طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    من معاني الحكمة في الدعوة إلى الله    ||    فنون التعاسة ومعززاتها!    ||    الخروج إلى تبوك    ||    أوفوا بوعد الأطفال    ||    بين الألف والياء    ||    الأمن العام اللبناني: 545 نازحا سوريا عادوا اليوم إلى بلادهم    ||    السعودية تطالب المجتمع الدولي بالتحرك لوقف العنف ضد الروهينجا فى ميانمار    ||    الغموض يحيط بكارثة نفوق الأسماك في العراق    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

15676

مشكلة العنوسة: الأسباب والحلول

المكان : المملكة العربية السعودية / الخبر / حي العقربية / جامع عمر بن عبد العزيز /
تاريخ الخطبة : 1438/01/20
تاريخ النشر : 1440/01/05
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/فضل الزواج وأهميته 2/من أين جاءت العنوسة؟ 3/أسباب العنوسة وكيفية العلاج.
اقتباس

إنَّنا كمسلمين نسلِّم لرب العالمين، ولشرعه المتين، ولنبيه الصادق الأمين، فعشنا سنوات عديدة، وأزمنة مديدة في خيرٍ عظيم؛ وذلك باليقين الذي تربَّت عليه الأمَّة من ضرورة الزواج، وأنه حصن حصين للمجتمع، وإن كانت المعوقات من زمن بعيد موجودة…

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلِل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم.

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء: 1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب: 70، 71].

 

أما بعد: عباد الله، إن الذي خلَقنا هو أعلم بما يصلحنا، وهو الخبير بما يناسب خلقتنا، فحين خلق الله -تعالى- الذَّكر والأنثى جعل العلاقة المناسبة التي يصلح بها المجتمع، وتمنع كل طريق للفساد والشر، جعلها أمرًا فطريًّا يبحث عنه الإنسان عند سنٍّ معيَّنة، بل كل شيء في الدنيا يحتاج إلى التزاوج والتعايش: (وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)[الذاريات: 49]، وهذه آية عظيمة تستحق الإعجابَ والتسبيح للعليم الخبير؛ فـ (سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ)[يس: 36].

 

وأكرم زوجين على وجه الأرض هما الذكر والأنثى من بني البشر، فزواجهما مما يجلي قدرة الله -تعالى-، وكمال علمه، وبديع صنعه: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)[الأعراف: 189، 190]، فسبحان الخالق الذي أَلهم الإنسانَ ما يفعله ليعفَّ به نفسه، ثم يجعل من تلك النطفة خلقًا تحيا به الأرض، وتنتعش به الحياة.

 

إنها والله آية عظيمة لا تقتصر على كونها اجتماع ذكر وأنثى؛ بل تزيد على ذلك أن جعلها علاقة حبٍّ ووئام، وودٍّ وسكن نفسي وانسجام، علاقة رحمة واحترام: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)[الروم: 21]، والإنسان جسَد وروح يحتاج إلى كل هذه المعاني، فكان حثه على الزواج أمرًا أكَّدَت عليه الشريعة، وحرص عليه المصلحون ممن يعلمون خطورةَ تركه، وفساد المجتمع بهجره، وفشو الشر بالبعد عنه، فتوالت النصوص العظيمة التي تدعو إلى النكاح، وترغب فيه، حتى إنه أُبيح الجمع بين أربع نسوة لمن له القدرة على العدل وإعطاء الحقوق للزوجات، يقول -تعالى-: (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا)[النساء: 3].

 

وحثَّ المجتمع على معاونة من يريد العفاف ولو كان فقيرًا؛ فالله يغنيه، وهو يتولاه: (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)[النور: 32]، فمع أمره -سبحانه- بالنِّكاح فقد أمر المؤمنين بالسَّعي لتحقيق العفاف لكافَّة المجتمع المسلم، يقول ابن عباس -رضي الله عنهما-: “أمر الله -سبحانه- بالنِّكاح، ورغَّبهم فيه، وأمرهم أن يزوِّجوا أحرارهم وعبيدهم، ووعدهم في ذلك الغنى“(تفسير الطبري 19/ 166).

 

وفي هذا بشارة للشباب الذين يتخوَّفون من المستقبل، فالبشرى لهم أنَّ الله القدير الرزاق العليم الغني ذا الرَّحمة لن يضيِّعهم، بل لعلَّ بوابة الغنى وطريق الاستغناء يكون عن طريق الزواج، ويؤكد هذا المعنى ما أخبر به الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى إذ يقول: “ثلاثةٌ حقٌّ على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يُريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف“(أخرجه الترمذي 1655، والنسائي 3218، وحسنه الألباني في تحقيق المشكاة 3089).

 

وقد أوصى نبيُّنا -عليه الصلاة والسلام- بالزواج، وذكر ما يبيِّن أهميَّته وضرورته في زمن الفِتن والمغريات، فعن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: كنَّا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- شبابًا لا نجد شيئًا، فقال لنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “يا مَعشر الشباب، مَن استطاع الباءة فليتزوَّج؛ فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاءٌ“(أخرجه البخاري 5066، ومسلم 1400).

 

وبيَّن -عليه الصلاة والسلام- أن النكاح من هَدْيِه، وأن الزواج سنَّة من سننه، وأن من رَغِب عنه فقد رَغب عن شيء من الدِّين، وترك فضيلة عظيمة من فضائل الإسلام، فحين قال أحدهم: “أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا”، وعلم بذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، قال: “أما واللهِ إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلِّي وأرقد، وأتزوَّج النساء، فمَن رَغب عن سنَّتي فليس منِّي“(أخرجه البخاري 5063 بلفظه، ومسلم 1401).

 

عباد الله: إنَّنا كمسلمين نسلِّم لرب العالمين، ولشرعه المتين، ولنبيه الصادق الأمين، فعشنا سنوات عديدة، وأزمنة مديدة في خيرٍ عظيم؛ وذلك باليقين الذي تربَّت عليه الأمَّة من ضرورة الزواج، وأنه حصن حصين للمجتمع، وإن كانت المعوقات من زمن بعيد موجودة، لكنها لم تكن بالشَّكل الذي صارت إليه في زماننا، ولم تشكِّل تلك الخطورة التي يشكِّلها العزوف عن الزواج في أيامنا؛ وذلك لكثرة الفتن، ولتجدد المغريات، ولقوة أهل الباطل في نشر باطلهم، وحرصهم على إشاعة الفاحِشة في المجتمع المسلم، فالشَّهوات في كل مكان تتربَّص الناس، فبدل أن كان عند يوسف -عليه السلام- امرأة بزينتها تقول له: (هَيْتَ لَكَ)[يوسف: 23]؛ أصبح في كلِّ مكان امرأة تقول: هَيت لك، بل حتى على أكياس المنتجات ما تَستحي أن تنظر إليه، وما تعلمونه كثير من الحرب المعلنة على الفضيلة، والنشر الدؤوب للرذيلة، فصار كل معوق من معوقات الزواج وكل سبب من أسباب العنوسة يشكِّل مسمارًا خطيرًا في نعش العفاف، وفتيلاً مشتعلاً في بارود الشهوات.

 

إن العنوسة مع كونها ظاهرة تكتنف البيوت، وتختبئ وراء الجدران، فإنها ظاهرة لا يكاد شرها يستقر، ولا يكاد أهلها يسكنون، فهم في قلقٍ دائم، فالسكنى للبشر جعلها الله في اجتماعٍ حميم، وزواج رحيم: (لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً)[الروم: 21]، فهي ظاهرة خطيرة لا بد من البحث عن أسبابها، والسعي في علاجها.

 

ولنتأمل في الأسباب الحقيقية التي جعلَت من العنوسة ظاهرة تَنتشر وتتفشى في بلاد المسلمين، مما دعا المتخصصين في علم الاجتماع إلى دراستها، والتحقيق في أسبابها، وإبداء اقتراحات لعلاجها.

 

ولا يخفى أنَّ الأسباب ليست كلها متعمدة وبإرادة البشر؛ فقد تكون العنوسة ناتجة عن الحروب التي لا تُبقي ولا تَذر، وأكثر الضَّحايا فيها من الذكور، ومن الأسباب التي لا دَخل للبشر فيها أن يكثر الإناث في عداد المواليد، وكثرة النِّساء مع قلة الرجال من علامات الساعة؛ كما في صحيح البخاري؛ إذ يقول النَّبي -صلى الله عليه وسلم-: “من أشراط الساعة أن يقِلَّ العِلم، ويَظهر الجهل، ويظهر الزنا، وتكثر النساء، ويقل الرجال، حتى يكون لخمسين امرأة القيِّم الواحد”(أخرجه البخاري 81).

 

ومن جملة أسباب العنوسة التي يمكن السعي في معالجتها ما يلي:

  • المغالاة في المهور، والكلام في هذا قد كَثُر، والناصحون في عمَل مستمر يحذِّرون من مغبَّة ذلك العمل، وعقبة المال هي العقبة الأولى والكؤود غالبًا أمام مُريد العفاف؛ فـ “الزواج هو الطريق الطبيعي لمواجهة الميول الجنسيَّة الفطرية، وهو الغاية النظيفة لهذه الميول العميقة، فيجب أن تزول العقبات من طريق الزواج؛ لتجري الحياة على طبيعتها وبساطتها، والعقبة المالية هي العقبة الأولى في طريق بناء البيوت، وتحصين النفوس”(في ظلال القرآن؛ لسيد قطب 4/ 2514، 2515).

 

وكيف نمنع صاحب الدِّين والخُلق من النِّكاح، ونرده من الباب بسبب أنه لم يأتِ بما تَطمع به النفس من المال؟ مصيبة حذَّر منها النَّبي -عليه الصلاة والسلام- حين قال: “إذا خطب إليكم مَن ترضَون دينه وخُلقه، فزوِّجوه؛ إلَّا تفعلوا تكُن فتنة في الأرض، وفسادٌ عريضٌ“(أخرجه الترمذي 1048، وحسنه الألباني في تحقيق المشكاة 3009).

 

وقد تكون المغالاة في المهور ليست بسبَب الطَّمع في المال؛ وإنما بقصد التفاخر والمباهاة أمام الناس أنَّ مهر فلانة كان كذا، وفلان دفع من المهر كذا، إلى غير ذلك من المضحكات المبكيات، ولعلاج هذه القضية يَقترح ابن عثيمين -رحمه الله تعالى- حلاً عمليًّا يساهِم بشكل كبير في تسهيل الزواج الذي يكون المال حائلاً دون الوصول إليه، يقول -رحمه الله-: “ولو أننا نَسلك طريقة لتسهيل الأمر وتخفيف حدَّة المغالاة بتأجيل بعض المهر، بأن نقدِّم من المهر ما دعَت الحاجة إليه في النكاح، ونؤجِّل الباقي في ذمَّة الزوج، لكان هذا جائزًا وحسنًا؛ وفي ذلك تسهيل على الزوج ومصلحة للزوجة، فإنَّ ذلك أدعى لبقائها معه؛ لأنه لو طلَّقها لحلَّ المهر المؤجَّل إذا لم يكن له أجل معيَّن، فانظروا رحمكم الله هذه المشكلة بعين الاعتبار، ولا تجعلوا المهور محلاً للمفاخرة والمباهاة، ويسِّروا ييسِّر الله عليكم“(الضياء اللامع من الخطب الجوامع؛ لابن عثيمين 2/ 260).

 

  • ومن الأسباب الحرب الشعواء التي تُشَنُّ على تعدُّد الزوجات، بسببٍ أو بآخر، ولو علِموا ما في التعدُّد من النجاة والخير، لدَعوا إليه بكلِّ ما أوتوا من قوَّة، وحرصوا على إفشائه بكلِّ طريق، ولا يُعترض بالأخطاء التي يقع فيها بعضُ المعدِّدين؛ لقلَّة فقههم، أو لضعف إيمانهم، فالشريعة عندما أباحت التعدُّد جعلت الضوابطَ والشروط؛ حتى لا يختلَّ الأمر، ولا تضطرب الأحوال.

 

ومن هذه الضوابط ما ذُكر في قول الله -تعالى-: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ)[النساء: 3]، قال ابن كثير -رحمه الله-: “أي: فإن خشيتم من تعداد النِّساء ألَّا تعدِلوا بينهنَّ، كما قال -تعالى-: (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ)[النساء: 129]، فمن خاف من ذلك فيقتصر على واحدة، أو على الجواري السراري، فإنه لا يجب قَسم بينهن، ولكن يُستحب، فمن فعل فحسن، ومن لا فلا حرج”(تفسير ابن كثير 2/ 212).

 

فالخير كل الخير في العمل بما شرَعه الله –تعالى-، وإن كنا لا نَعلم ذلك الخير، أو غطته عنَّا وسائل الإعلام العميلة، والمثقفون المتغربون من خلال ما نراه ونسمعه ونقرؤه من نتانة أفكار، ودناءة أخلاق، فالقرآن يَهدي للتي هي أقوم، شاء مَن شاء وأبى من أبى، وفي القرآن جاء بيان إباحة الزواج بأربع.

 

وفي ذلك من الخير ما أشار إليه الشنقيطي -رحمه الله تعالى- بقوله: “القرآن أباح تعدُّد الزوجات لمصلحة المرأة في عدم حرمانها من الزواج، ولمصلحة الرجل بعدم تعطُّل منافعه في حال قيام العذر بالمرأة الواحدة، ولمصلحة الأمَّة ليكثر عددها، فيمكنها مقاومة عدوِّها لتكون كلمةُ الله هي العليا، فهو تَشريعُ حكيمٍ خبير، لا يَطعن فيه إلَّا من أعمى الله بصيرته بظلمات الكفر، وتحديد الزوجات بأربع تحديدٌ من حكيم خبير، وهو أمر وسط بين القلَّة المفضية إلى تعطل بعض منافع الرجل، وبين الكثرة التي هي مظنَّة عدم القدرة على القيام بلوازم الزوجية للجميع، والعلم عند الله –تعالى-“(أضواء البيان؛ للشنقيطي 3/ 24).

 

أحبَّتي الكرام، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا مزيدًا إلى يوم الدين.

 

أما بعد: فمن الأسباب المؤدية إلى العنوسة: عزوف الشباب من الذكور والإناث عن الزواج بحجج واهية؛ كحجَّة التعليم، وهل الزواج يعيق عن التعليم؟! بل إنَّ صفاء الذِّهن، وراحة النفس، وهدوء البال هي رفيقة المتزوج والمتزوجة، فإن كان العذر من قِبَل الرجل فلا تنظر إلى بعض التجارب الفاشلة، ولكن انظر إلى الناجحين الذين ارتقوا بعد زواجهم، وازداد تحصيلهم، وهم كثير والحمد لله.

 

أمَّا الفتاة التي تقدِّم التعليم على الزواج، فنقف معها وقفة مصارحة ونقول لها: أختي الفاضلة: إن ما تطمحين إليه من خلال تعليمك هو السعادة والراحة النفسية، وأن تكوني عاملة مؤثِّرة في هذا المجتمع، وأن تكوني لَبِنةَ خير في صلاح الأمة ورقيها، وكل هذا تجدينه في الزواج، فإن تيسَّر لك التعليم بعد الزواج، فهذا أمر، وإلا فالبيت هو ميدانك لتُخرجي للأمة مَن يرفع رأسك قبل رأس أمَّته، ومن يخرج الخير الذي في نفسك واقعًا عمليًّا، فيكون لك الأجر عند ربِّك، ولك الذِّكر الحسن في مجتمعك، فإن الأمة لم تنسَ ولن تنسى ما قدَّمَته أمُّ ربيعة الرَّأي، ولا ما فعلَتْه أمُّ الشافعي، ولا ما سطَّرَته أمُّ أحمد بن حنبل، ولا ما صنعَتْه كلُّ أمٍّ أخذت مكانها المناسب وأبدعت من خلال ما تستطيع، وبواسطة ما تقدر، فهنيئًا لمن كان هذا حالها صحبة أمِّ المؤمنين خديجة -رضي الله عنها-، وزوجة فرعون التي بنى الله لها بيتًا في الجنَّة، وعائشة الصدِّيقة -رضي الله عنها-، وغيرهنَّ ممن وضعن رحلهنَّ في الجنة بما قدَّمنَ، وهن نساء لم يقلن: نريد أن نكون رجالاً، ونريد أن نفعل كلَّ ما يفعله الرجال، لكنهنَّ أبدعن وأحسنَّ، فكنَّ مثالاً يُحتذى به في التضحية، والجد والاجتهاد، والمثابرة والعمل لهذا الدين.

 

وهنا أحبُّ أن نقِف وقفة صادقة مع أنفسنا ونحن نسمع الصيحات والأنَّات من نساء عزفنَ عن الزواج لعِلَّة الدراسة، فها هنَّ اليوم في تَعاسة لا يَعلم قدرَها إلا الله، وتصرِّح واحدة بأنها تتمنَّى أن تسمع مَن يناديها: “ماما”، ولو كلَّفها ذلك كل شهاداتها، وسني تحصيلها، هذه واحدة تكلَّمَت وغيرها الكثير، لكنهنَّ صامتات يحاولنَ التصحيح والرجوع، فكان الله في عونهنَّ، وسهَّل لهنَّ طريق العفَّة والسعادة.

 

  • قد تكون العادات والتقاليد السيئة سببًا رئيسًا للعنوسة؛ فمن تلك العادات اشتراط الزَّواج من نفس القبيلة، والضحيَّة في هذا الأمر هنَّ الفتيات، فالرجال قد يخرجون يمنة ويسرة، ويتزوَّجون من حيث شاءوا، وقد يَفعل ما لا يُرضي الله -تعالى-، وهذا أمر خطير، خاصَّة مع كثرة المغريات، وسهولة التعرُّض للفتن من خلال المواقع والقنوات، فكيف بالله عليك يا أيها الأب تَمنع ابنتَك من زوجٍ ذي خُلُق ودِين من أجل هذا الأمر وأنت قد جعلتَ لها ما يثيرها، وما يأجج نار الشهوة في قلبها؟! فالرَّحمة الرحمة أيها الآباء، وليتدخَّل المصلحون في هذا الأمر حتى لا تكون فِتنة أو فَساد عريض.

 

  • وقد يَعمد بعضُ الآباء إلى مَنع المتقدمين للزَّواج بسبب أنَّ المطلوبة للزواج هي الصغرى، فلا زواج لها حتى تتزوَّج الكبرى، وتمر السنون، وتذهب الأيام والبنات حبيسات المنزل! أليس أمر الزَّواج قَدَر يقدِّره الله -تعالى-، فهو للكبرى أو للصغرى بحسب ما يَكتبه الله، فلماذا لا نعف بناتنا في أقرب فرصة إذا تقدَّم الرجل المناسب، والذي يسَّر أمر الصغرى سييسِّر أمرَ الكبرى، وكل شيء عنده بمِقدار، فلا نتَّخذ قرارات نَعتذر منها غدًا، ولا نلزم أنفسنا بقوانين نندم عليها في المستقبل، وقد نتعرض لدعوة مَظلومة ليس بينها وبين الله حجاب.

 

  • ومن أسباب العنوسة: إهمال المجتمع لأمر الزواج، وعدم التعاون مع الشابِّ الذي يريد العفاف، وماذا يحتاج الشباب ليتزوَّج؟ يحتاج إلى المال، وإلى أدوات مَنزليَّة، وإلى سكَن، وإلى عمل أو وظيفة يحصل من خلالها على لقمة العيش؛ وكل هذه الأمور موجودة لدينا، ويستطيع أن يتعاون بها بعضنا، فإلى كل مَن يقدر على إعانة الشباب في الزواج أقول له: لا تتأخَّر لحظة واحدة في تكوين بَيت مسلم، فكم لك من الأجر يوم أن تكون سببًا في تَكثير أمَّة محمد -صلى الله عليه وسلم- القائل: “تزوَّجوا الودودَ الولود؛ فإنِّي مكاثِر بكم الأمم“(أخرجه أبو داود 2050 بلفظه، وأحمد 12202، وصححه الألباني في تحقيق المشكاة 3091).

 

فأين أصحاب الأموال؟ وأين أصحاب العقارات؟ وأين أصحاب الأعمال؟ لنقِف مع مُريد العفاف، ولننتشل شبابَ الأمَّة من شراك المخططات الغربيَّة التي لا تفتأ تشيع الفاحشةَ بينهم، ولنكن أنصارًا لدِين الله -عزَّ وجل- ننشر الفضيلة، ونحارِب الرذيلةَ كل بما يستطيع، والخير الذي يجِده الشاب بعد زَواجه ليس راجعًا له فقط، فهو عائد إليك أيها المحسِن من خلال الأجر الكبير عند مَن يجزي بالحسنة عَشر أمثالها إلى سبعمائة ضِعف: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)[البقرة: 261]، ولك الخير في الدنيا قبل ذلك، فصلاح الشباب هو صلاح شَريحة كبيرة من المجتمع، وصَلاح الأسرة صَلاح للأمَّة.

 

اللهمَّ أصلِح أحوال أمَّتنا، واحفظها من كَيد الكائدين، ومَكر الماكرين، اللهم لا تدع لنا ذنبًا إلا غفرتَه، ولا همًّا إلَّا فرَّجته، ولا كربًا إلا نفَّسته، ولا عازبًا إلا وزوَّجته، ولا متزوجًا إلا ذريَّةً صالحة رزقته.

 

اللهمَّ اكتب العفافَ لشباب المسلمين، واحفظهم من شياطين الإنس والجن يا رب العالمين.

 

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

 

الملفات المرفقة
مشكلة العنوسة الأسباب والحلول
عدد التحميل 11
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات