهِ، وَلَا يُسَامِحُ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ، وَكَذَا كَرَاهِيَةُ الْخَلْقِ لَهُ وَنَبْذُهُمْ. وَطَاعَةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ لَيْسَتْ سِوَى حُسْنِ الطَّاعَةِ وَكَمَالِ الِانْقِيَادِ وَمُطْلَقِ التَّسْلِيمِ، وَمَعَ الْبَشَرِ حُسْنُ الْكَلَامِ وَلِينُ الطِّبَاعِ وَجَمِيلُ الْفِعَالِ.

 

وَالْأَخْلَاقُ الْفَاضِلَةُ وَالسَّجَايَا الْكَرِيمَةُ -أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ- تَحْتَلُّ مَنْزِلَةً بَالِغَةً، وَتَرْتَقِي مَكَانَةً سَامِيَةً؛ لِذَا كَانَتْ وَالْعَقَائِدُ مِنَ الثَّوَابِتِ الَّتِي لَمْ يَطْرَأْ عَلَيْهَا التَّبْدِيلُ فِي كُلِّ الْأَدْيَانِ عَلَى مَرِّ الْعُصُورِ، وَلَا زَالَتْ جَمِيعُ الشَّرَائِعِ تَحُثُّ عَلَى الْأَخْلَاقِ الْفَاضِلَةِ وَتَدْعُو الْبَشَرِيَّةَ لِلتَّحَلِّي بِهَا؛ قَالَ -اللَّهُ تَعَالَى-: (إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى)[الْأَعْلَى: 18-19]؛ فَكُلُّ خُلُقِ جَمِيلٍ كَانَ وَلَا يَزَالُ مُنْذُ أَنْ خَلَقَ اللَّهُ الْخَلِيقَةَ عَاقِبَتُهُ مَحْمُودَةٌ وَمَأْجُورٌ صَاحِبُهُ.

 

وَهَذِهِ الصِّفَاتُ وَالسَّجَايَا -عِبَادَ اللَّهِ- لِلَّهِ تَعَالَى أَكْمَلُهَا وَأَجْمَلُهَا؛ فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحَسَنَةُ وَالصِّفَاتُ الْعَلِيَّةُ وَالْأَفْعَالُ الْحَمِيدَةُ، وَهُوَ مُتَنَزِّهٌ -سُبْحَانَهُ- عَنْ كُلِّ عَيْبٍ وَنَقْصٍ، وَتَعَالَى عَنْ كُلِّ ذَمٍّ وَنَقِيصٍ وَقَدْحٍ.

 

وَلَمَّا كَانَ أَنْبِيَاءُ اللَّهِ وَرُسُلُهُ هُمْ أَكْثَرَ الْعِبَادِ مَعْرِفَةً بِاللَّهِ وَقُرْبًا مِنْهُ كَانَ لَهُمُ الْحَظُّ الْأَكْبَرُ مِنْ تِلْكَ الصِّفَاتِ، وَالنَّصِيبُ الْأَوْفَرُ مِنْ تِلْكُمُ السِّمَاتِ، بَيْنَمَا كَانَ لِنَبِيِّنَا -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْهَا أَوْفَرُ الْحَظِّ وَأَعْلَى الْقَدْرِ؛ فَبَلَغَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَعْلَى مَرَاتِبِ الْكَمَالِ الْبَشَرِيِّ فِي جَمَالِ الْأَخْلَاقِ وَحُسْنِ الْآدَابِ؛ قَالَ اللَّهُ -تَعَالَى-: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ)[الْقَلَمِ: 4]، وَمَدَحَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- حَدِيثَهُ وَمَا جَاءَ بِهِ؛ فَقَالَ: (مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى)[النَّجْمِ: 2-4].

 

وَالصِّدْقُ -أَيُّهَا الْإِخْوَةُ- مِنْ أَهَمِّ أُمَّهَاتِ الْأَخْلَاقِ وَأَفْضَلِ رَكَائِزِهَا، فَهُوَ الْحَبْلُ الْمَتِينُ لِصَلَاحِ الْأَعْمَالِ، وَشِرْيَانُهَا الْقَوِيمُ لِنَجَاحِهَا، وَالْمِيزَانُ الْقِسْطُ لِقَبُولِهَا، كَمَا أَنَّهُ مِنْ أَهَمِّ الْمُقَوِّمَاتِ الْفَاعِلَةِ وَالدَّعَائِمِ الْأَسَاسِيَّةِ فِي خَلْقِ حَيَاةٍ أَفْضَلَ، وَتَكْوِينِ عَلَاقَةٍ أَقْوَى بَيْنَ الْأَفْرَادِ وَالْأُسَرِ وَالْمُجْتَمَعَاتِ، إِضَافَةً -وَهُوَ الْمُهِمُّ- إِلَى أَنَّ الصِّدْقَ شَرْطٌ فِي التَّوْحِيدِ، وَرُكْنٌ فِي قَبُولِ الْأَعْمَالِ، وَعُمْدَةٌ فِي مَوَازِينِهَا.

 

يَقُولُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الصِّدْقِ إِنَّهُ: “مَنْزِلَةُ الْقَوْمِ الْأَعْظَمُ الَّذِي مِنْهُ تَنْشَأُ جَمِيعُ مَنَازِلِ السَّالِكِينَ، وَالطَّرِيقُ الْأَقْوَمُ الَّذِي مَنْ لَمْ يَسِرْ عَلَيْهِ فَهُوَ مِنَ الْمُنْقَطِعِينَ الْهَالِكِينَ، وَبِهِ تَمَيَّزَ أَهْلُ النِّفَاقِ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ، وَسُكَّانُ الْجِنَانِ مِنْ أَهْلِ النِّيرَانِ، وَهُوَ سَيْفُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ، الَّذِي مَا وُضِعَ عَلَى شَيْءٍ إِلَّا قَطَعَهُ، وَلَا وَاجَهَ بَاطِلًا إِلَّا أَرْدَاهُ وَصَرَعَهُ، مَنْ صَالَ بِهِ لَمْ تُرَدَّ صَوْلَتُهُ، وَمَنْ نَطَقَ بِهِ عَلَتْ عَلَى الْخُصُومِ كَلِمَتُهُ، فَهُوَ رُوحُ الْأَعْمَالِ، وَمِحَكُّ الْأَحْوَالِ، وَالْحَامِلُ عَلَى اقْتِحَامِ الْأَهْوَالِ، وَالْبَابُ الَّذِي دَخَلَ مِنْهُ الْوَاصِلُونَ إِلَى حَضْرَةِ ذِي الْجَلَالِ، وَهُوَ أَسَاسُ بِنَاءِ الدِّينِ، وَعَمُودُ فُسْطَاطِ الْيَقِينِ، وَدَرَجَتُهُ تَالِيَةٌ لِدَرَجَةِ النُّبُوَّةِ“.

 

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: وَحَقِيقَةُ الصِّدْقِ: هُوَ قَوْلُ الْحَقِيقَةِ الْمُتَطَابِقَةِ مَعَ اللِّسَانِ وَالْقَلْبِ وَالْوَاقِعِ، وَعَكْسُهُ الْكَذِبُ. وَقِيلَ فِي الصِّدْقِ: “إِنَّهُ اعْتِقَادُ الْحَقِّ وَقَوْلُهُ، وَالْعَمَلُ لِلَّهِ بِمُقْتَضَاهُ“.

 

وَلِأَهَمِّيَّةِ الصِّدْقِ وَعُلُوِّ قَدْرِهِ وَسُمُوِّ مَنْزِلَتِهِ أَثْنَى رَبُّنَا عَلَى ذَاتِهِ الْعَلِيَّةِ بِهِ، وَوَصَفَ نَفْسَهُ بِالصِّدْقِ؛ فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا)[النِّسَاءِ: 87]، وَقَالَ جَلَّ شَأْنُهُ: (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا)[النِّسَاءِ: 122]، وَوَصَفَ كَلِمَتَهُ بِأَنَّهَا صِدْقٌ وَعَدْلٌ؛ فَقَالَ: (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا)[الْأَنْعَامِ: 115].

 

وَلَمَّا كَانَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْإِيمَانِ تَعَبُّدُ الْمُؤْمِنِ لِلَّهِ بِصِفَاتِهِ -تَعَالَى-، وَجَعْلُهَا سُلُوكًا يُمَارِسُهَا فِي حَيَاتِهِ، كَانَ أَنْبِيَاءُ اللَّهِ أَكْثَرَ الْخَلْقِ اتِّصَافًا بِهَا، وَأَفْضَلَهُمْ بِهَا تَخَلُّقًا، وَقَدْ جَاءَ الْقُرْآنُ مَادِحًا لَهُمْ؛ فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا)[مَرْيَمَ: 41]، وَقَوْلُهُ: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا)[مَرْيَمَ: 54]، وَقَوْلُهُ: (يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ)[يُوسُفَ: 46]، وَقَالَ اللَّهُ -جَلَّ ذِكْرُهُ-: (وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا)[مَرْيَمَ: 50].

 

وَعَلَّمَ سُبْحَانَهُ نَبِيَّهُ الْكَرِيمَ مُحَمَّدًا أَنْ يَدْعُوَ رَبَّهُ أَنْ يَكُونَ مَدْخَلُهُ وَمَخْرَجُهُ عَلَى الصِّدْقِ؛ لِعِلْمِهِ -سُبْحَانَهُ- أَنَّ الصِّدْقَ عَزِيزٌ، وَأَنَّ حَمْلَ النَّفْسِ عَلَيْهِ شَاقٌّ؛ فَقَالَ اللَّهُ: (وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا)[الْإِسْرَاءِ: 80]، وَحِينَ نَتَذَكَّرُ النَّبِيَّ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- قَبْلَ نُبُوَّتِهِ نَجِدُ أَنَّ خَصْلَةَ الصِّدْقِ كَانَتْ مِنْ أَشْهَرِ سِمَاتِهِ الَّتِي عُرِفَ بِهَا بَيْنَ قَوْمِهِ؛ أَلَمْ يَكُنْ يُلَقَّبُ بِالصَّادِقِ الْأَمِينِ قَبْلَ بَعْثَةِ اللَّهِ -تَعَالَى- لَهُ؟

وَمِنْ قَبْلِهِ سَأَلَ أَبُو الْأَنْبِيَاءِ وَإِمَامُ الْحُنَفَاءِ إِبْرَاهِيمُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- رَبَّهُ أَنْ يَهَبَهُ لِسَانَ صِدْقٍ؛ فَقَالَ سُبْحَانَهُ: (رَبِ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي * وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ)[الشُّعَرَاءِ: 83-84].

 

وَهَكَذَا كَانَ لِأَصْحَابِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نَصِيبٌ مِنْ ذَلِكَ الثَّنَاءِ؛ فَمَدَحَ اللَّهُ صَاحِبَهُ أَبَا بَكْرٍ وَرَفِيقَ دَعْوَتِهِ تَصْدِيقَهُ لِنَبِيِّهِ، فَقَالَ رَبُّنَا: (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ)[الزُّمَرِ: 33]، وَمَدَحَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ فِي مَعْرَكَةِ الْأَحْزَابِ يَوْمَ صَدَقُوا وَصَدَّقُوا؛ قَالَ اللَّهُ: (وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا)[الْأَحْزَابِ: 22].

 

وَلِلصِّدْقِ -يَا مُسْلِمُونَ- مَرَاتِبُ وَأَنْوَاعٌ: فَمِنَ الصِّدْقِ صِدْقُ النِّيَّةِ وَالْإِرَادَةِ؛ وَذَلِكَ بِتَهْذِيبِ النِّيَّةِ وَإِصْلَاحِ الطَّوِيَّةِ وَمُرَاقَبَةِ الْقَصْدِ وَالسَّرِيرَةِ؛ حَتَّى يَكُونَ إِخْلَاصُكَ لِلَّهِ هُوَ الْبَاعِثَ لِكُلِّ حَرَكَاتِكَ وَسَكَنَاتِكَ؛ قَالَ اللَّهُ -تَعَالَى-: (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ)[الزُّمَرِ: 11].

 

وَصِدْقُ اللِّسَانِ هُوَ أَشْهَرُ صُوَرِ الصِّدْقِ: وَيَكُونُ فِي الْإِخْبَارِ عَنِ الْمَاضِي أَوِ الْحَاضِرِ وَالْمُسْتَقْبَلِ؛ فَفِي الْحَدِيثِ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: “كُلُ مَخْمُومِ الْقَلْبِ صَدُوقِ اللِّسَانِ” (الْأَلْبَانِيُّ، السِّلْسِلَةِ الصَّحِيحَةِ 948).

 

وَمِنَ الصِّدْقِ صِدْقُ الْعَزْمِ وَالْوَفَاءُ بِالْعَهْدِ: فَمَتَى مَا نَوَيْتَ أَمْرًا سَعَيْتَ لِتَحْقِيقِهِ عَلَى أَكْمَلِ وَجْهٍ دُونَ تَرَدُّدٍ أَوْ تَوَانٍ، وَبَذَلْتَ الْجُهْدَ وَاسْتَغْرَقْتَ الْأَسْبَابَ؛ قَالَ اللَّهُ -تَعَالَى-: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا)[الْأَحْزَابِ: 23].

فَإِنْ حَالَتْ دُونَ تَحْقِيقِ هَدَفِكَ مُعَوِّقَاتٌ أَوْ مُؤَثِّرَاتٌ خَارِجَ حُدُودِ قُدُرَاتِكَ فَقَدْ نِلْتَ الْمَكَارِمَ بِصِدْقِ عَزِيمَتِكَ وَسَلَامَةِ قَصْدِكَ، وَبَلَغْتَ مَنْزِلَةَ الْعَامِلِينَ؛ قَالَ اللَّهُ -تَعَالَى-: (وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا)[النِّسَاءِ: 100]، وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -كَمَا فِي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: “مَنْ سَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ“(رَوَاهُ مُسْلِمٌ).

 

وَمِنْ أَنْوَاعِ الصِّدْقِ صِدْقُ الْأَعْمَالِ: حَتَّى تَكُونَ أَعْمَالُهُ مُتَطَابِقَةً مَعَ مَا يَلْفِظُهُ لِسَانُهُ وَيُكِنُّهُ قَلْبُهُ؛ فَإِنْ خَالَفَ الْقَوْلَ الْفِعْلُ وَقَعَ الْعَبْدُ فِيمَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ)[الصَّفِّ: 2-3]، وَعَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرَ الرَّأْسِ، يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوْتِهِ، وَلَا يُفْقَهُ مَا يَقُولُ، حَتَّى دَنَا، فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ“. فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: “لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ“. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “وَصِيَامُ رَمَضَانَ“. قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ قَالَ: “لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ“. قَالَ: وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الزَّكَاةَ، قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: “لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ“. قَالَ: فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ“(الْبُخَارِيُّ 46 وَاللَّفْظُ لَهُ، وَمُسْلِمٌ 11).

 

فَإِذَا كَانَ الْإِيمَانُ -عِبَادَ اللَّهِ- أَسَاسُهُ الصِّدْقُ فَإِنَّ النِّفَاقَ أَسَاسُهُ الْكَذِبُ؛ لِذَا لَا يَجْتَمِعُ كَذِبٌ وَإِيمَانٌ إِلَّا وَأَحَدُهُمَا يَدْفَعُ الْآخَرَ، وَلَا يَكْمُلُ إِيمَانُ الْعَبْدِ طَالَمَا اسْتَمْرَأَ الْكَذِبَ وَامْتَهَنَهُ وَأَلِفَ ثَقَافَتَهُ، حَتَّى قِيلَ فِي ذَلِكَ:

مَا أَحْسَنَ الصِّدْقَ فِي الدُّنْيَا لِقَائِلِهِ *** وَأَقْبَحَ الْكِذْبَ عِنْدَ اللَّهِ وَالنَّاسِ

 

قُلْتُ مَا تَسْمَعُونَ، وَلِي وَلَكُمْ فَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ مِنْ كُلِّ ذَنَبٍ وَخَطِيئَةٍ وَعِصْيَانٍ؛ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمَوْصُوفِ بِكَمَالِ الصِّفَاتِ وَجَمَالِ النُّعُوتِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ خَيْرِ رَسُولٍ وَأَفْضَلِ مَبْعُوثٍ؛ وَبَعْدُ:

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: مَنْ يَسْتَقْرِئِ الصِّدْقَ وَفَضْلَهُ وَمَكَانَةَ أَهْلِهِ وَجَزَاءَهُمْ فَسَيَدْفَعُهُ ذَلِكَ إِلَى التَّحَلِّي بِهِ وَالِاتِّصَافِ بِصِفَتِهِ، وَمِنْ أَبْرَزِ تِلْكَ الْفَضَائِلِ وَذَلِكُمُ الْجَزَاءِ:

– الْمَغْفِرَةُ الْوَاسِعَةُ وَالْأَجْرُ الْعَظِيمُ، قَالَ اللَّهُ -تَعَالَى-: (وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ) إِلَى قَوْلِهِ -تَعَالَى-: (وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا)[الْأَحْزَابِ: 35].

 

– رِضَا اللَّهِ عَنْ أَهْلِهِ، وَرِضَاهُمْ عَنْهُ، وَإِدْخَالُهُ لَهُمْ جَنَّتَهُ؛ قَالَ اللَّهُ -تَعَالَى-: (قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمٌ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)[الْمَائِدَةِ: 119].

 

وَفِي الْحَدِيثِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: “إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ…” (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ)، وَمِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: “اضْمَنُوا لِي سِتًّا مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَضْمَنْ لَكُمُ الْجَنَّةَ: اصْدُقُوا إِذَا حَدَّثْتُمْ، وَأَوْفُوا إِذَا وَعُدْتُمْ، وَأَدُّوا إِذَا اؤْتُمِنْتُمْ، وَاحْفَظُوا فُرُوجَكُمْ، وَغُضُّوا أَبْصَارَكُمْ، وَكُفُّوا أَيْدِيَكُمْ” (صَحِيحُ التَّرْغِيبِ 1901 صَحِيحٌ لِغَيْرِهِ).

 

– الرُّفْقَةُ الْكَرِيمَةُ فِي النُّزُلِ الْعَالِيَةِ مِنَ الْجَنَّةِ؛ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا)[النِّسَاءِ: 69-70].

 

وَمِنْهَا صَوْنُ الْعِرْضِ مِنَ السُّمْعَةِ السَّيِّئَةِ، وَالسَّلَامَةُ مِنَ السُّقُوطِ الْمُخْزِي؛ قَالَ كَعْبٌ: “وَاللَّهِ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ نِعْمَةٍ قَطُّ بَعْدَ إِذْ هَدَانِي اللَّهُ لِلْإِسْلَامِ أَعْظَمَ فِي نَفْسِي مِنْ صِدْقِي رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَلَّا أَكُونَ كَذَبْتُهُ فَأَهْلَكَ كَمَا هَلَكَ الَّذِينَ كَذَبُوا، إِنَّ اللَّهَ قَالَ لِلَّذِينِ كَذَبُوا حِينَ أَنْزَلَ الْوَحْيَ شَرَّ مَا قَالَ لِأَحَدٍ، وَقَالَ اللَّهُ -تَعَالَى-: (سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ)[التَّوْبَةِ: 95 – 96]”. (انْظُرْ: تَفْسِيرَ الْقُرْطُبِيِّ، ج8، ص 287).

وَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: “الصِّدْقُ طُمَأْنِينَةٌ وَالْكَذِبُ رِيبَةٌ” (صَحِيحُ الْجَامِعِ: 3378).

 

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: الصِّدْقُ رَأْسُ الْفَضَائِلِ وَعُنْوَانُ الْأَخْلَاقِ وَتَاجُ الشَّمَائِلِ، فَمَيِّزُوا أَنْفُسَكُمْ بِهِ، وَكُونُوا مَعَ أَهْلِهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ فِي الِاتِّصَافِ بِالصِّدْقِ دَعْوَةً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ؛ فَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ دَخَلُوا فِي دِينِ اللَّهِ إِعْجَابًا بِأَخْلَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَحُبًّا فِي صِدْقِ مُعَامَلَتِهِمْ.

 

اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَالتَّابِعِينَ.

اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ عِبَادِكَ الصَّادِقِينَ وَأَوْلِيَائِكَ الْمُتَّقِينَ.

اللَّهُمَّ أَبْرِمْ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ أَمْرَ رُشْدٍ، يُعَزُّ فِيهِ أَوْلِيَاؤُكَ، وَيُذَلُّ فِيهِ أَعْدَاؤُكَ.

اللَّهُمَّ أَصْلِحِ الرَّاعِيَ وَالرَّعِيَّةَ وَالْأُمَّةَ الْمُحَمَّدِيَّةَ.

اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا، وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا، وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ.

 

وَأَقِمِ الصَّلَاةَ…

 

الملفات المرفقة
الصدق منزلته ومراتبه وفضائله
عدد التحميل 51
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات