طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    خمس خطوات لتمنع نفسك من مشاهدة المحرمات    ||    عاداتك ترسم معالم مستقبلك!!    ||    عشرون خطأ تربويًا نرتكبها مع أبنائنا    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

15964

عبادة التوكل على الله

المكان : المملكة العربية السعودية / المدينة المنورة / حي المسجد النبوي / المسجد النبوي الشريف /
التصنيف الرئيسي : أحوال القلوب
تاريخ الخطبة : 1440/06/17
تاريخ النشر : 1440/06/17
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/العز كل العز في الإيمان 2/من أعظم أعمال القلوب التوكل على الله 3/معنى التوكل على الله 4/التوكل على الله حصن الأنبياء والمؤمنين 5/الفرق بين التوكل المحمود والتوكل المذموم 6/بالتوكل على الله يطلب الرزق
اقتباس

التوكل على الله -تعالى- معناه: الاعتماد على الله -سبحانه- في الأمور كلها، في الدنيا والآخرة بصدق تامّ وإخلاص مبرَّأ من الشك، وتفويض شئون العبد كلها إلى الخالق الرحيم القادر على كل شيء، ووثوق بالله العظيم مع شعور القلب من البراءة من الحول والقوة، والرضا بما يقضيه الله له من الأمور…

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله، الحمد لله العزيز الغفور، الحليم الشكور، لربنا -جل وعلا- الفضلُ والثناءُ الحَسَنُ، والنعمُ الظاهرةُ والباطنةُ، لا نحصي ثناءً عليه، هو كما أثنى على نفسه، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، العليم بذات الصدور، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدا عبده ورسوله، الذي أرسله الله رحمةً للعالمين، اللهم صلِّ وسلِّمْ وبارِكْ على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه، صلاةً وسلامًا دائمينِ إلى يوم البعث والنشور.

 

أما بعد: فاتقوا الله باكتساب الحسنات، وهجر السيئات، فتلك الوسيلة إلى رضوان الله -سبحانه-، والفوز بالدرجات في الجنات، وصلاح الأحوال في هذه الحياة وبعد الممات.

 

أيها المسلمون: اذكروا دائما رحمة الله بكم؛ إذ أسبغ عليكم نعمه الظاهرة والباطنة، وعَظِّموا نعمةَ القرآن الكريم، ونعمة السُّنَّة النبوية المبيِّنة والمفسِّرة لهذا الكتاب العزيز، فقد رفع الله بهما الإنسان إلى أعلى منزلة، قال الله -تعالى-: (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)[آلِ عِمْرَانَ: 139]، وقال سبحانه: (كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ)[الْمُطَفِّفِينَ: 18]، وقال تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)[آلِ عِمْرَانَ: 110]، فرفعة الإنسان وقيمته، وخيريته وشرفه بعقيدته الإسلامية وأعماله الصالحة التي يكون بها صالحا ومُصلِحًا للحياة، والقرآن العظيم والسنة المحمدية أحيا الله بهما القلوب من الموت، وشفى الله بهما الصدور من الأمراض، وبصَّر بهما من العمى، وأزال بهما أنواع الشرك والضلال والكفر والإلحاد، وطهَّر بهما العقول والقلوب من الشهوات والشبهات، التي تُغَيِّر الفِطَرَ المستقيمةَ والعقولَ السليمةَ رحمةً من الله -عز وجل- بالناس.

 

وبعد أن أخرج الله -سبحانه- من القلوب الخبث والخبائث، ورديء الأخلاق، وصفات الذم بالكتاب والسنة أحلَّ في القلوب الإيمان وشُعَبه؛ إذ لا يتمكن الإيمان وشعبه في الإنسان إلا إذا خلا القلب مما يضاد الإيمان، فالإناء لا يكون طاهرا إلا إذا أُزيلت منه النجاسات، ثم توضع فيه الأشياء الطاهرة، والقلب مثل الإناء، وقد علَّمنا الله ذلك في أول سورة أرسل الله بها نبيه محمدا -صلى الله عليه وسلم- فقد نبئ بـ “اقرأ”، وأُرسِلَ بالمدثر، فقال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ)[الْمُدَّثِّرِ: 1-5]، فأمره أولا بالتحذير من الشرك، وإنذار الْمُصِرِّينَ عليه، وبيان قبحه وعظيم عقوباته، ثم أمره بتعظيم الرب -تعالى- بالتوحيد والثناء، ثم أمره بالطهارة إجمالا، وفُصلت أحكامها بعد ذلك، وأمَرَه بهجر الأصنام، وتركها والبراءة من عابديها، وهذه الآيات كقوله -تعالى-: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا)[الْبَقَرَةِ: 256]، فبدأ بالأمر بالكفر بالطاغوت ليتمكن الإيمان في القلب.

 

وأعظمُ مِنَّةٍ على العبد من ربه أن يهب له قلبا سليما، يهديه الله به إلى العلم النافع والعمل الصالح، قال الله -تعالى-: (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)[الشُّعَرَاءِ: 88-89]، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “اللَّهمَّ إِني أَسألُكَ الثَّبَاتَ في الأمر، والعزيمةَ على الرُّشدِ، وأسألُكَ شُكْرَ نِعْمَتِك، وحُسنَ عِبَادَتِكَ، وأسألُك لِسَانًا صَادِقًا وَقَلبًا سَليمًا“(رواه الترمذي، وابن حبان من حديث شداد بن أوس رضي الله عنه).

 

وعِزُّ المسلم في الإيمان وشُعَبِه، قال الله -تعالى-: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ)[الْمُنَافِقُونَ: 8]، وذُلُّ الإنسان في المعاصي والآثام، قال الله -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ)[الْمُجَادَلَةِ: 20]، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- في مناجاته لربه -تعالى-: “إنك تقضي ولا يُقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، تباركت وتعاليت“(رواه أصحاب السنن).

 

وصحَّ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قولُه: “الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان“(رواه البخاري، ومسلم).

 

وربنا -تبارك وتعالى- شرع لنا ما ينفعنا في حياتنا وبعد مماتنا، ونهانا عما يضرنا في حياتنا وبعد مماتنا، والخالق -جل وعلا- لا تنفعه طاعة ولا تضره معصية، قال الله -تعالى-: (إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ)[الْعَنْكَبُوتِ: 6]، ومن دلائل قدرة الله -سبحانه- وعلمه وحكمته ورحمته وفضله وإحسانه وجوده وكرمه أن شرع للمسلم من العبادات ما يصعد به في درجات الكمال، وما يصعد به في درجات الزكاة والطهارة وكرم الأخلاق حتى يصل إلى ما قُدِّرَ له؛ ليسعد في حياته وبعد مماته، قال الله -تعالى- في صفات المؤمنين: (أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ)[الْأَنْفَالِ: 4]، فبيَّن الربُّ الرحيمُ أعمالَ القلوب بالقرآن والسنة؛ كالإخلاص واليقين وأركان الإيمان والخوف والرجاء وغيرها، وبيَّن في الكتاب والسُّنَّة أعمالَ الجوارح؛ مثل أركان الإسلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغيرها، وفضَّل بعض الأعمال على بعض، فأعظمُ ما تقرَّب به المسلمُ إلى ربه أعمال القلوب التي أمر الله بها في الكتاب والسُّنَّة، وهي أساس أعمال الجوارح، ويتفاضل المسلمون بأعمال القلوب، ومعرفة معانيها، والاتصاف بها، ولذلك فالصحابة -رضي الله عنهم- سبقوا الناسَ في أعمال القلوب وفاضَلُوهم فيها ثم التابعون لمعرفتهم بتمام معانيها، والعمل بحقائقها ولكمال فقههم باللغة وكمال توحيدهم، قال الحسن البصري: “ما فَضَلَهم أبو بكر بكثرة صيام ولا صلاة، ولكن بشيء وَقَرَ في قلبه“.

 

ومن أعظم أعمال القلوب وأَجِّلها وأعلاها التوكلُ على الله -عز وجل-، قال الله -تعالى-: (فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)[الْمَائِدَةِ: 23]، فالتوكل على الله -تعالى- عبادةٌ، بأمر الله -تبارك وتعالى- به في هذه الآية وغيرها؛ أي: فَوِّضُوا إليه أمورَكم كلَّها، وقوله -سبحانه-: (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)[الْمَائِدَةِ: 23]، دلَّ على أن التوكل شرط في الإيمان، ينتفي الإيمان عند انتفاء التوكل، وقال تعالى: (وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ)[هُودٍ: 123]، فجعل التوكل قَسِيمَ العبادة، فما معنى التوكل على الله -تعالى-؟ معناه: الاعتماد على الله -سبحانه- في الأمور كلها، في الدنيا والآخرة بصدق تامّ وإخلاص مبرَّأ من الشك، وتفويض شئون العبد كلها إلى الخالق الرحيم القادر على كل شيء، ووثوق بالله العظيم مع شعور القلب من البراءة من الحول والقوة والرضا بما يقضيه الله له من الأمور، فمن نال هذه المنزلة من التوكل نال أعظم المطالب، وجمَع اللهُ له كلَّ المكاسب، وتولَّى اللهُ -تعالى- أمورَه، وصار من عباد الله الصالحين، قال الله -تعالى-: (إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ)[الْأَعْرَافِ: 196]، وقال تعالى: (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ)[يُونُسَ: 62-63]، وقال الله -تعالى- في الحديث القدسي: “أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني“(رواه البخاري، ومسلم من حديث أبي هريرة).

 

والتوكل حصن الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- الذي يحرزهم من مكر أعدائهم، والتوكل هو القوة التي لا تُقهر من أعداء الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-، وهو الذي يوجهون به شدائد الحياة وكربات النوازل، فيتغلَّبون به على كل شدة وكرب، قال الله -تعالى-: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ)[يُونُسَ: 71]، وقال ابن عباس رضي الله -تعالى- عنه: “حَسْبُنا اللهُ ونِعْمَ الوكيلُ قالها إبراهيم -عليه السلام- حين ألقي في النار، وقالها النبي -صلى الله عليه وسلم-“(رواه البخاري).

 

وقال تعالى لنبيه محمد -صلى الله عليه وسلم-: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ)[التَّوْبَةِ: 129]، وقال تعالى عن هود -عليه السلام-: (إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)[هُودٍ: 56]، وقال سبحانه: (وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ * فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)[يُونُسَ: 84-85]، وقال سبحانه عن الرسل عموما: (وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ)[إِبْرَاهِيمَ: 12]، فمَنْ حقَّقَ التوكلَ على الله فهو المفلح المنصور على نفسه، والمنصور على أعدائه من الجن والإنس، ومَنْ ضَيَّعَ التوكلَ خُذِلَ وضَلَّ ولم ينفعه شيء.

 

والتوكل من صفات المؤمنين الموحدين، قال الله -تعالى-: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)[الْأَنْفَالِ: 2]، ومن التوكل العمل بالأسباب التي شرعها الله، ومباشرتها وكذلك العمل بالأسباب التي عُلِمَتْ بالتجارب والأخذ بها مع عدم الركون وعدم الاعتماد عليها، بل يكون الاعتماد على الله -تبارك وتعالى- وحدَه، فتركُ الأسبابِ ليس من التوكل، والأسباب مخلوقة إذا شاء الله أَبْطَلَها فلا تنفع، وإذا شاء ربنا نفع بها، فالأمر كله لله -تعالى-.

 

والشرك الأكبر في التوكل هو أن يفوِّض أحدٌ أمرَه إلى مخلوق حي أو ميت، ويعتمد عليه فيما لا يقدر عليه إلا الله -عز وجل-؛ كاعتماده على شيخ أنه يغفر ذنبه، أو ينصره على العدو أو يستجيب له الدعاء أو يتوكل عليه أن يشفع له، فالشفاعة للرسول -صلى الله عليه وسلم- يوم القيامة -بإذن الله- لكل مسلم ولكل صالح -بإذن الله-، أو أن يعتمد أحد على مخلوق أن يشفيه أو يهب له الولد ونحو ذلك.

 

والقسم الثاني من الشرك في التوكل شرك دون الشرك الأكبر؛ وهو أن يعتمد على أحد في أمر من الأمور يقدر عليه؛ كأن يعتمد عليه أن يوظفه وهو يقدر فينسى الرب -جل وعلا- ويرجو المخلوق، فهذا القسم دون الشرك الأكبر وهو محرَّم، والواجب أن يجعل هذا المخلوق أحد الأسباب التي عملها ويعتمد على الله وحدَه، قال بعض السلف: “ما رجا أحد أحدا لشيء إلا تخلف رجاؤه أحوج ما يكون إليه“.

 

وأما الوكالة في أمور تصح فيها النيابةُ؛ مثلَ البيع والشراء، فهذه جائزة مع وجوب اعتقاده أن الوكيل لا يحقِّق المرادَ إلا بمعونة الله وقدرته، وقد وعد الله -تعالى- على التوكل عليه أعظم الثواب، فقال عز وجل: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ)[آلِ عِمْرَانَ: 159]، فمن أحبه الله آتاه من الخيرات، وحفظه من الشرور والمكروهات، وقال تعالى: (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ)[الطَّلَاقِ: 3]؛ أي: ربه كافيه ما أهمه وأغمه، وأصلح له أموره في الحياة وبعد الممات، وهذا أعظم الأجر والثواب، ولم يذكر الله هذا الثواب لغير التوكل، وكفى به فضلا.

 

وروى (أحمد، وابن ماجه، والنسائي) عن أبي ذر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قرأ هذه الآية عليه وقال له: “لو أن الناس كلهم أخذوا بها لكفتهم“، وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “مَنْ سَرَّهُ أن يكونَ أقوى الناس فليتوكل على الله“(رواه عَبْدُ بن حُمَيْدٍ)، قال الله -تعالى-: (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا)[الْفُرْقَانِ: 58].

 

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعنا وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، ونفعنا بهدي سيد المرسلين وقوله القويم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم وللمسلمين فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم، أحمد ربي وأشكره على نعمه كلها، ما علمنا منها وما لم نعلم، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له العلي العظيم، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدا عبده ورسوله النبي الكريم، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه الهداة إلى الصراط المستقيم.

 

أما بعد: فاتقوا الله حق تقواه وتوكلوا عليه، فمن توكل عليه كفاه.

 

عباد الله: خذوا بأسباب التوكل، وكَمِّلُوا مقاماتِه، واحذروا ما يضاده أو يضاد كماله؛ فهو عدتكم في هذه الحياة، وأمانكم بعد الموت من كل عذاب وهون وكرب، قال الله -تعالى-: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ)[يُوسُفَ: 67]، وقال الله -تعالى-: (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ)[إِبْرَاهِيمَ: 11]، واطلبوا الرزقَ الحلالَ لتُقبل عبادتُكم ودعاؤكم، اطلبوه بالتوكل على الله -عز وجل-، ففي الحديث عن عمر -رضي الله تعالى عنه- قال: عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “لَو أَنَّكُم تَوَكَّلُون عَلَى الله حَق تَوَكُّلِه، لَرُزِقْتُم كَمَا تُرْزَق الطَّيْرُ، تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوح بِطَانًا“(رواه الإمام أحمد والترمذي، وقال: “حديث حسن صحيح”).

 

عباد الله: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الْأَحْزَابِ: 56].

 

وقد قال صلى الله عليه وسلم: “مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا“، فصَلُّوا وسَلِّمُوا على سيد الأولين والآخرين وإمام المرسلين، نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

 

اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وسلم تسليما كثيرا.

 

اللهم وارضَ عن الصحابة أجمعين، وارضَ اللهم عن الخلفاء الراشدين، الأئمة المهديين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن سائر أصحاب نبيك أجمعين، اللهم وارضَ عن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم وارضَ عنا معهم بِمَنِّكَ وكرمك ورحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم انصر دينكَ وكتابك، وأظهِرْ دينك الذي ارتضيتَه لنفسك، اللهم أظهر دينك الإسلام الذي ارتضيته لنفسك على الدين كله ولو كره المشركون يا رب العالمين، اللهم أبلغه ما بلغ الليل والنهار وأظهره على كل دين يا رب العالمين، إنك على كل شيء قدير، وإن وعدك الحق، وأنت أحكم الحاكمين.

 

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أذل الكفر والكافرين والشرك والمشركين، ودمر أعداءك أعداء الدين، يا ذا الجلال والإكرام.

 

اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، اللهم اقض الدين عن المدينين من المسلمين، اللهم اقض الدين عن المدينين من المسلمين، اللهم واشف مرضانا ومرضى المسلمين يا رب العالمين، اللهم أعذنا وأعذ ذرياتنا من إبليس وجنوده وشياطينه وأوليائه يا رب العالمين، إنك على كل شيء قدير، اللهم أعذ المسلمين وذرياتهم من الشيطان الرجيم إنك على كل شيء قدير.

 

اللهم إنا نسأل أن تغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا وما أسررنا وما أعلنا وما أنت أعلم به منا، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت نسألك فواتح الخير وخواتمه وظواهره وبواطنه والدرجات العلا من الجنة، اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، اللهم اغفر لموتانا وموتى المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين.

 

اللهم تولَّ أمرَ كلِّ مؤمن ومؤمنة وأمر كل مسلم ومسلمة يا رب العالمين، اللهم هيئ للمسلمين من أمرهم رشدا، اللهم واجمع كلمتهم على الحق يا رب العالمين، اللهم إنا نسألك يا ذا الجلال والإكرام أن تُيَسِّر أمورَهم، وأن تشرح صدروهم، اللهم احفظ الإسلام والمسلمين في كل مكان، اللهم احفظ الإسلام والمسلمين في كل مكان، اللهم نفِّس كربَ المكروبين من المسلمين، اللهم اشفِ مرضانا ومرضى المسلمين يا أرحم الراحمين.

 

اللهم احفظ بلادنا من كل شر ومكروه، اللهم احفظ بلادنا من كل شر ومكروه يا رب العالمين، واحفظ جنودنا يا رب العالمين، إنك على كل شيء قدير.

 

اللهم وفِّق خادمَ الحرمين الشريفين لما تحب وترضى، اللهم وفقه لهداك، واجعل عمله في رضاك، يا رب العالمين، اللهم وفق ولي عهده لما تحب وترضى، اللهم وفقه لهداك واجعل عمله في رضاك يا رب العالمين.

 

اللهم إنا نسألك يا ذا الجلال والإكرام، نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل، (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)[الْبَقَرَةِ: 201].

 

عبادَ اللهِ: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)[النَّحْلِ: 90]، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

 

الملفات المرفقة
عبادة التوكل على الله
عدد التحميل 43
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات