ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

15684

العزيمة على الرشد

المكان : المملكة العربية السعودية / القصيم - عنيزة / حي الملاح / جامع الملاح /
تاريخ الخطبة : 1440/01/04
تاريخ النشر : 1440/01/07
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/كنوز الآخرة هي الباقي وكنوز الدنيا زائلة وأمثلة عليها 2/وقفات مع حديث "اللهم إني أسألك الثباتَ في الأمر.."
اقتباس

وأنت يا من أفسدت دينك وأتلفت صحتك وجلبت النتن إلى أنفاسك وبيتك وسيارتك في دخان خبيث متى عزيمتك على الرشد؟ أو تريدون جعل عزيمة على الرشد حينما…

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله …  أما بعد: فأيام تطوى وليال تقضى وعام عنك قد ترحل فهو بما أودعته حافظ وشهيد، وهو من عمرك وقوة بدنك، وتمام بنيتك آكل وحصيد؛ فسبحان الذي جعل الدنيا على الانقضاء، وأيامها إلى نفاد وانتهاء .

 

فما رأيك -يا عبد الله- أن تجعل عامك الجديد عاماً متميزاً بكنز تدخره، ومال تبقيه وتوفر؛ فالمستقبل قد يفاجئك بحاجة لم تحسب حسابها، ومتطلبات الحياة تتجدد وتزيد، وخبراء المال وعلماء الاقتصاد يؤكدون أن من اقتنى الذهب والفضة فقد أخذ حيطته، وأمن مستقبله كيف وقد علمت أن حب الذهب والفضة شهوة غرسها الله في النفوس: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ)[آل عمران: 14].

 

ولكن، حدثنا عمن سبقونا ممن كنز الذهب والفضة؟ فنحن لسنا أول من سكن الأرض، ولسنا آخرهم!

أين كنوزهم التي كنزوها؟ بل أين هم؟ وكيف استفادوا من كنوزهم؟ وما السعادة التي جلبتها لهم أموالهم؟ وما الشرور التي دفعتها عنهم؟

من أعظم من علمنا سعة غناه وكثرة ماله من قال الله عنه: (وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ)[القصص: 76]؛ فالعصبة من الرجال الجماعة الأقوياء أتعبهم حمل مفاتح خزائن الكنوز !فكيف بالكنوز نفسها؟

 

وقال تعالى عن أحد أثرياء العالم في وقته: (وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا)[المدثر: 12]، وقال الله عن نهايته، وسوء عاقبته: (سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا)، (سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ).

 

وقال عمن تبت يداه وتب: (مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ)[المسد: 2- 3].

 

وفي الذي يؤتى كتابه بشماله قال الله عنه: (مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ)[الحاقة: 28]؛ فهذه كنوز الدنيا وهذه نهاية أهلها حينما لم يقوموا بحقها، ولم يعرفوا قدرها؛ وإلا فقد قال عليه الصلاة والسلام: “نعم المال الصالح للرجل الصالح“.

 

ومع ذلك دعونا نشتغل بكنز باق، وثروة لا تنقضي، ولن نكنزها في الأرض، وصناديق الدنيا لأننا لو كنزناها في الأرض لتعلقت قلوبنا في الأرض، ولاشتغلت خواطرنا بحراسة صناديق الدنيا وصرنا خدما لها، وإنما ثمرة المال حينما يكون خادما لك ! لا خادما له!

 

أين سنكنزه؟ وهل عندنا غير هذه الأرض؟

يقول عَبْدُ اللهِ بن مسعود -رضي الله عنها-: “مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَجْعَلَ كَنْزَهُ فِي السَّمَاءِ حَيْثُ لاَ يَأْكُلُهُ السُّوسُ، وَلاَ يَنَالُهُ الُلصوص فَلْيَفْعَلْ، فَإِنَّ قَلْبَ الرَّجُلِ مَعَ كَنْزِهِ“، وصدق رضي الله عنه؛ إذن اجعل كنزك في السماء ليتطلع قلبك إلى السماء، وما أعده الله هناك لعباده الأتقياء، (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ)[الذاريات: 22]،  (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ)[فاطر: 10].

 

أما أي شيء تكنزه؟ فإليك من جوامع كلم النبي -صلى الله عليه وسلم- جملاً جامعة، وقد احتوت على معاني سامية؛ فعن شداد بن أوسٍ -رضي الله عنه-، قال: قال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “يا شداد بن أوس: “إذا كنَز الناسُ الذهبَ والفضة، فاكنِز هؤلاء الكلماتِ: اللهم إني أسألك الثباتَ في الأمر والعزيمة على الرُّشد، وأسألك شُكْر نعمتك، وحُسْن عبادتك، وأسألك قلباً سليماً، ولسانًا صادقًا، وأسألك من خير ما تَعلَم، وأعوذ بك من شرِّ ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم، إنك أنت علام الغيوب ” رواه النسائي وغيره وهو حديث ثابت احتفى العلماء به .

 

ما أعظمها من كلمات ودعوات هي من الباقيات الصالحات التي يدخرها العبد عند ربه ويرجو أجرها ونفعها من خالقه .

 

فإذا تسابق الناسُ على كنز الذهب والفضة وما في معناه من الأموال والقصور والمساكن الواسعة والمراكب الفارهة فليكن سباقك في مضمار آخر؛ نعم، لا تنس نصيبك من الدنيا؛ ولكن لا يزاحم دنياك حظك من الأخرى! (وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ)[النحل: 30].

 

ابتدأ النبي -صلى الله عليه وسلم- هذه الكنوز بقوله: “اللَّهُمَّ إني أسالك الثَّبَات فِي الأمر والعزيمة على الرشد“؛ يقول ابن القيم -رحمه الله-: ” وَهَاتَانِ الكلمتان هما جماع الْفَلاح وَمَا أتي العَبْد الا من تضييعهما، أَوْ تَضْييع أحدهما … فَإِذا حصل الثَّبَات أولا والعزيمة ثَانِيًا أفلح كل الْفَلاح وَالله ولي التَّوْفِيق.

 

الثبات في الأمر، أي أمر هذا؟ إنه أمر الدين أمر شرع رب العالمين فهو ثابت بتثبيت الله له؛ (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ)[إبراهيم: 27].

 

ليس ممن يعبدون الله على حرف أو يعبدونه في المناسبات ثابتون زمن الرخاء متقلبون زمن الشدة والبلاء؛ عن شهر بن حوشب، قال: قلتُ لأُمّ سلمه -رضي اللّه عنها-: يا أُمّ المؤمنين! ما أكثر دعاء رسول اللّه -صلى اللّه عليه وسلم- إذا كان عندكِ؟ قالت: كان أكثرُ دعائه: “يا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّت قَلْبي على دِينكَ“، قالت: فقلتُ له: يا رسولَ الله، ما أَكثَرَ دُعَائِكَ بهذا؟ قال: يا أُمَّ سلمه: “إنه ليس آدَميٌّ إلا وقلبُه بين إِصْبَعيْنِ من أصابع الله، فمن شاء أقام، ومن شاء أزَاغَ“؛ فتلا معاذ قول الله –تعالى- (رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ)(رواه الترمذي وهو حديث حسن).

 

وأعظم أمر في هذه الدين أمر توحيد رب العالمين ومتابعة سنة رسوله الأمين.

 

ثم هم ثابتون على صلاتهم؛ (الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ)[المعارج: 23]؛ ثابتون على ما يكملها من نوافل ركعاتهم، وأعظمها في ساعات خلواتهم، وطول مناجاتهم .

 

ثم هم ثابتون على جمال أخلاقهم مع خلق الله فصير جميل.

 

صابرون على برهم بوالديهم، والقيام بمصالحهم، مراعون لخواطرهم.

 

فهم صابرون على أزواجهم وأذية أولادهم وقراباتهم، كاظمون لغيظهم، ممتثلون قول ربهم؛ (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ)[الأعراف: 199].

 

وليتم تحقيق ثباتك على الأمر تأتي الدعوة الثانية “العزيمة على الرشد”؛ العزيمة المصممة ليست الرغبة فقط فليس الإيمان بالتمني !

فالرشد الذي هو صلاح الحال واستقامة الطريقة يحتاج إلى عزيمة قوية من ثمارها الاستمرار (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ)[الأحقاف: 35].

 

فالناجحون في حياتهم هم العازمون على تحقيق مراداتهم على تحقيق الرشد في حياتهم في عبادة أو معاملة؛ فكم علمنا من فضائل لأعمال ثم لم نعمل بها! فاتنا فيها العزيمة على الرشد.

 

وأنت -أيها الطالب- في بداية عامك الدراسي المبارك خذ بعزيمة الرشد وأقبل على ما يرفعك علماً وعملاً  أتقن دراستك وابن نفسك .

 

والمستخفون بدراستهم وزهرات عمرهم نادمون حين لا ينفع الندم .

 

أما المعلم فمن أعظم أسباب نجاحه في رسالته التعليمية أن يتخطى معوقات عطائه، وأن يعزم على الرشد في اتقان غرسه ولا تستفزه تغريدات جانحة، وأقوال مرسلة.

 

كم وقعنا في معاص متنوعة ونحدث أنفسنا بالإقلاع عنها وتركها إلى غير رجعة ثم لم نقض شيئاً فيها ولا تزال طبعاً لنا؛ فأين العزيمة على الرشد ممن لا يزال يحرق حسناته بحسد إخوانه على ما آتاهم الله من فضله ؟.

 

أين العزيمة على الرشد  ممن يأكل لحوم عباد الله غيبة في مجالسه ليلاً ونهاراً؟

 

أين العزيمة على الرشد فيمن يطلق بصره فيما حرم الله وهو لا يعد نفسه بتوبة مفتوحة وقد غفل عن قوله تعالى: (وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا)[المنافقون: 11].

 

وأنت يا من أفسدت دينك وأتلفت صحتك وجلبت النتن إلى أنفاسك وبيتك وسيارتك في دخان خبيث متى عزيمتك على الرشد؟ أو تريدون جعل عزيمة على الرشد حينما توقع على موافقة طبية في استئصال رئة أفسدتها أو حبال صوتية باختيارك أحرقتها .

 

فالله عاملنا بعفوك …   أقول قولي هذا …

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله رب العالمين …

 

فإن من الجمل النبوية ومما يكنز قوله (وَأَسْأَلُكَ شُكْرَ نِعْمَتِكَ)؛ فالشكر عبادة عظيمة، وصفة كريمة وأعظم الشكر شكر القلب حينما تعترف بها لمن أعطاها؛ (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ)[النحل: 53]، ثم شكرك بالجوارح فلا تستعمل عضوا من أعضائك فيما يغضب ربك، فهو كفران لنعمة ذلك العضو .

 

ثم تلهج متحدثا بنعمة الله عليك (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) وَإِنَّ اللَّهَ –تَعَالَى- إذَا أَنْعَمَ عَلَى عَبْدٍ نِعْمَةً أَحَبَّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِ .

 

ثم سؤال الله حسن العبادة “وَأَسْأَلُكَ حُسْنَ عِبَادَتِكَ”، وهو إتقانها، والإتيان بها على أكمل وجه أمكن فإن الأعمال تتفاضل بحسب إحسانها وأعظم الإحسان في العبادة إخلاصها والإقبال عليها راجيا ما أعد الله لها، وما رتب على ثوابها !

 

والرجلان يقومان بعبادة واحدة قد يكون بينهما من الفرق ورضى الله عنهما كما بين السماء والأرض.

 

ولما كان القلب بالنسبة للجسد كالملك المتصرف في جنوده فإن استقام القلب استقامت الجوارح وصلح سائر الجسد جاء الدعاء؛ “اللهم إني أسألك قلبًا سليمًا“..

 

كما مدح الله -تعالى- إبراهيم -عليه السلام- فقال (إذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)؛ أي سليمٍ من الشرك والرياء،سليمٍ من البدع والأهواء، سليمٍ من الشهوات والشبهات والإغواء، سليمٍ من البغضاء والشحناء، والغل والكراهية والحسد، فعن عبد الله بن عمرو قال قيل لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- أي الناس أفضل؟ قال: “أفضل المؤمنين كل مَخْمُومِ الْقَلْبِ صَدُوقِ اللِّسَانِ” قالوا يا رسول الله ما مَخْمُومُ الْقَلْبِ؟

قال: “التَّقِيُ النَّقِّيُ الذي لا إِثْمَ فِيهِ وَلاَ بَغْي وَلاَ غِلَّ وَلاَ حَسَدَ“(رواه ابن ماجه، وهو حديث صحيح).

 

ثم قال “وَأَسْأَلُكَ لِسَانًا صَادِقًا“؛ يقول الصدق ويسمعه، ولا يرضى الكذب ولا ينقله.

 

ثم ختام هذا الدعاء العظيم “وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شر ما تعلم“؛ يجمع الخير كله طلباً، والشر كله فيستعيذ بالله منه .

 

وأستغفرك لما تعلم” فيه إقرار العبد بذنوبه وخطاياه فهي معلومة عند مولاه؛ (أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)[المجادلة: 6].

 

وكيف لا يكون كذلك وهو علام الغيوب؛ فهذا الكنز النبوي فأين الكانزون ؟، وتلك الباقيات فأين الراغبون؟

 

اللهم إني أسألك الثباتَ في الأمر والعزيمة على الرُّشد، وأسألك شُكْر نعمتك، وحُسْن عبادتك، وأسألك قلباً سليماً، ولسانًا صادقًا، وأسألك من خير ما تَعلَم، وأعوذ بك من شرِّ ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم، إنك أنت علام الغيوب ” فهذه الكنوز النبوية احفظوها وحفظوها من وراءكم …

ثم اعلموا رحمكم أن يوم الخميس القادم هو يوم عاشوراء الذي احتسب النبي صلى الله عليه وسلم صيامه أن يكفر السنة الماضية فصوموا يوم الخميس وصوموا يوماً قبله تحقيقاً لرغبة النبي صلى الله عليه وسلم في مخالفة اليهود. اللهم أصلح حالنا ….

الملفات المرفقة
العزيمة على الرشد
عدد التحميل 31
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات