طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

15609

الجفاف العاطفي مع المرأة

المكان : المملكة العربية السعودية / الخبر / حي العقربية / جامع عمر بن عبد العزيز /
تاريخ النشر : 1439/12/17
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/تكريم الإسلام للمرأة 2/ضعف صور الاهتمام بالمرأة 3/مخاطر إهمال عواطف المرأة 4/ وروحها وعقلها 4/مفاسد سوء معاملة الزوجات وقبح الأخلاق معهن 5/هدي النبي صلى الله عليه وسلم في التعامل مع زوجاته والرفق بهن 6/كثرة التوجيهات القرآنيَّة والنبوية لكِلا الزوجين بالعشرة الحسنة 7/من أعظم أسباب الجَفاف العاطفي.
اقتباس

من المؤسِف أن نرى ونسمع بأناس لا يتجاوز الاهتمام عندهم بالمرأة إلَّا فيما يتعلَّق بحشمتها ولباسها الظاهر فقط، أمَّا عواطفها وروحها وعقلها، فقد تُرك.. على الرجل أن يتذكَّر أنَّ المرأة تحتاج إلى لَمسات إنسانيَّة وإلى كلمات الحبِّ والحنان أكثر من حاجتها إلى…

الخطبة الأولى:

 

إنَّ الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله -صلى الله عليه وسلم-.

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء: 1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب: 70، 71].

 

أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة.

 

عباد الله: أوصيكم ونفسي بتقوى الله -عزَّ وجل-، فهي وصيَّة الله للأوَّلين والآخِرين، كما قال تعالى: (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ)[النساء: 131].

 

أيها المسلمون: كانت المرأة قبل الإسلام تعاني من التعسُّف والظلم، فكان الشأن كله للذُّكور فقط، وكانت المرأة أو البنت مَظلومة مهانة، فلو مات الرجل وخلَّف زوجةً، فيحقُّ لولده من غيرها أن يتزوَّجها وأن يتحكَّم بها، أو أن يمنعها من الزواج، وكان الذكور هم الذين يَرِثون، وأما النساء فلا نصيبَ لهن.

 

وكانت النَّظرة إلى المرأة نظرة عار وخزي، ويصوِّر القرآن الكريم حالَ الفرد الجاهلي إنْ بُشِّر بالأنثى، فيقول –سبحانه-: (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ)[النحل: 58، 59].

 

ولقد جاء الإسلام وكرَّم المرأة تكريمًا يشمل كلَّ مراحل الحياة التي تمر بها منذ ولادتها وحتى الموت، وبلَغ تكريم الإسلام للمرأة مكانة عالية، لم تبلغها أمَّة ماضية؛ إذ إنَّ تكريم الإسلام للإنسان تشترك فيه المرأة والرَّجل على حدٍّ سواء، قال -تعالى-: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ)[الإسراء: 70]، وقال -سبحانه-:(لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ)[النساء: 7]، وقال -عَزَّ وَجَلَّ-: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ)[البقرة: 228]، وقال -سبحانه-: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ)[التوبة: 71]، وقال -تعالى-: (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى)[آل عمران: 195]، وقال -جلَّ ثناؤه-: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)[النحل: 97]، وقال -عز من قائل-: (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا)[النساء: 124].

 

عباد الله: من المؤسِف أن نرى ونسمع بأناس لا يتجاوز الاهتمام عندهم بالمرأة إلَّا فيما يتعلَّق بحشمتها ولباسها الظاهر فقط، أمَّا عواطفها وروحها وعقلها، فقد تُرك، فلا يتعاملون مع المرأة على أنَّها إنسان ومخلوق مكرَّم، بل إن هناك صورة سيئة ومفهومًا خاطئًا عند بعض الرجال، فيقولون: إن المرأة يجِب الحذر منها، ويجب على الرجل أن يشد عليها الوطأة من أول ليلة يدخل بها، وكم يتَواصى الشباب بمثل هذه الوصيَّة، ويحدث ما لا يحمد عقباه، فمن الخطأ أن نقول:

رأيتُ الهمَّ في الدنيا كثيرًا *** وأكثرهُ يكون من النساءِ

فلا تأمنْ لأنثى قط يومًا *** ولو قالت: نزلتُ من السماءِ!

 

إخوة الإسلام: تشكو بعض النِّساء من سوء معاملة زوجها وقبح أخلاقه معها، وقد يصِل الأمر في بعض الأحايين إلى ضربها وحبسها، وقد يتمنَّى البعض موتها؛ كما قال أحدهم:

لقد كنتُ محتاجًا إلى موتِ زوجتي *** ولكن قرين السوء باقٍ معمرُ

فيا ليتها صارَت إلى القبر عاجلًا *** وعذَّبها فيه نكير ومنكرُ

 

أما سمِع هؤلاء إلى قَول نبي الرحمة -صلى الله عليه وسلم-: “استوصُوا بالنِّساء، فإنَّ المرأة خُلقَت من ضلعٍ، وإنَّ أعوج شيءٍ في الضِّلع أعلاه، فإن ذهبتَ تُقيمه كسرتَه، وإن تركتَه لم يزل أعوج، فاستوصُوا بالنساء“؛(أخرجه البخاري 3331، ومسلم 1468).

 

وهذا أمر من النَّبي -صلى الله عليه وسلم- للمؤمنين بعدَم إهدار حقوق النِّساء، والتلطُّف بهنَّ فيما يقع منهنَّ نتيجة نقصان عقلهن.

 

قال الحافظ ابن حجر: “وفي الحديث الندب إلى المداراة؛ لاستِمالة النفوس وتألُّف القلوب، وفيه سياسة النِّساء؛ بأخذ العفو منهنَّ، والصبر على عوجهنَّ، وأن مَن رام تقويمهنَّ فاته الانتِفاع بهنَّ، مع أنه لا غِنى للإنسان عن امرأة يَسكن إليها ويستعين بها على مَعاشه، فكأنه قال: الاستمتاع بها لا يتم إلا بالصَّبر عليها”؛(فتح الباري 9/ 254).

 

أخي المسلم: حسبك أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يحث على حُسن التعامل مع الزَّوجة في أكبر تجمُّع للمسلمين، وذلك في حجَّة الوداع، حيث يقول: “فاتَّقُوا الله في النِّساء؛ فإنَّكم أخذتُموهنَّ بأمان الله، واستحللتُم فُرُوجهنَّ بكلمة الله، ولكم عليهنَّ أن لا يُوطئنَ فُرُشكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلنَ ذلك فاضربُوهنَّ ضربًا غير مُبرحٍ، ولهنَّ عليكم رزقُهنَّ وكسوتُهنَّ بالمعرُوف“؛(أخرجه مسلم 1218).

 

وبيَّن -صلى الله عليه وسلم- أنَّ خيار الناس خيارهم لنِسائه، قال عليه الصلاة والسلام: أكمَلُ المؤمنين إيمانًا أحسنُهم خُلُقًا، وخيارُكم خيارُكم لنسائهم“(أخرجه الترمذي 1162، وقال الألباني: حسن صحيح، انظر: صحيح الترغيب والترهيب، رقم 1923).

 

وأوضح لنا المولى -تبارك وتعالى- أصولَ المعاشرة الزوجيَّة، فقال -سبحانه-: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا)[النساء: 19].

 

قال ابن كثير: “أي: طيِّبوا أقوالكم لهنَّ، وحسِّنوا أفعالكم وهيئاتكم بحسب قدرتكم، كما تحبُّ ذلك منها فافعل أنت بها مثله؛ كما قال -تعالى-: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ)[البقرة: 228]”(تفسير ابن كثير 2/ 242).

 

فالمرأة يعجبها من زوجها ما يعجِبه منها، وقد فهم ذلك ابن عباس -رضي الله عنهما- من قوله -تعالى-: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ)[البقرة: 228]، فقال: “إني لأتزيَّن لامرأتي كما تتزيَّن لي“(تفسير القرطبي 3/ 123).

 

عباد الله: تعدُّ سِيرة النَّبي -صلى الله عليه وسلم- خير مِثال يُحتذى به لمن أراد أن يتخلَّص من جفافه العاطفي مع أهله، انظر إلى النَّبي -صلى الله عليه وسلم- وهو المنشغل بأمور الدعوة والجهاد، لا يَمنعه ذلك عن أن يسمر مع نسائه ويستمع منهنَّ؛ فهذه عائشة -رضي الله عنها تُحدِّث رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- بحديث أم زَرع وهو يَستمع لحديثها حتى انتهت منه.

 

تقول -رضي الله عنها-: “إنَّ إحدى عشرة امرأة تعاهدنَ وتعاقدن أن لا يَكتمنَ من أخبار أزواجهنَّ شيئًا“.

 

فذكَرت لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصْف كل واحدة زوجها، فكانت أحسنَهنَّ وصفًا لزوجها وأكثرَهن تعدادًا لنِعَمه عليها زوجةُ أبي زرع.

 

قالت عائشة -رضي الله عنها-: فقال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: كُنْتُ لكِ كَأَبِي زَرْعٍ لِأُمِّ زَرْعٍ“(أخرجه البخاري 4893، ومسلم 2448).

 

فانظر -رعاك الله- إلى حُسن عشرته -عليه السلام-، وتمام إنصاته لها، وتطييب خاطرها، قال العلماء: “هو تَطييب لنفسها، وإيضاح لحُسن عشرته إياها”؛(شرح النووي على صحيح مسلم 8/ 221).

 

فأين الأحاديث الحِسان منك أيَّها الرجل لزوجتك، أين كلمة الشُّكر والثناء عند الطبخ والغسل والكنس؟

إن من فَنِّ التعامل مع الزوجة أن تخصِّص وقتًا للجلوس معها؛ تحدِّثها وتحدثك، وتفضي إليك بما في نفسها، بدل أن تَكبت ذلك الحديث الذي في النَّفس.

 

معشر المسلمين:

من روائع السنَّة العملية في حبِّ الزوجة والعطف عليها ما جاء عند البخاري ومسلم عن أنس -رضي الله عنه- قال: كانت أُمُّ سُليمٍ في الثقل، وأنجشة غُلامُ النَّبي -صلى الله عليه وسلم- يَسُوقُ بهنَّ، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “يا أَنْجَشُ، رُوَيْدَكَ سَوْقَكَ بالقَوارير“؛(أخرجه البخاري 6202، ومسلم 2323).

 

قال العلماء: “سمِّي النِّساء قوارير؛ لضعف عزائمهنَّ؛ تشبيهًا بقارورة الزجاج؛ لضعفها وإسراع الانكسار إليها“؛(شرح النووي على مسلم 15/ 81).

 

وذكر بعض العلماء من معاني الحديث: “أنَّ المراد به الرِّفق في السير؛ لأنَّ الإبل إذا سمعَت الحُداءَ أسرعَت في المشي واستلذَّته، فأزعجت الراكب وأتعبَته؛ فنهاه عن ذلك لأن النساء يَضعفن عند شدَّة الحركة، ويخاف ضررهن وسقوطهن“؛(شرح النووي على مسلم 15/ 81).

 

بل كان -عليه الصلاة والسلام- يصرِّح بحبِّ نِسائه -رضوان الله عليهنَّ-، ويُظهِر ذلك الحبَّ ولا يُخفيه، ولا يجِد غضاضة في ذلك؛ فمن ذلك تصريحه -عليه الصلاة والسلام- بحبِّ عائشة -رضي الله عنها-، فهذا عمرو بن العاص -رضي الله عنه- يَسأل النبيَّ -صلى الله عليه وسلم-: “أيُّ النَّاس أَحب إِلَيْكَ؟ قَال: “عَائِشَةُ“، قُلْتُ: من الرِّجَالِ، قَالَ: “أَبُوهَا“، قُلْتُ: ثُمَّ مَن؟ قَالَ: “عُمَرُ“، فَعَدَّ رِجَالاً، فَسَكَتُّ مَخَافَةَ أَنْ يَجْعَلَني في آخرهم”؛(أخرجه البخاري 4358، ومسلم 2384).

 

وكان -صلى الله عليه وسلم- يملأ بيوت زوجاته أُنسًا بمجالسته لنسائه، تقول عائشة -رضي الله عنها-: “كان رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- إذا انصرف من العصر، دخل على نسائه فيَدنو من إحداهن“( أخرجه البخاري 5216)؛ أي: فيقبِّل ويباشر من غير جِماع؛(فتح الباري 9/ 379).

 

وعن عروة عن عائشة -رضي الله عنها-: أنَّ النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قبَّل امرأة من نسائه، ثُمَّ خرج إلى الصَّلاة ولم يتوضَّأ، قال عروة: فقلتُ لها: من هي إلَّا أنتِ؟ قال: فضحكَت؛(سنن أبي داود).

 

إخوة الإسلام: من أروعِ صوَر الحب والحنان والملاطفة في بيت النبوَّة ما حكَته عائشة -رضي الله عنها- قالت: “كنتُ أشربُ وأنا حائض، ثُمَّ أُناوله النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- فيضعُ فاه على موضع فيَّ، فيشربُ، وأتعرَّقُ العَرْقَ – وهو العظم الذي بقي عليه بقيَّة من لحم – وأنا حائضٌ، ثُمَّ أُناوله النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- فيضعُ فاه على موضع فيَّ“؛(أخرجه مسلم 300).

 

وتقول: “كان نبيُّ الله -صلى الله عليه وسلم- يَستاك، فيُعطيني السِّواك لأغسله، فأبدأُ به فأستاك، ثُمَّ أغسلُه وأدفعُه إليه“؛(أخرجه أبو داود 52، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود).

 

وفي الليل كنَّ يجتمعنَ -رضي الله عنهنَّ- في بيتٍ واحد، فيأتيهنَّ -صلى الله عليه وسلم- ويحادثهنَّ ويؤانسهن، يقول أنس بن مالك -رضي الله عنه-: “كان للنَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- تسعُ نسوةٍ، فكان إذا قسم بينهنَّ لا ينتهي إلى المرأة الأولى إلَّا في تسعٍ، فكنَّ يَجتمعن كلَّ ليلةٍ في بيت التي يأتيها“؛(أخرجه مسلم 1462).

 

وكان -صلى الله عليه وسلم- صبورًا على نسائه، متحملاً ما صدر منهن من خلل وتقصير؛ فعن النُّعمان بن بشيرٍ -رضي الله عنه- قال: استأذن أبو بكرٍ رحمة الله عليه على النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، فسمع صوت عائشة عاليًا، فلمَّا دخل تناولها ليلطمها، وقال: ألا أراكِ ترفعين صوتك على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ فجعل النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- يحجزُه، وخرج أبو بكرٍ مغضبًا، فقال النَّبي -صلى الله عليه وسلم- حين خرج أبو بكرٍ: “كيف رأيتني أنقذتُك من الرجل؟”، قال: فمكث أبو بكر أيامًا ثم استأذن على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فوجدهما قد اصطلحا، فقال لهما: أدخِلاني في سِلمكما كما أدخلتُماني في حَربكما، فقال النَّبي -صلى الله عليه وسلم-: “قد فَعلنا، قد فعلنا“؛(أخرجه أبو داود 4999، وأحمد 17927).

 

عباد الله: لقد أَشبع النبي -صلى الله عليه وسلم- الرَّغبة العاطفية لنسائه حتى في اللعب والمرح، وكان يراعي حالهنَّ والسنَّ التي كان عليها بعضهن؛ فعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: “كنتُ ألعب بالبنات عند النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، وكان لي صواحبُ يلعبن معي، فكان رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- إذا دخل يتقمَّعن منه، فيُسرِّبُهنَّ إليَّ فيلعبن معي“؛(أخرجه البخاري 5779، ومسلم 2440).

 

وعن عُروة بن الزُّبير قال: قالت عائشةُ -رضي الله عنها-: “واللهِ لقد رأيتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يقومُ على باب حُجرتي والحبشةُ يَلعبون بحِرابهم في مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، يستُرُني بردائه لكي أنظُر إلى لعبهم، ثُمَّ يقُومُ من أجلي حتى أكون أنا التي أنصرفُ، فاقدُروا قدرَ الجارية الحديثة السِّن حريصةً على اللَّهو“؛(أخرجه البخاري 455، ومسلم 892، واللفظ له).

 

ففي هذا الحديث بيان ما كان عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من الرَّأفة والرحمة، وحسن الخلق، والمعاشرة بالمعروف مع الأهل والأزواج وغيرهم(شرح النووي على مسلم 3/ 288).

 

معشر المسلمين: من صور الملاطفة: إطعام الطَّعام؛ فقد أخرج البخاري ومسلم من حديث سعد بن أبي وقاص أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: وإنَّك مهما أنفقتَ من نفقةٍ، فإنَّها صدقةٌ، حتى اللُّقمة الَّتي ترفعُها إلى في امرأتِك“؛(أخرجه البخاري 2591).

فماذا يكلفك أيها الأخ المبارك مثلُ هذا التعامل؟

 

عباد الله: ليس الزواج مجرد متعة وإنجاب للأولاد والبنات، وإطعامهم وإلباسهم فحسب، ولكن الزواج حقوق شرعيَّة، وحسن تعاون بين الزوجين، وحب ومودَّة.

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)[الروم: 21].

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلِد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، نحمده جل جلاله، ونثني عليه الخير كله بما هو أهله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا وإمامنا محمدًا عبدُ الله ورسوله، فصلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحبه والتابعين بإحسان إلى يوم الدين.

 

أما بعد: أيها المسلمون: انظروا إلى حياة النَّبي -صلى الله عليه وسلم- مع أهله، وكيف كان يمازح أهلَه، عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: خرجتُ مع النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- في بعض أسفاره وأنا جاريةٌ لم أحمل اللَّحم ولم أبدُن، فقال للنَّاس: “تقدَّموا“، فتقدَّموا، ثُمَّ قال لي: “تعالي حتى أُسابقك“، فسابقتُه فسبقتُه، فسكت عنِّي حتى إذا حملتُ اللَّحمَ وبدُنتُ ونسيتُ، خرجتُ معه في بعض أسفاره، فقال للنَّاس: “تقدَّموا“، فتقدَّمُوا، ثُمَّ قال: “تعالي حتى أُسابقك“، فسابقتُه فسبقني، فجعل يضحك وهو يقولُ: “هذه بتلك“؛(أخرجه أبو داود 2578، وأحمد 25745، واللفظ له، وصححه الألباني).

 

عباد الله: لقد كثرت التوجيهات القرآنيَّة والنبوية لكِلا الزوجين بالعشرة الحسنة، وبطريقة علاج ما يحصل من نشوز زوجة؛ بوعظ، أو هَجر، أو ضرب غير مبرِّح، أو نشوز زوج؛ بأن يحكم بين الزوجين حَكَمٌ من أهله وحكم من أهلها، وبالوصيَّة للزوج بالصبر على زوجته، وأنه إن رأى منها ما يَكره فإنَّ فيها من الصِّفات الكثيرة ما يرضاها منها.

 

روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: “لا يَفرك مُؤمنٌ مُؤمنة؛ إنْ كره منها خُلُقًا، رضي منها آخر“؛(أخرجه سلم 1469).

 

وقال عمر -رضي الله عنه- لرجل هَمَّ بطلاق امرأته: “لِمَ تطلِّقها؟ قال: لا أحبُّها، قال: أوَكل البيوت بُنيَت على الحبِّ؟ وأين الرعاية والتذمم؟”؛(عيون الأخبار 3/ 18).

 

أيها المسلمون: من أعظم أسباب الجَفاف العاطفي: البعد عن منهج الله -تبارك وتعالى-، وانغماس العبد في وَحل الذنوب والمعاصي والعياذ بالله، فربَّما استجاب الرجل إلى دعاة الفتنة والسفور، وتابَعَ النَّظر إلى النساء العاهرات في القنوات والمجلات، وقد زيَّفَتها الألوان والمكاييج، ونفخ الشيطان في بعض الرِّجال فقارن وصَوَّرَ زوجتَه العفيفة الطاهرة بالسافرات العاهرات وأطلق لبصره العنان في تتبُّعهن.

 

والله -تبارك وتعالى- يقول: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ)[النور: 30].

 

ولا شك أنَّ هذا شرٌّ مستطير، وسبب أكيد في تَدمير كيان الأسرة، وعلاج ذلك ما أخبر به النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- من حديث جابر -رضي الله عنه-: أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رأى امرأةً، فأتى امرأتَه زينب وهي تَمعسُ منيئةً لها، فقضى حاجتَه، ثُمَّ خرج إلى أصحابه، فقال: “إنَّ المرأة تُقبِل في صورة شيطانٍ، وتُدبِر في صورة شيطانٍ، فإذا أبصر أحدكم امرأةً، فليأتِ أهلَه؛ فإنَّ ذلك يرُدُّ ما في نفسه“؛(رواه مسلم 1403).

 

ومعنى الحديث: “أنَّه يستحب لِمن رأى امرأة فتحرَّكَت شهوته أن يأتي امرأته، فليواقعها ليدفع شهوتَه، وتسكن نفسه، ويجمع قلبه على ما هو بصدده”؛(شرح النووي على مسلم 5/ 75).

 

إخوة الإسلام: على الرجل أن يتذكَّر أنَّ المرأة تحتاج إلى لَمسات إنسانيَّة وإلى كلمات الحبِّ والحنان أكثر من حاجتها إلى مادِّيات الحياة؛ فالحياة الزوجية شراكة، ولا بدَّ أن تكرِم شريكك وتحترمه، وتحس به ليحسَّ بك.

 

نسأل الله تبارك وتعالى بمنِّه وكرمه أن يصلح شبابَ ونساء المسلمين.

 

والحمد لله رب العالمين.

 

الملفات المرفقة
الجفاف العاطفي مع المرأة
عدد التحميل 23
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات