ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

15649

أسس بناء المدينة الفاضلة من خلال الهجرة النبوية

المكان : مصر / الإسكندرية / بدون / بدون /
التصنيف الرئيسي : أخلاق وحقوق السيرة النبوية
تاريخ الخطبة : 1439/12/20
تاريخ النشر : 1439/12/29
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/الأسس والقيم التي بنيت عليها مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم 2/نماذج مشرقة من أصحابه عليه الصلاة والسلام ممن ترسخت فيهم تلك القيم.
اقتباس

لقد ضحى كل المهاجرين بأموالهم، فلم يخرج واحد منهم، إلا خلّف أمواله كلها أو بعضها من ورائه في مكة، وكان له لون من ألوان التضحية؛ ولكنني هنا سأكتفي بهذين النموذجين الرائعين، لدلالتهما الباهرة على تقديم العقيدة والمبدأ، عند المهاجرين، على الأموال!!

الخطبة الأولى:

 

أما بعد: إن هجرة النبي -صلى الله عليه وسلم- منهجا ودستورا فريدا لبناء المدينة الفاضلة التي تقوم على الإيمان والعدل والتي تبنى على التضحية والفداء، وإليكم -عباد الله- أسس المدينة الفاضلة ليست مدينة سقراط ولا أرسطو وإنما مدينة محمد -صلى الله عليه وسلم- مدينة تجسدت فيها القيم والأخلاق والمثل في أشخاص رباهم النبي -صلى الله عليه وسلم-.

 

الأساس الأول: أساس العقيدة

أحبتي في الله: إن أول أساس تؤسس عليه المدينة الفاضلة التي أسسها محمد -صلى الله عليه وسلم- هو أساس القوة والصلابة إنه أساس تزول الجبال الرواسي ولا يزول، إنه أساس العقيدة التي تمنح صاحبها قوة وصلابة ومحبة للأخرين، إنه الأساس الذي بدونه تنهار الأمم و تنهار الحضارات، إنه الأساس الذي تبنى عليه الأمجاد وتعز به الأمم و الشعوب.

 

في هجرة المصطفى مغزى لمدكر*** لا تجهلوا مجدكم يا قوم وادكروا

لو كان للمال أو للجاه قد خرجوا *** أو للرياسةِ أو للفخرِ ما انتصروا

الله يعلمُ أن القومَ تحفزُهم ***عقيدةٌ ولها الأرواحَ قد نذروا

فبالعقيدةِ قام القومُ وائتلفوا *** وبالعقيدةِ يُرمى القوسُ و الوترُ

وبالعقيدةِ ذلّ الشِركُ وارتفعت ***منارةٌ بسنا التوحيدِ تفتخرُ

وبالعقيدة كان النّصر وانهزمت *** جيوشُ كِسرى فلا تاجٌ ولا سُرُرُ

وبالعقيدة راجَ العِلمُ وازدهرتْ *** ريـاضُـهُ فله الأزهارُ والثمرُ

ضَعْفُ العقيدة داءُ الشرقِ فانتبهوا *** قوّوا العقيدةَ فالإيمانُ يُحْتَضَرُ

 

الأساس العقيدة التي هي أول دعوة للرسل: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ)[الأنبياء: 25].

 

العقيدة التي تصنع الأعاجيب

 

تالله ما الطغيان يهزم دعوة *** يومًا، وفي التاريخ بِرُّ يميني

ضع في يدي القيد، أَلْهِبْ أضلُعي *** بالسوط، ضع عنقي على السكين

لن تستطيعَ حصار فكري ساعة *** أو نزع إيماني ونور يقيني

فالنور في قلبي، وقلبي في يَدَي *** ربي، وربي ناصري ومعيني

سأعيش معتصمًا بحبل عقيدتي *** وأموت مبتسمًا ليحيا ديني

صبرًا أخي في محنتي وعقيدتي *** لا بد بعد الصبر من تمكينِ

ولنا بيوسف أسوة في صبره *** وقد ارتمى في السجن بضع سنينِ

 

العقيدة التي تربي أصحابها على مراقبة الله -تعالى- لا مراقبة الهيئات.

 

العقيدة التي تربي المجتمع على أن أكرمهم لي أغناهم ولا أفواههم وإنما اتقاهم.

 

العقيدة التي تربي المجتمع على الوحدة والاعتصام لا بالأشخاص ولا بالأحزاب وإنما بالله -تعالى-

 

العقيدة التي تربي المجتمع على أن الأرزاق بيد الخلاق -جل في علاه-.

 

الثاني: أساس التضحية

أحباب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: الأساس الثاني الذي أسس عليه النبي-صلى الله عليه وسلم – دولته أسسها على حب ووجوب التضحية والفداء؛ فأي أمة لا تضحي ولا يضحي أبناؤها أمة هباء لا مجد ولا تاريخ وإنما هم رعاع، ولقد ظهرت تضحية أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم-واضحة جلية في مواقفهم وفي انشراح صدروهم لتك التضحيات فيها لنرى كيف كانت تضحيتهم:

أولا: التضحية بالنفس؛ فتأملوا -عباد الله- في تضحية علي -رضي الله عنه- في ليلة الهجرة وكيف بذل نفسه فداء لنبيه ولدينه وهو يعرف خطورة الإقدام على المبيت في فراش سيد البشر -صلى الله عليه وسلم- لقد استل المشركون أسيافهم بعدما قرروا أن ينقضوا على الرسول -صلى الله عليه وسلم- ليضربوه ضربة رجل واحد ولقد كان علي -رضي الله عنه- يعي ذلك جيدا.

 

قال ابن اسحق: فأتى جبريلُ -عليه السلام-، رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم-؛ فقال: لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه. قال: فلما كانت عتمة من الليل اجتمعوا على بابه يرصدونه حتى ينام فيثبون عليه، فلما رأى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مكانهم، قال لعلي بن أبي طالب: “نم على فراشي، وتسجَّ ببردي“(سيرة ابن هشام).

 

ثانيا: التضحية بالزوجة والولد؛ فولد الرجل وزوجته أغلى ما يملك في هذه الحياة ومن أجلها يقدم المرء على المهالك وإن كان فيها حتفه، وعلى الرغم من ذلك من أجل بناء صرح وتأسيس المدينة الفاضلة يهون كل شيء؛ قال ابن هشام: فكان أول من هاجر إلى المدينة من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، أبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي، واسمه عبد الله، هاجر إلى المدينة قبل بيعة أصحاب العقبة بسنة، وكان قدم على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مكة من الحبشة، فلما آذته قريش، وبلغه إسلام من أسلم من الأنصار، خرج الى المدينة مهاجراً.

 

ولنترك لأم سلمة -رضي الله عنها-، المتخصصة في رواية أحاديث الهجرة، تقص علينا وقائع هذه الملحمة الخالدة، قالت:

“لما أجمع أبو سلمة الخروج إلى المدينة، رحل لي بعيره ثم حملني عليه، وحمل معي ابني سلمة في حجري ثم خرج يقود بي بعيره، فلما رأته رجال بني المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، قاموا إليه، فقالوا: هذه نفسك غلبتنا عليها، أرأيت صاحبتك هذه، علام نتركك تسير بها في البلاد!؟

قالت فنزعوا خطام البعير من يده، فأخذوني منه، قالت: وغضب عند ذلك بنو عبد الأسد، رهط أبي سلمة، فقالوا: لا والله، لا نترك ابننا عندها إذ نزعتموها من صاحبنا.

قالت: فتجاذبوا بُنيَّ، سلمة، بينهم حتى خلعوا يده. !!!

وانطلق به بنو عبد الأسد وحبسني بنو المغيرة عندهم، وانطلق زوجي أبو سلمة إلى المدينة.

قالت: ففرق بيني وبين زوجي وبين ابني. قالت: فكنت أخرج كل غداة، فأجلس بالأبطح، فما أزال أبكي حتى أمسى سنة أو قريباً منها، حتى مر بي رجل من بني عمي، فرأى ما بي فرحمني، فقال لبني المغيرة: ألا تخرجون هذه المسكينة، فرقتم بينها وبين زوجها وولدها!؟

قالت: فقالوا لي: الحقي بزوجك إن شئت. قالت: ورد بنو عبد الأسد إليَّ عند ذلك ابني.

قالت: فارتحلت بعيري، ثم أخذت بُنيَّ فوضعته في حجري، ثم خرجت أريد زوجي بالمدينة.(سيرة ابن هشام).

 

ثالثا: التضحية بالمال؛ المال هو زينة الحياة والمال من أجله يقض الإنسان الساعات الطوال في كد وفي تعب وفي إرهاق شديد من أجل تحصيله ولكن إذا تعارض المال مع العقيدة ويناء صرح الأمة يزول المال ويهون وهذا ما رأيناه في هجرة أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-

 

لقد ضحى كل المهاجرين بأموالهم، فلم يخرج واحد منهم، إلا خلّف أمواله كلها أو بعضها من ورائه في مكة، وكان له لون من ألوان التضحية؛ ولكنني هنا سأكتفي بهذين النموذجين الرائعين، لدلالتهما الباهرة على تقديم العقيدة والمبدأ، عند المهاجرين، على الأموال!!

 

قال ابن هشام: وذكر لي عن أبي عثمان النهدي، أنه قال: بلغني أن صهيباً حين أراد الهجرة، قال له كفار مكة: أتيتنا صعلوكاً حقيراً، فكثر مالك عندنا، وبلغت الذي بلغت، ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك!؟ والله لا يكون ذلك.

فقال لهم صهيب: أرأيتم إن جعلت لكم مالي أتخلون سبيلي!؟

قالوا نعم. قال: فإني جعلت لكم مالي. قال: فبلغ ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: “ربح البيع صهيب، ربح البيع صهيب”(سيرة ابن هشام).

 

وهذه أسماء تحدث عن أبيها أبي بكر -رضي الله عنه-، قالت: لما خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وخرج أبو بكر معه، احتمل أبو بكر ماله كله، وكان خمسة آلاف أو ستة آلاف درهم، فانطلق به معه.

قالت: فدخل علينا جدي أبو قحافة، وقد ذهب بصره، فقال: والله إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه! قالت: قلت: كلا يا أبت!

إنه قد ترك لنا خيراً كثيراً، قالت: فأخذت أحجاراً، فوضعتها في كوة في البيت، التي كان أبي يضع أمواله فيها، ثم وضعت عليها ثوباً، ثم أخذت بيده، فقلت: يا أبت، ضع يدك على هذا المال! قالت: فوضع يده عليه، فقال: لا بأس، إذا ترك لكم هذا فقد أحسن وفي هذا بلاغ لكم! ولا والله ما ترك لنا أبي شيئاً؛ ولكنني أردت أن أسكّن الشيخ!!!(سيرة ابن هشام).

 

الأساس الثالث: أساس الصلة بالله؛ أول عمل قام به الرسول في قباء كان بناء المسجد، وأول عمل قام به الرسول في المدينة كان بناء المسجد، وهذا الأمر لم يكن على سبيل المصادفة، ولم يكن مجرد إشارة عابرة، هذا منهج أصيل، فلا قيام لأمة إسلامية بغير المسجد، أو قل لا قيام لأمة إسلامية بغير تفعيل دور المسجد؛ لأن المساجد الآن كثيرة؛ لكنّ الكثير منها غير مفعّل، ولا يقوم بدوره المنوط به.

 

يخطئ من يظن أن دور المسجد يقتصر على أداء الصلوات الخمس فحسب، بل إنه في بعض الدول الإسلاميّة يتم غلق المسجد بعد أداء الصلاة مباشرة، وكأن دوره الوحيد هو الصلاة فقط. وفي الحقيقة دورُ المسجد في الأمة الإسلاميّة أعمق من ذلك بكثير، فليست قيمة المسجد في حجمه ولا في شكله ولا في زخرفته ولا من الذي افتتحه أو قصّ الشريط، فهذه كلها شكليات فارغة لا قيمة لها، بل على العكس من ذلك الرسول كان يَنْهَى عن هذه الشكليات، وكان ينهى عن المبالغة في تزيين المساجد؛ ففي سنن أبي داود والنسائي وابن ماجه وصححه ابن حبان عن أنسٍ ؛ ولفظ ابن خزيمة: “يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَتَبَاهَوْنَ فِيهِ بِالْمَسَاجِدِ ثُمَّ لاَ يَعْمُرُونَهَا إِلاَّ قَلِيلاً“.

 

قول هذا القول، وأستغفر الله العظيم الكريم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب؛ فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما.

 

الأساس الرابع: أساس الإخوة والمحبة؛ كان الأساس الرابع يتمثل في المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، فقد آخى الرسول-صلى الله عليه وسلم -بين المهاجرين والأنصار، وجعل منهم إخوة متحابين تعاونوا وتحابوا بروح الله فأصبحوا متعاونين علي البر والتقوي، وكان الأنصار عند حسن ظن النبي بهم، لدرجة أن هذه المؤاخاة لم يقف أمرها عند حد المؤاخاة فحسب بل أصبحوا بها يتوارثون كما يتوارث الأبناء من آبائهم حتي نزل قول الله –تعالي-: (وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ)[الأنفال: 75].

 

وكان من ثمرة هذه المؤاخاة ما تميز به الأنصار من إيثار غيرهم علي أنفسهم، حتى أن أحدهم عندما يأتي لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- ضيف ولا يجد في بيوت أمهات المؤمنين شيئا يقول: من يضيف ضيف رسول الله -صلي الله عليه وسلم-، فيأخذه واحد من الأنصار ولا يجد سوي طعام الصبية، فتعلل امرأته أبناءها حتي يناموا ويوضع الطعام وتقوم لإصلاح السراج فتطفئه حتي لا يرى الضيف أنهما لا يأكلان شيئا ليأكل الضيف وليؤثروا ضيف رسول الله -صلي الله عليه وسلم- علي أنفسهما فإذا ما انتهي وأصبح الصباح وذهب الرجل إلي رسول الله -صلي الله عليه وسلم- يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- له: “لقد عجب الله من صنيعكما بضيفكما أمس“، ونزل قول الله –تعالي-: (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)[الحشر: 9].

 

ورحِم الله القائلَ:

أَخُوكَ الَّذِي يَحْمِيكَ فِي الغَيْبِ جَاهِدًا *** وَيَسْتُرُ مَا تَأْتِي مِنَ السُّوءِ وَالقُبْحِ

وَيَنْشُرُ مَا يُرْضِيكَ فِي النَّاسِ مُعْلِنًا *** وَيُغْضِي وَلا يَأْلُو مِنَ البِرِّ وَالنُّصْحِ

 

 

ومن الآيات الدَّالَّة على فضْل الأخوَّة وأنَّها سبب لتماسُك المجتمعات: قولُه – جلَّ وعلا -: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا)[آل عمران: 103].

 

يقول صاحب “الظلال” معلِّقًا على هذه الآية بقوله: “فهي أخوَّة إذن تنبثق من التَّقوى والإسلام، من الركيزة الأولى، أساسها الاعتِصام بحبل الله – أي: عهْده ونهجه ودينه – وليست مجرَّد تجمُّع على أيّ تصوُّر آخر، ولا على أيِّ هدف آخر، ولا بواسطة حبل آخَر من حبال الجاهليَّة الكثيرة؛ (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا).

هذه الأخوَّة المعتصمة بحبل الله نعمةٌ يمتنُّ الله بها على الجماعة المسلمة الأولى، وهي نعمة يهَبها الله لِمَن يحبُّهم من عباده دائمًا، وهو هنا يذكرهم هذه النّعمة، يذكرهم كيف كانوا في الجاهليَّة “أعداء”… وما كان أعْدى من الأوس والخزرج في المدينة أحد، وهُما الحيَّان العربيَّان في يثرب، يُجاوِرُهما اليهود الَّذين كانوا يُوقدون حول هذه العداوة وينفخون في نارِها؛ حتَّى تأكل روابط الحيَّين جميعًا، ومِن ثمَّ تجد يهود مجالَها الصَّالح الذي لا تعمل إلاَّ فيه، ولا تعيش إلاَّ معه، فألَّف الله بين قلوب الحيَّين من العرب بالإسلام…. وما كان إلاَّ الإسلام وحْده يَجمع هذه القلوب المتنافرة، وما كان إلاَّ حبل الله الَّذي يعتصم به الجميع فيُصْبِحون بنعمة الله إخوانًا.

 

ومن أجل ذلك؛ فقد جعل رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- أساس الأخوَّة التي جمع عليها أفئدة أصحابه: العقيدة الإسلاميَّة التي جاءهم بها من عند الله -تعالى-، والَّتي تضع النَّاس كلهم في مصافّ العبودية الخالصة لله تعالى، دون الاعتبار لأيّ فارق إلاَّ فارق التقوى والعمل الصَّالح؛ إذ ليس من المتوقَّع أن يسود الإخاء والتَّعاون والإيثار بين أناس شتَّتتهم العقائد والأفكار المختلفة، فأصبح كل منهم ملكًا لأنانيَّته وأثرته وأهوائه.

 

إنَّ المجتمع -أيّ مجتمع- إنَّما يختلف عن مجموعةٍ ما من النَّاس منتثرة مفكَّكة، بشيء واحد، هو قيام مبدأ التَّناصُر والتَّعاون فيما بين أشخاص هذا المجتمع، وفي كلّ نواحي الحياة ومقوّماتها، فإن كان هذا التَّعاون والتَّناصُر قائمًا، طبق نظام العدل والمساواة فيما بينهم، فذلِك هو المجتمع العادل السَّليم، وإن كان ذلك قائمًا على الحيف والظلم، فذلك هو المجتمع الظَّالم المنحرف، وإذا كان المجتمع السليم إنَّما يقوم على أساس من العدالة في الاستِفادة من أسباب الحياة والرِّزْق، فما الَّذي يضمن سلامة هذه العدالة وتطبيقها على خير وجه؟

إنَّ الضَّمانة الطبيعيَّة والفطريَّة الأولى لذلك، إنَّما هي التَّآخي والتَّواد.

 

الأساس الخامس: أساس التعايش السلمي مع المخالف؛ وكان الأساس الخامس الذي أقام الرسول -صلي الله عليه وسلم- الدولة الإسلامية عليه هو تلك المعاهدة التي عاهد فيها المسلمين وغيرهم من اليهود والمشركين فشرط لهم وشرط عليهم وهي تعتبر أول وثيقة عرفتها البشرية لحقوق الإنسان.

 

وهذه المعاهدة تفحم بعض الذين يتشدقون بأن في الإسلام عصبية أو أن فيه عنصرية فكانت أسس الهجرة تحمل أوضح الدلائل على تسامح الإسلام.

 

الدعاء

 

الملفات المرفقة
أسس بناء المدينة الفاضلة من خلال الهجرة النبوية
عدد التحميل 21
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات