طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

15665

وقفة مع سورة الزمر

المكان : المملكة العربية السعودية / الرياض / بدون / بدون /
تاريخ الخطبة : 1440/03/29
تاريخ النشر : 1440/04/11
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/حال أهل الشقاوة عند السوق إلى جهنم 2/التحذير من حال أهلها 3/حال أهل السعادة عند السوق إلى الجنة 4/ أمور عظام في عرصات القيامة.
اقتباس

ففي هذا العصر الذي عظمت فيه الفتن، وانساق الناس وراء الشهوات واستباحوا المحرمات، وتحللوا من الواجبات ولم تجد فيهم المواعظ والمحاضرات مع هذا الخطر؛ فإنه لا أفضل من العودة لمواعظ القرآن التي لو أنزلت على جبل لخشع وتصدع…

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله الذي أشرقت بنوره الأرض والسماوات أحمده حمدًا طيبًا مباركًا فيه، وأشهد أن لا إله غيره ولا معبود بحق سواه، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.

 

أما بعد:

 

عباد الله: ففي هذا العصر الذي عظمت فيه الفتن، وانساق الناس وراء الشهوات واستباحوا المحرمات، وتحللوا من الواجبات ولم تجد فيهم المواعظ والمحاضرات مع هذا الخطر؛ فإنه لا أفضل من العودة لمواعظ القرآن التي لو أنزلت على جبل لخشع وتصدع.

 

وقد جاء فيه من الوصف لمشاهد القيامة ما يخلع القلوب ويزلزل الأفئدة ، والقيامة هي المعاد ومحل الجزاء والحساب؛ فإلى آيات من الكتاب العظيم تنذر المارقين وتبشر المتقين، لعل ذلك يزيل عن قلوبنا بعض الظلمات.

 

يقول الحق -تبارك وتعالى- واصفًا مشهدًا عظيمًا من مشاهد يوم القيامة تلكم المشاهد المذهلة المروعة (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِين * قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِين * وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِين * وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِين)[الزمر:71-74].

 

إنه لمشهد عظيم مفزع يُقسم فيه الناس إلى فريقين فريق السعداء وفريق الأشقياء فريق أهل الضلالة وفريق أهل الهدى. ولنبدأ ببيان حال أهل الشقاوة أهل الحسرة والندامة يقول -سبحانه-: (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا)[الزمر:71].

 

إنهم يساقون إلى النار سوقًا عنيفًا تجمعهم الزبانية أولهم على آخرهم، ثم تدفعهم إلى النار دفعًا كما قال -جل ذكره- (يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا)[الطور: 13].

 

إنهم يساقون إلى النار بزجر وتهديد ووعيد وهم في تلكم الحال عطاش ظماء، صم وبكم وعمي، إنهم يحشرون إلى النار في صورة منكرة فهم يلقون على وجوههم ومعهم آلهتُهم الباطلة وأعوانُهم واتباعهم وبذلك يزيد بلاؤهم وتعظم كربتُهم وتتضاعفُ حسرتُهم، يسوق الحق -تبارك وتعالى- في مواضع أخرى من كتابه العزيز أوصافًا عدة لما يلقاه هذا الفريق من النكال والبوار فيقول -وهو أصدق القائلين-: (يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا * وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا)[مريم:86].

 

ويقول -سبحانه-: (وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا)[الإسراء: 97].

يا لها من حالة مخزية إنهم لا يبصرون ولا يسمعون ولا يتكلمون ويساقون كالبهائم إلى النار؛ إن زفير جهنم كفيل بطمس أبصارهم وصك مسامعهم وملء قلوبهم رعبًا وهلعًا (إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا)[الفرقان: 12].

 

ويستمر سياق الآيات موضوع حديثنا فيقول -سبحانه-: (حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا)[الزمر:71]، نعم إنها تفتح سريعًا لتعجل لهم العقوبة التي لا هوادة فيها وهم مع هذا مغلوبون مقهورون لا حول لهم ولا قوة أذلاء صاغرون؛ (قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَاد)[آل عمران:12].

 

وماذا تتوقعون أن يقابلهم عند هذه الأبواب إنهم يفاجئون بخلق من خلق الله لا عهد لهم بمثله ملائكة غلاظ شداد عظيم خلقهم شديد بأسهم يملك أحدهم من القوة ما يواجه به البشر جميعًا إنهم خزنة جهنم.

 

فيسألونهم سؤال توبيخ وتقريع وتنكيل: (أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِين)[الزمر: 71]، إذا فما الذي أوردكم للهلاك لماذا عصيتم خالقكم لماذا كفرتم نعمه عليكم، إنهم لا يجدون حجة واحدة تبرر موقفهم المخزي فيقولون بلى جاءت الرسل (وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِين)[الزمر:71].

 

إن الموقف موقف إذعان وتسليم لا موقف خصام ومجادلة فهم مقرون مستسلمون، (قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِين)[الزمر:72]، يا لهول الموقف حياة أبدية في نار وقودها الناس والحجارة ترمي بشرر كالقصر فبئس المنقلب والمصير وبئس الحال والمآل إنها حسرة لا تنقطع.

 

إنهم يتمنون العودة ليصلحوا من حالهم ولكن هيهات فات الأوان ولا مفر لهم من النار يقول -سبحانه- واصفا حالهم وهم يعانون النار وشاهدون أهوالها (وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِين)[الأنعام:27].

 

لقد أخبر الحق -سبحانه- في القرآن الكريم أنه لن ينجو من هذه النار إلا الأتقياء الذين آمنوا بالله وصدقوا المرسلين واتبعوا ما أنُزل إليهم من ربهم يقول -جل جلاله-: (فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا* ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا * ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا * وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا)[مريم: 68-72].

 

يقول سيد قطب -رحمه الله- في تفسير هذه الآيات: “يقسم الله بنفسه وهو أعظم قسم وأجله، أنهم سيحشرون بعد الموت فهذا أمر مفروغ منه (فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ) ولن يكونوا وحدهم (لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ)؛ فهم والشياطين سواء، والشياطين هم الذين يوسوسون بالإنكار وبينهما صلة التابع والمتبوع والقائد والمقود.

 

وهنا يَرسمُ صورةً حسيةً وهم جاثون حول جهنمُ جثي الخزي والمهانة (ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا)، وهي صورة رهيبة هذه الجموع التي لا يحصيها العد محصورة محضرة إلى جهنم، جاثية حولها، تشهد هولها، ويلفحها حرها، وتنتظر في كل لحظة أن تُؤخذ فتلقى فيها وهم جاثون على رُكبهم في ذلة وفزع.

 

وهو مشهد ذليل للمتجبرين المتكبرين، يليه مشهد النزع والجذب لمن كانوا عتوا وتجبروا (ثمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا)، وفي اللفظ تشديد ليرسم بظله وجرسه صورةً لهذا الانتزاع تتبعها صورة القذف إلى النار.

 

وإن الله ليعلم من أولى بأن يصلوها فلا تُؤخذ الأمور جزافًا من هذه الجموع التي لا تحصى والتي أحصاها الله فردًا فردًا (ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا)؛ فهم المختارون ليكونا طليعة المقذوفين.

 

ولقد غير قوله -تعالى-: (وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا…) أحوال الصالحين، فأسهرت ليلهم وعكرت صفو عيشهم، فكان أبو ميسرة إذا أوى إلى فراشه قال: “يا ليت أمي لم تلدني ثم يبكي، فقيل له ما يبكيك يا أبا ميسرة؟ فقال أخبرنا الله أنّا واردوها، ولم نُخبر أنا صادرون عنها“، وقال عبد الله بن المبارك عن الحسن البصري قال: “قال رجل لأخيه: هل أتاك أنك وارد النار؟ قال: نعم. قال: فهل أتاك أنك صادر عنها؟ قال: لا، قال: ففيم الضحك!”، قال: فما رؤي ضاحكًا حتى لحق بالله.

 

قال ابن عباس لرجل يحاوره: “أما أنا وأنت يا أبا راشد فسَنَرِدها فلننظر هل نصدر عنها أم لا“.

 

فاتقوا الله -عباد الله-، واتقوا يومًا تُرْجَعُون فيه إلى الله شاخصة أبصاركم (وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَار * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء)[إبراهيم:42-43].

 

إذا رأيت الظالم يصول ويجول ويستمتع في هذه الدنيا ولم ترى نقمة الله قد وقعت به فتذكر هذه الآية (وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَار)، ثم احمد الله على العافية، واعلم أنما ينتظر هذا الشقي من العذاب لا يستطيعه أهل الدنيا، ويريد الله أن يمهله ليزيد من ظلمه، وبالتالي تعظم عقوبته.

 

أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين.

 

 

الخطبة الثانية

 

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله الأولين والآخرين وأشهد أن سيدنا محمدًا عبد الله ورسوله إلى الإنس والجن أجمعين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

أما بعد:

 

أيها الإخوة: فقد تحدثنا في الخطبة الأولى عن رَكْب جهنم، عن فريق الأشقياء المتكبرين؛ فكيف حالُ ركب المتقين الصالحين، يقول -جل شأنه- واصفًا حالَ هذا الفريق الطيب الذي أطاع مولاه ولم ينساق لشهواته وهواه: (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِين)[الزمر:73].

 

يا له من حال طيب إنهم يساقون زمراً؛ أي: رُكبانًا إلى الجنة جماعة بعد جماعة؛ المقربون ثم الأبرار ثم الذين يلونهم كل طائفة مع من يناسبهم (حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا)؛ أي: وصلوا أبواب الجنة بعد مجاوزة الصراط حُبِسُوا على قنطرة بين الجنة والنار، فاقتص لهم مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا هُذِّبُوا ونُقُّوا أذن لهم في دخول الجنة، وفُتِحَتْ أبوابها فسعدوا وطابوا وفرحوا بقدر كلِّ ما يكون لهم فيها من نعيم.

 

وأول من يدخل الجنةَ سيد الأولين والآخرين محمد بن عبدالله -صلى الله عليه وسلم-، وأول زمرة يدخلون الجنة صورهم على صورة القمر ليلة البدر، لهم زوجات يُرَى مخُّ ساق أحدهن من وراء العظام واللحم من شدة بياضها وصفاء لونها، (وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ)؛ أي: تتلقاهم الملائكة بالتحية (وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ)، سلام عليكم طابت أعمالكم وأقوالكم وطاب سعيكم وجزاؤكم.

 

(وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ)[الزمر:74]؛ أي: الذي كان وعدنا على ألسنة رسله الكرام. وهنا تهيم أصوات أهل الجنة بالتسبيح والتحميد ويختلط تسبيحُهم مع تسبيح الملائكة بل تسبيحُ الكون كلَّه وقيل الحمد لله رب العالمين.

 

أيها الإخوة في الله: إن الوصول إلى الجنة محفوف بالمخاطر، فتسبقه أمور عظام وأهوال جسام؛ فإذا قُذِفَ بالكفار من الملحدين والمشركين في نار جهنم دار البوار، يبقى أتباع الرسل في عرصات القيامة، وفيهم أهل الذنوب والمعاصي وأهل النفاق وتُلْقَى عليهم الظُّلْمَة قَبلَ الصراط. سئل الرسول -صلى الله عليه وسلم-: أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض، فقال: “هم في الظلمة دون الجسر“.

 

وعندما يشاء الله يُؤْمرون بعبور الصراط ويتجه الناس إليه، فيسبق المؤمنون ويتعثر المنافقون، ثم يضرب بين أهل الإيمان وأهل النفاق بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب، ثم يقذف المنافقون مع أتباعهم وأسيادهم في النار في الدرك الأسفل منها.

 

ثم يُعْطَى كلّ من المؤمنين نورًا يسير عليه لمرور الصراط، وهو كحد السيف دَحْض مزلة ويقال لهم امضوا على قدر نوركم، وهنا يحصل التفاضل في الأنوار، ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور؛ فمنهم من يكون نوره مثلَ الجبل، ومنهم يكون نوره في إبهام قدمه يضيء مرة وينطفئ أخرى.

 

ومنهم بين ذلك؛ فمنهم مَن يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح، وكل يمر على قدر عمله في الدنيا حتى إن منهم من تسقط يده، ويتعلق بالأخرى، وتزل رجل ويتعلق بالرجل الأخرى تصيب جوانبه النار، ومنهم من يسقط في النار ويبقى فيها إلى ما شاء الله لكثرة سيئاته، ثم يخرج منها بعد أن تمت تصفيته.

 

إذا تجاوز المؤمنون الصراط قالوا: الحمد لله الذي نجانا من النار بعد أن أرانا إياها، لقد أعطانا مالم يعط أحدًا، يقول القرطبي -رحمه الله- واعظًا: “تفكر الآن فيما يحل بك من الفزع بفؤادك إذا رأيت الصراط ودقته، ثم وقع بصرك على سواد جهنم من تحته، ثم قرع سمعك شهيق النار وتغيظها، وقد كُلِّفْت أن تمشي على الصراط مع ضعف حالك واضطراب قلبك، وتزلزل قدمك، وثقل ظهرك بالأوزار المانعة لك من المشي على بساط الأرض؛ فضلاً عن حدة الصراط؛ فكيف بك إذا وضعت عليه إحدى رجليك فأحسست بحدته واضطررت إلى أن ترفع قدمك الثاني، والخلائق بين يديك يزلون ويعثرون وتتناولهم زبانية النار بالخطاطيف والكلاليب وأنت تنظر إليهم كيف ينكسون إلى جهة النار رؤوسهم وتعلوا أرجلهم فياله من منظر ما أفظعه! ومرتقى ما أصعبه! ومجاز ما أضيقه!”.

 

فاتقوا -يا مسلمون-، وأعدوا من الأعمال ما تأمنون به من خوف وهول ذلكم اليوم العظيم الذي ينقسم فيه الناس إلى أشقياء وسعداء؛ فريق في الجنة وفريق في السعير، توبوا إلى الله؛ فإن الله يقبل التوبة من عبادة ويعفو عن السيئات، توبوا إلى الله؛ لتنجوا من نار سوداء مظلمة وقد اشتد سعيرها وعلا لهيبها، ولا مدخل لكم إلى الجنة إلا من على متنها.

 

إذا مد الصراط على جحيم  *** تصول على العصاة وتستطيلُ

فقومٌ في الجحيم لهم ثبورُ *** وقومٌ في الجنان لهم مقيلُ

وبان الحقُّ وانكشف المغطى *** وطال الويلُ واتصل العويلُ

 

وصلوا -عباد الله- على أكرم خلق الله محمد بن عبد الله، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه ومن اتبع سنته واهتدى بهديه إلى يوم الدين.

 

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمنًا مطمئنًا وسائر بلاد المسلمين.

 

اللهم احفظ علينا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، ودنيانا التي فيها معاشنا، وآخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، والموت راحة لنا من كل شر.

 

اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين.

 

اللهم آمن خوفنا يوم العرض عليك، وثبت أقدامنا يوم تزل الأقدام، وقنا فتنة المحيا والممات، وقنا عذاب النار، وعذاب القبر.

 

اللهم احفظ إمامنا وولي أمرنا خادم الحرمين الشريفين، ووفقه لما تحب وترضى، وارزقه البطانة الصالحة التي تعينه على نوائب الحق، واحفظ ولي عهده، وأيدهما بنصرك وتوفيقك، واخذل من عاداهما، وأدم على بلدنا نعمة الرخاء والاستقرار.

 

ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم. ربنا إننا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

 

عباد الله اذكروا الله العظيم يذكروكم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.